رواية سليم والمراهقة الفصل الثاني عشر 12 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل الثاني عشر 12 

بقلم خضراء القحطاني

فتحت عينيها على صوت ناعم حوالين أذنيها، كان صوت المكيف، ونور خافت جاي من شمعدان ذهبي على الحيطة سلسبيل بصت حواليها بخ*وف سرير واسع، ملايات بيضا ناعمة، ستاير تقيلة لونها رمادي غامق، وريحه خفيفة شبه العود ماليه المكان.

قعدت بسرعة، قلبها بيدق كأنها كانت بتحلم حلم مش مفهوم.

 أنا فين؟!

الكلمة خرجت منها بصوت واطي، أقرب للهمس.

افتكرت كل حاجة في لحظة الشاب اللي ضايقها في الكوفي، الراجل اللي أنقذها، حض*نه اللي حست فيه بالأمان، والسواد اللي بعدها معرفتش منه حاجة.

قامت بخطوات بطيئة ناحية الشباك، الستارة تقيلة، بس لما فتحتها شافت منظر غريب حديقة ضخمة، نافورة بتجري، وقصر فعلاً، مش بيت عادي.

في اللحظة دي الباب اتفتح بهدوء. دخلت ست كبيرة شيك، لابسة طقم رمادي ومشيتها واثقة مساء الخير يا آنسة، حضرتك فوقتي أخيرًا؟

أنا أنا فين؟! أنا جيت هنا إزاي؟!

الست ابتسمت ابتسامة مهنية وقالت:حضرتك كنتي تعبانة، الباشا جابك بنفسه، وقال محدش يضايقك ولا يسألك سؤال لحد ما تفوقي.

سلسبيل اتج*مدت مكانها:الباشا؟!

أيوه يا بنتي الأستاذ سليم الجندي.

الاسم وقع في ودانها غريب، كانت سمعته قبل كده من الناس في الحي، بس عمرها ما شافته فعلاً سكتت شوية، إيديها بتترعش وهي تحاول تفتكر ملامحه في العربية.

الست قالت بهدوء:الباشا قال أول ما تصحي تفضلي ترتاحي، الأكل جاهز لو عاوزة، بس ما تحاوليش تمشي دلوقتي الدنيا بالليل، وبكرة الصبح كل حاجة تتوضح.

خرجت الست وسابت باب الأوضة يتقفل بهدوء، وسلسبيل وقفت في نص المكان مش عارفة تعمل إيه كانت خاي*فة، بس جواها إحساس غريب بالأمان نفس الإحساس اللي حست بيه لما نامت في حض*نه.

نظرت حوالين الاوضة، وكل حاجة فيها كانت بتقول إنها في عالم تاني غير عالمها البسيط، عالم راجل مهيب اسمه سليم الجندي.

واللي جواها كان بين خ*وف فضيع وفضول بيكبر كل دقيقة.

أيهم الراوي لم يكن مجرد ذراع سليم الأيسر، بل كان ظله الذي لا يفارقه، الرجل الذي يزن الأمور بعقلٍ راجح، ويكبح جماح ق*سوة سليم حين يشتعل غضبًا.

رجل في الثلاثينات، قوي البنية، حادّ الملامح، صموت، قليل الكلام، لكنه حين يتكلم تُصغى إليه العقول في عينيه نورٌ يشي بخشية الله، وفي صوته هدوء يُخفي خلفه صلابة من فولاذ.

لم يكن أيهم يختلط بالنساء، ولا يرفع بصره لغير عمله، حتى العاملات في مكاتبهم كنّ يقلن عنه إنه صخرة بملامح إنسان.

لكنه حين رأى سلسبيل للمرة الأولى، وهي تبكي في حض*ن سليم، شعر بشيء غريب يجذبه نحوها. لم يكن حبًا أو إعجابًا، بل شفقة نقية، وخوف على فتاة ضع*يفة وجدها القدر في طريق رجال لا يعرفون الرح*مة.

