
رواية غرام في العالم السفلي الفصل السادس والعشرون26 بقلم داليا السيد
امرأة الديب لا تستسلم
جلست وهي تتأمل وجهها أمام المرآة، بنهاية الاسبوع موعد دورتها، قلبها يدق بقوة، أن تكون حامل هو كل ما تدعو به كل ليلة قبل أن تنام
أريد أن أحمل أولادك هارون.. أريد أن أكون أم أولاد هارون الديب، حبيبي، منقذي
يده على أكتافها جعلتها تنتبه له وهو يرفعها لتواجهه، ضوء الشمس يداعب عيونها التي تلمع لحبيبها ببريق الحب والعشق
والغرام..
"صغيرتي ليست على ما يرام.. ماذا بك!؟"
تحتاج له حقا، تحتاج أن يمنحها كلمات تهدئ منها، تريح قلبها، وضعت رأسها على صدره فضمها والقلق يتسرب له ويده تربت على شعرها
"ماذا حدث ليال؟ هل حدث شيء!؟"
أغمضت عيونها، تحاول إسكات عقلها الذي يبخ أفكار سيئة "دورتي بعد عدة أيام هارون، أخاف أن تأتي"
شد عليها بين أحضانه وتفهم كلماتها وما تعنيه ولكن كرجل يعشق امرأته لا يهتم سوى بها، أبعدها، منحها نظرة امتلأت بكل ما استطاع من حنان وحب، أحاط وجهها براحتيه
"وماذا يا قلب هارون؟ هل هذا آخر شهر لنا معا!؟ نحن لن يفرقنا سوى الموت ملاكي، إن لم يكن هناك حمل الآن ربما الشهر القادم، ربما نذهب للطبيب معا، حقن مجهري، تبني، أخبرتك أن هناك الكثير لنفعله قبل أن أرى هذا الحزن بعيونك"
سقطت دمعة على أصابعه رغم كلماته المريحة لقلبها "لن تتركني لامرأة أخرى تمنحك أولاد"
ضاقت عيونه، هذا التفكير لم يخطر يوما على باله ولن يكون، امرأة بحياة هارون تعني ليال، صغيرته، حبيبته، ملاكه وقلبه
"أنا لا أرغب بأي امرأة بالعالم كله سواك ليال، لم أنتظر كل تلك السنوات ثم أتركك لامرأة أخرى، أنت كل من أريد سواء أنجبنا أولاد أو لا فأنت وليس سواك من ستكون امرأتي، صغيرتي، ملاكي"
بكت أكثر "وصغيرتك لا تحب سواك ولا تريد من الدنيا سوى إسعادك"
جذب وجهها ووضع قبلة على جبينها ثم ضمها له وهي أحاطته بذراعيها بقوة لتمنح نفسها الراحة بكلماته ووجوده معها..
****
لم تراه أحلام من بعد تلك الليلة ولم تفكر بأن تهاتفه، لم تفكر بالقرار الذي اتخذه هارون لأنها من داخلها لم تكن ستقبل بسواه.. ناصر لم يكن بقائمتها ولا أحد آخر
سعد فتح البيت ودخل، جالسة على الأريكة نظرت له، لم يتبادلان أي كلمات وكأنها ليست أخته، نساها بزحمة عمله مع الريس وهي اعتادت وحدتها
لكن من الذي ينكر أن الأخوة تعني الدم؟
"صباح الخير، لم نتحدث معا"
رمقته بنظرة فهم معناها.. أنت من يبتعد، يرفض ثقل على كاهله..
جلس بجوارها على الأريكة ولم ينظر لها.. نظراتها كانت بالفراغ، ربما بماضيهم معا، تعلم أنه أحبها وهي كذلك، تمتعا معا بأشياء كثيرة كأخ وأخته، اللعب والمرح ومشاركة كل شيء معا حتى سقط اليتم عليهم كالصاعقة وأدى بهم إلى الغوص ببحر ليس بحرهم لكن بالنهاية صاروا منه
"أحلام أنا لا أكرهك كما تظنين"
التفتت له، هي لا ترى الكره هي ترى عدم الاهتمام، الرغبة بإقصائها عن حياته "أنت فقط تريد التخلص مني"
لف وجهه لها والصدق ارتسم على ملامحه "لا أريد أن تفقديني قبل أن يكون لك رجل آخر يحميك"
اعتدلت وقلبها تألم، هو أخيها، الدماء واحدة والقلوب مقسومة بالتساوي..
