
رواية غرام في العالم السفلي الفصل الواحد والثلاثون31 بقلم داليا السيد
هو اختارك أنت
الغثيان ألقاها بأرض الحمام لمدة خمسة عشر دقيقة، الدوار يصحبه ويفقدها الوعي بما حولها ومع ذلك لا أحد يشعر بذلك، تتجاوز الأمر وحدها
اغتسلت ورأت وجهها الشاحب بالمرآة فأبعدت عيونها، بالأبيض تعود ليال الديب
أنس من تلقاها أمام السيارات "صباح الخير أنس أين صفوان؟"
انتظرها لتدخل ومنحها كلمات مختصرة "والد أسما حاول الفرار من المشفى وهو ذهب ليرى الأمر دون أن تعرف هي"
قاد السيارة والحراسة تتبعهم "ألم يخبرك ماذا فعل معها؟"
واجها بالمرآة "لا يتحدث سوى معك، لكن ملامحه لم تنم عن الخير"
هاتفته "الفندق أنس، أين أنت صفوان!؟"
"كنت بالمشفى وانتهيت، أراك بالمكتب"
أغلقت وحدقت بالفراغ ورشدي يهاتفها "انتهينا من التعديل ليال، أرى أن نمنح بورسعيد بعض الأهمية، الفرع هناك يتهاوى، يمكنني الذهاب"
أبعدت وجهها للازدحام بالخارج وذهنها ارتد للعمل "أحلام حامل ولا يمكنك تركها تلك الأيام، سأرى الأمر رشدي، المهم أنك تتابع برج العرب فهو مسؤوليتك، المصنع بحاجة لمدير حازم اعثر لنا على واحد"
نزلت أمام الفندق، أنس بجوارها والرجال تلفها، بالداخل تحركت لها النظرات لكنها كانت تخفي عيونها بنظارتها الشمسية
مكتب أسما كان مشغولا بالموظفين الآخرين، انتبهوا لها عندما فتحت واعتدلوا وهي تقول "صباح الخير، أسما هل تأتين من فضلك؟"
وجه أسما منحها فكرة مختصرة عما تم بينها وبين صفوان، كادت أسما ترفض لكن ليال التفتت لمكتب زوجها وأنس ينتظرها بالداخل "أنس هل انتهيت من مشكلة المطبخ؟"
جلست وفتحت الجهاز "ليس بعد، هل ترغبين بإفطار؟"
نفت بكلمات مختصرة "ثمية فعلت"
التفت ليرى أسما أمامه، تتردد بالدخول فتنحى لتدخل "أهلا أسما"
التفتت لها ليال وأنس يخرج مغلق الباب خلفه، توقفت أسما، منذ مواجهتها مع صفوان وهي تحاول إيقاف أفكارها تجاه ليال، لا يمكن أن تكرها، تغار نعم، تضعها على قائمة أسباب الانهيار بل هي كل الأسباب لكن ..
"أسما ماذا حدث؟"
انتبهت، عادت من شرودها، تقدمت خطوات "بماذا؟"
تراجعت ليال بالمقعد الكبير، لم تفكر باستبداله "هل رأيتِ وجهك بالمرآة اليوم؟"
الغضب لفها، أفقدها العقلانية وحبها الضائع أو حلمها الضائع، ينسف الأمل بغد جيد مع الرجل الذي تعلق قلبها به "وماذا به؟ تظنين أنني لست جميلة وأنت فقط ملكة الجمال؟"
لم تتبدل ملامح ليال، الرد واضح وصفوان لم يجيد التصرف "وهل تظنين أنى أهتم بعد رحيل من كان يهمني نظرته لي؟"
فركت أصابعها، لا أحد ينكر حبها لهارون، عشق، غرام لكن صفوان..