سليم أمره أن يعود بها للمنزل الآمن، ففعل دون اعتراض، لكن في طريق العودة، حين كانت سلسبيل غارقة في النوم، كان أيهم يسترجع الموقف في ذهنه، وصدره يضيق.

كان يقول في نفسه:من اللي يرضى على أخته يحصل فيها كده؟! الدنيا بقت ج*حيم.

حين استيقظت سلسبيل لاحقًا، رأت وجهًا مهيبًا، لكن مطمئنًا سألته بخوف:إنت مين؟

فقال بهدوء:واحد ربنا بعته في طريقك، خدي بالك من نفسك يا بنت الناس.

منذ ذلك اليوم، بدأت سلسبيل تشعر أن هناك من يراقبها من بعيد، لا لي*ؤذيها، بل ليحرسها.

أيهم ظل في الظل، لا يتكلم، لكنه كان يُرسل من يساعدها دون أن تدري، يطمئن على أحوالها، ويدعو لها في سجوده كل ليلة.

أما سليم، فكان يثق في أيهم ثقة ع*مياء كان يقول دائمًا:لو قلت لأيهم أمشي في ال*نار، هيمشي من غير ما يسألني ليه.

لكن مع الوقت، سيبدأ سليم يلاحظ أن صديقه الصموت بدأ يتغير.

صار أكثر حنانًا، أكثر حذرًا في تنفيذ الأوامر التي فيها أذ*ى للناس، وصار يسأله أحيانًا:يا سليم هو كل الناس تستحق الع*قاب؟ ولا في ناس ضاعت من غير ذ*نب؟

مرت أيام بعد حادثة المطعم، وسلسبيل لم تكن تعلم من هو ذلك الرجل الذي أنقذها كانت تظن أن الأمر انتهى، لكن القدر لم يكن قد قال كلمته بعد.

في أحد الأيام، دخل رجل طويل القامة إلى المقهى الذي تعمل فيه، ملامحه هادئة، يرتدي ملابس بسيطة، وعلى وجهه نور الإيمان.

لم تكن تعرف أنه أيهم الراوي جاء يبحث عن أحد العمال في مهمة لسليم، لكنه ما إن رأى سلسبيل حتى تجمّد للحظة، ثم خفف صوته وقال:السلام عليكم، يا أختي استأذنك في كوب شاي من غير سكر.

نظرت له بتردد، لكن حين ابتسم بخفة، شعرت بشيء مطمئن يلفها.

منذ ذلك اليوم، صار يمرّ أحيانًا، يجلس بهدوء، ويتركها في حالها لا يطيل النظر، ولا يفتح حديثًا غير ضروري، لكن وجوده صار يبعث في قلبها راحة غريبة.

في نفس الوقت، كان سليم يغرق أكثر في ظ*لمة السلطة والان*تقام.

يردّ بع*نف على من يعارضه، ويبرر قس*وته بأنها عدالة على طريقته.

عندها كان يظهر صوت أيهم، هادئًا، حازمًا:يا سليم، خلي بالك ربنا قال ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا مش كل اللي يقف ضدك عدو.

سليم كان يتنهد ويقول له:انت دايمًا شايف الخير في الناس يا أيهم، بس الدنيا دي ما فيها خير.

فيرد أيهم وهو يطرق رأسه:فيها يا سليم، بس إحنا اللي بطّلنا ندور عليه.

ومع الوقت، بدأ سليم يسمع له أكثر، ربما لأن كلماته كانت صادقة تخرج من قلب عامر بالإيمان.

كان أيهم يصلي في المكتب، يقرأ القرآن في استراحة العمل، ولا يترك وردًا من الأذكار حتى في أصعب اللحظات.

حتى سليم كان يعلّق ساخرًا:انت بتصلي أكتر من الشيخ اللي في الجامع.

فيرد بابتسامة خفيفة:يمكن عشان ذن*وبي أكتر منه.

أما سلسبيل، فقد صارت تراه أحيانًا من بعيد، وبدأت تشعر بالفضول نحوه.

