رواية غرام في العالم السفلي الفصل السابع والعشرون27 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي بقلم داليا السيد
رواية غرام في العالم السفلي الفصل السابع والعشرون27 بقلم داليا السيد
التضحية بالنفس من أجل من يحتل مكانة كبيرة بحياتنا تعني أن الحب والوفاء يصل إلى أسمى درجاته، كقمة المروءة والإيثار
يقال "إذا قرر أصدقائي القفز من فوق الجسر فإنني سوف لن أقفز معهم، ولكن سوف أنتظرهم تحت الجسر لأنقذهم" هذا يعني الاستعداد لتلقي الأذى من أجل حماية الصديق
ويقال "ليس من الصعب أن تضحي من أجل صديق، لكن من الصعب أن تجد ذلك الصديق الذي يستحق التضحية"
وهارون وكل رجاله كانوا الأصدقاء الذين يستحقون التضحية من أجل بعضهم البعض لكن التضحية تعني موت والموت يعني فراق والفراق ألم ما بعده ألم
**** 
كان يقود السيارة على الكورنيش بلا هدى، كلماتها ودموعها عنت الكثير الليلة، مشاعره متضاربة، لا تدفعه لبر.. 
ناصر، والده، صفعوه بالحقيقة ولكنه يرفض الاعتراف بها
أنت تحبها.. وهي تكرهك
أوقف السيارة والليل ساكن سكون رهيب، لم يكن يهتم لليل سوى لتحقيق متعته به مع امرأة أما الآن فهو يغمض عيونه وهذا السكون يمنحه راحة سكينة، حسن التفكير..
ناصر كاذب، هي لم توافق عليه وإلا لاختارته أمام الجميع.. لماذا منح الغضب سيطرة وهو يعلم أنها لم تكن لأي رجل سواه!؟
الآن أصبحت بينهم بلاد وجبال وبحور وهو لم يعد يرغب بأخذها وكلاهم غاضب، وهي تخبره على الدوام أنها تكرهه
عليه بإعادة بناء ما تهدم أو بالأصح بناء ما لم يكن موجود بينهم، علاقة سوية بين رجل وامرأة، امرأة هي الآن زوجته شرعا لكن تلك المرة بلا غصب ولا قوة
رنين هاتفه أزعجه، نظرة لساعته، الرابعة فجرا، اسم صفوان جعله يعتدل ليجيب باهتمام
****
ظل جالسا على المقعد الخاص به بغرفتهم، منذ أخرجها من المخبأ وضمها له بقوة حتى هدأت ثم سقط على المقعد وكلماته كانت مختصرة
"سعد رحل بدلا مني"
شهقت، رفعت يدها على فمها، دموع ملأت عيونها على رجل من عائلتها لم تفكر بأن تفقده بليلة زفاف أخته أو بأي ليلة
الموت يداهم بلا مقدمات، لا ينتظر الإذن..
سقطت على المقعد المواجه له وهو يسند رأسه على أصابعه مغمض العيون، يرى سعد منذ عرفه وهو بالعاشرة وأحلام بالسابعة، تولاهم مع باقي عائلته وهندية ساعدته
سعد كان أخ صغير وربما ابن، أمكنه تعلم الكثير معه وأصيب بسببه كثيرا حتى نضج وأصبح يلقي بنفسه بالتهلكة من أجل الريس
"هارون"
صوتها أتى من بعيد، من بين نهر الذكريات الفائض بالألم والحزن، مهزوم، متألم، لم يرد
رحلت للأرض بجواره كعادتها، يدها على يده التي تسند رأسه همس لسانها بكلمات لن تداوي جرحه لكن يدرك أنها كالعادة معه 
"حبيبي الموت حق ولكل واحد منا موعد"
لم يبعد يده عن وجهه "كان أنا من كان يجب أن يموت وليس هو"
ضغطت على يده ودموعها تفيض على وجنتيها "وأنا هارون!؟"
أبعد رأسه عن يده، قابضا على يدها ودون رؤية انهيارها جذبها له، ضمها بين ذراعيه بقوة، أراد أحضانها، أراد ذراعيها حول عنقه، أراد الفانيليا ولكنه لم يستمتع، بل يتألم
تبادل التضحيات مع أنس، صفوان لكنهم كانوا بخير فلماذا سعد لم يصبح بخير؟
دفن وجهه بعنقها، شعرها أغرقه، أخفى دمعة متمردة على الريس سكنت عيونه دون أن تنزل، تنفس بقوة وهي تشعر بدقات قلبه على صدرها، عنيفة، قوية، تعني الغضب، الألم
والحزن..
