الفصل الثالث عشر 13
بقلم خضراء القحطاني
مرت أيام قليلة بعد الخطوبة، والبيت كان مليان حركة وتهاني من القرايب والجيران، لكن سلسبيل رغم كل ده كانت حاسة بحاجة غريبة جواها مش عارفة تفرّق هي راحة ولا خوف.
كانت قاعدة في شرفة بيتهم، نسمة الليل بتداعب شعرها الطويل، وكل تفكيرها في اللي حصل، في سليم الجندي، الرجل اللي دخل حياتها فجأة وسيطر عليها من غير ما تقول كلمة واحدة.
دخل أبوها بهدوء، قال بابتسامة باهتة:مالك يا بنتي؟ سرحانة كده ليه؟ المفروض تبقي مبسوطة دا سليم راجل كويس.
ابتسمت سلسبيل بخفة وقالت:يمكن يا بابا، بس بحس إن في حاجات مستخبيّة مش بفهمه.
هزّ الأب راسه وقال:هو فعلاً غامض، بس خالك أدهم بيقول إنه راجل أمين.
ثم غادر الغرفة، وسابها مع أفكارها.
في الليلة دي، رن تليفونها، رقم غريب.
ترددت قبل ما تفتح الخط، ولما قالت ألو، سمعت صوته العميق المميز:بتفكّري في إيه يا سلسبيل؟
صوت سليم.
ارتبكت وقالت:إنت بتكلّمني منين؟! جبت رقمي إزاي؟
رد بهدوء فيه لمحة سخ*رية:مش مهم إزاي المهم إني عارف إنك مش بتنامي من كتر التفكير.
حاولت ترد عليه بحدة لكنها فشلت، كانت نبضاتها سريعة جدًا.
قالت وهي بتحاول تسيطر على صوتها:أنا مش مضايقة حد، سيبني في حالي يا سليم.
ضحك بخفوت وقال:أنا اللي مضايَق من بعد الخطوبة ما سمعتش صوتك، كنت فاكر إنك نسيتي إنك بقيتِ تخصيني.
انق*بض قلبها من الكلمة الأخيرة،تخصيني.
فيها رهبة ودفء في نفس الوقت، لكنها قالت بحذر:إحنا لسه مخطوبين، يعني لسه مش.
قاطعها بهدوء غامض:بس قريب والوقت اللي جاي هيخلّيكِ تفهمي أنا مين بالضبط.
ثم أغلق الخط، تاركًا ورا صوته أثر كأنه نقش على جدار قلبها.
تاني يوم، وهي خارجة من البيت رايحة الشغل الجديد في الكافيه، اتفاجئت بعربية فخمة واقفة بعيد، والسواق بينزل منها باقة ورد حمراء ويحطها قدام باب العمارة.
نظرت حواليها بخوف، لكنها استلمت الورد وفيه كارت مكتوب عليه بخط أنيق:ما تقلقيش من اللي جاي، أنا جنبك دايمًا.
بدون توقيع.
عرفت في قرارة نفسها إن سليم هو اللي بعتها، بس ما كانتش عارفة ليه قلبها بيرتعش مش من الخ*وف من الإحساس الغريب بالأمان.
الليلة دي، رجع سليم بيته متأخر، وكان أيهم مستنّيه في المكتب.
قال أيهم وهو بيقلب في أوراق على الطاولة:شايفك متغيّر اليومين دول.
رد سليم من غير ما يرفع عينه:مفيش.
قال أيهم بابتسامة خفيفة:مفيش؟ ولا في واحدة بدأت تهزّ الحيطان اللي بنيتها حواليك؟
سليم رفع نظره بحدة، لكن ملامحه ما قدرتش تخفي ارتباكه.
قال ببرود:أنا عمري ما سمحت لحد يدخل حياتي، ومش هبدأ دلوقتي.
فابتسم أيهم وقال بهدوء:الكلمة دي هي أول علامة إنك بدأت تتغيّر فعلاً.
سكت سليم للحظة، وبعدها قال بنبرة منخفضة:هي مختلفة يا أيهم بس مش عايزها تخ*اف مني.
أيهم ابتسم وقال:ما تخ*افش، اللي بيحب بصدق عمره ما يخوّف.
في اللحظة دي، كانت سلسبيل بتبص للسماء من شباك أوضتها، وهي مش عارفة ليه حاسة إن حد بيفكر فيها
كانت تتنهد وتقول لنفسها:يا رب، لو في خير في الطريق دا، طمّن قلبي.
ريم كانت قاعدة في بلكونة الفيلا الكبيرة، في الدور التاني، وسط عتمة الليل اللي ملوش صوت غير هسهسه الصراصير.