"لا تقل ذلك"
ابتسم "تعلمين مصير عملي أحلام، عملنا خطر، الكل يتعرض للإصابة فداء للريس وبمرة سأكون واحد منهم فهو يستحق، هو يعاملنا كإخوته، أريد أن أموت من أجله لا من أجل شيء تافه"
هي تعلم ذلك، ما فعله من أجلها لا يفعله أحد، هو أخ أكبر، أب، هو عائلتها حقا كما هم عائلته "بعد ما فعله لأجلي أصبحت مدينة له"
لمس يدها الساكنة بجوارها وعيونه ثابتة على أصابعهم التي تشابكت "آسف لأني لم أكن أخ جيد لك"
تألم قلبها الطيب لأجله، نست كل ما كانت تحمله له من غضب وابتسمت وتلك الكلمات البسيطة عنت لها الكثير "بل أنت أفضل أخ"
ابتسم وجذبها له، احتضنها، كلمات الريس أعادته لصوابه، لما تشاركاه معا وأراد أن يكون حصنها الأول، تعلم من الريس إجادة التصرف وليس الغضب والتهور
أبعدها وما زالت العيون متلاصقة "هل حقا توافقين على رشدي!؟"
رحلت ابتسامتها، العرفي احتل الصورة، أخذ المقدمة ورشدي يحمل الراية
"أنت رأيت كيف وافق على شروط الريس، هذا يعني أنه يريدني حقا"
نظراتها زائغة لكنها تمنح أخيها معنى واضح، أنها لا ترفض رشدي، ربت على وجنتها "أتمنى أن يكون صادق بارتباطه بك أحلام وأن يتوب عن حياته الهزلية السابقة"
طل صوت المرأة التي ردت عليها بالهاتف أمامها وعاد الغضب يحتل الصدارة داخلها لكن مع سعد لابد أن يظل الأمر لها وحدها
"سيفعل لأن الريس لن يقبل غير ذلك سعد"
تفهم كلماتها وأدرك صحتها فلم يعترض، قبلة على جبينها عنت لها الكثير ثم خرج وعادت تنكمش ونظراتها للخارج حتى رن الهاتف
الرقم ليس بغريب، أجابت "أحلام هل حقا ستتزوجين ذلك العابث؟"
غضبت العسلية، سكن الظلام عيونها، ثقلت أصابعها من وزن الخاتم يذكرها وهي بالأساس لم تنسى أنها زوجة لرجل آخر
"الريس لو علم باتصالك فلن يعجبه ذلك فهل ترغب بأن يعرف!؟"
"أحلام أنا ما زلت أريدك فقط.."
شعرت بالاشمئزاز من ذلك الرجل الوقح وأرادت إنهاء الأمر معه "فقط أنا لا أريدك وسأتزوج رشدي ولو هاتفتني مرة أخرى سأخبر الريس"
وأغلقت وحظرت الرقم..
****
صفوان لم يمكنه رؤية أسما كثيرا خلال الأيام التالية بسبب سفر الريس لعدة محافظات وهو بالطبع ظله الذي لا يفارقه
ليال التزمت بالعمل لكن لفترة الظهيرة فالتعب لازمها منذ ليلة قراءة فاتحة أحلام، ومع ذلك كانت تتابع تجهيزات الزفاف
الفتاة لم تخرج سوى مع ليال لشراء ما يلزمها خاصة فستان الزفاف ورشدي لم يراها نهائيا، انشغل مع الريس بالعمل وترك الترتيبات لليال هو الآخر واثقا بأنها خير رفيق لزوجته
الليلة المنتظرة أتت بسرعة، احتلت العروسة غرفة مناسبة بالقصر بأمر من زوجة الديب، معدي الزفاف يعملون منذ الصباح.. مركز التجميل أرسل مختصين للبيت اعتنوا بها
زوجة الديب أيضا اعتنت بنفسها ولم تترك الفرصة تفوتها، تحب تدليل زوجها الذائب بالفانيليا..
