رواية ظلال متقابلة الفصل الثاني 2 بقلم خضراء القحطاني

              


 رواية ظلال متقابلة

الفصل الثاني 2 

بقلم خضراء القحطاني


لم يكن الليل هادئًا تلك الليلة.

كل صوت في الشقة الصغيرة كان مضاعفًا، وكأن الجدران نفسها تهمس لي بكل ما فقدت.

سامي نام بصعوبة بعد أن بكَى طويلًا، أما أنا، فكنت أجلس على الأرض في الصالة، محاطة بصورٍ قديمة لأبي، وأوراقٍ لم أفهم معناها بعد.

وجدت بين أوراقه إيصالًا بنكيًا بتاريخ قبل وف*اته بيومين، وتحويل مالي كبير لشخصٍ مجهول.

نظرت في الاسم سالم الراوي لا أعرفه، لكن الاسم تردد في ذاكرتي كأنه لم يأتِ من فراغ.

كان أبي دائمًا يقول:في ناس بتضحكلك وهي عايزة تدوس*ك.

وقتها كنت أظنه يبالغ الآن لا أعرف.

أغلقت الضوء، وجلست في الظلام في رأسي صوت واحد

 فقط:هل ممكن م*وت أبي يكون له علاقة بحاجة أكبر من مجرد حادث سرقة؟

ولماذا كان يخبئ كل شيء عنّا؟

رن الهاتف فجأة، فارتجف قلبي.

رقم غريب.

رددت، وجاءني صوت إياد الهادئ من الجهة الأخرى:آسف لو بكلمك متأخر، بس التقرير الأولي للحادث طلع.

شهقت:في حاجة؟

الرص*اصة اللي أصابته ما كانتش من النوع المنتشر في المنطقة نوع عسكري وده معناه إن اللي ض*ربه مش لصّ عادي.

سكتُّ، وسمعت أنفاسي تتسارع.

حضرتك تقصد إن إن أبي اتق*تل عمدًا؟

قال ببطء،لسه بدري نقول كده، بس في حاجة غلط ومحتاج منك شوية صبر، لأن أي معلومة ممكن تساعدنا.

قبل أن أرد، سمعته يضيف وبالمناسبة، لو شوفتي أو لاحظتي حاجة غريبة حوالين البيت أو المدرسة، كلّميني فورًا.

ترددت للحظة، ثم قلت بصوت خافت:في عربية سودة كانت عند المقابر وقفت شوية وبعدين اختفت سمعته يتنفس بعمق تمام خدي بالك من نفسك يا ليلى، وعديني ما تتحركيش لوحدك.

قلت بهدوء: هحاول.

لكن لم يكد يغلق الخط حتى سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.

تجمدت.

نظرت من العين الصغيرة وكانت المفاجأة.

كريم.

وقف أمام الباب يحمل باقة ورد ذابلة ووجهه يحمل مزيجًا من التعب وال*ندم.

فتح الباب بنفسه قبل أن أقرر، وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:سمعت باللي حصل لحسن جاي أقدملك العزاء.

نظرت إليه ببرودٍ متعمد.

العزاء خلص وجودك مش ضروري.

تنفس ببطء، ثم وضع الورد على الطاولة دون إذن.

مش دايماً لازم نفضل أعداء، ليلى إحنا شاركنا عمر وابن.

تقدمت نحوه خطوة واحدة فقط، كمن يواجه شبحًا يعرفه جيدًا.

ابننا مش جسر ترجع تمشي عليه لما تحس بالذن*ب، كريم خلّيني في حالي.

ابتسم ابتسامة باهتة.

ما تقدريش تمنعيني أشوفه.

رفعت رأسي بتحدٍ:قانونيًا أقدر إنما إنسانيًا، ما عنديش طاقة تفتح نفس الج*رح تاني.

كانت اللحظة ثقيلة، الصمت فيها أكثر وج*عًا من الكلام.

نظر حوله، لاحظ الصورة الممزقة على الأرض، وأوراق أبي المبعثرة.

كنتي بتدوري على حاجة؟

دي حياتي، مش تحقيق.

ضحك بخفة، ثم قال بصوت منخفض:بس شكلك مش فاهمة إنك اتورطت في حاجة أكبر منك يا ليلى.

