الفصل الخامس عشر 15
بقلم خضراء القحطاني
كانت الأيام الأخيرة قاس*ية على ليلى كأن كل ج*رحٍ مرّت به عاد يزداد عمقًا.
عزلت نفسها، قلّ كلامها، وازدادت نظرات سامي القلقة نحوها يومًا بعد يوم.
رأى إياد أن الوقت لم يعد يسمح بالانتظار.
في يومٍ هادئ، وقف أمامها، أمسك يديها بخفّة وقال بصوتٍ دافئ:ليلى اتجوزيني.
رفعت عينيها نحوه، والدم*وع تتجمّع دون أن تفهم.
قالت بخفوت:أنا مك*سورة يا إياد يمكن ما أستحقش.
هز رأسه وهو يلامس خدّها بإصبعه:أنتِ تستحقي الدنيا كلها وأنا عايز أكون جنبك، أداويكي وأحميكي.
خلّيني أبقى بيتِك، وسندك مش هسيبك تضيعي تاني.
انه*ارت بين ذراع*يه تبكي، ليس حزنًا بل راحة.
وفي خلال أسبوعين، تم الزواج في حفل بسيط وهادئ، لم يحضره إلا المقرّبون.
وقف سامر وسامي بجانبها، ووقف صالح اليوسف خلفها كأنه يحميها من العالم، بينما كريم وقف بعيدًا بعيني رجلٍ خ*سر كل شيء.
لكن المفاجأة كانت ما فعله إياد في اليوم التالي مباشرة.
دخل عليها وهي ترتّب أغراض سامي، ومدّ لها ظرفًا وقال:جهزي شنطتك إحنا مسافرين.
نظرت إليه بارتباك:فين؟ وليه؟
اقترب منها، ابتسم نصف ابتسامة وقال:عايز آخد مراتي وابني الهداية لإسبانيا عايز أغير الجو أطلعك من كل ده.
أرجّع ضحكتِك.
لم تستطع أن تقول لا.
شيء داخلي في قلبها كان يصدّق أن السفر قد يكون بداية جديدة.
على شاطئ إسبانيا بعد ساعات طويلة، وجدت نفسها على شرفة فندق يطل على بحرٍ صافٍ، سماؤه زرقاء بلا شوائب.
جلس سامي على الرمال يبني قلعة صغيرة، بينما جلس إياد بالقرب منها يراقبها بصمتٍ محب.
سألته بخجل:هو ليه بتعمل كل ده عشاني؟
رد وهو يمد يده ليمسك يدها:عشانك تستاهلي وعشان أحبك.
وأنا وعدت نفسي إن اللي آذا*كي مش هيكسب.
ارتجفت شفتيها، شعرت بشعورٍ غريب يدفئ قلبها.
أول مرة منذ أشهر طويلة تشعر بالأمان.
بدأت تخرج من عزلتها تضحك قليلًا، تتكلم أكثر، وتلعب مع سامي كما لم تفعل منذ زمن.
كان إياد يراقب كل تفصيل، وكل ضحكة، كأنه يجمعها في قلبه.
وفي إحدى الليالي، بينما كانوا يتناولون العشاء على ضوء الشموع، وضعت ليلى يدها فوق يده وقالت:إياد إنت رجعت لقلبي الحياة.
ابتسم وهو يرفع يدها ليق*بّلها:ولسه اللي جاي أحلى.
لكن الهدوء لا يدوم بينما كانت ليلى تستعيد نفسها شيئًا فشيئًا، بدأ سامي يتصرف بغرابة يبتعد فجأة يتجمّع الظلام في عينيه ويقول جملة واحدة تكررت أكثر من مرة:ماما هو هيرجع ياخدني؟
سألت ليلى بقلق:مين يا سامي؟
نظر إلى البحر ثم قال بصوتٍ خافت:الراجل اللي كان بيكلمني قبل ما نسافر.
ارتجفت ليلى.
تجمد إياد.
الهواء توقف.
هناك شخص شخص كان يصل إلى سامي دون أن ينتبه أحد.
والسفر لم يكن هروبًا منه بل كان بداية مواجهته.
كان الليل في إسبانيا هادئًا بشكلٍ غريب، وكأن الكون يتعمّد إعطاء ليلى هدنة قصيرة بعد الأل*م الطويل.
لكن قلب إياد لم يكن مطمئنًا وجملة سامي الأخيرة ظلت تدور في ذهنه كجرس إنذار لا يتوقف:الراجل اللي كان بيكلمني قبل ما نسافر.
جلس إياد على الشرفة يُراقب البحر، بينما ليلى تحاول إقناع سامي بالنوم.
لكن الطفل كان متوترًا، يفتح عينيه كل دقيقة ويتأكد من أن أمّه ما تزال قربه.
وحين نام أخيرًا، خرجت ليلى وجلست بجانب إياد بصمت.
سألته بخ*وف:إياد تفتكر هو كان يقصد مين؟
أجاب دون أن ينظر إليها:الطفل ما بيكذبش يا ليلى وده أكتر اللي مخ*وّفني.
وضعت يدها على يده، لكن يدها كانت ترتجف.
همست:يعني في حدّ لسه بيدوّر علينا؟
نظر إليها هذه المرّة كانت عيناها تعودان للقلق القديم الذي حاول انتزاعه منها.
قال بحزم:لو في حدّ بيفكر يقرّب منكم هاعرفه وهخلص الموضوع من جذوره.
أخذ إياد سامي للنزهة قرب الميناء السياحي بينما بقيت ليلى في الفندق.