قلبها واج*عها، مش عارفة ليه كل مرة تحاول تنسى اللي حصل، تلاقي الوج*ع بيخبط فيها تاني.
البيت كله نايم، بس هي لأ.
بتبص على السما، بتحاول تلاقي فيها طمأنينة، بس كل حاجة جواها كانت خايفة.
من ساعة ما رجعت الجامعة، وكل ما تشوف الدكتور شهاب الدسوقي مدرس مادة الأدب بتحس كأن نفسها بتت*قطع.
هو مش بيعمل حاجة تخ*وف، بالعكس بيتعامل بذوق، صوته هادي، ونظراته دايمًا فيها احترام.
بس ريم مش قادرة ترتاح.
تجربتها القديمة، اللي محدش يعرف عنها غيرها، كانت كفاية تك*سّر أي بنت.
شاب استغل براءتها، خلاها تصدّق إنه بيحبها، وبعدها سابها، وسبّ وراها خوف من الرجالة كلها.
في اليوم دا كانت رايحة الكلية، الجو حر، وهي شايلة شنطتها بخطوات مترددة، لحد ما سمعت صوته وراها:صباح الخير يا ريم.
اتجمدت في مكانها، مشيت خطوتين، لكنه قرب أكتر وقال بابتسامة بسيطة:ماينفعش تفضلي تسيبي المحاضرات بالشكل دا، أنا ملاحظ غيابك.
ردت بسرعة:عندي ظروف يا دكتور.
قال بهدوء:أنا مش جاي ألومك، أنا بس قلقان عليك.
القلق اللي في صوته كان حقيقي، بس هي دماغها ترجمت كل حاجة خ*وف.
رجعت خطوة لورا وقالت بعصبية:من فضلك، متقربش مني تاني!
اتصدم شهاب من نبرتها، وقال بخفوت:أنا آسف مش قصدي أضايقك.
وسابها ومشي، بس النظرة اللي سابها وراها كانت صعبة، فيها وج*ع مش بسيط.
الليل، لما رجعت ريم البيت، كانت قاعدة في أوضتها تبكي بصمت، ماسكة صورة قديمة ليها وهي بتضحك قبل ما تتكسف الدنيا حواليها.
سمعت صوت حد بيخبط الباب برفق،
ريم، يا بنتي، مالك؟
صوت أبوها رشيد الأبنوُدي، الراجل اللي الكل بيهابه في القاهرة، لكن قدام بنته بيبقى قلبه طري زي النسمة.
مسحت دموعها بسرعة وقالت:مفيش يا بابا، صداع بسيط.
فتح الباب ودخل، وقعد جنبها، وقال بنبرة صعيدية هادية:اللي جوا قلبك مابيتخباش عليا يا بنتي، انتي مش مرتاحة من حاجة؟
انهارت ريم في حض*نه وقالت وسط بكاها:أنا بخ*اف يا بابا، كل مرة حد يقرب مني بحس إني هقع في نفس الغلط تاني.
رشيد ضم*ها وقال بحنية وصرامة في نفس الوقت:اللي آذاك زمان خلاص راح، محدش في الدنيا ليه الحق يخ*وفك تاني، طول ما أنا عايش، محدش هيقرب منك إلا وأنا واقف قدامه.
ابتسمت ريم بخجل وقالت:حتى لو كان حد كويس؟
قال بابتسامة صغيرة:لو كويس فعلاً، هيعرف ييجي من الباب، مش من ورا الخ*وف.
في اليوم اللي بعده، دخلت المحاضرة متوترة، لكن شهاب كان واقف بيشرح كأنه ما حصلش حاجة.
وبعد المحاضرة، وهي خارجة، سمعت صوته يقول بهدوء:ريم، أنا عارف إنك مش بتحبّي حد يقرب، بس لو في يوم احتجتِ تتكلمي أنا موجود.
ما بصّتش وراه، بس قلبها حس بحاجة مختلفة
خ*وفها القديم لسه موجود، بس فيه حاجة جديدة بتحاول تدخل جواها يمكن أمان؟
كانت ريم تمشي في ممر الجامعة بخطوات مترددة، تحاول أن تتجاهل تلك النظرات التي تلاحقها من بعيد. قلبها يخفق بخ*وفٍ لم تعرف سببه منذ أن علمت أن الأستاذ الجديد في قسمها هو نفسه شهاب الدسوقي الاسم الذي بدأ يتردد في عقلها كجرس إنذار.
هي لا تعرفه حقًا، لكنها رأت فيه شيئًا يثير اضطرابها، ربما بسبب تلك التجربة القديمة التي جعلت قلبها يك*ره الاقتراب من الرجال.
ريم!