دقات على الباب جعلته يبعدها ويرفعها عن الأرض ناهضا بلا كلمات، رجاله بحاجة له وهو لن يكون ضحية الحزن، هو الريس، القوة التي يستمدها رجاله منه
أنس واجهه "زياد أنهى الأمر والتصريح سيكون جاهز بالصباح"
لم يمنحه أي تعبير بوجهه "أين أحلام!؟"
الفانيليا رحلت له، لم يلتفت لها وأنس يجيب "رشدي سيتولى الأمر، هل.."
نبرته الحاسمة، كلماته التي أخفت نيرانه قطعت أنس "لا، فقط جهز لجنازة تليق به، ليال"
تحركت له دون أن يلتفت لها وهي ترى وجهه الذي اسود لونه، احمرت عيونه وغاضت منها الحياة واكتست بالغموض..
"أحلام مسؤوليتك"
وتخطى أنس للخارج وأنس يواجه ليال الباكية ثم يتبعه وهو ينزل ويتحرك لبيت الرجال..
ما أن وصل الغرفة حتى رأى الرجال تقف مصطفة، تخفض رؤوسها والحزن يسكن ملامحهم، لم يواجه أي واحد منهم ولم يرغب بأي كلمات
الكل كانوا أصدقاء، إخوة، بالليل يجتمعون، يتسامرون، يضحكون على بعضهم البعض، علمهم الريس أن وجودهم معا هو الأهم، هو القوة
على الباب وقف، زياد كان واقفا أمام الفراش، التفت لوصول هارون الذي جمدت نظراته عليه فأخفض وجهه وتحرك للخارج وتبعه الرجل الذي كان يساعده ولم يتبقى أحد ونظرات هارون تسقط على الفراش أمامه
رغم وجود الرجال بالخارج إلا أن الصمت كان يملأ المكان ككفن آخر لذلك الجسد الراقد أمامه، لا يسمع سوى همسات الريح المتسللة من شقوق النوافذ، ما زالت تحمل معها رائحة البارود و..
الموت..
خطا ببطء، كأن كل خطوة تسحبه نحو هاوية لا يريدها حتى توقف عند الجسد المسجى أمامه..
وجه سعد المتبقي من كفنه الأبيض بدا هادئا على غير عادته، وكأن الموت منحه سكينة لم يعرفها في حياته
ظل واقفا طويلا، عينيه تائهتان بين وجه الفتى الذي رباه وصورته الأولى حين كان طفلا يتيما، يصارع وحده لنفسه ولأخته باحثا عن الأمان
"حياتي لك يا ريس"
هكذا كان يقول دائما والريس يبتسم ويربت على كتفه ولم يدرك أنه سيوفي بوعده هذا أو أنه يأخذه على محمل الجد
اقترب أكثر وبحضرة الموت تهتز قلوب أعتى الرجال، انحنى على الجثمان، مد يده ببطء وأزاح خصلة شعر عن جبين الشاب، أمسك أنفاسه لحظة، كأنه يخاف أن يوقظه..
