رواية سليم والمراهقة الفصل التاسع 9 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل التاسع 9 

بقلم خضراء القحطاني


كانت سلسبيل قاعدة في أوضتها، النور خافت والعلبة الصغيرة لسه على الكومودينو جنبها كل شوية تبص عليها وتفتكر السيارة سليم، وفارس اللي اختفى فجأة قلبها لسه بيخبط في صدرها.

رنّ تليفونها أكتر من مرة، اسم سارة يطلع على الشاشة، لكنها كل مرة كانت تقلب التليفون على وشه وتسيبه يرن.

بعد ساعة، سمعت طرقات خفيفة على باب شقتها لما فتحت، لقت سارة واقفة، وشها متوتر وعينيها فيها دموع:سلسبيل بالله عليكي اسمعيني بس، أنا غلطت في حقك كتير، بس ماكنتش أعرف إن الموضوع هيكبر كده.

سلسبيل بصتلها ببرود، ما فتحتش الباب كله.

جايه تقول إيه دلوقتي يا سارة؟ خلاص اللي كان كان.

سارة مدّت إيديها برجاء:والله ماكنتش قصدي أأذي*كي كنت فاكرة كل اللي بيحصل هزار بس لما شفت العربية اللي خدتِك خوفت عليك.

سلسبيل سكتت ثواني، قلبها بيت*ألم، بس عقلها مش قادر يثق تاني.

أنا مش قادرة أصدقك يا سارة مش بعد كل اللي عملتيه.

حاولت سارة تمسك إيدها، لكن سلسبيل سحبتها بهدوء ورجعت خطوة لورا، وأقفلت الباب ببطء وهي تقوللو كنتِ حقيقية كنتِ وقفتي جنبي من الأول.

وقفت سارة قدام الباب، دم*وعها نازلة، حاسة بندم حقيقي بس مش لاقية طريق ترجع بيه لسلسبيل زي الأول.

كانت سارة قاعدة قدام الكرّاسة، القلم في إيديها بس عقلها مش في الكلام المكتوب عينيها تسرح على الهوا، صورة سلسبيل وهى بتبعد عنها وتقفل الباب قدامها مش راضية تسيبها لحظة من يومها وسارة كل يوم تحاول تكلمها، تروح المدرسة بدري، تستناها على الباب، تبعت لها رسائل، تهديها حاجات صغيرة لكن سلسبيل ما بقتش ترد، ما بقتش حتى تبص ناحيتها.

الدروس تراكمت عليها، مذكّراتها بقت فاضيّة، وكل ما تيجي تمسك القلم تلاقي دم*وعها نازلة من غير ما تحس في يوم دخل عليها مسعود وهو شايل شنطته، شاف الكتب مرمية على الأرض والبيت ساكت:إيه يا سارة؟ ما انتي طول عمرك شاطرة! بقالك أسابيع ما بتذاكريش إيه اللي جرالك؟

رفعت عينيها ليه، ملامحها مرهقة:مش قادرة يا مسعود كل ما أمسك الكتاب أحس إني خ*نتها سلسبيل كانت أنضف واحدة عرفتها وأنا خذلتها.

مسعود عضّ على شفايفه بعص*بية، صوتُه عالي:وبعدين يعني؟ هتض*يّعي نفسك علشان حد ما بقاش في حياتك؟ ده مش منطق! فوقي بقى.

هي نزلت راسها وما ردتش، دموعها غرقت الكرّاسة مسعود سابها وخرج وهو متضايق من بعدها بقى قليل الكلام معاها، ما عادش يسألها حتى رايحة فين.

أما أختها الكبيرة، اللي كانت دايمًا واقفة جنبها، فاض بيها الحال هي كمان متجوّزة من عمران ورجعت عند أمها فترة بعد مش*اكل، لكنها لما لقت سارة في حالتها دي قالت لها بضيق:أنا ماعادش فيا طاقة يا سارة كل واحد فينا عنده همّه، وأنا لازم أرجع بيتي وأشوف حياتي.

سارة يومها حسّت إنها بقت وحيدة فعلًا أختها لمّت هدومها ورجعت بيت عمران، ومسعود غاض*ب منها وبارد، وكل اللي في دماغها سلسبيل وندمها اللي بيزيد يوم بعد يوم.

كانت كل ليلة تبص لتليفونها، نفسها ييجي منها رسالة، أي كلمة تسامحها، لكن الصمت كان هو اللي بيجاوبها. ومع كل يوم يمر، سارة تض*عف أكتر، دراستها تتدهور، ونظرة الناس ليها بقت مختلفة.

