رواية ظلال متقابلة الفصل الثالث 3 بقلم خضراء القحطاني

               


 رواية ظلال متقابلة

الفصل الثالث 3

بقلم خضراء القحطاني


كانت السماء رمادية كأنها تعكس ما بداخلي.

الطريق أمامي طويل، يبتلع خطواتي الثقيلة.

إلى جواري، كان سامي الصغير يمسك يدي بقوة، عينيه تائهتان بين الخ*وف والحنين.

قال بصوتٍ خافت:ماما هنروح فين؟

نظرت إليه وابتسمت رغم الدموع التي تملأ عيني:هنبدأ من جديد يا حبيبي هنعيش سوا زي ما كنا دايمًا.

قبل يومين فقط، كنت في مواجهة قاس*ية داخل بيت والديّ.

والدتي، التي كانت تبكي وتص*رخ:إزاي تاخديه يا ليلى؟ دا ابنه! دا ليه حق يشوفه!

أما كريم، فكان واقفًا صامتًا، وجهه متصلب، لكنه لم يمنعني حين قلت بهدوءٍ يشبه الحسم:ابنك هيفضل يشوفك وقت ما تحب بس يعيش معايا أنا اللي هربيه على إن الكرامة مش ذن*ب.

حاولت أمي أن تمسك بيدي، لكنني تراجعت:خلاص يا أمي اعتبريني مش بنتك لو دا هيريّحك أنا اخترت طريقي.

وخرجت وأنا أسمع صوت بكائها يتلاشى خلفي.

كانت وجهتنا قرية صغيرة في ضواحي المدينة، حيث عرضت عليّ مديرة مدرسة قديمة وظيفة مؤقتة كمُدرّسة لغة عربية.

المدرسة بسيطة، جدرانها متشققة، لكن الأطفال فيها يملكون قلوبًا أنقى من أي قصور.

في اليوم الأول، حين وقفت أمامهم، كان سامي يجلس في الصف الأخير يراقبني بفخر، وكأنني بطلة خارجة من قصة قديمة.

حين ناداني أحدهم بـ أبلة ليلى، شعرت أن قلبي ينبض من جديد.

في المساء، بعد انتهاء اليوم الدراسي، جلست في الشرفة الصغيرة للغرفة المستأجرة، أكتب في دفتري:ربما أكون خسرت كل شيء لكني وجدت نفسي.

وجدت معنى أن أعيش لأجل من يستحق، لا لأجل من يُرضى.

اقترب سامي ووضع رأسه على كتفي:ماما، هنبقى هنا على طول؟

ابتسمت ومسحت على شعره:لحد ما نلاقي مكان نحلم فيه سوا.

نظر إليّ وقال بخجل:بابا كان زعلان لما مشينا.

تنهّدت بصوتٍ منخفض:بابا هيبقى كويس، متقلقش.

ثم همست لنفسي:بس إحنا لازم نكون أقوى حتى لو وحدنا.

في المدينة، كان إياد يراقب من بعيد.

تلقى تقريرًا من أحد معارفه يخبره أن ليلى انتقلت لمكانٍ جديد مع طفلها.

قرأ الورقة، ثم قال في نفسه:بدأت من جديد فعلاً بس اللي حاول يق*تلها لسه حرّ.

أغلق الملف، وفي عينيه تصميم غامض:أنا مش هسيبها تواجه الماضي لوحدها.

كانت ليلى في تلك اللحظة تنظر إلى ابنها وهو ينام بجانبها، وداخلها خليط من الخ*وف والسكينة.

لم تكن تعرف أن الماضي لم يُغلق بعد، وأن الخ*طر الذي ظنّت أنها تركته في المدينة كان يقترب منها بصمت.

كانت الشمس تُشرق بخجلٍ خلف التلال، تلون السماء بلونٍ ذهبيٍّ ناعم، كأنها تمنحني فرصة جديدة بعد كل ما خسرته.

في ذلك الصباح، خرجت من البيت الصغير الذي استأجرته بجانب المدرسة، أمسك بيدي يد سامي، وقلبي ممتلئ بشعور غريب مزيج من خ*وفٍ وطمأنينة.

كان الأطفال يركضون في ساحة المدرسة، يضحكون ويص*رخون بأصوات بريئة.

وقفت أنظر إليهم، ثم إلى ابني الذي ابتسم أخيرًا بعد أيام من الصمت.

قال وهو ينظر إليّ:ماما، ممكن ألعب معاهم بعد المدرسة؟

ابتسمت له بحنان:طبعًا يا حبيبي، عايزة أشوفك مبسوط.