نهضت وتحركت لتواجها "صفوان وأنا إخوة، أصدقاء، لكن لا شيء أكثر من ذلك، أنا لم ولن أحب سوى هارون"
هتفت من قلبها ودموعها شاركتها "ولكن صفوان يحبك ويضعك قبل كل شيء"
تألمت لصديقتها التي ابتعدت من أمامها ترفع يداها بالهواء بلا هدى "هو اختارك أنت عندما طالبته بالاختيار وتظنين أنكم إخوة؟"
والتفتت مرة أخرى تواجها وليال هادئة تتلقى غضب، غيرة أو حزن من صديقتها بهدوء "صفوان ينفذ وصية هارون بقلبه لا بعقله أسما، حمايتي وحماية ابني، هو يحمل داخله ذنب موت هارون، لم يغفر لنفسه أنه تركه وحده"
صوتها خرج من تحت الثلج، جامد، بارد "لذا يكفر عن ذنبه بالحصول عليكِ وربما طلبك للزواج، ألم تفكري أنه يحبك؟"
تراجعت ليال والمفاجأة كانت من نصيبها لكن صوت صفوان أوقف المهزلة "أنتِ فقدتِ عقلك بالتأكيد"
التفتت أسما له ورفعت ليال نظراتها تجاهه، عيونه غاضت وفمه مذموم، وقبضتيه بجواره راغبا بتسديدهم بكيس التمرين بدلا من وضعهم بوجهها الشاحب
"فقدت عقلي لأني رأيت الحقيقة وأدركت ما تحاول إخفاؤه!؟"
صفع الباب خلفه وهو يتحرك ليقف أمامها ولا شيء من حوله أصبح يثير اهتمامه سوى تلك المجنونة واتهامها "أنتِ أصبحتِ عمياء، لا ترين ولا تفهمين أي شيء"
لم تتراجع ولم تتقبل غضبه "أفهم ماذا؟ أنك لن تفترق عن زوجة الريس على حساب المرأة التي ترغب بالزواج منها، تمنحها كل الاهتمام وأنا لا شيء، هذا ما تريدني أن أفهمه؟"
جلست ليال، تركت المعركة تدور أمامها دون أن تتدخل فهي لا تخصها حتى ولو كانت بسببها، أسما لا تثق بحب صفوان وهو يسيء التعامل مع واجبه تجاه هارون
"أريدك أن تدركي الفارق بينك وبين ليال، ليال زوجة أخي وصديقي وستظل هكذا لنهاية العمر ولا نية لي بخيانة رفيق حياتي"
الدموع لم تتوقف "وأنا!؟"
لم يتراجع، هل ستسمعه وتصدقه؟ سيقولها مرة واحدة ولو ابتعدت بعدها فلن يعيدها مرة أخرى "أخبرتك، أنتِ امرأتي، المرأة التي ستحمل اسمي وترافقني بما تبقى لي من عمر، هل تدركين ذلك؟"
أشاحت بيداها كعادتها ونبض الحزن أكثر بعيونها "يمكن لأي امرأة أن تفعل ذلك"
أحنى رأسه تجاها ونبرته خرجت حاسمة "لا، فقط من أحبها"
ابتسمت ليال، أغمضت عيونها تذكر كلماته، اعترافه بليلة زفاف أحلام، آخر ليلة لهما معا "أحبك ليال"
"حقا تحبني صفوان!؟ تحبني أنا وليس ليال؟"
تلاشى غضبه قليلا أمام وهنها وحزنها ونسى الاثنان وجودها "أنا لا أعرف تلك الكلمات التي يتبادلها العشاق أسما، أنا ليس لدي سوى تلك الكلمة ولا أنطق بها إلا لمن تستحقها"
ارتجف صوتها مع جسدها "أنا أستحق حبك؟"
اقترب حتى لمست حرارة جسده "لما أردتك شريكة بالحياة بكل ما بها، ما قلته بالأمس كان رغبة مني بوضع النقط على الحروف أسما وما زلت أتمسك به فهل تقبلين؟"
لم تترك عيونه، ظلت تبحث عن أي رغبة بليال، أي كذب، لكنها لم تجد سوى الصدق "طالما أنا فقط من أسكن قلبك فنعم، نعم صفوان أقبل بك ولا أقبل بسواك"
كاد يلفها بذراعيه لكن ليال نهضت لتوقفه "هل تعيد لها الخاتم؟ لم أراه بأصبعها"
توردت أسما وأخفضت وجهها وهو ارتبك، العملاق يرتبك ويفقد التركيز للحظة وهو يعبث بجيوبه، كيف عرفت تلك الصغيرة؟
أخرج الخاتم ووضعه بأصبعها ويده لا تفلت يدها
"يمكنكم الاحتفال بالملهى لست بحاجة لكما"
ارتبكت وصفوان يترك يدها "لا، لدي ما أناقشه معك، أسما ما رأيك بالغداء؟"
مسحت دموعها وهي توافق برأسها وتحركت خارجة وعاد هو لها وهي تجلس "أخرجني من بينكم صفوان أنت تزرع داخلها الكره تجاهي"
جلس ولم يتراجع "عليها أن تفهم"
كانت تراقب الشاشة "تلك الأمور لا مجال للفهم بها، أوقف كلماتك عني أمامها، لنحتفظ بالأمر بيننا صفوان ولا نجهر به"
ظل يواجها وكأنه يرى هارون يمنحه النصيحة بهدوء ويقنعه بلا تفكير
أفتقدك صديقي..
