الفصل الرابع عشر 14
بقلم خضراء القحطاني
كان اليوم التالي لإعلان الخطوبة أشبه بيومٍ ملبّد بالغيوم، رغم أن الشمس كانت ساطعة.
انتشرت التهاني في الشركة، الجميع يبتسم، لكن نظراتهم كانت تخفي شيئًا آخر خليطًا من الفضول والريبة.
أما إياد فكان يشعر بث*قلٍ في صدره لا يعرف مصدره، وكأن أحدهم يراقبه في كل خطوة.
دخل مكتبه، فوجد على مكتبه ظرفًا أبيض بلا اسم.
فتحه ببطء فوجد بداخله ورقة مطبوعة بصورة واضحة لليلى وهي خارجة من المستشفى، وفي الخلفية شاب غريب يتحدث معها.
أسفل الصورة كُتب بخطٍ دقيق:هل تعرف من تراها كل ليلة بعد عملها؟
قبض على الورقة بيده، وعينيه تمتلئان بالشك، لكنه في أعماقه يعرف أن أحدهم يحاول إشعال الن*ار بينه وبينها.
أغلق الورقة ووضعها في الدرج، محاولًا ألا يُظهر شيئًا.
في تلك اللحظة، كانت ليلى في عملها الجديد في مركزٍ صغير للأطفال تجلس بين الصغار وتقرأ لهم قصة عن الأمل، بينما سامي يجلس بجانبها يرسم.
نظرتها كانت حزي*نة رغم ابتسامتها، كأن قلبها في مكانٍ آخر.
وفي المساء، وبينما كانت تغادر المركز، رأت من بعيد رجلًا يقف قرب سيارتها، يحمل باقة ورد.
اقتربت ببطء حتى تجمّدت في مكانها كريم.
قال بنبرةٍ هادئة:ما كنتش ناوي أضايقك يا ليلى، بس لما عرفت إنك هتتجوزي، ما قدرتش أعيش وأنا ساكت.
نظرت إليه ببرودٍ قات*ل:اللي بينا انتهى يا كريم خلاص، في حاجات ما ينفعش تتصلّح.
أجابها وهو يقترب خطوة:بس في طفل محتاج أبوه وأنتِ ناسيه ده.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ مخ*تنق:سامي محتاج أم ما تنهارش كل مرة تشوفك.
ثم تركته وغادرت، لكن أحد المارة كان يلتقط صورة لهما من بعيد صورة ستصل لاحقًا إلى إياد.
في المساء، جلست بيسان في غرفتها تتصفح ملفات أبيها القديمة، عندما توقفت عند ملف يحمل اسم غريب عادل صوان تعاون داخلي
فتحت الملف وبدأت تقرأ كل الأدلة كانت تشير إلى أن هناك شخصًا داخل الشركة كان يبيع المعلومات مقابل المال.
لكن الصدمة لم تكن في الأوراق نفسها، بل في التوقيع الموجود أسفل المستندات:ليان .
شهقت بيسان وهي تهمس:بس دي أنا!
تجمدت يدها، وبدأت تتذكر مكالمات غريبة من رقمٍ مجهول منذ أسابيع، ورسائل تهديد جعلتها تغيّر اسمها من ليان إلى بيسان.
أدركت الآن أنها ليست بريئة تمامًا من الماضي وأنها، دون قصد، كانت جزءًا من شبكة سرية مرتبطة بالمشروع 27.
في نفس اللحظة، تلقى إياد مكالمة من رقمٍ غير معروف، وصوت رجلٍ خشن يقول:لو عايز تحافظ على خطيبتك، سيب الملف اللي في درج مكتبك الليلة قبل منتصف الليل.
ثم أُغلق الخط.
ارتجف قلبه، أسرع نحو الدرج وفتح الملف الذي وضع فيه صورة ليلى ليجد ورقة جديدة موضوعة فوقها لم تكن هناك من قبل:اللي باعك مش بعيد الخ*يانة الثالثة بدأت.
توقف الزمن للحظة.
رفع عينيه ببطء نحو الباب المغلق، وقلبه يتمتم باسم واحد:بيسان؟!
كانت الليلة ثقيلة، والجو داخل شقة ليلى مشحون بصمتٍ غريب.
جلست على الأريكة تحتضن كوب القهوة البارد دون أن تشربه، بينما سامي الصغير يرسم على الأرض قربها.
منذ أيام وهي تلاحظ أن إياد تغيّر صار شاردًا، مترددًا في كلماته، وكأن شيئًا خفيًا يبتعد بينهما ببطء.