التفتّ إليه فورًا:يعني إيه الكلام دا؟

اقترب قليلًا، وقال بجدية لم أعرفها فيه من قبل:أبوك كان مديون لناس خطرين وأنا حاولت أساعده بس هو رفض يمكن عشان كده حصل اللي حصل.

صُدمت.

بتقول إيه؟!

مش وقته، بس أوعى تصدقي كل اللي بيتقال. في ناس بتلعب في الخفاء، وأنا يمكن الوحيد اللي فاهم الحكاية.

ثم خرج بهدوء كما دخل، تاركًا خلفه بابًا مفتوحًا ومليون سؤال معلّق في الهواء.

عدت إلى الداخل ألهث، يدي ترتجف.

كلمات كريم تلاحقني، وصوت إياد في الهاتف يتردد في أذني:في حاجة غلط.

جلست بجوار سامي النائم، وضعت يدي على شعره.

همست لنفسي:أبوك راح، وجوزك القديم راجع، والناس اللي ورا الكواليس بدأت تتحرك بس المرة دي، مش ههرب.

رفعت رأسي إلى السقف كأنني أحلف وعدًا لنفسي 

أن أكتشف الحقيقة، مهما كلفني الأمر.

في الصباح، غمرت الشمس الغرفة بخيوطها الهادئة، لكن الدفء لم يصل قلبي بعد.

استيقظ سامي باكرًا، يحمل لعبته الصغيرة ويمشي بخطوات مترددة نحو الباب المغلق لغرفة جده.

وقف هناك، ينظر بصمت طويل، ثم التفت إليّ:ماما جدو لسه نايم؟

تجمّدت للحظة، لا أعرف إن كنت أقدر أشرح الم*وت لطفل في الثامنة.

اقتربت منه وجلست على ركبتي أمامه، وضعت يدي على كتفه الصغير.

جدو سافر يا حبيبي سافر مكان بعيد، بس هو بيحبك ولسه شايفك.

قال ببراءة جعلت قلبي ين*قبض:طيب لما يرجع، هياخدنا نلعب في الحديقة؟

ابتسمت بصعوبة:أكيد، لما نروح له هناك إن شاء الله.

شدّ يدي بقوة وقال:بس أنا مش عايز أروح مكان بعيد أنا عايزك إنتِ.

تلك الكلمات كانت كافية لأن تذيب الجدار الذي كنت أبنيه حولي منذ الج*نازة.

احتضنته بشدة، والدموع تسيل بصمت دون أن أفكر في إخفائها هذه المرة.

بعد لحظات طويلة، سمعنا طرقًا خفيفًا على الباب.

ظننت للحظة أنه كريم عائد مجددًا، فخفق قلبي خوفًا.

لكنها كانت أم مروان جارتنا العجوز التي لم تتركني لحظة منذ الحادث.

دخلت بابتسامة طيبة تحمل خلفها تعب السنين.

يا بنتي، شوفتك من الشباك قاعدة لوحدك جبتلك شوية فطور.

شكرًاها بخفوت وجلست أمامها.

نظرت إليّ بعينٍ خبيرة لا يفوتها شيء.

إنتِ مش مرتاحة يا ليلى وشّك بيحكي حاجات ما اتقالتش.

تنهدت، مش عارفة يا خالة في حاجات كتير مش مفهومة وكريم رجع، وكلامه زادني حيرة.

قالت وهي تضع يدها على يدي:اسمعي نصيحتي، متخليش الخوف يحكمك اللي راح راح، بس اللي جاي محتاج قلب قوي.

ابتسمت بخفوت.

قلبي خلاص اتعب.

قالت بحنان:القلوب اللي بتتعب هي اللي تعرف تحب صح.

خرجت وتركتني في صمتٍ غريب.

كانت الريح تمرّ من النافذة وتداعب ستائر الغرفة، تحمل معها شيئًا من الماضي، شيئًا لا يُرى ولا يُنسى.

في المساء، جلست مع سامي نراجع دروسه.

كان صامتًا أكثر من المعتاد.

سألته: مالك يا حبيبي؟

قال وهو يرسم على الورقة:كنت سامع صوت في الشباك، حد بيناديني باسمِي.

تجمدت.