*****
"اعتقد أن الأمور لن تتحسن أكثر من ذلك سيد صفوان"
الطبيب لم يعد يخفي الأمر عنهم، والد أسما حالته تزداد سوء وهي لا تفعل شيء سوى البكاء، ليال منحتها الصحبة وصفوان محبته ورجولته الحقيقية لامرأة اعتبرها زوجته بمجرد أن أقرت بقبوله
بكت كثيرا، لا تعلم متى نست قسوة والدها عليها والرذيلة التي لفها بها ولكنها تعلم أن بذهابه ستصبح وحيدة..
رحل الطبيب تاركا لهم لا شيء سوى انتظار الموت "أسما هل تهدئين، البكاء لن يفيد بشيء، نحن نعلم حالته منذ وقت"
حاولت التماسك لكن خانتها الشجاعة، تم نقله لمشفى متخصص للكلى ولكن حالته كانت بنهايتها "لا أتخيل أنه سيتركني صفوان، ليس لي سواه"
ظل ثابتا وكلماتها تؤلمه "وماذا عني؟"
رفعت وجهها الملطخ بالدموع لمواجهته، شاحبة، حزينة ومتألمة ونادمة على كلماتها "أنت كل شيء بحياتي صفوان لكن هو والدي، كل ما تبقى من عائلتي"
مال تجاها وقد جن جنون المنفذ "لديك عائلة كبيرة تحبك وتقدرك"
"أعلم صفوان وأنا أيضا أحبهم لكن.."
تفهم ولم يعترض، اسم ليال أضاء على هاتفه، تنهد وهو يتذكر اجتماعها ووجوب وجوده معها "ليال، أعلم أني تأخرت"
كانت تستعد للاجتماع باللمسات الأخيرة وعرفت أنه مع أسما "هل والدها بخير؟"
دموعها لم تجف منذ ساءت حالته وهو ما يمزق قلبه ولكن ما باليد حيلة "لا، نصف ساعة وأكون معك"
أغلقت الجهاز وهي تنظر لأنس "لا، ابق معها وفكر بموضوع الزواج"
لف حول نفسه، لن يفعل، أحزانه لم تنتهي، جرحه لم يندمل "لا أرغب بذلك الجدال ليال، انتهينا من الأمر"
تحركت لخارج المكتب وأنس معها "انتهينا الآن لكن لم ننتهي نهائيا"
أغلقت وهو ينفخ، هي تجتهد بمنحهم السعادة وكلهم يعلمون الحزن الذي تحمله وحدها.. ثلاثة شهور مضت هارون على غيابك كل يوم ينحر جزء حي بقلبي عليك يا رفيقي
لا أعرف كيف أتجاوز فراقك، أنا بالأساس لم أتجاوزه، حتى وأنا أنال الحب مع امرأتي لا أجد المتعة الكافية، ليتك تعود يا أخي كي تكتمل سعادتي وتعود الابتسامة على وجوهنا جميعا
"ماذا حدث صفوان؟"
ارتد لها نافضا الضيق الذي لفه وأدرك أن ليال لن تتركه، بكل مرة يثور الاثنان وينتهيا لحائط سد، لن يتزوج وعلى أسما التفهم وهي تفعل يكفي ظروف والدها لتوقفهم
"لا شيء حبيبتي هل ستبقين!؟"
لمعت عيونها الدامعة وهي ترى نظراته، ليال لديها اجتماع وهو ترك الجميع من أجلها هل أخطأت يوم ظنت أنه يفكر بليال فهذه الأخيرة تتفنن بإسعادهم جميعا
"لديكم اجتماع بالمؤسسة"
زاغت عيونه ورأسه بالفعل بزوجة أخيه لكن حبيبته بحاجة له، لن يتركها الآن وحدها "أنس والرجال معها، لو رغبت البقاء نبقى حتى ترتاحي"