أما العريس فنزل من غرفته بعد أن انتهى من ملابسه، البدلة أرسلت له من روما وقد انتقاها لنفسه كعادته بكل ما يلزمها، الأزرار الفضية تلمع بنهاية كم القميص وساعته الفاخرة واضحة بالطبع
"تبدو رائعا بني"
علي ابتسم ملأ فيه، فخور بابنه، سعيد لأنه أخيرا سيستقر حتى ولو كانت الفتاة التي رفضها بالبداية لكنه أدرك أنها الأفضل خاصة وهو عرف ما يسكن داخل صدر ابنه تجاها
أشعل السيجارة وأخرج دخانها دفعة واحدة، لم يراها ولم يهاتفها وما زال غاضبا، العمل لم ينسيه أي شيء، ناصر الكلب عاد القاهرة وانسحب كالجبان وهارون منعها من الخروج إلا مع زوجته وجره معه بالعمل بلا رحمة وكأنه قصد ذلك
"شكرا بابا، هل نذهب!؟"
تحرك الرجل له، ربت على ذراعه بحنان "ألن تبدل رأيك وتأتي لتعيش بها هنا!؟"
الدخان لفه بالأبيض وهو لا ينتمي للأبيض "ليس الآن بابا، تأخرنا دعنا نذهب"
الريس كان يقف ثابتا بمكانه والضيوف تتحرك له لتحيته، حديقة القصر كانت قاعة الحفل، تماما كما كانت حديقة بيته القديم يوم زفافه على صغيرته، سعد وقف بجواره وصفوان من الجانب الأيمن ولا أحد يحتل تلك المكانة سواه
عندما علت الموسيقى أدرك الحضور وصول العريس ووالده، التهاني أحاطت به حتى وصل للريس
"هارون"
حياه هارون بثبات الزعيم "مبارك رشدي، المأذون على وصول"
رحلت نظرات صفوان لمن رحل لها قلبه، وصلت بفستان أسود هو من أرسله لها بتوقيع ليال الديب..
لا يعلم ماذا كان سيفعل دون ليال؟ هي القائد بمسيرته تجاه من اختار
"اذهب لها"
لف وجهه للريس الذي لم ينظر له، الريس يعرف كل شيء، هو أخبره بنفسه ولا يخفي عليه شيء، صديقه الأول وزعيمه ومع ذلك الريس لا يشعر بالراحة تجاها ولو بيده لأوقفه عنها لكن قلب صديقه يعنيه ولن يؤلمه
"هارون.."
نبرة حازمة أجابت "اذهب"
لحظة صمت مرت عندما عاد بنظراته لها وشعر بلمسة من جانبه وأنس يغمز له فتحرك لها، عيونها التصقت به بالحال، كيف ومتى سقطت بهواه؟ لم تعرف
هل سقطت حقا بهواه؟
منذ أنقذها وسرق الموت بعيدا عنها حتى سرق قلبها معه.. لم تقاومه بل رمت نفسها بأحضان الحب، أرادت أن تعيش تلك الحياة، تلمع عيونها لرؤيته لكن ليس كما تلمع عيون ليال لرؤية هارون
"مرحبا"
لم يجد كلمات.. هو لم يعرف ماذا يمكن أن يقال ولكنه وعدها بمجرد شفاء والدها سيتزوجها ولن يوقفه شيء عنها
ألم تتسرع يا منفذ؟
تورد وجهها، نظراته خطفتها، وسامته جعلتها تغار من كل من يمكن أن ينظر له ويعجب به سواها "مرحبا، كيف حالك؟"
"افتقدتك، لم يمكنني رؤيتك، تعلمين العمل"
لم تترك عيونه العالقة بها، كلاهم كان يقرأ ما بعيون الآخر، بلا ألغاز كانت الكلمات واضحة، الحب والغرام..
"ليال أخبرتني، الريس كان يسافر كثيرا وأنت لا تفارقه"
انحنى ليصل لمستوى وجهها "أنا لست حر نفسي أسما، طبيعة عملي تجبرني على ذلك"
لم ترحل ابتسامتها، تعرف كل ذلك، تدركه جيدا بعد أن اختلطت بليال وعرفت كيف تعيش حياتها مع هارون وهي ليست أقل منها.. هي أيضا أرادت صفوان وستتحمل معه كل شيء
"المهم أنك ستعود لي بالنهاية"
ابتسم.. العملاق ابتسم..