بصوت خافت يختنق بين الحروف نطق "لم تكن فقط رجلا من رجالي سعد.. بل كنت ابني الذي لم يولد لي"
أطبق يده على كف سعد الباردة، شعر بجمودها يزحف إلى صدره، يجمد ما تبقى من نبضه، لم يدمع فالهارون لا يبكي أمام أحد، لكن عينيه كانت تلمعان بوميض حارق، أشبه بدمعة تائهة في قلب النار
اعتدل الريس أخيرا، رمق الجسد النظيف النظرة الأخيرة "نم بسلام سعد، سأجعل دمك دينا وثأرا لا ينسى"
واستدار مغادرا، وثقله لا يبدو على خطاه فقط، بل في روحه كلها، كأن شيئا انكسر فيه ولن يصلح بعد اليوم
خلفه، ظل الجسد ساكن، لكن الغرفة ظلت تعبق بذكرى الولاء وبوجع رجل خسر من كان رجل مخلص من رجاله
***** 
صوت الباب أفزعها، لم تستطع خلع الفستان، لذا تمددت على الفراش ونالت غفوة وقبل أن تعتدل رأته يفتح الباب وبدا بصورة غريبة.. قميصه الأنيق مفتوح لمنتصف صدره على غير عادته
شعره المنمق عادة مبعثر دليل على تمرير أصابعه به مرات عديده، لهاثه عنى أنه كان يسرع الخطى ونظراته لها غريبة ولم تفهمها
ظل عند الباب، لا يعرف ماذا سيخبرها!؟ أخيك الوحيد.. مات وبليلة زفافك!؟
طلت الحيرة بعيونها، سكن الخوف فجأة بهما وكأن التساؤلات ترغب بأن تتبارى من منهم يكون بالمقدمة لكن ولا واحد خرج، فقط صمت
تحرك للداخل وما زال اتصال العيون قائما حتى جلس أمامها على الفراش، فستانها الأبيض يفترش المكان حولها، الكحل لوث أسفل جفونها لكنها ما زالت كما كانت، جميلة وبريئة
تراجعت ولم تفهم شيء وهو لا يتحدث "لماذا عدت؟ أنا لا.."
بنبرة منخفضة، ثقيلة كأنها تجر خلفها كارثة قاطعها "كان هناك هجوم على بيت هارون بعد الزفاف"
سكتت، ابتلعت الكلمات وهو يأخذها لمكان آخر، وعيناها تبحثان في وجهه عن تفسير، هجوم على بيت هارون؟ وماذا؟ من الذي يمكن أن يجرؤ؟
"لا أفهم، من الذي هجم عليهم!؟"
لم يجبها. المأمورية صعبة، مؤلمة، أثقل من أن تقال وهو لا يعرف كيف يؤديها؟ حتى وإن طال بينهما الخلاف لكن بالنهاية أخيها وكان يخاف عليها من عابث مثله وهو حقه 
يعرف أن الخبر سيكسرها
"رشدي ماذا حدث!؟"
"سعد أصيب"
ولم يصب سعد وحده، هي أيضا أصيبت، بقلبها، لملمت فستانها وهي لا تنتظر "خذني له، خذني لأخي رشدي أرجوك"
واختار ذلك الحل حتى تصل له 
وهناك...
لم تنتظره وهي تهرع للخارج ترفع فستانها بيديها، ودموعها تسبقها، 
أخوها بحاجة لها، ستجلس عند قدميه كما كانت تفعل بالصغر فكم فعل معها ذلك حتى لفه العمل وفصل بينهم 
دخلت السيارة وبلا كلمة قاد حتى وصل القصر الذي غادرته منذ ساعات قليلة فقط، حين كانت الحديقة مضاءة بالزينة والموسيقى تصدح والمدعوين يبتهجون والضحك يملأ الأركان من حولها رغم ما كان بها
الآن السكون يلفه بشكل أخافها.. ككفن لف المكان حولها..