أرسلت له رسالة قصيرة وحشتني، كل حاجة بخير؟
لكنها ظلت دون رد حتى منتصف الليل.
وفي الوقت نفسه، كان إياد في مكتبه يحدق في شاشة الكمبيوتر أمامه.
على الشاشة، عرض مفتوح لملفٍ بعنوان المشروع 27 القسم الأسود.
الصفحات تمتلئ بأسماء وأرقام وتحويلات مالية مش*بوهة، وكلها تحمل توقيعًا مألوفًا ليان.
أغمض عينيه وهو يحاول تصديق ما يراه.
بيسان؟ يعني كانت تعرف؟ طول الوقت ده كانت تعرف؟
فتح الملف المرفق التالي ليجد تسجيلًا صوتيًا قصيرًا.
صوت بيسان وهي تقول بوضوح:نقل المعلومات تم، والمرحلة الأخيرة تبدأ لما نكسب ثقة إياد.
ضرب بيده على المكتب بقوة، وانكمش وجهه من الغضب والخذلان.
لكنه لم يكن يدري أن هذا التسجيل لم يكن كما يبدو فقد تم تعديله لإخفاء جملةٍ مهمة في نهايته:علشان نحمي ليلى من اللي بيحاولوا يقضوا عليها.
في اليوم التالي، كانت بيسان تجلس مع ليلى في المقهى.
بدت مرهقة، عيناها متعبتان كمن لم تنم منذ أيام.
قالت بصوتٍ خافت:ليلى، لو حصلِّي حاجة خدي المفتاح ده، في خزانة في الطابق السفلي للشركة فيها كل الحقيقة.
نظرت إليها ليلى بقلق:انتي بتتكلمي كده ليه؟ في إيه يا بيسان؟
لكن بيسان اكتفت بابتسامة حزي*نة وقالت:في حاجات لازم تتقال في وقتها ولسه وقتها مجاش.
بعد دقائق، غادرت بيسان المقهى، وبينما كانت تعبر الشارع، مرت سيارة سوداء بسرعةٍ مريبة كادت تصدمها، لكنها انحرفت في اللحظة الأخيرة.
صرخت ليلى وهي تجري نحوها، لكن السيارة اختفت بين الزحام.
سقط المفتاح من يد بيسان أرضًا دون أن تنتبه له.
في المساء، عاد إياد إلى ليلى.
كانت تقف عند النافذة، تنظر إلى الأفق بصمتٍ مرهق.
قالت دون أن تلتفت:كنت فين؟ الدنيا كلها بتقلب حوالينا، وإنت ساكت.
اقترب منها ببطء، ثم قال بصوتٍ منخفض:ليلى إنتي واثقة فيا؟
نظرت إليه بقلق:سؤال غريب بس طبعًا واثقة.
أجابها وهو ينظر بعيدًا:أنا مش متأكد إني أقدر أقول نفس الشيء عن الناس اللي حوالينا.
رفعت حاجبيها باستغراب، لكن قبل أن ترد، رن هاتفها
رقمٌ مجهول، وصوت رجلٍ مبحوح يقول:لو بتحبي تعرفي مين السبب في ت*دمير حياتك، دوري في خزانة الطابق السفلي المفتاح في جيبك.
أغلقت الهاتف بسرعة، ومدّت يدها إلى جيب معطفها لتجد المفتاح الذهبي الصغير الذي أسقطته بيسان دون قصد.
تجمدت للحظة، ثم نظرت إلى إياد وقالت بحذر:إياد لازم نروح الشركة الليلة.
في الطابق السفلي للشركة، كانت رائحة الغبار تعبق بالمكان.
فتح إياد الخزانة بالمفتاح، ووجد بداخلها ملفات مغلقة بشريط أسود مكتوب عليه سري للغاية المشروع 27 النسخة الأصلية.
فتحها ببطء، لتسقط منها صور ووثائق وتسجيلات.
بينها تقرير بخط يد صالح اليوسف نفسه: بيسان هي من تتولى المراقبة لحماية ليلى لا أحد يعلم هويتها إلا أنا.
رفع إياد عينيه بدهشة، بينما ليلى تضع يدها على فمها من الصدمة.
قالت بصوتٍ مرتعش:يعني بيسان كانت بتحميني مش بتخوني؟!
أجابها إياد بصوتٍ خافتٍ محمّل بالندم:وأنا صدّقت العكس أنا ظلم*تها.
لكن قبل أن يُكمل، انطفأت الأنوار فجأة، وانبعث صوت خطواتٍ يقترب في الظلام، ومعه همسة غامضة:اللي بيدوّر على الأسرار لازم يدفع الثمن.