لمست يده فعادت نظراته لها، هو لا يعرف تلك الأمور لكنه يحبها عندما تلمس يده، تمنحه بها شعور بأنها معه، تؤازره، تسانده وهو من داخله بحاجة لذلك "شكرا لأنك معي حبيبي، لا أعلم كيف كنت أعيش وأنت لست معي"
امتلك راحتها الرقيقة بين قبضته الكبيرة ومنحها نظرات الاهتمام، الحب
"نحن لا نذكر سوى منذ التقينا اسما ما سبق ذلك لم يكن موجود"
ابتسامتها أضاءت حياته، أشرقت الظلام الذي يلفه، تنزع عنه مرارة الرذيلة وتغسل الدماء عن يده وتلفه بالحب والحنان
"معك حق، أرغب بشوكولاتة ساخنة"
ابتسم العملاق للشوكولاتة الخاصة به، شوكولاتة بمذاق السعادة والحب
*****
لم تكن معتادة على الاجتماعات خارج مقر المجموعة لكن اليوم هو بالمؤسسة العامة بقاعة اجتماعات شهيرة، الاجتماع طال ثلاث ساعات كاملة حتى شعرت أنها مجهدة بحق
أنس قاد والظلام كان قد حل من حولهم، أسندت رأسها على المسند والدوار يجاهد معها وهي لا تستسلم له "ليال هل أنت بخير؟"
أنس يدرك تماما كيف تقتل نفسها بالعمل ولا تهتم بأنها حامل، ترغب بأن تنسف أي وقت فراغ يمكن أن يهزمها بالتفكير بالرجل الذي يدمرها فراقه
"نعم أنس"
هاتفها يمنحها رنين وكأنه يأتي من بعيد، مزعج، مؤلم للصداع ولم تجيب وأنس يتابعها بالمرآة "يمكننا المرور على المشفى"
فتحت عيونها لتخبره أنها بخير عندما رأت فتاة تنزل الرصيف دون أن تنظر للسيارات وكأنها تتعمد وأنس لم يكن يراها بل يتابعها هي بالمرآة، الفزع تملكها من أجل الفتاة
"أنس احذر"
وللأسف انتباه أنس تأخر وهو يضغط دواسة الفرامل عندما تدارك الأمر ولكن فات الأوان
****
أوقف صفوان السيارة وتنفس بقوة وهي تنظر له راغبة بالبقاء بجواره تشعر بالراحة والأمان ولكن لا شيء يمكن إجرائه حاليا، هو لا يقبل بمناقشة أمر زواجهم وكذلك حالة والدها ومع ذلك الوحدة تخيفها ونظرات صبحي أيضا تخيفها..
"تأكدي أن الهاتف بمكان جيد حتى يمكنني الاطمئنان عليك"
رغم انشغالاته الدائمة إلا أنها لا تنكر اتصالاته الدائمة "حاضر، هل سترى ليال؟"
لف وجهه لها فأسرعت تفسر "لا شيء صفوان ولكنها كانت تبدو متعبة بالصباح"
حك لحيته ونظر للساعة وهو يدرك كلماتها، يعلم سبب ما تفعله بنفسها، هو مثلها لا يرغب بوقت فراغ "نعم أعلم، لديها اجتماع لم ينتهي بعد، سألحق بهم الآن"
"شكرا لوجودك معي صفوان، لا أعلم كيف كانت ستكون الحياة وأنت لست معي"
أمسك يدها بحنان فابتسمت له وللمساته التي لا تتخطى لمسة اليد ولم يتجاوز معها حتى بقبلة..