ما بال الرجال تقف هكذا بوجوه متجهمة ينظرون إليها ثم يخفضون رؤوسهم بحزن غريب وهي تمرر رأسها هنا وهناك "بالتأكيد الريس أحضر له طبيبا، أليس كذلك؟"
لم يرد وهو يوقف السيارة وهي لم تنتظر الرد
نزلت، مرة أخرى تحمل فستانها وتعدو نحو بيت الرجال حيث يقيم أخيها غير عابئة بنظرات من حولها، لا رشدي ولا نداء ليال فقط كانت تجري رغما عن ثقل الفستان
بالداخل، أنس، صفوان يقفان و.. الريس يخرج من الغرفة وتوقف لرؤيتها، التقت عيناه بعينيها، ملامحه جامدة، لكنه يحمل قتامة لم ترها من قبل، نظراته وحدها كانت كفيلة بأن تعلن عن كارثة 
"أحلام"
التفتت إلى الصوت، ليال واقفة عند الباب بدموع واضحة، وخلفها رشدي واجم، دارت حول نفسها تبحث في الوجوه، تسأل بعيني مضطربتين 
"ماذا!؟ أين أخي؟"
أنس أخفض وجهه، العملاق بلا ملامح يحدق بها، الريس تجنب النظر لها، هو من حرمها من أخيها، ليال تبكي ورشدي، يمد يده لها "أحلام هل تهدئين؟"
رفعت وجهها نحوه بعينين غارقتين في الدموع وقالت بهدوء يشبه التيه "أنا هادئة، أين سعد؟"
عجز رشدي عن الكلام، تجمد كل شيء في المكان، حتى التفتت العسلية  نحو باب الغرفة والريس يقف على عتبتها 
نفضت يد رشدي بلا وعي وتحركت لهارون بخطوات بطيئة، قلبها ينقبض دون أن تفهم السبب حتى تسللت لها رائحة الموت
"أين سعد!؟"
جسده سد الرؤية عنها، ابتلع ريقه وتفاحة آدم تتحرك معه وعبثا حاول إيجاد كلمات، فقط تنحى عن الباب ونظراتها ترحل معه وكأنها خائفة من أن تنظر بالداخل ولكنها فعلت
فقدت الشعور بكل شيء وأي شيء، ظنت أن كل الأنفاس رحلت من حولها، هل حملتها أقدامها للداخل؟ ثوبها الأبيض يجر خلفه خيوط الحزن، وصوت أنفاسها يرتفع كأنها تصارع الهواء نفسه
وصلت أمام الفراش، الجسد الراقد أمامها لأخيها، تعرفه جيدا.. لكن.. ما لهذا الغطاء الأبيض يلفه هكذا وكأنه..
لا.. 
"سعد" ولم يرد
أبعدت الأفكار التي تهاجمها.. نظراتها تستقر على وجهه، هي نفس معالم أخيها الذي تمتعت معه بالصغر، لم يكن لها سواه عندما وجدوا أنفسهم وحدهم فجأة، بلا أب ولا أم
لا بيت ولا مال ولا شفقة من أي أحد، كان يغطيها ويبيت عاريا كي لا تبرد، يطعمها ويظل جائعا.. حتى وجدهم هارون 
كان أخيها، والدها، كل شيء حتى تفرقا بالحياة كلا بحاله وظنت أنه أراد التخلص منها لكنه أراد حمايتها..
على الأرض ركعت، بلا شجاعة تحث يدها على أن تلمس خده وقد همس صوت داخلها، هو لم يعد معك
ولمسته ثم سحبت يدها بسرعة، كأنها لامست الجليد
"سعد أنا عدت لأجلك، افتح عينك وتحدث معي"
بلا إجابة سوى الصمت انفلتت منها الصرخة، حادة، خانقة، ارتج لها قلب كل من يقف خارج الغرفة وقد أدركت الحقيقة التي رأتها بعيون الجميع
سعد مات.. 
ألقت نفسها عليه، تضم وجهه إلى صدرها، تبكي كطفلة للمرة الثانية تفقد كل من لها بالدنيا والآن لا أحد تبقى
النتيجة.. صفر
"لماذا الآن سعد وقد عدت لي وجعلتني أشعر بالأمان لوجودك بجواري؟"
ظلت تحتضن رأسه الساكن بقوة، دموعها نحتت بالأسود قنوات على وجنتيها، كل حياتهم معا تجسدت الآن أمامها وانتهت عندما ضمها له بحنان ووضع قبلة حانية على جبينها طالبا منها أن تسامحه
دموعها تنساب على وجهه الصامت، تختلط بملامحه الجامدة وصوتها يتحطم بين أنفاس متقطعة "كنت تعلم أليس كذلك؟ لماذا لم تخبرني إذن كنت أشبعت نفسي منك قبل أن تتركني؟" 
مدت يدها تمسح شعره برفق، كأنها تحاول إيقاظه من نوم طويل ثم وضعت جبينها على جبينه وغمرتها رجفة باردة لم تفارقها
خلفها ظل الريس جامدا بمكانه، عينيه لا تفارقان المشهد، الوجع الذي حاول كتمه في صدره بدا واضحا في صمته، في قبضته التي لم تفلت معصمه
لفت وجهها له فجأة واخترقت نظرة غائمة بعيونها قلبه كخنجر حاد مزقه "هل تألم؟"
زاد جمود وجهه وصوته حين خرج كان متكسرا، أقرب للهمس، ليس صوت الزعيم، فقده مع فقدان رجل عزيز من رجاله "لم يشعر بشيء، هو دين بعنقي حتى أموت"
زادت دموعها وعادت لوجهه الهادئ "كان يتمنى أن يفديك بروحه وقد حقق أمنيته"
أغمض هارون عيونه، لم يستحق تلك الحياة
"لا تقلق حبيبي، الريس يحميني بحياته، نم وارتاح واطمئن، أنا بخير، ستظل بقلبي لآخر نفس من أنفاسي سعد"
وسكتت الغرفة بعدها..