في يوم عادي، سلسبيل صحيت على خبر سفر أهلها المفاجئ لفترة طويلة، والدها أخد عمل برّه فجأة، والبيت بقى فاضي، حتى صوت أمها اللي دايمًا بيدّيها طمأنينة ما عادش موجود لقت نفسها وحيدة، بتحاول تذاكر وتلهي نفسها، بس كان في إحساس غريب بالنقص.

في نفس الوقت، سارة اللي بقالها شهور بتحاول تقرب وتك*فّر عن ذنبها، تعبت فجأة في الأول كان مجرد برد عادي، لكن حالتها بدأت تس*وء يوم بعد يوم جسدها ض*عُف، وشحبت ملامحها، وأمها وأبوها وأخوها مسعود بقوا ليل نهار جنبها اللي كان غاضب منها بقى ماسك إيدها، وأختها اللي كانت سابتها رجعت من بيت عمران علشان تكون معاها الم*رض جمع العيلة اللي كانت متفرقة.

سارة في أيامها الأخيرة كانت كل ما تفوق تقول لأمها:قولوا لسلسبيل إني آسفة قولوا لها تسامحني قبل ما أمشي.

أمها كانت تهز راسها وهي بتبكي، مش قادرة تقول حاجة غير حاضر يا بنتي.

في ليلة مطرها كان تقيل على الشبابيك، سارة شدت نفس عميق وقالت بهمس:لو شافت الرسالة دي يمكن تسامحني.

وسكتت بعدها لفترة طويلة، جسدها بقى ب*ارد بعد أيام قليلة المرض اشتد عليها لحد ما اس*تسلمت ومشت في هدوء وهي ماسكة إيد أمها.

خبر م*وتها وصل لسلسبيل متأخر كانت قاعدة في أوضتها، فتحت الموبايل لقت رسالة قصيرة: سارة توف*يت كانت بتحبك وبتتمنى تسامحيها.

الرسالة نزلت عليها زي الص*اعقة دم*وعها غرقت وشها، افتكرت كل لحظة بينهم، كل الضحك اللي ضحكوه مع بعض، وكل الخ*يانة اللي حسّت بيها، وكل المحاولات اللي ص*دّتها قعدت على الأرض تبكي وهي تقول:يا سارة ليه ما قلتليش؟ ليه ما استنيتيني أسامحك؟

البيت كان ساكت، مفيش غير بكاها اللي بيطلع من قلب موج*وع كانت لأول مرة تحس إنها فقدت حد فعلاً، وإن الغ*ضب والزعل مهما كان، مش هيعوض لحظة وداع ما حصلتش.

السماء كانت غايمة والجو ساكت كأنّه بيشاركها حزنها سلسبيل وقفت قدّام الم*قابر، لابسة طرحة سودة بسيطة، في إيديها ورد أبيض كانت رجليها بتتهز من رهبة المكان واللحظة عمرها ما تخيّلت تيجي هنا علشان سارة صاحبتها اللي كانت من كام سنة تضحك معاها وتخطط معاها للمدرسة والفسح.

قربت من الق*بر اللي عليه اسم سارة، لمسته بإيديها المرتعشة، الوردة وقعت من إيدها على التراب.

قعدت على ركبها قدامه، وبصوت مك*سور قالت:إزيك يا سارة؟ أنا سلسبيل جِتلك زي ما كنتِ بتطلبى سامحينى يا سارة، كنتِ بتبعتِلى وتيجى لحد بابى وأنا كنت أبعد كنتِ بتحاولى وأنا ماكنتش عايزة أسمع والله ماكنتش فاهمة إنك ندمانة بجد.

مسحت دم*وعها بكفها وقالت وهي بتبص للسماء الناس كلها بتحكي إنك كنتِ بتهتمي بيا لآخر لحظة، وبتقولى تسامحكِ أهو أنا جيت سامحتك يا سارة سامحتك من قلبي.

صوتها اتخن*ق وهي تكمل وحشاني ضحكتك، وحشاني أسئلتك اللي مالهاش معنى حتى خ*يانتك ليّ بقت وج*ع حنين مش وج*ع غضب أنا سامحتك يا سارة، بس كنتِ فين علشان تسمعيني؟

الهواء كان بيهفّ على شعرها وبيحرّك الطرحة، وردة بيضا صغيرة انغرست في التراب قدام الق*بر.

سلسبيل مدت إيديها ولمست التراب تاني، حست بدفا غريب رغم برد المكان نامي وارتاحي يا سارة أنا مش هنسى اللي حصل بينا، بس هفضل أفتكرك بالخير.

وقفت بهدوء، مسحت دموعها بإيدها، وبصّت للقبر للمرة الأخيرة قبل ما تمشي قلبها كان م*وجوع بس حاسس بخفة غريبة، كأن الحمل اللي كان على صدرها اتشال بعد ما قالت كل اللي كان محبوس.

              الفصل العاشر من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>