"أنت قوية أسما وتتحملين الكثير، أنا لم أفعل أي شيء بل أتمنى لو بإمكاني منحك ما تستحقيه"
هو أنت من أستحقه وأريده صفوان، لم يتخطى حلمي رجل مثلك، لم أراك كما صورك الكثيرين بل أنت أكثر الرجال حنانا، قوة وسلطة "أنت كل ما أريده بالحياة حبيبي، أنت كل الأمنيات"
المنفذ عاجز عن التصرف، لا يعرف ماذا يفعل أو يقول "أحبك"
ضحك قلبها، وابتسم عقلها وابتهج جسدها كله وتلك الكلمة تسكن روحها ونبض حياتها "أنا أحلم"
"لا حبيبتي بل واقع، واقعنا معا أسما، تعلمين أن رجل مثلي من الصعب أن يجد من يقبل بواقعه وأنت.."
لم تفكر وهي تمنحه ما تمنى أن يسمعه "أحبك"
ابتسامته أتت من بعيد، من سنوات عمره التي عانى فيها الظلام، أتت لأجل من محت الظلام، سلخته من العتمة ولفته بالنور فقط بقعة سوداء ستظل راكدة داخله، فقدان رفيقه
قبل أن يمنحها رد يناسبها صوت رجولي أعاده للواقع بالخارج "ألا تخجلون من تصرفاتكم؟"
رفع وجهه لجوارها، النافذة منحته رؤية لرجل لا يعرفه، بدى من مجرمي الشوارع، ترك يدها والرجل يحدق به، نظراته تعني الاستفزاز وصفوان رجل عاش بالشارع كثيرا وتمرس بين ساكنيه لذا أدرك على الفور من أي بيئة هو
يدها قبضت على ذراعه والخوف ملأ قلبها، هي تعرف تلك النظرة بعيونه، لن يمر الأمر على خير "صفوان أرجوك دعه"
ربت على يدها ونظراته هادئة كعادته، ليس ممن يفر من المعركة، هارون لم يدربه أبدا على الخوف أو التراجع "لا تقلقي حبيبتي، لا تنزلي من السيارة مهما حدث"
وجذب ذراعه من يدها وقبل أن ترمش كان يغلق الباب عليها وهو يتحرك للرجل الذي ظهر خلفه ثلاثة آخرين انضموا له بمجرد نزول صفوان، العملاق لا يهتم بالعدد فقط ذهنه بتركها وحدها داخل السيارة لذا احتفظ بالمفتاح بجيبه ولن يحصل عليه أحد إلا بموته
وموت العملاق ليس بسهل، كالقبض على المياه بأصابعك
"مع من كنت تتحدث يا هذا؟"
عيون الرجل كانت تحدق بجسد صفوان، طوله الشاهق، عضلاته النابضة من خلف قميصه، قبضته التي سكنت بجواره، هو ليس بخصم هين
"هنا منطقة محترمة وتلك الفتاة.."
لم تنتهي الجملة فالكلمات طارت من فمه مع اثنان من أسنانه الأمامية التي حاولت التصدي لقبضة المنفذ "لا تأتي بسيرتها على لسانك"
وقامت المعركة.. أفتقدك رفيقي، لكنت بظهري الآن لكني تلميذك ولن يخيب ظنك بي أبدا
طار هذا يمينا وذلك يسارا، العصا تهشمت على ظهر العملاق دون أن تصيبه بخش وصاحبها اصطدم بالجدار وسقط جامدا على الأرض، الرابع تأرجحت السكين بيده والعملاق يعشق اللعب بالسكاكين
لا يعلم صاحب السكين كيف انتقلت السكين ليد خصمه لكنه أدرك الجراح التي انهالت عليه بسكينه وهو واقفا بمكانه يستوعب الآلام التي صرخت من جسده حتى خانته ساقاه ونزل على ركبتيه ثم على وجهه بلا حركة
الأول الذي تحدث كان ملقى فوق بقايا عربة خضار لطم صاحبها لخسارته، تحرك له العملاق وجذب أموال من محفظته ومنحها له، الجمهور الذي دار حوله تراجع عندما رفع وجهه لرؤية المتفرجين ورأى من يبحث عنه
صبحي..