لمسة على ذراعه أعادته وصوت أحد الرجال "المأذون وصل"
انتبه ومنحه إيماءة من رأسه قبل أن يرتد لها "لابد أن ندخل لعقد القران، لا تبتعدي"
هزت رأسها وهو تحرك للريس الذي كان بطريقه لباب القصر بانتظار العروسة بينما توجه المأذون للمائدة التي تم إعدادها له
دقات على الباب جعلت ليال تأذن وثمية تطل "الريس ينتظركم سيدتي"
ابتسمت والتفت لأحلام، فاتنة، كلمة كافية لتصف جمال الفتاة، أخيرا ابتسم لها الحظ ولكنها لم تبتسم، قلبها يرتجف، يفر، لا يمنحها دقاته والهواء يعبث بلا هدى داخل صدرها
أحاطتها ليال "كل شيء يمكن حله أحلام، لا مشكلة بلا حل"
هل تخترق ليال دواخلها؟ طوال الأيام السابقة لم تطالبها بأي شيء، كانت نعم الرفيق لكن دون تدخل والآن تمنحها كلمات بسيطة لكن مريحة
"لن يترك النساء ليال"
ابتسامتها أضاءت وجهها، ملامحها تبدلت للأجمل، الغرام يصبغ الجمال على أصحابه حتى قوامها جعل زوجها يغضب عندما رآها بالفستان، الغيرة أخذته ورغب بأن ينزعه عنها لكنها صغيرته تعرف كيف تتدلل عليه وتذيب غضبه وترضي غروره
فقط تمنحه قلبها وحبها وهو وقتها يفقد الزعامة لأجلها..
"بل تركهم أحلام، هارون لن يضعك بمكان يسبب لك التعاسة، هو يعرف جيدا ما يفعله"
كلماتها تصنع الكثير لكن بعض الشك ما زال ساكنا داخلها
الالعاب النارية انطلقت بالسماء عندما ظهرت العروسة بذراع أخيها وليال التصقت بمن ملك قلبها والموسيقى تعالت تعلن عن حضور العروسة
الوشاح غطى وجهها وتقدم بها سعد للخارج عدة خطوات ورشدي يقف بجوار والده حتى أشار له منظم الحفل فتحرك لها
حيا سعد ثم التفت لها وظل واقفا أمامها لحظة ووجها مغطى بالوشاح الأبيض، هل حقا يتزوج!؟ كان يسخر من أي عرس يحضره ولم يظن أنه سيقف يوما هكذا راغبا بكل لحظة مما يحدث له
راغبا بها، العسلية..
رفع الوشاح، القمر أصبح له قرين لكن على الأرض، قرين بعيون عسلية خطفت قلبه وعقله..
نعم اعتراف صامت بلا ورقة، العسلية خطفت قلب العابث وفتتت الجمود
رفع وجهها بإصبعه لترفع رموشها وتلتقي بما كان يخيفها، الرمادي، الآن هناك نظرة مختلفة لا تفهمها وشعور غريب داخلها لا تعرفه
ليس خوف ولا كره..
بلا وعي لمست شفاهه جبينها فأغمضت عيونها وقلبها يؤلمها.. كان كامنا بالأعلى ولا ينبض والآن بمجرد رؤيته يركض من هنا لهناك راغبا بالقفز لمن لمس جبينها بشفاهه بقبلة لا تعرفها
لمس يدها ورفعها لذراعه دون أي كلمات، قادها لوالده الذي ابتسم بحنان وفعل كابنه، وضع قبلة حنان على جبينها "مبارك يا ابنتي"
نظرة خجل ظهرت بعيونها للرجل، ابنتي!؟ هل حقا يقبل بها كابنة؟
مرة أخرى تحرك بها للريس الذي ظل هادئا "مبارك أحلام، مبارك رشدي"
الموسيقى تصحبهم أينما ذهبوا، مائدة المأذون استقبلتهم، والد رشدي بجواره وسعد بجوارها والريس وأنس شهود
انتهت الإجراءات وانطلقت الألعاب النارية لكن دون طلقات رصاص فهي فقط للريس..
افتتاح الحفل برقصة للعروسين ولم يتبادلان أي كلمات أو حتى نظرة، كلاهم غاضب والصمت أفضل من عراك لن ينتهي
انضما للريس وليال التي رحبت بأسما وضمتها لهم بعد التعارف والحفل كان منظم ورائع
المصور التقط الصور كما أراد للعروسين سواء وحدهم أو مع المدعوين، مع الريس وزوجته، مع والد رشدي، أخيها..