إمتى؟

النهارده الفجر كنت نايم وصحيت الصوت كان زي صوت جدو.

نظرت إلى النافذة، والبرد تسلل إلى أطرافي.

ربما كان خياله، وربما شيء آخر.

أغلقت الستائر بإحكام، واحتضنته بقوة.

في عينيه كانت البراءة، وفي قلبي كانت الريبة.

ولأول مرة منذ وف*اة أبي، أحسست أن البيت لم يعد بيتًا بل مكانًا يحمل أسرارًا لم تُفتح بعد.

استيقظتُ ذلك الصباح على ضوءٍ ناعمٍ يتسلل من النافذة، كأنه يذكّرني بأن الحياة تمضي رغم الحزن.

قررت أخيرًا العودة إلى عملي في المدرسة.

كنت أحتاج أن أتنفس شيئًا آخر غير رائحة الفقد.

عند بوابة المدرسة، استقبلتني الأستاذة هناء بابتسامةٍ دافئة:أهلاً بعودتك يا ليلى، المدرسة كانت ناقصة هدوءك.

ابتسمت بخفوت:رجعت علشان أرجّع نفسي، يمكن الشغل ينسّيني شوية.

ربتت على كتفي وقالت:اللي زيك ما بيت*كسرش بسهولة.

مرّ اليوم ببطءٍ مشوبٍ بالحذر.

كنت أشرح الدرس، لكن نظراتي تسرح ناحية النافذة أحيانًا أحس بشيء يراقبني، ظلّ يتحرك ثم يختفي.

ربما الخوف صار عادة، وربما هو لم يغادر فعلًا.

مع نهاية الدوام، خرجت من المدرسة أحمل حقيبتي القديمة، متعبة من مجهودٍ لم يكن جسديًا فقط، بل روحيًا.

وعندما وصلت إلى بيتي، وجدت سيارة متوقفة أمام الباب لم أعرفها.

ثم سمعت صوتًا مألوفًا، لكنني تمنيت لو لم أسمعه أبدًا.

وحشتيني يا أختي.

التفتُّ ببطء.

كانت هي ديلا.

وقفت أمامي بثقةٍ زائدة، شعرها الأشقر مسدل بعناية، وعطرها يملأ المكان كأنه إعلانٌ عن حضورها.

ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:رجعت أخيرًا سمعت اللي حصل لأبويا قلت لازم أكون جنبك.

نظرتُ إليها مطولًا، أتفحّص الملامح التي تغيّرت كثيرًا منذ آخر لقاء بيننا.

جنبّي؟ بعد كل السنين دي؟

هزّت كتفيها بلا مبالاة:مهما حصل، أنا أختك برضه.

دخلت البيت كأنها لم تغب يومًا، تتفقد الأثاث، وتفتح النوافذ، ثم قالت:كل حاجة زي ما هي حتى جدران البيت لسه حزينة.

قلت ببرود:البيت افتقد الراحة، مش الذكريات.

جلست على الأريكة، وأخرجت سيجارة.سمعت إن كريم جه يعزيكي.

ارتبكت قليلاً:إنتِ عرفتي منين؟

ضحكت بخفة:هو كلمني كان متأثر جدًا.

تجمدت في مكاني، وعرفت أن ما أخشاه قد بدأ.

قالت وهي تنفث الدخ*ان ببطء:الناس كلها بتغلط يا ليلى يمكن كنتِ قاس*ية معاه زيادة الراجل محتاج اللي تسمعه، مش اللي تحكم عليه.

نظرت إليها بحدة:ما تحاوليش تبرري له كريم جزء من الماضي، وأنا مش ناوية أرجع له.

اقتربت مني بابتسامة ماكرة:بس هو رجعلك بطريقته.

كانت الكلمات تُلقى عليّ كص*فعاتٍ صغيرة، كل واحدة منها تحمل نية دفينة لإيلامي.

لكنني تماسكت، رفعت رأسي وقلت بهدوء:ديلا وجودك مرحّب بيه طالما ما فيش نية لتدمير اللي فاضل فيّ أنا تعبت من الح*روب.

ضحكت بخفوت:وأنا جاية أبدأ سلام، مش ح*رب.

