الفصل العاشر 10
بقلم خضراء القحطاني
مكتب واسع بديكورات داكنة، زجاج يطل على القاهرة سليم يجلس خلف مكتب ضخم، ملامحه حادة، نظراته صارمة على الطاولة ملفات، هاتف، وصورة صغيرة مقلوبة الوجه.
تدخل سلسبيل مترددة، يرافقها موظف حتى الباب ثم يتركها.
صوت حذائها يرن في المكان الهادئ تتوقف أمام المكتب، يرفع سليم عينيه إليها.
سليم بصوت منخفض وج*امد: اتفضلي قعدي.
سلسبيل بصوت مرتجف: مش هقعد أنا مش جايه علشان أقعد.
سليم يميل للخلف في كرسيه: طيب ليه جيتي إذن؟
سلسبيل: عايزة أفهم أنت ليه كنت دايمًا حوالينا؟ وليه سارة.
سليم يقاطعها بح*دة: ما تجيبيش سيرة سارة هنا.
سلسبيل تتنفس بعمق: كانت صديقتي مات*ت وزعلانة ولو لك علاقة باللي حصل.
سليم يقف فجأة: اسكتي! ما تعرفيش حاجة عن اللي حصل.
سلسبيل تتراجع خطوة للخلف: أنت بت*خوفني ليه؟ أنا مش عاملة حاجة.
سليم صوته يهدأ فجأة: أنا مش بخي*فك أنا بحميك حتى لو مش فاهمة.
لحظة صمت.
سليم ينظر إلى عينيها نظرة طويلة، فيها شيء من الح*زن، لكنه يشيح بوجهه فورًا حتى لا يظهر ضعفه.
سليم بصوت خافت: اللي حصل لسارة كان أكبر منكم كلكم ما تفتحيش المواضيع دي دلوقتي.
سلسبيل بح*زن: كانت أقرب إنسانة ليا راحت من غير ما تسامحني وجاية تسألني ليه.
سليم: أوقات الغلط مش كله عليكِ ولا عليها الدنيا أق*سى من كده.
سلسبيل تبص له مستغربة، ما تعرفش هو مين بالضبط.
سليم يضغط على جرس مكتبه، يدخل الموظف.
سليم: وصّل الآنسة لحد باب الشركة.
سلسبيل تتمتم: أنت مين بالظبط ؟
سليم يلتفت لها للحظة: هتعرفي بس مش دلوقتي.
في عالم الاستيراد والتصدير كان يتحرك كأنه أسد في غابة، شركات منافسة تس*قط واحدة تلو الأخرى، رجال أعمال أقوياء يختفون فجأة من الساحة أو يعلنون إفلاسهم، والكل يعرف أن سليم يقف وراء ذلك لكنه لا يترك أثرًا.
جلس في مكتبه الفخم يوقّع على عقد جديد، ابتسامة باردة على وجهه، أمامه رجل أعمال كان يحاول منذ أشهر أن ينافسه على صفقة كبرى رفع سليم رأسه نحوه بعينين رماديتين قاسيتين وقال سليم بهدوء مرع*ب: أنا مش بحب أكرر كلامي لو شفتك مرة تانية بتحط اسمك جنبي في أي مزاد مش هتكون واقف على رجلك.
الرجل ارتعش رأسه، مدّ يده للملف وهو يعتذر سليم اكتفى بنظرة إزد*راء، ثم أدار كرسيه نحو النافذة.
كان يعلم أن الناس يرونه قاس*يًا، لكن في الداخل كان هناك ج*رح آخر أخته الصغيرة شهد.
شهد كانت روحه يومًا ما، كل ما تبقى من أمه بعد م*وتها لكن عندما أراد أن يحميها على طريقته أجب*رها على الزواج من رجل يراه مناسبًا ليحميها ويؤمّن مستقبلها هي لم ترَ فيه إلا خ*يانة وباعتها في نظرها ومن يوم زفافها وهي لا ترد على اتصالاته، لا تزوره، ولا تناديه إلا باسمه مجردًا: سليم بدلًا من أخويا.
ليالي طويلة كان سليم يسهر في مكتبه بعد أن يغادر الموظفون، ينظر إلى صورة صغيرة تجمعهما في طفولتهما، يحاول يقنع نفسه أنه فعل الصواب لكنه في كل مرة يسمع صدى كلمتها الأخيرة يوم الزفاف:أنا بك*رهك يا سليم.