دخلت إلى الصف الصغير الذي أُعطيت مسؤوليته، وكان مليئًا بألوان باهتة وكتبٍ قديمة، لكن في عيون الطلاب بريق شغفٍ صادق.

بدأت الحصة بابتسامة، وقلت بصوتٍ دافئ:النهارده هنتكلم عن الحلم عن الحاجات اللي نفسكم تحققوها لما تكبروا.

رفعت طفلة يدها الصغيرة وقالت:أنا نفسي أبقى دكتورة وأعالج ماما لما تم*رض.

ضحكت، ودمعة صغيرة لمعت في عيني دون إرادتي.

ثم جاء صوت سامي من الخلف:وأنا نفسي أبقى زي ماما قوية ومابتخ*افش من حاجة.

صمت الصف كله، نظرت إليه بامتنانٍ لا يوصف، ثم قلت له بخفوتٍ محمّل بالعاطفة:الشجاعة يا سامي مش إننا مانخ*افش الشجاعة إننا نكمّل رغم خوف*نا.

بعد انتهاء الدروس، بقيت وحدي في الفصل أرتب الكتب.

الهواء المسائي كان لطيفًا، وأصوات الأطفال في الخارج تبعث حياةً جديدة في صدري.

تقدّمت مديرة المدرسة، امرأة خمسينية طيبة الملامح، وقالت بابتسامة:الطلاب حبّوك من أول يوم يا ليلى واضح إنك من الناس اللي بتعلّم بالقلب مش بالكلام.

ابتسمت بخجل:يمكن علشان حسّيت إن المكان دا فيه راحة مش لاقياها من سنين.

قالت المديرة بحنان:كل حد بيهرب من حاجة بس اللي يلاقي راحته بين الناس الطيبين، ربنا بيعوّضه خير.

كلماتها سكنت في قلبي كنسمة دافئة.

في المساء، كانت ليلى تجلس على السرير الخشبي البسيط بجوار ابنها.

كان سامي يحاول أن يكتب واجبه المدرسي، بينما صوت المطر بالخارج يدق النوافذ برقة.

قال فجأة:ماما، لو الدنيا كلها ضدنا هتفضلي تحبيني؟

وضعت يدها على شعره وقالت بابتسامةٍ هادئة:يا روحي، الحب مش بيتغيّر حتى لو الدنيا كلها اختفت، أنا وإنت هافضل أحبك.

غفا الصغير بين أحضانها، وهي تنظر إلى وجهه البريء، تشعر أن وجوده هو المعجزة الوحيدة التي تستحق كل شيء.

أغمضت عينيها، وقالت بصوتٍ هامسٍ كأنها تخاطب نفسها:يمكن الحياة مش دايمًا قاسية يمكن لسه فيها فرصة نعيشها بسلام.

ثم نظرت من النافذة، حيث المطر يغسل الطرقات،وقالت بابتسامةٍ خافتة:الوجع ما عادش له مكان هنا هنا في بداية جديدة.

لكن في مكانٍ آخر من المدينة كان إياد يجلس أمام مكتبه، يتصفح ملفًا كتب عليه حادثة المقبرة  تفاصيل جديدة وبين السطور، ظهر اسم لم تتوقعه ليلى يومًا أن يعود إليها مجددًا

كانت المدينة ما تزال كما تركتها ليلى مزدحمة، باردة، تختبئ فيها الحكايات خلف ضوضاء السيارات والوجوه المجهدة.

لكن في شقةٍ صغيرة بوسطها، كانت ديلا تمسك بفنجان قهوة وتراقب كريم الذي يجلس على الأريكة، يتصفح أوراق العمل بصمتٍ متوتر.

قالت بصوتٍ ناعمٍ متعمّد:كريم أنت بقيت صامت قوي الأيام دي

من ساعة ما خرجت ليلى من المستشفى وإنت مش زي الأول.

رفع رأسه نحوها ببطء، نظر في عينيها نظرة ح*ادة جعلتها تتراجع قليلًا.

مش كل مرة لازم نتكلم عن ليلى يا ديلا.

ضحكت بخفةٍ مصطنعة:بس إنت اللي دايمًا بتفكر فيها، حتى لما بتسكت.

أنا حاسة إنك لسه بتحبها.

صمت لحظة، ثم نهض وهو يلتقط مفاتيحه من الطاولة.

فيه فرق كبير بين الحب والندم.