تراجع وراء الجمهور ونظرات العملاق تقبض عليه وقبل أن يجد مخبأ مناسب له كانت قبضة العملاق تقبض على ملابسه وتعيده للخلف بقوة ليفقد اتزانه ويسقط على ظهره ببركة مياه ملوثة تلوث ملابسه الفاخرة والجمهور يكتم ضحكته
"إذا أردت أن تكون رجل وتستحق امرأة ترغب بها فلا تتخفى وراء رجال أخرى، كن شجاعا وواجهني"
نهض ملوثا بالمياه المتسخة، شاحب الوجه وارتجافه طفيفة واضحة على أطرافه وهو يجذب كلمات "أنا.. من.. أنا رجل وسيد الرجال، من أنت.. أنت تلوث بنات الشارع"
كان يتراجع أمام تقدم المنفذ، دائرة الموجودين لا تتسع ولا تنفتح وهو يصطدم بهذا وذاك مدفوعا منهم ليسقط أمام العملاق الذي ظل منتصبا ونظراته تسقط عليه "بنات الشارع لا يجرؤ أحد على تلويثهم، قذر مثلك هو الذي يلوث المنطقة، طمعك بما ليس لك يلوثها"
نهض مرة أخرى محاولا وضع قناع زائف للشجاعة على وجهه "أردت الزواج وهو حلال"
قبضة العملاق أحكمت على صدر ملابس الجبان وجذبه له مواجها وجهه الذي نضح بالفزع ونظرات صفوان تحرقه بمكانه، تصيبه بالرعب وتقريبا بتسريب لا إرادي ببنطلونه
"حلالك ببيتك بعيدا عن بنات الناس، لو عرفت أنك نظرت حتى لها أو لأي بنت مرة أخرى أقسم أن أجعلك لا تصلح للزواج منها أو حتى من زوجاتك أنفسهم"
"أنت، لا حق لك"
ضربة رأس قوية جعلته يصرخ ورأسه يرتد للخلف من قوة الضربة وفقد اتزانه عندما تركته قبضة صفوان ليسقط على الأرض دون مجال للنهوض
اعتدل صفوان والجمهور يرتد بفزع وهو يدرك التساؤلات بعيونهم "الآنسة أسما خطيبتي وغدا سأعقد قراني عليها ولن أسمح لأي كلب بكلمة عليها"
وتحرك عائدا والدائرة تنفك لتصنع له ممر يعود به للسيارة وهو يدخل وهي تصرخ به بجنون "كيف تحبسني هنا؟ ماذا أصابك؟ أنت تنزف، صفوان ماذا فعلت بنفسك؟"
لم يجيب وهي لم تنتبه أنه كان يقود بها خارجا من المنطقة حتى الطريق العام دون أن ينطق وسط صراخها وبكائها..
****
الإسعاف وصلت للمشفى الميري حيث طالبهم زياد بإحضار الفتاة التي سقطت أمام سيارة أنس، أنس نزل وليال تسبقه لمتابعة الفتاة الفاقدة للوعي وزياد يتلقاهم "انتظروا هنا"
أوقفها أنس والفزع واضح على ملامحها، الفتاة غائبة عن الوعي، ليس معها أي شيء يدل على هويتها.. الازدحام لم يمنحها مقعد، أشكال المرضى أو المصابين جعل معدتها تتقلب ولكنها تماسكت وهي تستند على الحائط
لم يمر وقت حتى رأت صفوان وأسما يندفعان لها، أنس هاتفه بعد انتهاء معركته وقد كان ينوي أخذ أسما للفيلا فتحرك لهم
"ليال هل أنت بخير؟"
نظرت لصفوان ثم أسما "نعم، الفتاة لا ترد، أنس كان يقود صفوان"
تنفس صفوان "لا تخشين شيء، عزيز يتعامل مع تلك الأمور"
بالفعل عزيز لحق بهم وأسما تقف بجوارها "ماذا حدث أنس؟"
الكلمات اختصرت وزياد يصل لهم من بين الزحام "جرح غائر بالذراع الأيمن، جرح بسيط بالرأس وكدمات بسيطة، الحمد لله ليس هناك أي خطر"
تنفست بقوة "هي لم تنظر حتى للسيارات عزيز، ليس معها أي إثبات هوية"
هز رأسه بتفهم "سأتصرف"
تم إسعاف الفتاة دون أن يراها أحد، ليال طالبت بمشفى جيد لكن عزيز وزياد رفضوا فالأمر لا يستحق، عزيز تعامل مع الأمر بلا مشاكل والفتاة لا تتحدث وعندما انتهوا دخلت لها ليال وأسما
جميلة، صغيرة، لم تتجاوز العشرين، بيضاء البشرة بعيون سوداء ليست ضيقة ولا واسعة، فم صغير ووجه مستدير، شعر أسود قصير من الواضح أنها لا تتركه يطيل..