الليلة كانت رائعة حقا لكن الصمت عم بينهما..
لف الريس صغيرته بذراعه بتملك وهي التصقت به، عيون تلك المرأة أزعجتها ونظراتها لهارون أغضبتها
التفتت له ويداها ترتاح على صدره، لم تهتم يوما بتصرفاتها معه، لا ترى سواه "أرغب باجازة بالفندق هارون، جناحنا الخاص"
بذراعه ضمها له، هو الآخر لا يهتم بأي نظرات، صغيرته تنال كل اهتمامه "نجدد ليلة الزفاف"
تجهم وجهها وسقطت نظراتها على صدره، تنفس بقوة مدركا ذكرى تلك الليلة، رفع وجهها له، لا يحب أي نظرة حزن بعيونها، هو بحياتها فقط ليمنحها السعادة
"لدينا ليلة مميزة ليال، كل ليالينا معا مميزة والجناح يشهد صغيرتي"
ابتسمت، عادت عيونها تلمع له، هو فقط من ينزع سعادتها ويملأ حياتها بهجة "وصغيرتك تعشقك وتعشق كل لحظة لها معك"
مرر أصابعه على وجنتها "نحن صنعنا ذكريات جيدة ليال لتذكريها عندما.."
رفعت يدها لفمه، رحلت ابتسامتها وتحولت للجدية "هارون ماذا تقول؟"
أمسك يدها، وضع قبلة على راحتها وقلبه لها لكن عقله بمكان آخر، مكان يعلم أنه ينتظره لكن هو من سيختار الوقت
"أقول إن الحياة لا تبقى على حال صغيرتي، اسمعيني ليال ولا تقاطعيني، لو بيوم ما مت كوني قوية كعهدي بك، لا تتركي مكاني لأحد فأنا أعلم أنك جديرة به"
تنفست بصعوبة ورحل عقلها وانقبض قلبها بلا فهم "هارون ماذا هناك؟ هل تخفي عني شيء؟"
ظل ينظر لها بلا معاني بعمق المحيط خاصته.. غطى الازرق القاتم كل شيء داخل مقلتيه.. مصيره محدد منذ وضعت بذرته برحم أمه، وهو يدركه منذ سقط بهذا العالم..
"أنا لا أخفي عنك شيء ليال لكن أنت من ترفضين وضع الواقع نصب عيونك، هارون الديب سيظل هدف للكثيرين وعليك إدراك ذلك جيدا"
تعلقت به أكثر، خائفة، تائهة، تسبح ضد التيار "أنت تخيفني"
لم يكن يرغب بقول أي شيء حتى وصلته الرسالة، تأكيد بما كان ينتظره لذا كان عليه منحها تمهيد..
"أنا أضعك على الطريق الصواب، امرأة الديب لا تستسلم أبدا"
صوت صفوان جذبه وهي عالقة به تبحث بعيونه عن أي شيء يعيد لها الراحة، يخبرها أن ما قاله مزحة وهو يسحبها لكن لا شيء حدث
الحفل انتهى، رشدي جذب زوجته الصامتة لسيارته وفتح لها الباب، والده دخل سيارة أخرى بسائق
هارون حيا رشدي وليال احتضنت أحلام وسعد فعل المثل قبل أن تدخل السيارة بجوار زوجها الذي تحرك ليقود
الجميع انصرف، الريس منح صفوان الإذن باصطحاب أسما لبيتها ولف زوجته الخائفة بذراعه مدركا ارتجاف جسدها بأحضانه وعادا لغرفتهم ولم يفتح كلاهم الموضوع مرة أخرى بل جذبها لأحضانه ومنحها ليلة توجت ذكرياتهم معا
****
صعدا بصمت بنفس المصعد لنفس الشقة، لم تكن تعرف بأي مكان ستقيم؟ والآن عرفت
السائق الذي أرسله لها منذ عدة أيام أخذ ما منحته لها ليال بأمر الريس، كل ما يلزم أي عروسة وهي لم تعرف لأين رحلت الأشياء
والآن عرفت، شقة العبث، المتعة..