لا صوت سوى نحيب خافت وأنفاس متقطعة وصدى وعد حفر في قلبها، أنها لن تنساه ما حييت
***** 
كانت السماء رمادية رغم بداية الخريف، وكأنها تشاركهم الحزن. المطر لم ينهمر بعد، لكنه يلوح في الأفق كدموع ثقيلة تأبي السقوط
الهواء ساكن، لا صوت إلا لخطوات الرجال وهم يحملون النعش على أكتافهم، ثابتين، لكن.. أرواحهم ترتجف
هارون بالمقدمة، كتفه يحمل النعش، الجسد الذي رحلت منه الروح، كتفه مشدود، رأسه مرفوع، تحت نظارته الشمسية عينيه تخونه، تغشاهما غشاوة الألم، كلما اقتربوا من القبر كان صوته الداخلي يصرخ
لماذا هو؟ لماذا لم أكن أنا؟
صفوان بالجانب الآخر، صامت كعادته، ملامحه حادة لكن قبضته ترتجف وهو يمسك بالخشبة، لم يقل شيئا فالصمت كان اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع الآن
أنس خلفه، يجر أنفاسه بصعوبة، يغمض عيونه بين الحين والآخر كأنه يريد أن يمحو المشهد كله من ذاكرته
رشدي كان خلف هارون، لم يبخل على أخو زوجته بمصاحبته لمثواه الأخير، يدرك أنه لم يعرف الرجل جيدا، رجل منح حياته للرجل الذي منحه حياة من قبل 
الرجال تبعتهم.. أقدامهم تبعثر التراب حولهم بلا أصوات كي لا يقطعوا سكون المكان ولا يزعجوا سكان المقابر
عندما ينتهي الرجال كانت أحلام تمشي بين ليال وأسما وكأنها لا تمشي، بل تساق..
فستانها الأسود يلتف حولها، وجهها شاحب والريح تعبث بخصلات شعرها المبعثرة، لم تبك، فقط نظرات للنعش كأنها تحاول أن توقظه، تتوسل إليه أن ينهض ويوبخها كما كان يفعل دائما
حين أراح الرجال الجسد بالقبر انحنى هارون، تأمله لحظة ونظراته ثابتة على الكفن الأبيض "أتمنى أن تغفر لي سعد وتدرك أني لن أترك حقك"
كان صوته خافتا كأنه اعتراف، لا يسمعه أحد إلا التراب
أحلام لم تتمالك نفسها، اخترقت الرجال، غافلت ليال وأسما وركضت إلى القبر والرجال تغطي الجسد بالتراب وسقطت.. كفاها ترتجفان وهي تلامس التراب كأنها تريد أن تصل إليه، تطمئنه أنها هنا، معه ولن تتركه
"لم تخبرني أنك ستتركني سعد، قلت إنك حصني الأول والأخير، لماذا تركتني وحدي سعد، لماذا؟"
صرختها مزقت الصمت، ارتجف لها قلب هارون ودمعت عين أنس وهو يشيح بوجهه بعيدا، حتى العملاق، ذلك الجبل الصامت لم يملك إلا أن يطرق رأسه محاولا السيطرة على أحزانه
ذراع رشدي أحاطتها، قلبه يتمزق لأجلها، دموعه تحجرت بمقلتيه، جامد الملامح رحل والآن الأخ الكبير لنسمة ينتفض لها
أبعدها عن التراب الذي لوثت به نفسها بلا شعور وليال تقترب لتساعده بينما وقف الرجال من حولهم في خشوع لا يوصف، كل منهم يعرف أن سعد لم يمت وحده، بل أخذ معه جزء من هارون، ومن البيت والعائلة، بل منهم جميعا
الجميع لزم الصمت وهارون يتلقى العزاء ونظارته الشمسية تخفي نظراته وعتمة الظلمة الرابضة بها وكل عقله بالانتقام ولكن بعد أن يهدأ غضبه
حين انتهت المراسم، ظل هارون واقفا عند القبر، ليال تقبض على يده، رجلاه بجواره، ورشدي يلف زوجته بذراعه ولم يغادروا