لكن في عينيها كان السلام يشبه العاصفة قبل أن تهبّ.

في الليل، جلست في غرفتي أتأمل الظلال على الجدار.

سامي نائم، وديلا تغلق غرفتها بالمفتاح عكس ما كانت تفعل أيام الطفولة.

الهدوء غريب، والبيت يحمل رائحة مختلفة، كأن الهواء نفسه تغيّر.

نظرت من النافذة فرأيت تلك السيارة نفسها تقف أمام البيت من جديد، والمصباح الخلفي يومض للحظة ثم ينطفئ.

هل هو إياد؟ أم كريم؟ أم أحد آخر؟

لا أعلم لكنني أدركت شيئًا واحدًا عودة ديلا لم تكن صدفة.

كانت بداية جديدة لحكاية أكثر ظلامًا.

كانت السماء رمادية في ذلك الصباح، والريح الباردة تعبث بشعري بينما أرتّب الورود في السلة الصغيرة.

قلت بصوتٍ خافت:يلا يا ديلا النهارده لازم نزور ق*بر بابا.

نظرت إليّ من المرآة وهي تضع أحمر شفاهها بعناية:أكيد، بس ممكن نمرّ على كريم؟ هو اللي هيودينا بعربيته.

تجمدت في مكاني للحظة، قلبي انقب*ض، لكني تظاهرت باللامبالاة.

كريم؟ ليه هو؟

ابتسمت بخبث خفيف:قال عايز يعتذرلك وأنا شايفة إن وجوده مش هيضر، خصوصًا في يوم زي دا.

لم أعلّق، فقط حملت الزهور وخرجت بصمت.

بعد دقائق، توقفت سيارة سوداء أمام البيت.

خرج منها كريم  ملامحه منهكة، لكن عينيه لازالتا بنفس الهدوء الغامض.

فتح الباب الخلفي وقال:تركبوا؟ الطريق بعيد شوية.

جلست في المقعد الخلفي، وديلا بجواره في الأمام، تتحدث وتضحك بخفة كأنها تعرفه منذ الأزل.

كنت أنظر إلى الشوارع التي تمرّ بنا بصمت، كل زاوية تحمل ذكرى.

وصوت ديلا يعلو:فاكر لما كنا بنروح الحديقة كلنا سوا يا كريم؟

ابتسم بخفة، وقال:فاكر كل حاجة.

تجاهلت الحوار، لكن شيئًا في داخلي كان ينك*سر ببطء.

عند المق*ابر، كانت الريح تعصف برفقٍ كأنها تبكي معنا.

وضعت الزهور على الق*بر، ولم أستطع منع دموعي.

همست:وحشتني يا بابا أنا تايهة.

وقف كريم خلفي بصمت، بينما ديلا انشغلت بتصوير المكان.

قلت بحدة:مش وقته صور يا ديلا!

ردّت ببرود:كل واحد بيحزن بطريقته، يا أختي.

لكن قبل أن أرد، سمعنا صوتًا غريبًا.

فرقعة حادة، ثم أخرى.

طل*قات نار.

صرخت ديلا، وانخفضتُ أرضًا أضم رأسي.

كريم جذبها بقوة إلى الخلف، وألقى بجسده عليها ليحميها.

كل شيء حدث في ثوانٍ.

صرخات، رص*اص، رائحة البارود في الهواء.

حاولت النهوض، لكن الأل*م اخترق كتفي الأيسر فجأة.

سقطت على الأرض، والد*ماء تسيل ببطء بين أصابعي.

سمعت صوت كريم يصرخ باسمي، لكني لم أر وجهه  فقط رأيته يحتضن ديلا، يغطيها بذراعيه، بينما أنا أزحف لأتجنب الرص*اص.

ثم صمت.

كل شيء هدأ دفعة واحدة.

الناس خرجت من بعيد، أصوات سيارات، صفارات.

نظرت نحوه، كان لا يزال ممسكًا بديلا، يطمئنها بصوتٍ متقطع.

وعيناه لم تلتقيا بعينيّ ولو مرة واحدة.

حين وصلت سيارة الإسعاف، اقترب أخيرًا.

كنت أتنفس بصعوبة، الألم ينهشني، لكنه اقترب بخطواتٍ ثابتة.

