رواية ظلال متقابلة الفصل الثالث عشر 13بقلم خضراء القحطاني

             

رواية ظلال متقابلة

الفصل الثالث عشر 13 

بقلم خضراء القحطاني


كانت الليلة باردة على نحو غريب، كأن المطر في الخارج يحاول غسل ما تراكم من أسرار في قلوب الجميع.

جلس إياد في سيارته مقابل منزل بيسان، يراقبها من بعيد.

منذ أيام، لم يهدأ له بال بعد لقائها بالرجل الغامض في المقهى.

كان وجهه مألوفًا، يحمل شيئًا يثير الريبة تلك النظرة المألوفة في عينيه لم تفارقه منذ رآه.

فتح هاتفه، أعاد تشغيل الفيديو الذي التقطه خلسة، وبمجرد أن ظهرت ملامح الرجل، أحس بقشعريرة تسري في جسده.

مستحيل ده هو!

تسارع تنفّسه.

ذلك الرجل لم يكن سوى عادل صوان، المدير السابق في شركة صالح اليوسف والذي اختفى منذ عشر سنوات بعد اخ*تلاسٍ ضخم تسبب في انه*يار إحدى فروع الشركة.

كان الجميع يظنه هرب خارج البلاد، لكن وجوده الآن يعني أن شيئًا كبيرًا يُطبخ في الخفاء.

في تلك الأثناء، كانت ليلى جالسة في غرفتها، تحتضن ابنها سامي الذي غلبه النعاس بعد بكاء طويل.

مسحت على شعره بحنانٍ مرتجف، وهمست:معلش يا حبيبي، ماما هنا، مش هتسيبك أبدًا.

لكن قلبها كان مليئًا بالخ*وف.

كل يوم تستيقظ على إش*اعة جديدة، وكل صديق قديم يبتعد عنها واحدًا تلو الآخر.

حتى زملاؤها في المدرسة باتوا يتحدثون بصوتٍ خافت حين تمرّ من أمامهم.

كانت تشعر وكأنها تسير في نفق مظلم، بلا نهاية.

رنّ هاتفها فجأة.

كان إياد.

ردّت بصوتٍ متعب: فيه إيه يا إياد؟

قال بسرعةٍ قلقة:ليلى، لازم أشوفك حالًا الموضوع خطير.

ترددت قليلاً، ثم وافقت.

التقيا في سيارته أمام البحر، حيث الموج يضرب الصخور بعنف وكأنه يشاركهما التوتر.

أدار إياد شاشة الهاتف نحوها، وأراها الصورة التي التقطها للرجل في المقهى.

شهقت ليلى:ده ده عادل؟!

كان بيشتغل مع والدي من سنين بس بابا قال إنه خان الشركة وهرب!

أومأ إياد ببطء:واضح إن اللي حصل ما كانش صدفة والرجل ده على صلة ببيسان.

صمتت ليلى، ثم همست:يعني اللي بيش*وّه سمعتي له علاقة بماضي والدي؟

قال بثبات:واضح كده. ودي مش مجرد إش*اعات دي خطة انت*قام قديمة راجعة من الماضي.

هبت نسمة باردة، فارتجفت ليلى.

حدّق إياد في عينيها طويلاً، وقال بصوتٍ منخفض:أنا مش هسيبك لوحدك، بس لازم نعرف الحقيقة كلها حتى لو كانت م*ؤلمة.

رفعت ليلى رأسها نحوه، نظراتها مليئة بالدموع والتصميم في آن واحد:أنا مش ههرب تاني يا إياد، مش هخليهم ينتصروا.

وفي تلك اللحظة، كان سامر يدخل مكتب والده صالح اليوسف بعد منتصف الليل.

صالح كان جالسًا أمام النافذة، ملامحه غاضبة ومرهقة.

قال بصوتٍ متحشرج:عادل صوان رجع، وساكت.

وإنت عارف ده معناه إيه يا سامر الماضي اللي حاولنا ندف*نه، بيطلع دلوقتي.

ابتسم سامر ابتسامة خفيفة وقال ببرود:يبقى لازم نتصرف قبل ما ليلى تعرف الحقيقة.

لم تكن تلك الليلة كبقية الليالي.