قالت بخبثٍ واضح:وإيه الفرق في رأيك؟

نظر إليها نظرة باردة وقال:الحب بيخليك تتمسك باللي بتحبه الندم بيخليك تبعد عنه علشان متأذهوش أكتر.

ثم خرج تاركًا وراءه صدى خطواته وصمتًا مشبعًا بالغيرة في عينيها.

في المساء، جلست ديلا أمام المرآة تحدق في انعكاسها.

همست لنفسها بحدة:هي ليه دايمًا أحسن مني؟ ليه الكل يحبها؟ حتى وهو بعيد، لسه شايفها بطلة!

أمسكت هاتفها واتصلت بشخص مجهول:الو؟ محتاجة أعرف هي فين.

أيوه، ليلى سمعت إنها سكنت في قرية قريبة من النهر.

هاتلي عنوانها، بسرعة.

صوت الرجل على الطرف الآخر قال ببرود:بس المرة اللي فاتت الأمور خرجت عن السيطرة، والرص*اصة جت في غير مكانها.

قالت بجمود:المهم إنها تعبت ودا كفاية مؤقتًا.

دلوقتي أنا اللي هخلّيها ترجع برجليها.

في اليوم نفسه، كان كريم في مكتبه يحاول التركيز في أوراق الشركة، لكن عقله شارد.

تذكر يوم المستشفى، نظرتها الأخيرة، كلماتها الباردة حين رفضت أن يوصّلها.

منذ تلك اللحظة وهو يشعر أن شيئًا انكسر بداخله لا يمكن إصلاحه.

أغلق الملف أمامه وتنهد.

همس لنفسه:يمكن كنت ظ*المها يمكن كنت بخاف أواجه نفسي

رن هاتفه، كان الرقم غير مسجّل.

رفع السماعة فسمع صوتًا مألوفًا:كريم محتاج أشوفك ضروري

فيه حاجة تخص ليلى لازم تعرفها.

صوت إياد في الخلفية الخافت:متأخرش عليه كل دقيقة مهمة

انقب*ض قلبه، وقال بسرعة:فين؟

جاءه الرد من إياد نفسه هذه المرة:في مقر الأمن الموضوع أكبر من مجرد غيرة أخت في حاجة بتحصل، ولازم نواجهها سوا.

في الوقت نفسه، كانت ليلى تجلس في شرفة بيتها بالقرية، تمسك كوب الشاي وتنظر إلى ضوء القمر الذي ينعكس على وجه ابنها النائم.

شعرت فجأة بق*لقٍ غامض، وكأن روحًا ما تراقبها من بعيد

قالت بصوتٍ خافتٍ يشبه الدعاء:يا رب احفظنا من اللي بيك*رهونا، ومن اللي بيحبونا غلط.

وفي مكانٍ آخر من المدينة، كانت ديلا تبتسم وهي تتلقى رسالة قصيرة على هاتفها من رقمٍ مجهول:العنوان تأكد التنفيذ قريب.

رفعت عينيها نحو المرآة، وقالت بابتسامةٍ باردة:مرحبًا يا أختي افتقدتِني؟

كانت السماء غائمة حين توقفت سيارة أنيقة أمام بوابة المدرسة الريفية الصغيرة.

خرجت منها ديلا بثيابٍ أنيقة لا تشبه المكان أبدًا، تحمل في يدها حقيبة صغيرة وابتسامة وديعة مزيفة.

حين رآها الأطفال، همس بعضهم لبعض بدهشة، أما ليلى، فبمجرد أن التقت عيناها بعيني أختها، شعرت بأن الهواء ثقل فجأة.

اقتربت ديلا بخطواتٍ محسوبة، وقالت بنبرةٍ ناعمة:جيت أشوفك يا ليلى اشتقتلك.

نظرت إليها ليلى بصمت، ثم تمتمت بفتور:غريبة الاشتياق جه دلوقتي؟

ضحكت ديلا بخفةٍ متعمدة، وضعت الحقيبة على الطاولة وقالت:أنا غلطت، عارفة بس الد*م عمره ما يبقى ميّه خلينا ننسى اللي فات.

ظلت ليلى تحدق بها بعمق، لا تصدّق أن الن*دم في عينيها حقيقي.

ومع ذلك، قالت بصوتٍ هادئٍ متعب:خلاص يا ديلا ننسى لكن بداخلها، شيء ما كان يهمس:اللي يخ*ون مرة، يقدر يخ*ون ألف مرة.

