الفصل الثامن عشر 18
بقلم خضراء القحطاني
في صباح هادئ، جلس إياد في الشرفة يتفحص ملفًا تسلّمه من رجاله.
ملف ثقيل لكنه يحمل الإجابة التي كان يخشاها.
الورقة الأولى كانت صورة للرجل الذي حاول لمس سامي.
والثانية تقرير الرجل يعمل لحساب جهة خاصة تبحث عن طفل مجهول الأب مواصفاته تطابق سامي.
إياد يض*رب الطاولة بقبضة صامتة.
إذن الخ*طر ليس على ليلى وحدها.
الخ*طر على سامي أيضًا.
ثم ينتقل للصفحة الأخيرة وهنا يشيح بوجهه في صدمة.
اسم رجل يبحثون عنه منذ سنوات سامي صالح اليوسف
ابن صالح اليوسف الحقيقي.
الوريث الشرعي الذي اختفى وهو رضيع.
إياد يغمض عينيه:سامي الصغير هو الوريث اللي كانوا بيدوروا عليه.
وهذا يعني أن من يريد الطفل
لا يريد الخير له إطلاقًا.
ليلى دخلت الشرفة خفيفة الخطوات، ويبدو أنها كانت تستجمع شجاعتها لتتحدث عنهما وعن قب*لة الأمس
لكنها رأت وجه إياد المتوتر.
جلست بجانبه:إياد في حاجة حصلت؟
تردد لحظة لكنه لم يستطع الك*ذب عليها بعد الآن.
ناولها التقرير.
ليلى قرأت اسم صالح اليوسف ثم اسم سامي ثم الكلمة التي خانت قلبها:وريث
وجهها ش*حب.
يدها ارتج*فت.
يعني ابني بخ*طر؟
حد عايز ياخده؟
ليه؟
ليه؟!!
إياد يمسك يدها بسرعة:ولا حد هيقرب منه.
أنا وعدتك وهفضل على وعدي.
لكنها تبكي تتنهّد وتضع رأسها على صدره لأول مرة دون خ*وف.
أنا مش قادرة خايفة يا إياد خ*ايفة أف*قده زي ما ف*قدت نفسي سنين.
إياد يحت*ضنها بقوة، وكأنه يحت*ضن مخاوفها كلها:مش هتف*قدي حد طول ما أنا موجود.
قاطع لحظتهم اتصال طارئ.
إياد ردّ بقلق:إياد باشا عندنا مشكلة.
الرجل اللي كان بيلاحق الطفل اختفى من الفندق.
اختفى؟!
والأسوأ لقينا ورقة في سيارته مكتوب عليها عنوان الشقة اللي أنتم فيها.
إياد وقف بسرعة.
ليلى وضعت يدها على فمها من الرع*ب.
وهنا كان القرار:لازم نمشي الليلة.
مهما كان الثمن.
بعد الاتصال المزعج، لم يكن أمام إياد أي خيار.
دخل غرفة ليلى وقال بصوت منخفض لكنه حازم:جهزي شنطة خفيفة هنمشي فورًا.
ليلى حدّقت فيه بخ*وف:دلوقتي؟ في نص الليل؟
أيوه المكان اتكشف.
سامي كان نائمًا، فحملته ليلى بسرعة، وقلبها يدق كطبول حرب.
خرجوا من الباب الخلفي للشقة.
سيارة سوداء تنتظرهم دون أضواء داخلية، ورجال متخفون ينتشرون في الشارع كظل غير مرئي.
ليلى تجلس بالمقعد الخلفي، تضغط سامي إلى صدرها، بينما إياد يجلس بجوار السائق يراقب كل منعطف.
لم يبتعدوا سوى 10 دقائق حتى لمح إياد سيارة رمادية تتبعهم على بعد مناسب.
قال للسائق:غيّر الطريق دلوقتي.
السيارة انعطفت بسرعة، لكن السيارة الرمادية تغيّر اتجاهها معهم.
ليلى شهقت:بيتبِعُونا؟!
إياد أمسك يدها:ومتخ*افيش أنا معاك.
رفع جهازًا صغيرًا وقال:الوحدة ألفا جهزوا نقطة الإغلاق.
وعند نفق ضيّق، خرج رجلان من الظل ووقفا في منتصف الطريق.
السيارة الرمادية حاولت التراجع لكن سيارة أخرى سدت الخلف.
وبلا ص*راخ ولا إط*لاق ن*ار،أُمسك الرجلان داخل السيارة في لحظات.
سامي يهمس بصوت صغير:ماما إحنا هنم*وت؟
ليلى تضمّه:لأ يا حبيبي إحنا بخير.
لكن صوتها كان يرتج*ف.
في مكان آمن أُدخل الرجل الرئيسي إلى غرفة التحقيق.