نظر إليّ للحظة، نظرة قصيرة، باردة، ثم تنفّس بعمق.

كأن شيئًا داخله هدأ كأنني حين سقطتُ، اختفى عبءٌ كان يثقله.

قالت ديلا وهي تمسك بذراعه:كريم، خلاص، سيبها للدكاترة، تعال.

نظر إليها، ثم إليّ.

لم يقل شيئًا.

فقط وقف هناك، يشاهدني وأنا أُحمل إلى سيارة الإسعاف.

آخر ما رأيته قبل أن تُغلق الأبواب هو ملامحه 

تلك الراحة الغريبة التي لم أفهمها،

وذلك السؤال الذي ظلّ يطاردني وأنا أغيب عن الوعي:ليه أنقذها هي وسابني أنا؟

لم يكن هناك ضوء.

فقط صمت كثيف كالبحر، يبتلع كل شيء.

أحاول فتح عيني، لكن جسدي ثقيل، وكأنني عالقة بين زمنين واحد ما زال ين*زف، وآخر لم يولد بعد.

أصوات بعيدة تصلني متقطعةالضغط بينخفض نبض ضعيف!

ثم صوت آخر أكثر دفئًا، يهمس باسمي:ليلى استحملي، بس استحملي شويه.

لم أعرف هل هو حلم أم حقيقة، لكن الصوت كان مألوفًا.

كان إياد.

مرت ساعات أو ربما أيام.

حين فتحت عيني أخيرًا، كانت رائحة المستشفى أول ما استقبلني.

جهاز المراقبة بجانبي يصدر صوتًا ثابتًا، وكتفي ملفوف بالشاش والأنابيب.

نظرت حولي، فوجدت إياد جالسًا على الكرسي المقابل، رأسه منحني، وملامحه مرهقة.

تمتمت بصوتٍ واهن:إياد.

رفع رأسه فورًا، وكأن الحياة عادت إليه.

ليلى! الحمد لله كنتي بين الحياة والم*وت.

حاولت الكلام، لكن الأل*م منعني.

اقترب وقال بلطف:متتعبيش نفسك. الأطباء قالوا الرص*اصة خرجت من الكتف، الحمد لله ما لمستش العصب.

أغمضت عيني قليلًا، ثم تمتمت:فين ديلا؟

تردد، ثم قال ببطء:هي بخير وكريم كمان.

تصلبت ملامحي:أكيد هو كان بيحميها.

نظر إليّ مطولًا ثم قال:هو فعلاً حماها، بس الحادث غريب يا ليلى الط*لقات كانت موجهة في اتجاهك، مش عشوائية.

تسارعت أنفاسي.

تقصد إن حد كان عايز يق*تلني؟

هز رأسه ببطء:مش عايز أسبق الأحداث، بس في مؤشرات كده. واسم سالم الراوي اللي كان في ورق والدك بدأ يظهر تاني في مكالمات لكريم قبل الحادث بيوم.

نظرت إليه بذهول.

كريم؟!

قال بجدية:يمكن هو نفسه مش عارف، بس في حد بيستغله أو بيستخدمه وأنا محتاج وقت أفهم.

في هذه اللحظة، فُتح الباب ببطء.

دخلت ديلا تمسك باقة ورد بيضاء، ووراءها كريم.

وقفا عند الباب، وكأن الهواء تجمد بيننا.

قالت ديلا بصوتٍ مفعم بالعاطفة:حمد لله على سلامتك يا أختي، خوّفتينا.

نظرت إليها بصمت، ثم إلى كريم، الذي كان يتجنب عينيّ تمامًا.

قال بخفوت:ما كنتش عايز يحصل كده أنا آسف.

أغلقت عيني لحظة، ثم تمتمت:مش لازم تعتذر اللي حصل خلاني أفهم حاجات كتير.

اقتربت ديلا أكثر، وضعت الورد بجانب السرير، وقالت بابتسامة باهتة:القدر اختارك تظلي هنا، يمكن علشان تتعلمي تسامحي.

نظرت إليها نظرة طويلة، ثم همست بمرارة:أو يمكن علشان أشوف وشّ الناس على حقيقتهم.

ساد الصمت، فقط صوت الأجهزة يملأ الغرفة.