السماء أخيرا بكت، وانهمر المطر يغسل التراب، يغسل الوجوه، كأنها دموع الأرض على أحد رجالها
**** 
العزاء الليلي كان بمكان يليق بالزعيم، العديد من الشخصيات الهامة أتت لأجله
ظل جامدا ويد الكبير تضغط على يده وهو لا يجيب والكبير يتحرك وسط رجاله للداخل، رشدي كان يقف بجواره يأخذ عزاء نسيبه ورأسه بامرأته التي لم تنطق حرف واحد منذ كانت بغرفة أخيها 
الكبير جلس بهيبة وسط رجاله والزعيم لم يتحرك من مكانه حتى وقت رحيل الكبير، لمس الأيدي كان شرر يعبر عما يجيش بصدر كلاهم
"هارون لا تدع الغضب يقودك"
توقفت زرقاء عيونه على مثيلتها عند الكبير وصوته خرج عميقا من صوت القبور التي ترك ابنه الذي لم ينجبه، به بالصباح 
"الغضب ليس له سلطان علي يا باشا لكن الثأر يفعل"
ضغط على يده ولمعت مقلتاه من القلق، لا يرغب بتلك المواجهة، يهرب منها
"هارون.."
العواء يصدر مرتفع، مرتفع جدا ليسري بالغابة مثيرا الرعب بقلوب الضحايا لكن هارون الديب عواءه هادئ وهدوئه هو عنوان الفزع بلا ضجيج بل بثبات
"سعيكم مشكور يا باشا"
وابتلع الرجل إهانة الريس، ليس لضعف منه بل لأنه يدرك جيدا أن ما أراد قوله لم يعد له مكان الآن، جسار تخطى كل الحدود ولن يمكن وقف هارون بعد اليوم
رحل الكبير وارتفع صوت القرآن ورشدي يميل عليه "أنا قلق على أحلام هارون"
لم ينظر له، هو يعرف أحلام جيدا، ستظل صامتة وستنهار بعدها "ليال معها وأنت كن بجوارها الأيام القادمة"
وانتهى الحديث أو هو لم يسمعه عندما التقى بالزيتونية الساخرة التي كانت تتجه له، نظرة امتلأت بالشماتة، انتصار زائف، جبان، تخبو زهوته بسرعة البرق
وعصاه تسبقه بالخطى، تقدم من هارون "أحب تلك الأجواء هارون، خاصة إذا كانت عندك"
ضغطت يده على يد جسار، الزعامة لا تكتسب بكلمة ولا بالقوة فقط بل بالحكمة مقترنة بالقوة وحسن التصرف وهارون استحق اللقب لأنه نحت مكانته بالصخر لذا لا يمكن محوه إلا بالصخر وجسار ليس صخر
"أعلم لذا دعوتي لك كانت أولى اهتماماتي لكن لا أضمن خروجك"
التهديد واضح ورحلت النظرة الساخرة من عيون جسار وهو يلتفت لرجاله التي تقف حوله ليطمئن أنه بحماية بينما تحفز صفوان وأنس لكن هارون كان ثابت ورجاله تعلمت منه الثبات لكن داخلهم نيران تتغذى على رغبتهم بالثأر لصديقهم وأخيهم
سحب يده التي رحلت منها الحرارة، من قبضة هارون "تهديدك لا يعني لي شيء"
تلك الملامح الهادئة تثير جنون من يواجها وتزرع الخوف بالروح الجبانة "هارون الديب لا يهدد"
وبدلا من أن يتحرك جسار للداخل لسماع القرآن لف جسده وعاد من حيث أتى وهارون يرفع ظهر يده على صدر صفوان ليوقفه عن متابعته "ليس الآن صفوان"
تراجع صفوان ونظراته الغاضبة تتبع جسار المحاط برجاله وهو يدخل سيارته وأنفاسه تبدو كنيران التنين الثائر ينفث بها غضبه محرقا كل ما يقف بطريقه بلا تفرقة
**** 
عادوا القصر، لم يقبل هارون برحيل أحلام مع رشدي وطالبه بأن تبقى بالقصر، بالقرب من ليال.. حتى لو رغب هو بالبقاء معها فلا مانع عنده 