المدينة تغط في ظلامٍ ثقيل، والهدوء لا يقطعه سوى أنين المطر على زجاج النوافذ.

جلس إياد في سيارته أمام مبنى قديم في أحد الأحياء المنسية، يراقب الداخل والخارج بترقبٍ لا يهدأ.

كان يعلم أن عادل صوان سيأتي.

منذ ثلاثة أيام وهو يتتبّع خطواته، حتى عرف أن هذا المكان يُستخدم كمخزنٍ قديم للأوراق التابعة لشركة صالح اليوسف التي كانت في الماضي عامرة بالنجاح والهيبة.

وبالفعل، بعد دقائق، توقفت سيارة سوداء أمام الباب الخلفي، ونزل منها عادل بخطواتٍ حذرة.

حمل حقيبة صغيرة ودخل.

انتظر إياد قليلاً، ثم تبعه بصمت.

من خلال نافذة مكسورة، استطاع أن يرى عادل يفتح أحد الصناديق القديمة ويُخرج منها ملفاتٍ مغبرة، يضعها على الطاولة ويبدأ بتمزيق بعضها.

لكن عيني إياد تجمدتا عندما لمح اسمًا واضحًا على أحد الملفات قبل أن يُمزّق ليلى صالح اليوسف سري للغاية

تراجع ببطء وهو يحاول استيعاب ما رأى.

لم يصدق هل ليلى نفسها كانت محور قضية قديمة تخص والدها دون أن تدري؟

أسرع يلتقط صورة للملف قبل أن يختفي الأثر، ثم انسحب قبل أن يُكشف وجوده.

في الصباح التالي، كانت ليلى جالسة في غرفتها، تنظر إلى وجهها الشاحب في المرآة.

لم تعد تشبه تلك المرأة التي كانت تبتسم للحياة.

سامي جلس عند باب الغرفة صامتًا، يرسم خطوطًا غريبة على دفتره.

اقتربت منه برفق، لمست شعره وقالت بابتسامة 

باهتة:مالك يا حبيبي؟ مش عايز تروح المدرسة؟

أجابها دون أن يرفع عينيه:العيال بيقولوا كلام مش حلو عنك يا ماما بيقولوا إنك عملت حاجات غلط.

تجمدت ليلى مكانها، شعرت كأن الأرض تدور تحتها.

حاولت أن تتماسك أمامه، لكن الدموع سالت رغماً عنها.

احتضنته بقوة وقالت بصوت مرتجف:ما تصدقش حد يا سامي، ماما عمرها ما عملت حاجة غلط ماما بتحبك وبس.

لكنه ظلّ صامتًا، وصوته الخافت تمتم بعدها:بس بابا قال إنك السبب إن حياتنا اتغيرت.

تلك الكلمات كانت كافية لتك*سر ما تبقى من قلبها.

تركت كل شيء وسارت نحو النافذة، تبكي بصوتٍ مكتوم، بينما سامي ينظر إليها بخ*وفٍ وندمٍ طفولي.

في الوقت نفسه، عاد إياد إلى مكتبه، وأخرج الصورة التي التقطها من المخزن.

تكبير بسيط للملف كشف جملة مكتوبة بخط اليد أسفل الاسم الابنة التي لا تعرف الحقيقة المشروع 27 عادل صوان.

شعر بالدوار هل كانت ليلى ضحية في خطة قديمة تورط فيها والدها؟

هل بيسان تعرف شيئًا عن هذا الملف؟

الأسئلة تتزاحم في رأسه، والشك يتسلل إلى قلبه من جديد.

في تلك الليلة، اتصلت بيسان بإياد بصوتٍ متوتر:إياد، في حد بيدور عليّ حسّيت إن فيه عربية بتتبعني من بعد ما خرجت من الشركة!

فقال بجدية:ما تتحركيش من مكانك، أنا جاي فورًا والموضوع ده لازم ينتهي الليلة.

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين وصل إياد إلى الشقة الصغيرة التي استأجرتها بيسان في طرف المدينة.

طرقات خفيفة على الباب، تلاها صوته القلق:بيسان أنا إياد، افتحي بسرعة.

فتحت الباب بعينين متعبتين، وارتجفت وهي تقول:كنت متأكدة إن في حد بيراقبني يا إياد شفت نفس السيارة مرتين في نفس اليوم!