ملابسها ليست رخيصة، الأمر غير واضح
"هل أنت بخير؟ أنا ليال هارون الديب وهذه أسما صديقتي، نحن من صدمك بالسيارة وسنمحك ما شئت فقط نعرف من أنت؟"
لم تنظر لهم ولم ترد كانت دموع فقط تنهال من عيونها تتساقط على الوسادة وضوضاء بالمكان غير طبيعية
"لابد أن نعرف من أهلك كي نهاتفهم"
كلمة واحدة خرجت بقوة واهنة "لا"
نظراتها امتلأت بالرجاء والألم والحزن وأنس كان يتحرك لهم ونظراته سقطت عليها وليال لمست يدها السليمة "حسنا اهدئي"
هتفت بألم "أريد أن أموت، لماذا لم تتركوني أموت"
كان من الواضح أنها تعاني من أزمة نفسية وأهلها السبب بها، صوت أنس أعاد ليال من أفكارها "هل نذهب لمشفى آخر؟"
زياد تحرك لهم "هي بخير أنس، الراحة أفضل من مشفى آخر"
التفتت مرة أخرى للفتاة الباكية ونظراتها الزائغة "هل تخبريني باسمك"
التفتت لليال، رأت بعيونها الصدق الذي لم تراه بمن تعرفهم "ألاء"
ابتسمت ليال لها وانشرح قلبها للفتاة التي بدا أنها تتألم بصمت "ترغبين بالبقاء معنا؟ أنا أعيش مع إخوتي ببيت كبير"
والتفتت "هذا أنس من كان يقود السيارة، صفوان وهذه خطيبته أسما"
حدقت بهم، عيونها لا تمنحهم سوى ألم رابض داخلها، رغبة بالفرار من هذا العالم الذي لم تعد ترغب به..
كلما نواجه أزمة نلجأ للموت، هل هو راحة؟
بكت مرة أخرى فمالت ليال عليها وقلبها ينفطر لأجلها، حكايتها تبدو مؤلمة ولكنها لن تتحدث الآن "هل تهدئي؟ سنأخذك معنا حتى تتحسن حالتك وبعدها نتحدث"
التفتت ونظرات أنس ثابتة على الفتاة، عيونها الحزينة تجذبه، يرغب بمعرفة ما تخفيه خلف تلك الدموع، رغبتها بالموت تعني اليأس، رغبة بالفرار من شيء لا ترغب به..
تعجبه لكن دون أن يشعر..