في الجانب الآخر من المدينة، كان إياد يجلس داخل سيارته السوداء أمام مبنى سكني راقٍ، يتابع شاشة صغيرة تُظهر حركة هاتف ديلا عبر نظام تتبع سرّي.

قال عبر السماعة لزميله في القسم:هي حالياً في القرية اللي انتقلِت ليها ليلى.

كل مكالماتها خلال الأسبوع الأخير غريبة في رقم بيتصل بيها يوميًا من رقم مجهول، والموقع بيطلع قريب من حدود المدينة القديمة.

سأله زميله:تفتكر في علاقة بين الرقم دا وحادث المق*برة؟

رد إياد وهو يشعل سي*جارة:الاحتمال كبير خاصة إن كريم كان متواصل مع نفس الرقم قبل الحادث بيومين.

أخرج ملفًا من المقعد المجاور، تصفّحه سريعًا ثم همس:ديلا مش بس أختها دي مفتاح كل حاجة واللي بيحرّكها مش بسيط.

في القرية، كانت ليلى تحاول تصدّق نوايا أختها.

قضت ديلا اليوم معها ومع سامي، تلعب معه وتضحك، وكأنها لم تكن جزءًا من ماضيها الم*ؤلم.

لكن كل مرة تبتسم فيها ديلا، كانت عيناها تراقب شيئًا  دفترًا على الرف، أو مفتاحًا معلّقًا، أو هاتف ليلى الذي تركته على الطاولة.

في المساء، وبينما كانت ليلى تُحضّر العشاء، سمعت صوت همهمة من الغرفة المجاورة.

اقتربت بخطواتٍ صامتة، فسمعت ديلا تهمس في الهاتف:أيوه كل حاجة ماشية حسب الخطة.

هي هنا لوحدها، بس في واحد بيراقبني أظن إنه من المباحث.

تجمدت ليلى خلف الباب، عيناها اتسعتا خ*وفًا.

لكنها تراجعت بسرعة قبل أن تلتفت ديلا نحو الباب.

في تلك اللحظة، كان إياد يتلقى إشارة جديدة على الشاشة اتصال ديلا الأخير، مسجّل وموقعه في بيت ليلى بالضبط.

فتح اللاسلكي وقال بحدة:تأكيد موقع الهدف لازم أتحرك فورًا

انطلق بسيارته نحو القرية، بينما قلبه يخفق بعنف:لو لمحتها بت*أذيها المرة دي مش هسامح نفسي أبداً.

وفي المنزل، أغلقت ديلا الهاتف ببطء، ثم ابتسمت وهي تخرج من الحقيبة مظروفًا صغيرًا مغلقًا بالشمع الأحمر.

وضعت المظروف داخل درج غرفة ليلى، وهمست:لما تفتحيه هتتغير حياتك كلها.

ثم خرجت إلى الشرفة، تنظر إلى الغروب وكأنها تخفي سرًا أعمق مما يبدو، وقالت لنفسها:اللعبة ابتدت.

وفي الطريق إلى القرية، كان إياد يضغط على دواسة الوقود، وملامحه مشتعلة بالعزم:مش هخليهم يقربوا منها تاني لا سالم الراوي، ولا حتى أختها.

كانت الليلة ساكنة إلا من صوت الريح وهي تضرب نافذة الغرفة الصغيرة.

ليلى لم تستطع النوم منذ غادرت ديلا بعد زيارتها، وهي تشعر أن شيئًا غريبًا تركته وراءها شيئًا غير مريح.

قامت من السرير بهدوء، حاولت أن لا توقظ سامي، وبدأت ترتّب الغرفة.

وحين فتحت الدرج لتضع كتابها، رأت مظروفًا أحمر صغيرًا لم تره من قبل.

ترددت لحظة، قلبها يخفق بعنف، ثم مدّت يدها لتلتقطه.

كان مختومًا بشمع قديم يحمل نقشًا غريبًا حرف (س) متداخل مع (ر).

فتحت المظروف ببطء، فوجدت بداخله صورة قديمة تجمع والدها مع رجلٍ مجهول الملامح، يقف خلفه بيده ملف أسود.

وخلف الصورة، كان مكتوب بخطٍ واضح:سالم الراوي لم يمت الحقيقة تبدأ من هنا.

شهقت ليلى، كأن أحدهم طعن*ها في صدرها.

تذكرت الاسم الذي سمعته من إياد في المستشفى، الاسم الذي ظنّت أنه مجرد صدفة.