رؤيتها بتلك الحالة جعلت رشدي لا يعارض، لم ترد عليه ولم تتحدث معه أو حتى تنظر له بل ظلت صامتة حتى عندما أراد معرفة رغبتها بالبقاء لم ترد
الغرفة التي شغلتها يوم الزفاف هي التي استقبلتها الآن، بتعب جلست على الفراش، جفت الدموع، تخلت عنها بوقت هي بحاجة فيه لكل رفيق يخفف أحزانها
لم تنظر له وهو يدخل خلفها، ترك جاكته على المقعد ونظراته تتجول بالغرفة ثم تسقط عليها، القلق هزمه عليها، ملامحها متعبة، شاحبة، عيونها متورمة
كانت تحارب ضعفها، حزنها على أخ لم تشبع منه ولم تكتفي.. هربت منه، سقطت بالوحل لأنها خرجت من تحت حمايته وعندما عادوا سرقه الموت واستكثر عليها فرحتها بأخيها وحاميها
"أحلام، أحلام هل أنت بخير؟"
أين الشعور بالواقع من حولها؟ ألا تسمع أو ترى؟ بعالم غريب عنها تخطو بأقدام مهزوزة، منهكة، تفقد أي رغبة بالعودة لعالمها، هنا أفضل.. بلا أحد..
لمس يدها فانتفض من برودتها.. منذ متى لم تتناول أي طعام؟ الحزن طعامها والدموع مياه تغذيها والانهيار قريب
"أحلام هل تسمعيني؟"
هي لا ترى ولا تسمع.. فقط شعور بأن هناك شيئا انكسر بقلبها، تشعر بأنها فقدت جزء من روحها، خوف.. خوف من المستقبل من الفراغ الذي تركه داخلها، خوف من أن ينسى وخوف أكبر من أن تعيش ألما كهذا مرة أخرى..
بالطبع أدرك أنها ترحل لحالة من الاكتئاب، الانهيار وربما لهذا طلب منه هارون بقائها
العابث ينزل من برجه العالي من أجل العسلية، لمست ركبته الأرض أمامها ليصل لمستوى نظراتها التائهة، لا تراه، العسلية رحلت والانهاك هو كل ما حل مكانها
ترك يدها ولمس وجنتها، يشعر وكأن قلبه ينتفض داخل ضلوعه، يرغب بالقفز خارجهم ليضمها له.. يمنحها نبضاته لتعود.. يلفها بذراعيه ليعيد لها الأمان، الدفء والحياة، لكنها لا تستجيب
برودة وجهها جعلته يعبث، تضييق رماديته حول مخاوف تأخذه لذكريات بعيدة عندما ماتت أمه وانزوى بغرفته مثلها، هو يعرف هذا الألم.. ما زال يترك أثر عميق بقلبه بل بكل حياته، زاد الجرح عندما وضع علي ناني بحياتهم. لا يمكنه تركها لتضييع منه
أمه، نسمة والآن نسمته هو الخاصة.. لا
نهض جاذبا هاتفه وعبث ليهاتف هارون الذي كان يتحرك داخل جناحه وليال تقف أمام النافذة شاردة بلا شعور بوجوده
فزعت من صوت هاتفه وهو يقترب منها ودفع راحته بعنقها وجذب وجهها له في قبلة طويلة ثم ابتعد قليلا ليجيب "نعم رشدي؟"
"أرغب بطبيب نفسي لأحلام أظن أنها تنهار هارون"
بلا انتظار رأسها استقر على صدره، متعبة هي الأخرى، بالحقيقة هي خائفة، مرعوبة مما هو آت، هارون لن يترك حقه أبدا وتلك المرة إما قاتل أو مقتول
"لا مانع عندي، هل تحتاج لمساعدة"
لف بنظراته على ملامحها وقال "لا، ربما أنتظر للصباح حتى ترافقها الباش مهندسة"
لم يسمح سوى لأنس وصفوان برفع الكلفة معها أما أي رجل سواهم فجدار صلب يضعه أمامه
أغلق الهاتف وعاد للفانيليا..