كريم تنفّس ببطء، نظر إلى إياد ثم خرج دون كلمة.

أما ديلا، فجلست للحظة، نظرت إليّ وقالت بصوتٍ منخفض بالكاد يُسمع:أنا ما كنتش عايزاها توصلك الرصاصة.

رفعت نظري نحوها ببطء، لكنّها كانت قد نهضت وخرجت.

بقيتُ أنا وإياد فقط.

قال بهدوء، وعينيه لا تفارقاني:مش هسيب الموضوع ده يعدي كده. اللي حاول يؤذيك هنوصل له، حتى لو كان أقرب الناس.

أغلقت عيني، والدمعة انزلقت بصمت.

لأول مرة منذ موت أبي، شعرت أنني لست وحدي.

لكنني أيضًا كنت أعلم أن القادم لن يكون سهلًا.

فأحيانًا تكون الرص*اصة الحقيقية هي الغدر، لا الرصاص.

مرت أيام بطيئة داخل المستشفى، كانت تشبه ساعات معلّقة لا تريد أن تمر.

الوجوه نفسها، الزيارات نفسها، والوج*ع الذي يرفض أن يغادر كتفي.

لكنّ أكثر ما كان ينهشني هو الصمت صمت من أحببتهم، ومن ظننت أنهم سندي.

في صباحٍ بارد، حين دخل الطبيب ليخبرني أن بإمكاني المغادرة، شعرت أنني أتنفس لأول مرة منذ زمن.

لم أكن بحاجة إلى البقاء، ولا حتى إلى أحد.

فأنا لم أعد تلك ليلى التي تخاف الوحدة بل التي تعلّمت منها.

دخلت ديلا تحمل فستانًا أنيقًا، وقالت بابتسامة متكلفة:الحمد لله خرجتِ، البيت ناقصك يا أختي.

نظرت إليها ببرود:البيت؟ البيت اللي كنتِ فيه مع طليقي وأنا على سرير المستشفى؟

تجمدت ملامحها، فتابعت:خدي بالك منه أنتي بتحبيه من زمان، مش كده؟

لم ترد.

فابتسمت بمرارة:ما تخافيش، خلاص مش هكون في طريقكم.

في تلك اللحظة دخل كريم، يحمل باقة ورد صغيرة.

وقف عند الباب وقال بصوتٍ خافت:ليلى لو تسمحيلي أوصلك، الطريق طويل.

نظرت إليه طويلًا، ثم تمتمت بجمود:مش محتاجة تعلمت أوصل لوحدي.

مدّ يده، كأنه يريد قول شيء، لكنّها سقطت ببطء حين رآى إصراري.

ابتعدت عنه بهدوء، ورفعت حقيبتي الصغيرة على كتفي رغم الأل*م.

تقدمت نحو الباب، لكن قبل أن أخرج استدرت إليهم.

اسمعوني كلكم كويس من النهارده أنا مش ليكم، ولا أنتم ليا.

انسوني زي ما أنسيتوني.

اعتبروني م*تّ يمكن دا أريح للجميع.

صمتٌ ثقيل ملأ الغرفة.

حتى الأجهزة التي كانت تراقب نبضي بدت وكأنها توقفت للحظة.

ديلا شهقت، قالت برجاء:ليلى، ما تقوليش كده!

نظرت إليها بهدوء غريب، كأنني أرى كل شيء من وراء زجاج بارد: قولت اللي كان لازم يتقال مش عايزة حد يزورني، ولا يسأل عني كل واحد يعيش حياته وأنا هعيش بطريقتي.

ثم خرجت.

تركت خلفي رائحة مطهرات المستشفى تختلط برائحة الذكريات، وخلفي نظرات كريم المليئة بالن*دم، ونظرة ديلا التي لم أعرف هل كانت ذن*بًا أم انتصارًا.

في الخارج، كان الهواء يحمل برد المساء.

رفعت رأسي إلى السماء، شعرت أن الغيوم تشبهني ثقيلة، لكنها تتحرك رغم الأل*م.

سرت بخطواتٍ بطيئة نحو طريقٍ لا أعرفه، لكنني كنت متأكدة من شيءٍ واحد أن الرجوع لم يعد خيارًا.

                   الفصل الثالث من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>