تجمدت مكانها كان صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا من القوة، وكأنه يعرف تمامًا ما يفعله بصوتٍ كهذا التفتت نحوه على استحياء، وابتلعت ريقها بصعوبة.
أيوه يا دكتور؟
كنتِ نسيتي الكشكول في القاعة.
اقترب منها بخطوات بطيئة، ومدّ يده بالكشكول ترددت في أخذه، لكنها في النهاية مدت يدها بسرعة لتتجنب أي احتكاك، وقالت بصوت خافت: شكرًا.
ابتسم بخفة وهو يراقب ارتباكها:ليه كل مرة تتجنبي الكلام معايا كده؟ أنا مش هآكلك يا آنسة ريم.
خفضت نظرها إلى الأرض وهمست:معلش يا دكتور، أنا بس مش بحب أتكلم كتير.
نظر إليها طويلًا وكأنه يحاول قراءة ما خلف عينيها الخجولتين، ثم قال بهدوء:مش بحب أضايق حد، بس برضو مش بحب أشوف حد خايف مني من غير سبب.
كانت كلماته بسيطة، لكنها اخترقت قلبها في داخلها، صوت آخر يقول: هو مش زي غيره يمكن يكون مختلف؟
لكن التجربة القديمة التي تركت فيها ج*رحًا عميقًا كانت أقوى من أي محاولة للاطمئنان.
مرت أيام، وبدأت تلاحظ أنه يتعمد الحديث معها أمام الطلبة، بطريقة محترمة جدًا، لا تُثير حولها كلامًا يساعدها إن احتاجت شيئًا في البحث، ويذكرها
دومًا: العلم عبادة يا ريم، والنفس لما تتعب اشتغلي، ما تسيبيهاش للفراغ.
كانت تلك الجملة وحدها كفيلة بأن تهزّها كل مرة، وكأنها تفتح نافذة في جدارها المغلق.
في إحدى المرات، رآها جالسة تبكي في فناء الكلية بعد أن جاءها اتصال من حبيبها السابق الذي خدعها، فاقترب منها دون أن يجلس، وقال بصوت خافت: اللي يج*رّحك مش لازم تديه فرصة يج*رّحك تاني يمكن ربنا شايللك الأفضل.
رفعت نظرها نحوه، لأول مرة شعرت أن خوفها منه بدأ يضعف، لكنها تداركت نفسها بسرعة وغادرت، بينما هو وقف يراقبها بعينين تحملان أكثر مما تقولان.
ومنذ ذلك اليوم، صار هو وهاجسها الذي لا يفارقها بين خوفٍ قديم واهتمامٍ جديد لا تريد الاعتراف به.
مرت أسابيع، وتغيّرت نظرة ريم تدريجيًا دون أن تشعر صارت تتابع محاضرات شهاب بتركيز مختلف، كأنها تراه للمرة الأولى، تلاحظ طريقته في الشرح، في حديثه عن الأخلاق، عن قيمة النفس، وعن الخوف من الله قبل أي خطوة.
كان كلامه دائمًا صادقًا عميقًا، وكأنه لا يُدرّس مادة علمية فقط، بل يزرع فيهم شيئًا من الإيمان.
في إحدى الأيام، كانت تعمل على بحثها في مكتبة الكلية، فدخل هو بهدوء يحمل بعض الأوراق. لمحها من بعيد، ثم اتجه نحوها وقال بابتسامة خفيفة: لسه قاعدة لحد دلوقتي؟ الدنيا بقت ليل.
رفعت رأسها بخجل: كنت عايزة أخلص البحث قبل ما أرجع البيت.
طب والبيت بعيد؟
شوية بس مش مشكلة.
وقف أمامها صامتًا لحظة، ثم قال بنبرة فيها اهتمام حقيقي: مش عايزة أحرجك، بس مافيش داعي ترجعي لوحدك متأخر كده لو موافقة، أقدر أستناك عند البوابة وأطمن إنك وصلتِ تاكسي آمن.
ترددت، وعيونها تحاول تهرب من نظراته الخ*وف القديم بدأ يتسلل لعقلها من جديد، لكن شيء ما بداخلها كان يقول: هو محترم مش زي اللي قبله.
همست: شكراً يا دكتور، بس ما ينفعش أتعبك.
التعب إنّي أسيب بنت من بناتي تمشي لوحدها بالليل، مش العكس.
كلماته تلك علقت في أذنها، وابتسمت بخفة رغم ارتباكها، ثم جمعت أوراقها وعندما خرجت، وجدته فعلًا عند البوابة، ينتظرها دون أن يتكلم، فقط رفع رأسه نحوها وقال:ربنا يستر طريقك يا ريم.