ضمها له وهي تسمع دقات قلبه "هل أنت بخير صغيرتي؟"
لا هي ليست ولن تكون بخير، هي تقف تعد الساعات الباقية لها معه، متى سيرحل ويتركها كرحيل سعد
"هارون لا تتركني"
لم يبعدها عن حضنه، لم يجيب، لم يمنحها أي شيء، فقط ضمة صدر
لا مجال لوعود لن يوفيها، لا مكان لجبان يفر من المعركة حتى ولو كان لأجل قلبه، سينزع قلبه من صدره ولن ينزع ثأره، حق سعد سيأتي
رفعت وجهها له وأسقط نظراته عليها، دموعها تكويه بنيران ملتهبة تذيب جلده وتشوي لحمه وتذيب عظامه، انتهى أمام ضعفها
"أنا لن أعيش وأنت لست معي هارون، لن أعيش"
أحاط وجهها براحتيه، لمس رطوبة دموعها ودفء وجنتيها وعكرة الأسود بضباب الدموع التي تكسو الخوف المتمكن من مقلتيها معلنا عن امتلاكه قلبها أيضا
"أخبرتك أن لا أحد سيحل محل هارون سواك، لن أكون هارون لو تركت دم سعد يذهب هباء، لن أستحق الزعامة لو لم أستعيد حقه"
شهقت من البكاء فعاد وضمها له، أغمض عيونه وصراحته تؤلمه أكثر مما تؤلمها لكن لا مجال للضعف مع أنثاه، امرأته التي يأتمنها على إرثه 
"ابكي صغيرتي، اصرخي، اضعفي، فقط بين أحضاني لكن وأنا غائب أنت امرأة هارون الديب، أنثى الذئب التي لا تهزم ولا تستسلم"
بكت أكثر وقلبها يتحطم، يتفتت لشظايا لن يمكن تجميعها.. 
"أنا لن أعرف كيف أعيش وحدي بعد أن عرفت الحياة بين أحضانك حبيبي، أرجوك هارون، أرجوك لا تتركني"
تألم أكثر، تمزق لكن لأجلها، لن تمر فكرة التراجع بعقله، الطوفان لا يوقفه شيء وهو لن يرحم لذا لن يمكنه الرد
ابتعدت لترفع رأسها له "كيف يمكنني إيقاف ألم قلبي هارون؟ كيف أوقف الألم وأنت قلبي وروحي ونبض حياتي أخبرني كيف هارون كيف؟"
ضغط على وجنتيها ولمعان عيونه تخفي صراعه، قلبه يباري عقله كلاهم يتعارك من أجلها، حب حياته، من عاش يحلم بها ويتمناها ولكن.. لن يستحقها لو أصبح جبان، لن يمكنه أن يعيش ضعيف متخاذل
"عندما تذكرين أني لم أرغب بامرأة سواك سيتوقف الألم، عندما تحملين ابننا سيتوقف الألم، عندما ترفعين رأسك أمام العالم بشموخ وأنت امرأة الديب الذي مات وهو يعيد شرف عائلته سيتوقف الألم ليال"
بكت أكثر وكلماته تعصر قلبها، تنهي كل قطرة أمل داخلها وتبعثر أحلامها بلا عودة 
همس أمام شفتيها ولأول مرة ينطق بها "أنا أحبك ليال، أحبك وسأحبك لآخر نفس من أنفاسي حبيبتي"
وهزم الحب الريس.. سقط فريسة له..
وللغرام..
تعليقات



<>