فتح الباب والتفت لها وهي لا تنظر له، نظراتها بالأرض، ترغب بالبكاء، لم تظن أنه ما زال يراها متعة وليست زوجة هي ترفض كل ذلك
دخلت.. خطوات تحفظها فقد عاشت هنا وقت كافي لتعرف كل شبر
وقفت بمنتصف الصالة لا تعرف ماذا تريد..
صوت إغلاق الباب لم يغير شيء، صوت الولاعة، رائحة السجائر التي لم يتوقف عنها طوال الحفل جعلها تبتعد للنافذة "الشقة هنا أفضل من الفيلا، الخصوصية هي ما أعنيه"
لم تنظر له ولم ترد، أي خصوصية؟ لو كانت شقة أخرى غير هذه لكانت تقبلتها، هي لا ترغب بفيلا ولا أي شيء مبالغ لكن هنا لا..
"بابا بالفيلا"
رفعت وجهها له عندما وقف أمامها، بالقميص المفتوح والدخان تابعه "أنا لا أرغب بالفيلا"
ضاقت عيونه لكلماتها والأسود سكن بهما، عتمة أخرى رحلت لقلبه، تخفي ضعفه وعتمة ثالثة سكنت عقله الغاضب فأوقفته عن التفكير
"شقة أكثر فخامة من هذه مثلا؟ كالتي يملكها ناصر أليس كذلك؟"
تلون وجهها، رحل العسل، ارتفع الصدر بأمواج متتالية من الشهيق والزفير، تعبت من ذلك الرجل ومن كل نزواته وجنونه معها
"ولم لا!؟ على الأقل لم تشهد كل النزوات التي شهدتها تلك الشقة"
الجنون ارتفع، رقص على سفح علاقتهم وعلا بالضحك عليهم "بالطبع وأنت كنت واحدة منها لذا ستكونين معتادة عليها"
تلك المرة يدها أصابت الهدف، صفعته، والتفت بجمرة ملتهبة بنظراته رافعا يده يكاد يهوي بها على وجهها ولكن دموعها الغزيرة هاجمته، أوقفت ذراعه بالهواء
"أكرهك"
هذا هو كل ما نطقت به والتفتت تحمل فستانها وتسرع للغرفة الأخرى وليس تلك الغرفة لكن قبضته أوقفتها وأعادتها له أمام تلك الغرفة التي تشاركوا فيها ذكريات لا ترغب بتذكرها..
"انتظري هنا.."
"اتركني، لا تلمسني، أنا أكره لمساتك تلك التي غصبتني عليها، لماذا تزوجتني؟ لتكمل تعذيبي على ماذا؟ أنا لم أفعل لك أي شيء لتعاقبني عليه، ارحمني أنا تعبت، تعبت ولم يعد لدي شيء لأمنحه لك"
وانهارت بالبكاء وأدرك أنه زرع بينهم حقل كامل من بذور الشيطان وهو الآن يجني ثماره، الكره هو كل ما تحمله له
"كفى أحلام، أنا لا أرغب بأي شيء، ادخلي وارتاحي"
نظرة له من بين الدموع قتلت قلبه على قيد الحياة، أنت من حطم تلك البراءة، أنت من أفسد العسل الصافي "أنا لن أدخل هنا، أنا أكره تلك الغرفة وكل ما أكرهتني عليه"
فاض الغضب منه هو الآخر، لم يكن وحده هناك "أكرهتك مرة أو اثنان لكن الباقي كان برضائك، لم أضع قفل على الأبواب أحلام، أنت أيضا أردت ذلك فلا داعي لتصديق الكذبة لأنها ليست حقيقية، افعلي ما شئت ولكن وأنت مدركة أنك زوجتي الآن علنا ولن أسمح لك بأي تجاوزات بعد اليوم"
وتركها وتحرك للخارج وصوت الباب جعلها تدرك رحيله بليلة زفافهم فدفنت وجهها بين راحتيها وهي مدركة أنه على حق
هي أيضا أرادت ما كان بينهم..