وفي مرة، سقطت وهي تحمل صينية، فأسرع نحوها يساعدها دون أن يلمسها، فقط يرفع الصينية ويميل برأسه قائلًا:خلي بالك من نفسك يا بنت الناس الشغل رزق، بس الكرامة أهم.

لم تنم تلك الليلة لم تكن تعلم لماذا تذكّرت كلماته مرارًا، أو لماذا دعت له في صلاتها.

ومع مرور الأيام، ستعرف أن هذا الرجل ليس كغيره، وأنه رغم شدته الظاهرة، يحمل قلبًا طاهرًا يخاف الله أكثر مما يخاف البشر.

وسيعرف هو أيضًا أن وجودها في حياته ليس صدفة بل اب*تلاء جميل يختبر فيه رباطة إيمانه وثباته أمام قلب بدأ يتحرك دون إذن.

منذ ح*ادثة المطعم، تغيّر شيء خفي في سليم.

لم يعد ينام بسلام، ملامح سلسبيل التي رآها خائ*فة وض*عيفة أمام عينيه تطارده كأنها نداء لم يسمعه أحد سواه.

كان يبرر لنفسه أنه فقط يريد حمايتها، لكنه في أعماقه كان يريد امتلاكها.

وفي أحد الأيام، وبينما كان أيهم يقف أمام مكتبه يناقشه في أمر العمل، قال سليم بنبرة غير معتادة:أنا عايز أتجوز يا أيهم.

رفع أيهم حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم قائلاً:خير يا سليم، خطوة كويسة والله البنت مين؟

أجابه سليم ببرود يخفي اضطرابه:سلسبيل.

ساد الصمت لثوانٍ طويلة كأن الزمن توقف.

أيهم لم يتوقع أن يسمع اسمها منه، وبدا عليه التردد قبل أن يقول بحذر:بس يا سليم البنت دي مش من عالمنا، ولا تستحق تدخل في حياتك المليانة د*م وص*راع.

لكن سليم ض*رب الطاولة بيده بقوة وقال بعينين تشتعلان:أنا ما بسألش، أنا قررت!

في اليوم التالي، ظهر أمام سلسبيل ومعه رجاله، لكن الموقف كان مختلفًا عن المرات السابقة.

وقف أمامها وقال بصرامة:أنا جيت أطلبك رسمي وافقي.

ارتجفت شفتاها وهي تهمس بخ*وف:بس أنا أنا ما ينفعش مش موافقة.

اقترب خطوة، نظراته ح*ادة لكنها لا تخلو من أل*م:موافقتك أو لا، أنا هخطبك لأنك مش هتكوني لحد غيري.

تركت المكان باكية، وصديقتها تحاول تهدئتها، بينما سليم غادر بخطوات غاض*بة لا يعرف إن كان يحاول يهرب من شعوره أم يثبت لنفسه أنه ما زال يملك السيطرة.

وفي اليوم التالي، كان أيهم واقفًا عند المسجد القريب من الشركة بعد صلاة العشاء، حين جاءه سليم بصوت منخفض:خطبنا خلاص ومش ناوي أسيبها.

أيهم تنهد، نظر له بعمق وقال بهدوء م*ؤلم:سليم، خاف ربنا في البنت دي الجواز مش فرض سيطرة ولا امتلاك، ده ميثاق غليظ قدام ربك.

أنا بحبها يا أيهم!

الحب مش مبرر للظ*لم الحب اللي يخلي البنت تبكي خ*وف، ده مش حب، ده وج*ع.

صمت سليم لحظة، ثم قال بنبرة خافتة:أنا يمكن مش عارف أحب بالطريقة الصح، بس مش هقدر أسيبها.

أيهم وضع يده على كتفه قائلاً:يبقى صلي ركعتين استخارة يمكن تعرف إذا كان الطريق ده هداك ولا ه*لاكك.

وفي مكان آخر، كانت سلسبيل جالسة في غرفتها الصغيرة، تنظر إلى صورتها في المرآة بعينين دامعتين، تهمس لنفسها:ليه يا رب؟ هو ليه مش بيفهم إني مش عايزة أعيش بخ*وف؟

أغمضت عينيها، ورفعت يديها بالدعاء، بينما بعيدًا عنها كان سليم ينظر إلى السماء من شرفته، لأول مرة يشعر أن قلبه ليس ملكه وأن كل ق*وته لا تساوي شيئًا أمام دمعة منها.