يبتلع الق*سوة كما يبتلع حبوب الدواء ويعود ليمارس عمله، ك*وحش يعرف أنه لو توقف لحظة سيؤكل، فيزيد عن*فًا في السوق ليُسكت صوت الذن*ب في داخله.
في شقة واسعة في حي راقٍ من القاهرة، كانت شهد واقفة قدام الشباك، إيديها متشابكة وعينيها متعلقة بالشارع تحت صوتها عالي مليان غ*ضب شهد: أنا مش هعرف أعيش كده إنت اتجوزتني غص*ب عني! ليه حرمتني من حياتي ومن اختياري؟ ليه يا آدم؟
زوجها آدم كان قاعد على الكنبة، ماسك فنجان القهوة، شكله هادي بس عينيه فيها تع*ب رفع عينه ليها وقال بنبرة أقرب للصعيدي آدم: يا بنت الناس أنا ما أجبرتكش بإيدي، أخوكي اللي عمل كده.
بس من يوم ما دخلتي بيتي وأنا بقولك أنا بحبك، وبحاول أرضيكي سنة كاملة وإنتي كل يوم نفس الكلام.
لو مش مرتاحة معايا، أهو الباب قدامك الط*لاق مش عي*ب ولا ح*رام بس أنا ما أتحملش كل يوم تسمعيني نفس اللي بتقوليه.
شهد استدارت نحوه بعينين تلمع فيها دموع
مق*هورة شهد: بتحبني؟! بتحبني وإنت عارف إن قلبي مش معاك! بتحبني وإنت ما سألتش نفسي قبل الجواز؟
آدم قام وراح ناحيتها، وقف على مسافة صغيرة وقال بهدوء
آدم: سألت بس ما كنتش هعرف أقولك لا.
أنا بجد بحبك يا شهد وحاولت، والله حاولت أكسب قلبك بس لو إنتِ مش عايزة تكمّلي، قوليلي بدل ما تفضلي كل يوم تع*ذبيني بالكلام.
شهد سكتت، الدموع نزلت على خدّها، وهو لأول مرة يحس قد إيه الكلام ده ك*سر قلبه هي بت*كرهه لأنه رمز الإك*راه اللي حصل لها، وهو بيحبها ومش قادر يسيبها.
بعد ما خلص الكلام وطلع من الأوضة، قفل الباب وراه وقعد على الكرسي في الصالة فنجان القهوة برد على الطاولة وهو مش قادر يمد إيده ليه مسح على وشه بإيده، حاسس بالخذلان آدم بينه وبين نفسه: يا رب أنا عملت إيه غلط؟ أنا بحبها بجد، من أول يوم شفتها حتى وهي داخلة بيتي زع*لانة وم*قهورة قلت في نفسي هأكسب قلبها، هأخليها تحس بالأمان سنة كاملة وأنا بحاول أضحكها، أجيب لها اللي تحبه، أكون راجل ليها قبل ما أكون زوج. بس كل يوم نفس الكلام أنا تعبت.
عينيه دمعت وهو بيكمل في صمت آدم: بس برضه مش قادر أك*رهها، مش قادر أسيبها.
في نفس الوقت كانت شهد واقفة في أوضتها، لسه دموعها على خدودها سكتت لما سمعت الباب يتقفل وهدأت الأصوات قربت من المرآة وبصّت على نفسها، الشحوب والت*عب ظاهرين في وشها لمعت دمعة جديدة في عينها شهد بينها وبين نفسها: أنا ظ*الماه هو مالوش ذن*ب هو ما أجبرنيش بإيده أنا بس حمّلت عليه كل غي*ظي من سليم ومن اللي حصل وهو كل يوم بيحاول يرضيني يمكن أنا فعلاً بحبه بس مش قادرة أعترف.
تنهدت، قلبها كان بيدق بسرعة وهي تتذكر ح*زنه في عينيه. مسحت دموعها بيدها وقالت بصوت
منخفض شهد: كفاية بقى لازم أغيّر.
قامت فتحت الدولاب بهدوء، طلعت شنطة صغيرة فيها حاجات كان بيحبها آدم صور قديمة، كتاب كان قال لها عليه، وقررت تجهز له مفاجأة بسيطة تعمله عشاء من إيديها، وتكتب له رسالة تعتذر فيها لأول مرة كانت مشاعرها متلخبطة ما بين الخ*وف من رد فعله والأمل إنه يفرح.