****
أوقف صفوان السيارة بجوار الكورنيش، كوبري ستانلي يبدو رائعا بعد منتصف الليل، الهدوء وصفاء السماء، النجوم تبتسم للعشاق، القمر يضيء بنوره كل مكان، سكون المياه يمنح الجو بهجة رومانسية
ظل كلاهم ينظر أمامه بلا أي كلمات.. لم يعتاد معاملة أي امرأة لذا بدا تائها، ملتصقا بالجهل، نابضا بدقات هائجة بصدره التفت لها لتواجه نظراته وكلاهم يبدأ الحديث بنفس اللحظة
توقفا، ضحكت، ابتسم لضحكتها، رقيقة، مرحة، بعيدا عن همومها بدت هشة "تحدثي"
ثبتت على الظلام القائم بعيونه.. يعجبها فهو يشبه ظلام حياتها "كان حفل رائع"
بلا تفكير "سيكون لك أفضل منه"
علقت به، لا ترغب بأحلام تذوب مع الواقع، فتحت ونزلت وتلقت هواء الليل المعطر برائحة البحر.. سكون لا يقطعه سوى صوت السيارات العابرة بلا ضوضاء
"خائفة؟"
لم تنظر له، سلطت نظراتها على الظلام الممتد فوق سطح المياه، الأنوار الصغيرة على المدى البعيد لمدينة الإسكندر
"لا أحب الأحلام صفوان، تتحول لكوابيس"
بجوارها وقف، لمس كتفها بذراعه منحها دفء من حرارة جسده، رفعت وجهها له ولكنه حدق بنفس المشهد "لا تثقين بي أم بنفسك؟"
السؤال أصاب المرمى، هي لا تثق بالحياة، القدر، المصير
"لدي الكثير من العوائق صفوان توقفني عن تحقيق ما أتمنى"
لمسة على ذراعها جعلتها تلتفت لتواجهه والأخضر لمع تحت ضوء القمر "ماذا أعني لك؟"
بصدق أجابت "الأمل، الأمان، الحياة، أنت منحتني حياة صفوان، حياة ملفوفة بالأمل والأمان"
انحنى كعادته لينال مستواها، قريبا من وجهها، دفء أنفاسها يرحل لوجهه، يمتلك نظراتها، يسمع صوت أنفاسها الخافت "تقبلين الزواج مني أم تراجعت!؟"
"بل السؤال هو هل تقبل أنت امرأة حياتها معقدة مثلي، صفوان أنا.."
"فقط أجيبي بنعم أو لا"
زاغت بين عيونه الهادئة بلا تموج كأوراق الشجر، أنفاسه عطرة، لحيته غير طويلة لكن مناسبة له "نعم"
انتبهت ليده التي لمست يدها ودبلة ذهبية تدخل حول إصبع يدها اليمنى، تأملتها بدموع.. لا تعرف ماذا تفعل أو تقول؟
"عليها اسمي، من الآن أنت خطيبتي، لي ولا يجرؤ أحد على النظر حتى لك"
ابتسمت وهو يضع قبلة على يدها ويمسح دموعها وتمنى لو أمكنه ضمها له
توقف بسيارة الدفع الرباعي أمام بيتها، الجميع يذكر السيارة منذ ذلك اليوم، الشارع لا ينام والقهوة تعج بالكثيرين وصوت الرجال من هنا والأغاني الشعبية هناك، من يلعب الطاولة وآخرين يصكون الدومينو..
نزلت ونزل لها وقبل أن تتحرك أمسك يدها وصبحي ينهض لرؤيتهم وصفوان يمنحه نظرة ثاقبة كأنما يردعه بمكانه "لكل من يهمه الأمر، الآنسة أسما أصبحت خطيبتي وبمجرد شفاء والدها سيتم زفافنا"
كل الأنظار كانت مصوبة لهما، الصمت كان الرد وصوت الأغاني رفيق..
منحها اهتمامه "اصعدي، طابت ليلتك"
ارتباكها رحل بوجوده معها والخوف رحل أيضا، هو حاميها ولن يمسها أحد بوجوده
*****
فتح هارون عيونه والظلام ملأ الغرفة ولكن صوت ما أيقظه، رأسها ما زال على صدره وشعرها متناثر حولها، دفعها برقة على الوسادة وقفز بخفة جاذبا بنطلونه وسلاحه وتحرك للنافذة .