ومنذ تلك الليلة، بدأت نظرتها له تتغير تمامًا…
صارت تدعو له دون وعي وهي تسجد، وتشعر بأمان غريب حين تراه.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تمشي في ساحة الكلية، سمعت بعض الطالبات يتهامسن ويضحكن: دكتور شهاب واضح عليه معجب بحد.
ضحكت أخرى: أكيد ريم شفتِ نظرته ليها؟
تجمدت ريم مكانها، خفق قلبها بسرعة، وبدأت تنفي في داخلها تلك الفكرة، لكن وجهها احمرّ رغمًا عنها.
وفي نفس اللحظة، ظهر شهاب من بعيد، وكأن القدر قرر أن يختبرها.
نظر إليها بابتسامة هادئة، وقال وهو يمر بجانبها: لسه الخ*وف لسه جواكي؟
ارتبكت بشدة، وردت بصوت خافت: يمكن بس مش منك.
توقف عند كلمتها، التفت نحوها بعينين فيهما دفء لم تعرفه من قبل، وقال بهدوءٍ شديد: كويس لأنّي مش ناوي أكون سبب خ*وف لحد، بالعكس يمكن أكون سبب أمان.
وتركها تمشي وعطر كلماته مازال يلتف حولها.
في تلك اللحظة، شعرت ريم أن قلبها بدأ يلين لأول مرة منذ زمن، وأن جدار الخ*وف بدأ يتشقق، لا بسبب ضعفها بل بسبب رجل علّمها أن الطيبة مش دايمًا قناع.
كانت سلسبيل تخرج من المقهى بعد انتهاء نوبتها المسائية، متعبة قليلًا، حين توقفت سيارة سوداء أنيقة أمامها.
تجمدت لحظة، إلى أن فُتح الباب وخرج منه سليم بملامحه الصارمة المعتادة، وابتسامة خفيفة نادرة الظهور على وجهه.
قال بهدوء:اركبي.
ترددت لحظة وهي تنظر إليه، ثم قالت بخجل: فين هنروح؟
مشوار صغير وعد، مش هتندمي.
ركبت السيارة متوترة، وكل لحظة تمر كانت تثير في قلبها فضولًا أكبر.
لم يكن سليم يتكلم كثيرًا، فقط بين الحين والآخر ينظر إليها من طرف عينه وكأنه يخشى أن تهرب منه.
قاد السيارة خارج المدينة، والهواء البارد يتسلل من النوافذ برائحة المساء الممزوجة بالبحر.
قالت بصوت خافت: الجو جميل النهارده.
ابتسم وقال: عشان النهارده مش يوم عادي.
نظرت له باستغراب، لكنه لم يُكمل.
توقف أمام مكان هادئ يطل على النيل، ونزلت معه تتأمل الأضواء المتراقصة على سطح الماء، وشعرت بشيء من الراحة الغريبة، كأن قلبها يعرف هذا المكان.
جلسا قليلًا، ثم قال وهو ينظر إليها:مستعدة نرجع؟
نرجع؟ لسه بدري.
ضحك بخفة:ثقي فيّ، المفاجآت لسه ما بدأتش.
ركبت السيارة مجددًا، وهذه المرة، حين اقتربا من أحد البيوت الفخمة، توقف وطلب منها أن تغمض عينيها.
قالت بدهشة:ليه؟
ما تسأليش بس اسمعي كلامي.
مد يده بلطف وربط حول عينيها رباطًا حريريًا، ثم نزل وساعدها على السير بخطوات حذرة.
كانت تسمع ضحكات خافتة وهمسات، ورائحة عطر وزهور تملأ الجو.
ثم، فجأة، سمعَت صوت الجميع يصيح:عيد ميلاد سعيد يا سلسبيل!
أزال سليم الرباط عن عينيها، فشهقت من الدهشة.
القاعة كانت مزينة بالورود البيضاء والبالونات الفضية، والأنوار الصغيرة تتلألأ كنجوم.
على الطاولة أمامها كعكة كبيرة عليها رقم 18، وصورتها مطبوعة بخفة في المنتصف.
دمعت عيناها، والتفتت نحو سليم غير مصدقة.
قال بابتسامة نادرة، وصوته هذه المرة دافئ على غير عادته: كل سنة وإنتِ طيبة يا أجمل صدفة حصلتلي في الحياة.
اقتربت منها الفتيات يغنين ويصفقن، وبدأت تضحك وسطهم رغم دموعها، ثم أطفأت الشموع وهي تتمتم: يا رب احفظهم كلهم.
وكان الاحتفال بسيطًا لكنه صادق، مليئًا بالحب الصامت والدفء.
وهي في تلك اللحظة، شعرت لأول مرة منذ زمن، أن حياتها بدأت فعلًا.