في ليلة هادية، الشقة كلها ساكتة إلا من صوت خفيف جاى من المطبخ شهد لابسة طرحة بسيطة، ووقفة على البوتاجاز تقلب في حلة صغيرة ريحة الأكل كانت مالية المكان كانت بتحاول تفتكر كل حاجة هو بيحبها حطت الأطباق على الترابيزة بنفسها، وشمعة صغيرة في النص من غير ما تبالغ.
قلّبت الرسالة اللي كتبتها بإيديها، قلبها كان بيدق جامد الرسالة مكتوب فيها بخطها:آدم أنا كنت ظ*الماك كنت بكره الموقف مش بكرهك يمكن أنا بحبك بس خايفة أقولها سامحني لو جرح*تك في يوم أنا نفسي نبتدي من أول وجديد.
مسحت دموعها بسرعة قبل ما ييجي.
دخل آدم البيت بهدوء كعادته بعد الشغل، أول ما فتح الباب اتفاجئ بالريحة وقف في الصالة مش فاهم إيه اللي بيحصل شهد خرجت له من المطبخ بابتسامة مترددة، لابسة فستان بسيط كانت عارفة إنه بيحبه عليها.
آدم: إيه ده يا شهد؟ انتي عاملة كل ده؟
شهد بخجل: آه حبيت أعمل لك حاجة من إيديا.
جلسوا على الترابيزة في صمت لحظة، وبعدين شهد دفعت له الرسالة بإيدها وهي مش قادرة تبص في عينيه آدم فتح الورقة وقرأها بهدوء أول ما خلص، رفع عينيه ليها كانت هي متوترة جداً.
قرب منها، صوته كان مبحوح آدم: هو ده الكلام اللي كنت نفسي أسمعه منك يا شهد سنة كاملة مستني اللحظة دي.
مد إيده بهدوء ولمس إيدها دموعها نزلت غص*ب عنها ابتسم وهو بيقول آدم :يلا بقى ناكل سوا ونبتدي من أول وجديد زي ما كتبتي.
ابتسمت شهد لأول مرة بجد من قلبها حسّت إنها بتتنفس بعد اخ*تناق طويل كانت لحظة بسيطة لكنها ك*سرت الحاجز اللي بينهم.
كان النهار لسه في أوله لما وقف سليم قدام باب شقة أخته شهد شكله مختلف عن المعتاد، بدلته الغالية ولغته الواثقة زي ما هي، لكن في عينيه حنين خفيف دق الباب بهدوء.
آدم فتح له بابتسامة صافية آدم: أهلاً يا سليم نورت البيت.
سليم: إزيك يا آدم حبيت أزوركم كده من غير ميعاد.
دخل سليم، شم ريحة القهوة والأكل اللي لسه طازة كان الجو في الشقة دافئ غير المعتاد خرجت شهد من المطبخ لما سمعت صوت أخوها كانت لابسة حاجة بسيطة وابتسامتها مختلفة، فيها صدق لأول مرة من شهور.
وقفت قدامه لحظة، اتقابلت عينيهم كان في حاجز بينهم طول الوقت، حاجز من خ*وفها وتمرّدها على كل حاجة، لكن النهارده كان في شيء مختلف قربت منه وخدت نفس طويل وبعدين فجأة احت*ضنته بقوة، زي زمان وهي صغيرة.
اتسعت عينا سليم من المفاجأة، وبعد ثواني حض*نها هو كمان وضحكة صغيرة طلعت من صدره سليم بصوت منخفض: ياااه يا شهد وحشتيني بجد.
دموع خفيفة نزلت من عين شهد وهي بتقول شهد: سامحني يا سليم أنا كنت بك*ره كل اللي حصل مش بك*رهك أنت كنت حاسة إنك السبب في كل حاجة.
مسح سليم على شعرها وقال سليم: خلاص يا حبيبتي، المهم إنك بخير وسعيدة أنا كل اللي كنت عايزه إنك تبقي بخير حتى لو كنتِ زع*لانة مني.
آدم كان واقف جنبهم، مبتسم، وشايف للمرة الأولى أسرة صغيرة بتتصالح بعد وقت طويل الجو كله بقى أخفّ، حتى سليم نفسه حس إن قلبه الث*قيل خفّ شوية لما شاف شهد بتسامحه وتح*تضنه.
جلسوا كلهم على القهوة، والضحك بدأ يملأ المكان بعد شهور من الصمت كان واضح إن بداية جديدة حقيقية بدأت مش بس لشهد وآدم، لكن حتى لسليم اللي لسه قلبه ح*جر في الخارج، لكنه مع أهله رجع إنسان تاني.