أغلق الباب خلفه وتفقد المكان بعينيه، ثم قال بجدية:مش صدفة يا بيسان في حاجة كبيرة بتحصل واللي اكتشفته أخطر مما توقعت.

مدّ يده من جيبه وأخرج الصورة التي التقطها لملف ليلى صالح اليوسف، ووضعها أمامها على الطاولة.

تجمدت بيسان وهي تقرأ الاسم، ثم رفعت نظرها إليه بارتباك:ده اسم ليلى ليلى اللي بتحبها، مش كده؟

هز رأسه ببطء، وصوته كان مليئًا بالتردد:الملف ده كان في مخزن تابع لشركة والدها القديمة، ومكتوب عليه المشروع 27 بس الأغرب إن اسم أبوها صالح اليوسف مذكور في توقيع الملف، وكأنه هو المسؤول عن المشروع ده.

تقدمت بيسان بخطوة وجلست قبالته، وصوتها 

انخفض:إياد، المشروع 27 ده مش مجرد ملف عادي ده كان مشروع تجارب سرية، بيتعلق بصفقات غير قانونية وشبهات مالية كبيرة أنا شفت وثائق عنه قبل سنين لما كنت بشتغل مع عادل صوان، وكنت فاكرة إن الموضوع انتهى.

رفع حاجبيه بدهشة:انتي كنتي تعرفي عادل؟

نظرت إليه بمرارة وقالت:كنت أشتغل سكرتيرته لفترة قصيرة ولما اكتشفت بالصدفة إن المشروع ده بيتعلق بأسماء ناس ما ليهمش ذنب من ضمنهم صالح اليوسف حاولت أبلغ، بس بعدها اتفصلت فجأة واتهددت ومن ساعتها وأنا بتجنب أي شيء له علاقة بالموضوع ده.

جلس إياد بصمت، يحاول أن يستوعب كل كلمة.

الصدمة كانت تزداد حين تذكّر أن عادل صوان ما زال يظهر في حياة ليلى بشكلٍ غامض، وأنها دائمًا ما تتجنب الحديث عنه.

قال ببطء:يعني ممكن يكون صالح اليوسف اتورّط بالغصب؟ أو حتى تم استغلال اسمه؟

أجابته:ده الاحتمال الأكبر بس في حاجة أهم لازم تعرفها، إياد.

نظرت إليه بعينين تلمعان بالقلق وقالت:المشروع 27 اتقفل رسميًا بعد حادثة كبيرة حصلت في المصنع التابع لهم وكان في طفلة صغيرة وقتها، ات*أذت وتم إخفاء قصتها عن الإعلام.

سألها فورًا:طفلة؟ يعني ليلى؟

أومأت ببطء:أيوه الطفلة دي كانت ليلى ومحدش يعرف لحد النهارده إنها كانت الشاهد الوحيد على اللي حصل في المصنع.

صمتٌ طويل خيّم على المكان.

الهواء كان ثقيلاً كأن الكلمات نفسها لا تريد أن تُقال.

قال إياد أخيرًا:ده يفسر كل حاجة خوفها، انطوائها، كوابيسها اللي كانت بتحكي عنها من وهي صغيرة حتى جملتها اللي قالتها لي مرة: في ناس ظ*لموا بابا وأنا اللي بدفع التمن.

وقف فجأة وقال بعزمٍ لم تعرفه بيسان من قبل:مش هسيب الموضوع ده، لازم أعرف مين اللي بيش*وّه سمعتها وبيستغل اسم المشروع ضدها لو صالح اليوسف كان بريء، يبقى لازم نرجّع له حقه.

وفي تلك اللحظة، سُمع صوت خافت من خلف الباب

طرق خفيف، ثم صدى خطواتٍ تبتعد.

اقترب إياد بحذر، فتح الباب سريعًا فلم يجد أحدًا فقط ظرف صغير على الأرض مكتوب عليه بخطٍ 

غريب:المشروع لم ينتهِ والمرحلة الثانية بدأت.

نظر إلى بيسان بقلق، ثم عاد يغلق الباب بسرعة.

قالت بيسان بصوتٍ مرتجف:ده معناها إن في حد لسه بيتابعنا المشروع لسه حي يا إياد.

جلسا بصمتٍ ثقيل، وكأن العالم كله يتنفس حولهما سرًا مخيفًا.