ليلى بقيت في غرفة خارجية صغيرة، جالسة على كرسي، وسامي متمسك بملابسها.
إياد دخل ليطمئن عليها:هبدأ التحقيق لو سمحتِ استريحوا هنا.
ليلى تهز رأسها، لكنها تخفي بكاءها.
إياد يلمس كتفها:مش هسمح لحد يقرب منكم ولا حتى خطوة.
ثم يغادر.
من خلف الباب، تسمع صوت الرجل وهو يص*رخ:إحنا عايزين الولد!! الطفل ده مش ابنها أصلا!
ليلى وضعت يدها على صدرها كأن قلبها انق*سم نصفين.
بعد ساعة، خرج إياد منهكًا، لكنه أخفى القلق بعناية.
اقترب منها ببطء:ليلى لازم نسافر تاني.
الخ*طر مش شخص ده تنظيم كامل.
ليلى حدّقت في الأرض:يعني طول الوقت ده أنا كنت عايشة وأنا مش عارفة إن سامي.
قطع كلامها بسرعة:سامي ابنك.
انسي كل اللي اتقال جوا.
متخليش حد يشكك في ده.
لكن دموعها سبقت كلماتها.
بس ليه ليه أنا؟
ليه ابني؟
ليه حياتي بقت كده؟
أنا تعبت تعبت أوي يا إياد.
وهناك انف*جر الجزء الذي كانت تخبئه.
بكت في حض*نه لأول مرة.
بكاء انك*سار وبكاء روح ف*قدت الأمان.
إياد يض*مّها بقوة:أنا هنا ومش هسيبك.
كانوا يستعدون لمغادرة المكان الآمن عندما وصل اتصال آخر.
إياد رد، وبعد ثوانٍ تغيّر لون وجهه.
ليلى سألت بخ*وف:في إيه؟
إياد أغلق الهاتف ببطء وقال:ده بخصوص بيسان.
ليلى عقدت حاجبيها:بيسان؟ عملت إيه المرة دي؟
تنفس إياد بعمق:بيسان اتصوّرت وهي بتدخل مكان مش المفروض حد يعرفه.
مكان تابع لنفس الجهة اللي بتطارد سامي.
ليلى اتسعت عيناها:يعني هي معاهم؟!
إياد :مش متأكد لكن الواضح إنها مش بريئة.
ليلى تشهق:يا رب ده معناه إن الخ*طر أقرب مما كنا فاكرين.
إياد ينظر إليها نظرة تختلف عن أي مرة:ومعناه كمان إني مش هسيبك لحظة واحدة يا ليلى.
وأول مرة منذ زمن هي لم تعترض.
في المساء، تلقّى إياد ملفًا جديدًا من فريق المراقبة.
عندما فتحه اتسعت عيناه.
الصور تُظهر بيسان مع الرجل الذي حاول اخ*تطاف سامي.
بيسان تدخل مبنى تابع للمنظمة التي تبحث عن الوريث.
بيسان تتبادل رسائل مع جهة مجهولة.
ثم المفاجأة بيسان ليست مجرد أخت بالتبني.
بل كانت على علم بسر سامي قبل الجميع.
إياد أغلق الملف بقوة:يا بيسان إيه اللي عملتيه؟
بعد يومين فقط، بينما كانت ليلى تغسل الصحون وسامي يلعب في غرفة المعيشة سمعت صوت ارتط*ام خفيف في الشرفة.
وعندما خرجت رجل مقنّع يقف داخل الشرفة
وقد أمسك سامي من ذراعه!
سامي يص*رخ:ماماااا!
ليلى تجري نحوه بلا تفكير، لكنه يدف*عها بقوة فتص*طدم بالجدار.
قبل أن يه*رب الرجل بالطفل سمعوا صوتًا م*دويًا:وقف مكانك!
إياد ان*دفع مثل عاص*فة، وط*رح الرجل أرضًا، ثم ك*بّله بانف*عال غير مسبوق.
ليلى انه*ارت وهي تحتضن سامي:ياااارب ارحمنا مش عايزة أفق*ده!
إياد اقترب، يرتج*ف غضبًا:مش هيقربوا منه طول ما أنا عايش.
مسح دموع ليلى، وضع يديه على وجهها وقال:إحنا هنختفي.
أنا وانتِ وسامي لحد ما نكشف كل حاجة.
ليلى تحدّق فيه بخوف:و وبيسان؟
حنى رأسه قليلًا ثم قال:هواجهها ومش هسامح أي حد يه*ددك حتى لو كانت هي.
كانت تلك اللحظةأول مرة تشعر فيها ليلى أن إياد ليس فقط زوجًا بل سندًا ودرعًا ومصيرًا جديدًا.