كانت قاعة الخطوبة صغيرة لكنها دافئة، امتلأت بأصوات الضحكات والموسيقى الخفيفة.

جلست سلسبيل بثوب وردي ناعم يليق ببراءتها، تتجنب النظر إلى سليم الذي كان يراقبها في صمت، نظراته تائهة بين الفرح والس*يطرة، وبين رغب*ة لم يفهمها هو نفسه.

في تلك اللحظة دخل خالها أدهم الرجل الذي كانت تحبه منذ طفولتها وتعتبره أباها الثاني.

كان حضوره كنسمة هواء خفيفة وسط التوتر، اقترب منها وربت على كتفها ضاحكًا:إيه الجمال دا يا سلسبيل؟ ما شاء الله عليكي، سليم هيخاف يسيبك لوحدك دقيقة!

ضحكت سلسبيل بخجل، وردت عليه:خالّي بس كفاية هزار، الناس بتسمع.

أجابها بخفة د*م:أسيبك لمين؟ دا أنا أخ*اف عليكي أكتر من نفسك يا بنتي!

كانت تضحك من قلبها، لأول مرة منذ فترة طويلة، لكن سليم كان يراقب المشهد بملامح جامدة.

كل ضحكة من فمها كانت كأنها س*كين تغرس في غيرته، وكل نظرة ودّ بينها وبين خالها كانت تزيد من اضطرابه.

جلس بجانبها بصمت، يكتفي بالنظر إليهما، بينما أدهم لا يتوقف عن المزاح وكأنه يستمتع بإغاظة سليم عمدًا.

ثم التفت أدهم له قائلاً بابتسامة خب*يثة:عامل إيه يا عريس؟ شكلك متوتر كأنك داخل م*عركة مش خطوبة!

رد سليم ببرود:يمكن الاتنين واحد يا غلس.

ساد الصمت لحظة، ثم انفجرت سلسبيل ضاحكة من ردّه الغامض، بينما أدهم أومأ برأسه وقال مازحًا:واضح إنك عنيد زي أبوك بس خليك حنين على البنت دي، دي غالية علينا كلنا.

وفي زاوية أخرى من القاعة، كانت زوجة أدهم تجلس متعبة على الأريكة، تمسك بطنها المنتفخ بتعب واضح.

حاولت سلسبيل النهوض لتساعدها لكنها أشارت بيدها قائلة بنبرة ضيق:اقعدي انتي يا سلسبيل، أنا تمام بس الإزعاج كتير، والمزاح مالي المكان.

كانت تشعر بالضيق من ضحكات أدهم وصوت سليم المنخفض، ربما بسبب الحمل أو الغيرة الخفية من اهتمام الجميع بالعروس الصغيرة.

اقترب منها سليم قليلًا وهمس لها بصوت خافت لا يسمعه أحد:مبسوطة كده؟ كل الضحك دا علشان خالك؟

نظرت له ببراءة مستغربة نبرته، وقالت بهدوء:هو خالي يا سليم، وأنا مبسوطة علشانه هنا.

شد أنفاسه ببطء محاولًا كبح غض*به، ثم ابتسم نصف ابتسامة وقال:ماشي يا سلسبيل بس ما تضحكيش كتير قدام الناس.

قالها ثم نهض متجهًا نحو أيهم، الذي كان يراقب كل شيء بصمت.

ابتسم أيهم وقال بهدوء:الغيرة مش حلوة يا سليم، خصوصًا في ليلة زي دي.

رد سليم دون أن ينظر له:أنا مش بغير، بس مش بحب حد يقرب منها.

أيهم تنهد، نظر إليه وقال بصدق:يا أخي سيبها تضحك، يمكن دي أول مرة تفرح من شهور خاف على قلبها مش عليها.

              الفصل الثالث عشر من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>