وفي تلك الليلة، كانت ليلى في بيتها البعيد، تتقلب في نومٍ مضطرب تحلم بص*رخاتٍ قديمة، وأصوات رجال، وضوءٍ أحمر يغمر المكان ثم تستيقظ فجأة وهي تهمس بخوف:المصنع المشروع بابا!

كانت ليلى تجلس على السرير في الغرفة المضيئة بنور خافت، أنفاسها متسارعة بعد أن استفاقت من الكابوس ذاته للمرة العاشرة في أسبوع.

مدّت يدها نحو كأس الماء، لكنها توقفت فجأة حين لاحظت صورة قديمة كانت موضوعة على المنضدة بجانبها صورة لها وهي طفلة صغيرة في معطفٍ رمادي، وإلى جانبها رجل يحملها ويضحك صالح اليوسف.

عيناها امتلأتا بالدموع وهي تهمس لنفسها:بابا إنت كنت فين؟ ليه خبّوا عني كل ده؟

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء ودخل إياد يحمل بيده بعض الأوراق.

تردد للحظة حين رآها تبكي، ثم جلس بجانبها وقال بلطف:ليلى، إحنا لازم نتكلم أنا لقيت حاجة ممكن تغيّر كل حاجة عرفناها.

ناولها ورقة رسمية عليها شعار شركة قديمة، وعليها توقيع صالح اليوسف.

تجمدت وهي تقرأ السطر الأخير:المشروع 27 تم وقفه حفاظًا على حياة الطفلة.

رفعت عينيها إليه بارتباك:الطفلة دي أنا؟

هز رأسه بخفة وقال بصوتٍ حنون:أيوه يا ليلى، كنتي الشاهد الوحيد على اللي حصل في المصنع. واللي شافوه كان لازم يختفي علشان يحموك.

بدأت الدموع تنساب على خديها:كل ده وأنا فاكرة إن بابا هو السبب في كل المصايب وطلعت الحقيقة إنه هو اللي أنقذني!

اقترب منها إياد أكثر، وأمسك بيديها المرتجفتين وقال بجديةٍ عميقة:علشان كده أنا مش هسيبك تواجهين ده لوحدك الناس اللي بيحاولوا يرجّعوا المشروع للسطح مش هيسكتوا، بس المرة دي مش هتكوني لوحدك.

نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع:بس يا إياد، كل اللي بيقرب مني بي*تأذى مش عايزة أخ*سرك زي ما خ*سرت الكل.

ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها مليئة بالأل*م وقال:أنا مش زيهم، ليلى أنا اخترت الطريق ده وعايز أكمله معاكي، بخوفك، بوج*عك، بكل حاجة.

ثم توقف لحظة، أخرج من جيبه علبة صغيرة وفتحها أمامها خاتم بسيط، ناعم، يشبهها تمامًا.

قال بصوتٍ خافت لكنه ثابت:ليلى صالح اليوسف تتجوزيني؟ مش علشان الحب بس، علشان أكون جنبك، أحميك، وأواجه معاك اللي جاي.

غطّت فمها بيدها من الصدمة، ثم انفجرت بالبكاء وهي تهمس:إياد أنا ما استاهلكش.

اقترب منها أكثر، ووضع يده على خدها وقال بابتسامةٍ هادئة:بل أنا اللي ما استاهلش واحدة زيك نجت من كل ده ولسه عندها قلب قادر يحب.

وضعت يدها على يده وقالت بصوتٍ مبحوح:أنا موافقة يا إياد بس أوعدني، لو الدنيا كلها وقفت ضدنا، متسيبنيش.

رد عليها وهو يض*مها إلى صدره:وعد من النهارده، ما فيش خوف، وما فيش وحدة.

خارج الغرفة، كانت بيسان تقف بصمت، تمسك بهاتفها وتقرأ رسالة غامضة وصلت لتوها:احذري زواجهم لن يتم المشروع له ثمن، وأنتِ تعرفين من سيدفعه أولًا.

رفعت بصرها بقلق نحو الباب المغلق، وابتلعت ريقها بخ*وفٍ عميق كأن القدر نفسه يهمس لها:القصة لم تنتهِ بعد.

              الفصل الرابع عشر من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>