السكون بالأسفل كان غريب، هدوء لم يعتاد عليه.. هدوء يسبق العاصفة
عاد لها وأيقظها برقة ففتحت عيونها فأشار لها بالصمت، منحها الروب وقال بصوت منخفض "تعالي"
"ماذا هناك هارون؟"
الفزع بدا على ملامحها وهو يقبض على يدها، بغرفة الملابس دفعها، ضغط زر لم تراه من قبل، انفتح الجدار فدفعها للظلام بالداخل ووقف أمامها بحزم
"لا تخرجي قبل أن تسمعي صوتي أو صوت رجل من رجالنا"
حاولت أن تتحدث، تسال، تفهم لكنه أغلق الباب وتحرك بسرعة للغرفة، اطمئن على النوافذ المغلقة وتحرك خارج الجناح محكما الأبواب عليها وما زال سلاحه بيده، بحذر خطا للدرج باحثا عن أي دخلاء لكن لا شيء..
ما أن نزل عدة درجات حتى لمح شبح يتسرب خلف زجاج باب حمام السباحة فأدرك أن حدسه كان صحيح
انتهى الدرج عندما قفزه بلياقة حافظ عليها بصالة الجيم خاصته وبلحظة كان يضع ظهره على الحائط المجاور للباب الزجاجي والرجل يعبث بقفل الباب حتى انفتح.
ما أن خطى للداخل حتى تلقى ضربة من سلاح هارون على مؤخرة عنقه أسقطته فاقدا للوعي بالحال بين ذراعي الريس، جذبه هارون بعيدا عن الأنظار ومن هاتفه هاتف صفوان الذي أغلق لأنه هو الآخر شعر بالهجوم
باللحظة التالية رحل السكون وأتت العاصفة، أضيء الليل بنور الطلقات النارية المتبادلة، رجال هارون ليست أي رجال، هو بنفسه من اختارهم ودرب الكثير منهم وتأكد أنهم يحافظون على تدريباتهم
خرج للحديقة، بلا خوف أو تراجع، نفدت ذخيرته لكن ذراعه لا ينفذ، التحم مع هذا ولكم ذلك ورأى أنس يفعل المثل، صفوان كان يلعب بسكينه بمتعة مصيبا عدوه بحنكة حتى التفت الزعيم عندما هتف سعد
"احذر يا ريس"
وقبل أن يتحرك كان سعد يلقي بنفسه فوقه وهو يطلق رصاصة تجاه من كان يختفي خلف شجرة ويصوب نحو هارون
نحى هارون سعد الذي ثقل جسده وهو يلتقط السلاح من يده وما زال على الأرض وصوب تجاه آخر فأسقطه وجسده يحمي جسد سعد الذي لا يتحرك حتى انتهى الهجوم فترك السلاح والتفت لسعد بسرعة
"سعد، سعد أجب"
رأى الدماء التي صنعت بقعة حمراء على قميصه الذي كان يرتديه بزفاف أخته، لم يجيب نداء الريس.. لم يفتح عيونه..
لمس هارون عنقه، لا نبض، اعتدل ليقم بإنعاش القلب، واحد، اثنان...
قبلة الحياة، واحد، اثنان.. لا شيء
التف الرجال، صفوان سقط بجوارهم دون كلمة والريس يحاول بلا يأس
"سعد، سعد لا تستسلم.."
قبلة الحياة لكن..
لم يعد هناك حياة، صفوان حاول إيقاف هارون لكنه دفعه بعيدا وعاد يحاول من جديد.. واحد، اثنان، ثلاثة..
أين الحياة بروح فارقت جسد صاحبها ورحلت؟
"لقد مات هارون، سعد مات"
ضرب بقوة على قلب سعد، رفض تصديق أنه خسر رجل من رجاله، رجل ضحى بنفسه من أجله
"هارون كفى"
عواء الذئب ارتفع بين سكون الليل، غاضب، متألم، رافض لما حدث صرخ من قلبه
"لاااا"
*****
من بين الظلام الذي كانت تسير به بانتظار أي سيارة أجرة رأت سيارة تمر، لم تهتم ظنت أنها ستمر كسواها، المكان منعزل عن المدينة لكنها هي من اختارته، أرادت مكان لا يعرفها به أحد
التفتت أمامها تكمل حتى تجد ما تركبه عندما خفضت السيارة من سرعتها لتسير بجوارها وصوت تعرفه يناديها "بحاجة لتوصيلة دكتورة؟"
التفتت واتسعت عيونها بلا تصديق.. وسؤال يقفز بذهنها
هل عاد الشيطان