همست بخوفٍ مكتوم:يا رب هو إيه اللي بيحصل؟

في تلك اللحظة، سُمع طرقٌ عن*يف على الباب.

اقتربت بخطواتٍ حذرة، فتحت الباب، فوجدت إياد يقف هناك، وجهه مبلل بالمطر ونظراته ح*ادة.

قال بسرعة:كنت متأكد إني هلاقيها عندك ديلا سابتلك حاجة صح؟

اتسعت عيناها بدهشة:إنت إزاي عرفت؟

دفع الباب برفق ودخل، نظر حوله، ثم قال وهو يلتقط المظروف من يدها المظروف الأحمر نفس الشعار اللي لقيناه على الملفات القديمة في قضية المق*برة.

جلست ليلى على الكرسي، تحاول استيعاب ما يحدث، بينما إياد بدأ يقرأ محتوى المظروف بتركيز.

وجد بضع أوراق أخرى بخط يد والدها، يقول فيها:إن م*ت قبل أن أقول الحقيقة، فاعلموا أن من وثقت بهم باعوني.

سالم الراوي لم يكن مجرد شريك، كان الرأس الأكبر في تجارة الأسرار.

وابنتي إحداهن مراقبة منذ ولادتها.

رفعت ليلى نظرها نحوه والدموع في عينيها:إياد، يعني إيه الكلام ده؟

أجابها بصوتٍ منخفض مليء بالقلق:يعني إن أبوكِ كان داخل شبكة كبيرة وإن أختك ديلا مش مجرد أخت غيورة، دي أداة في لعبة أكبر مننا.

في تلك الأثناء، كانت ديلا جالسة في سيارتها على الطريق خارج القرية، تمسك بهاتفها وترسل رسالة قصيرة لشخص مجهول:المظروف وصل هيتصرفوا دلوقتي.

جاءها الرد بعد لحظات:كويس خليه يكتشف بنفسه. الهدف الحقيقي مش ليلى.

تجهم وجهها، كتبت بسرعة:يعني إيه؟ مش هي اللي كنتوا عايزينها؟

لكن الرد لم يصل أبدًا.

نظرت من النافذة نحو ظلام القرية، وهمست بتوتر:فيه حاجة غلط أنا كمان بقيت تحت المراقبة.

عاد إياد يحدّق في الأوراق، ثم قال بحذر:المظروف دا مش للتهديد بس دا تحذير.

سالم الراوي رجع، وديلا يمكن مش عارفة إنها مجرد خيط صغير في مخطط كبير.

اقتربت ليلى منه بخ*وف:إياد، أنا مش عايزة أعيش كده تاني أنا وسامي تعبنا.

وضع يده على كتفها برفق وقال:مش هسيبك، ولا هسيب حد ي*ؤذيك بس محتاج منك وعد متتعاملِيش معاها لوحدك تاني

هزّت رأسها بالموافقة، لكن في قلبها كانت تعرف أن الأمر لن يتوقف هنا.

فكل شيء في الصورة القديمة، في عيني الرجل الغامض خلف والدها، كان يقول إن الماضي لم يُ*دفن بعد.

وفي تلك اللحظة، كان كريم يجلس في سيارته أمام بيته، شاردًا.

صورة ليلى وهي تبتعد عنه لا تفارقه، وشيء داخله يزداد ثقلاً كلما تذكر ديلا.

فتح هاتفه ليتصل بها، لكن قبل أن يفعل، ظهرت رسالة مجهولة على الشاشة:ابعد عن ديلا اللي حواليها مش بشر.

تجمد مكانه، أنفاسه احتبست.

قرأ الرسالة مرة ثانية وثالثة، ثم تمتم بصوتٍ مرتجف:مين اللي بيبعت الكلام ده؟ وليه دلوقتي؟

رفع عينيه إلى المراية الأمامية، فرأى انعكاس رجلٍ يقف في الظل خلف سيارته يراقبه بصمت.

كانت السماء تمطر بهدوء، والهواء البارد يعبث بستائر النافذة في شقة ليلى الصغيرة.

كانت تجهز حقيبة صغيرة لسامي، استعدادًا ليومه الأول في المدرسة الجديدة.

ابتسمت وهي تطوي سترته الصغيرة وتضعها في الحقيبة:

"أول يوم ليك يا بطل تروح لوحدك هتبدأ حياة جديدة بعيد عن كل التعب.

لكن سامي كان صامتًا على غير عادته، يجلس على السرير وعينيه شاردتان نحو الباب.