كان الطفل هادئًا، لكن فجأة وقف في منتصف الطريق
حدّق في رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا، يقف عند أحد الأكشاك، وكأنه يراقبهم.
سامي همس بخ*وف:ماما قالت ما أتكلمش معاه.
تجمد إياد.
انحنى بجانب الصغير وسأله:إمتى شوفته قبل كده؟
أشار سامي بإصبعه المرتجف:ده اللي كان ييجي للبيت زمان. يقول إنه صديق بابايا.
كريم؟
لا كريم لم يكن يومًا بهذا الوصف.
الرجل لم يتحرك، فقط ظلّ يراقب الطفل بعيون غريبة باردة.
اقترب إياد خطوة بخطوة.
لكن ما إن شعر الرجل بذلك، حتى استدار واختفى وسط الزحام.
عادت ليلى تتصفح هاتفها، فإذا بها تجد رسالة جديدة وصلت من رقم مجهول:السفر مش هيخبيكم.
ابنك مش ملكك.
سقط الهاتف من يدها.
انه*ارت على الأرض تبكي بصمت، واضعة يديها على فمها حتى لا يخرج صوتها.
كل خوف عاشته، كل تهديد، كل أل*م عاد دفعة واحدة.
دخل إياد فوجدها جالسة على الأرض، وجهها شاحب، وعيناها متورمتان.
ركض نحوها فورًا:ليلى! في إيه؟!
لم تستطع الكلام فقط رفعت الهاتف له.
قرأ الرسالة، ووجهه تغيّر بالكامل.
ذلك الهدوء الذي كان يحاول الحفاظ عليه انهار.
قال بعزمٍ لا يقبل النقاش:مش هنستنى.
هبلغ الشرطة هنا.
واللي بيهددنا ده هنعرفه ونوصل له.
لكن ليلى هزّت رأسها بقوة:لا يا إياد ما أقدرش أرجع لدائرة الخ،وف دي تاني ما أقدرش أعيش مطاردة!
ض*مها إليه بقوة، وكلماتها تتك*سر على صدره.
قال بصوتٍ خافت لكنه ثابت:أنا مش هسيبك.
مش هسيب حد يقرب منكم.
واللي بيلاحق سامي هيتكشف.
وفي تلك اللحظة، نهض سامي من سريره وهو يبكي ويقول:ماما الراجل تحت بيبص علينا من الشباك.
ركض إياد نحو النافذة فتح الستارة بحدة لكن لم يجد أحدًا.
الشارع كان فارغًا تمامًا.
الظلال جاءت معهم، وته*ديدٌ جديد يلاحقهم في الغربة.
لكن هذه المرة ليست ليلى وحدها من يقف أمام الخ*طر.
إياد، وسامر، وصالح اليوسف الجميع سيُختبر.
بعد تدهور حالة ليلى النف*سية، قرر إياد أن يصطحبها في رحلة قصيرة إلى مكان هادئ بعيدًا عن الضغوط. اختار منتجعًا صغيرًا لا يعرفه أحد، وحرص على أن تظهر الرحلة وكأنها مجرد استجمام لكن الحقيقة أنه جاء وفي باله احتمال أن من يحاول أذ*ية ليلى قد يتتبعها حتى هنا.
منذ لحظة وصولهما، كان إياد يتصرف وكأنه لا يهتم بشيء سوى ليلى يمسك يدها، يساعدها على النزول من السيارة، يبتسم لها، يطمئنها.
لكن خلف هذه الابتسامة عقله يعمل بأقصى سرعة.
قبل السفر بيومين فقط، رتّب مع فريق خاص يعرفه من العمل. ثلاثة رجال وامرأة، متنكرون
نزيل في المنتجع
نادلة في المطعم
موظف استقبال
وزائر عادي يقرأ الكتب قرب النافورة
كلهم يراقبون المكان دون أن يثيروا أي شبهة.
ليلى كانت تمشي بجانبه، تنظر للأشجار والبحيرة الصغيرة لا تدري أن المكان كله أصبح تحت حماية غير مرئية.
في إحدى اللحظات، أحسّت ليلى بشعور غريب كأن أحدًا يتبعها لكنها حاولت أن تتماسك.
أما إياد، فكان يتظاهر بعدم ملاحظة أي شيء، حتى عندما لمح من زاوية عينه شخصًا يقف قرب سور المنتجع وكأنه ينتظر شيئًا.
رفع كوب العصير إلى فمه، وتظاهر بأنه يستمتع بالمنظر بينما المراقب المتخفي بجوارهم أرسل له رسالة خفيفة اهتز بها هاتفه:الشخص نفسه الذي ظهر قرب شقة ليلى قبل أسبوع وصل ننتظر تعليماتك.
إياد لم يغيّر ملامحه اكتفى بأن وضع يده على ظهر ليلى بلمسة هادئة وهو يقول لها:تحبين نمشي على البحيرة ولا نريح أول؟
ابتسمت وهي تهز رأسها، لكن صوتها كان ضعيفًا:نمشي يمكن أروق شوي.
سارا معًا، وإياد بجانبه يحميها وهو في كامل هدوئه لكنه من الداخل نار.
عيناه تراقبان كل تفصيلة: العابرين، النوافذ، الممرات.
وفريقه يرسل له تحديثات متتالية:الشخص تحرك دخل المطعم يجلس بمقربة منكم.
لكن إياد بقي ثابتًا، وكأنه لا يرى شيئًا.
في النهاية، أرسل لهم رسالة قصيرة:راقبوه لا تتحركوا حتى أعطي الأمر.