اقتربت منه ليلى وجلست بجانبه:مالك يا سامي؟ تعبان؟

هز رأسه وقال بصوت خافت:كنت شفت بابا في الحلم وكان بيزعق وبيقول لي ما تروّحش.

ابتسمت بمرارة، وضمت وجهه بين يديها:ده مجرد حلم، ما تخ*افش يا قلبي.

قبّلته على جبينه، ثم خرجت معه متجهة إلى المدرسة.

في الطريق، كانت ليلى تشعر أن سيارة سوداء تسير خلفها منذ خرجت من البيت.

نظرت عبر المرآة أكثر من مرة، لكن السيارة اختفت عندما وصلت إلى بوابة المدرسة.

تنفست الصعداء، أنزلت سامي، وانحنت أمامه:ادخل الفصل وأنا هستناك عند البوابة تمام؟

ابتسم بخجل وركض إلى الداخل.

مرت ساعتان جلست ليلى في المقهى المقابل للمدرسة تراجع بعض أوراقها، وفجأة رن هاتفها.

كان رقمًا غريبًا.

أجابت وهي تظن أنه أحد زملائها في العمل، لكن صوتًا خشنًا وباردًا قال:ابنك معنا.

تجمدت.

إيه؟ مين؟! سامي فين؟!

اسمعي كويس يا ليلى، أي حركة منك أو من إياد الطفل مش هيرجع.

ثم انقطع الخط.

صرخت وهي تنهض، جذبت انتباه كل من حولها، وأمسكت الهاتف بيد مرتجفة، تحاول إعادة الاتصال، لكن الرقم اختفى من السجل.

بعد دقائق، كان إياد يدخل المقهى مسرعًا، وجهه شاحب.

ليلى! إيه اللي حصل؟

انهارت بين ذراعيه وهي تلهث:خدوه يا إياد سامي اتخ*طف!

أمسك كتفيها بقوة:مين؟ مين اللي كلمك؟

أخرجت الهاتف بصعوبة، وأشارت إلى الرقم، لكن إياد 

لاحظ أنه غير موجود في السجلات.

اختفوا الرقم دي طريقة احترافية جدًا.

جلس أمامها يحاول تهدئتها، بينما في رأسه كان يربط الأحداث: المظروف الأحمر ديلا سالم الراوي ثم قال بصوتٍ منخفض:اللي حصل دا مش صدفة. الطفل اتخطف علشان يوصلوا بيك لحاجة.

رفعت عينيها إليه بدموعٍ متجمدة:بس عايزين إيه مني؟ أنا ست عادية!

أجابها وهو يضع يده على كتفها:لأ إنتِ بنت الراوي، وده كفاية يخليهم يطاردوك طول حياتك.

في تلك الأثناء، كانت ديلا تقف في مكانٍ مظلم داخل مستودع مهجور، تتحدث بعصبية في الهاتف:أنا قلت ما حدش يقرب من الولد! إنتوا مجانين؟

جاءها صوت رجل هادئ من الطرف الآخر:الأوامر جاية من فوق الطفل هو المفتاح، مش الأم.

صرخت:لو حصل له حاجة، كل اللي بتخططوا له هيقع!

لكن الرد الوحيد الذي جاءها كان:انسي مشاعرك يا ديلا اللعبة بدأت فعلاً.

عاد إياد إلى المكتب يحاول تتبع أي أثر إلكتروني للاتصال، فاكتشف أن المكالمة خرجت من شبكة خارجية وهمية، مصدرها آخر مكان زاروه سويًا المق*برة القديمة.

تجمد للحظة، ثم قال لنفسه:الموضوع أعمق من مجرد تهديد هما بيرجعوا كل حاجة من البداية.

اتصل بليلى:اسمعيني كويس، ما تروحيش أي مكان، أنا جاي حالًا.

لكن قبل أن يغلق المكالمة، سمع صوتًا خلفها عبر الخط صوت فتح نافذة وصوت طفل صغير يبكي سامي؟!

صرخت ليلى:إياد! الصوت ده من الشقة!

ركض إياد بكل قوته نحو بيتها، بينما المطر بدأ يهطل بغزارة، والبرق أضاء السماء كأنه يعلن أن شيئًا مرعبًا على وشك الحدوث.

كانت كاميرا مراقبة صغيرة مخبأة في زاوية الغرفة تُظهر وجه رجل ملثم ينحني بجانب سامي النائم ويهمس له:دلوقتي هنشوف إذا كانت أمك فعلاً بنت الراوي ولا مجرد ضحية.

                الفصل الرابع من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>