****
"صفوان أنا لا يمكنني البقاء ببيت ليال"
كان يقود دون النظر لها، كلهم رحلوا وهو ما زال مصرا على رأيه، أسما لن تبقى وحدها بعد اليوم "ولم لا؟ بيت هندية فارغ، يمكنك البقاء به مع تلك الفتاة التي لا نعرف عنها شيء وغدا سنعقد قراننا وتكونين زوجتي"
كانت تحدق به، عقد قران بلا أب؟ ببيت غير بيتها؟ بهذا الوقت الذي لا يمثل سوى قلق وتشويش على العقول؟
"لا"
لف وجهه لها بلا فهم، لو لم تكن السيارات تسير سويا لتوقف وعصف بها بغضبه "لا!؟ هل ترفضين زواجنا؟"
هل يعي ما يقول؟ ألا يفهم ما تعنيه؟ "لا صفوان، أنا أرفض الوقت، أرفض الجنون الذي تريده، لن نتزوج وبابا بالمشفى وأنا ببيت ليس بيتي"
هدأ من سرعته والسيارات تنتظر فتح البوابة ولمحت نظراته الغاضبة لها وصوته العميق يجيبها "والدك سيكون موجود وسنعقد قراننا ببيتك وبعدها يعود المشفى وأنت لن تبقي هناك، كلماتي لن تتكرر مرة أخرى أسما"
فتحت فمها لتعترض ولكن ضغطة قدمه على الدواسة عنت أنه غاضب وغاضب جدا فتراجعت وهم يتوقفون وليال تنزل وتساعد تلك الفتاة الغامضة وأنس يتحرك لهم
"أنس يبدو مهتم بالفتاة"
رمقها بنظرة قاتمة قبل أن ينزل "كاد يتسبب بموتها"
تحرك لهم وهي تتبعه ونظراتها تائهة لا تفهم ماذا يحدث لها ولهم والجميع يتحرك للداخل، غرفة أحلام سابقا استقبلت ألاء وليال وثمية تساعدها بدخول الفراش وأنس وصفوان توقفا بالخارج
"لماذا تفعلين معي ذلك؟ أنا لا أريد أن أعيش"
جلست ليال على طرف الفراش، اليأس يدمر صاحبه، يقوده للجنون أو الانتحار وهي تقاومه بقوة حبها لزوجها وإيمانها بعودته رغم نظرات من حولها يتهمونها بالجنون
"الموت حق علينا جميعا ألاء لكن بميعاد ولا أحد يعرف موعده وطالما منحنا الله حياة فعلينا الحفاظ عليها فهي أمانتنا حتى يستردها صاحبها"
بكت الفتاة مرة أخرى فربتت على يدها بحنان "أنت تحتاجين للراحة، نامي وعندما تجدي نفسك راغبة بالحديث سنفعل"
أبعدت وجهها وهي تركتها وخرجت عائدة لصالة الاستقبال، أنس يتحرك بلا هدى، صفوان جالسا وأسما بجواره والصمت يلف الجميع..
"ثمية العشاء من فضلك"
أنس تحرك لها والقلق سكن كل نظراته ، وهي توقفت أمامه "هل عرفتِ شيء؟"
لم تقل قلقا عنه ولكن الفتاة ترفض التحدث "لا، اهدأ هي بخير"
وتركته لتجلس والتعب يهاجمها بعد يوم طويل، لم تسال عن سبب وجود أسما ولا عن غضب صفوان الذي أدرك أن عليه التفسير "سأعقد قراني على أسما غدا ليال وستأتي لتعيش هنا"
التفت أنس له ولكنها أوقفته "جيد، لا مجال لبقائها وحدها، لا تنسى والدها"
"ليال أنت توافقين على ذلك وبابا بالمشفى والريس.."
رمقها صفوان بنظرة حادة وأنس التفت لها فزاغت نظراتها وليال تخلصها من الحرج "بل هذا ما أردته أسما، زواجكم لابد أن يتم ولا داعي لتأجيله"
قوتها تذهل أسما وتزيد إعجاب الرجلان "ليال.."
أنس تحرك وجلس باستسلام، تلك الفتاة تأكل عقله، يرغب بمعرفة سرها، كادت تتسبب بوضعه بالسجن، ألقت نفسها أمام السيارة وكأنها تحتضن الموت بذراعين مفتوحين، ترى ما الذي يدفعها لإنهاء حياتها بسهولة هكذا؟
"انتهينا أسما، أمامك النهار كله لتستعدي وسيارة ستأخذك لشقتك قبل وصولنا والرجال تتبعك"
دخلت ثمية تعلن عن العشاء لتنهي أي جدال كان بطريقه لفم أسما وليال تنهض لتقودهم والصمت لف الجميع
****
بالصباح تحركت لغرفة الفتاة، وجدتها جالسة تضم ساقيها لصدرها ورأسها عليهم وعيونها ثابتة على الفراغ من حولها، مبعثرة الشعر الذي يصل لأذنها إلا من الضمادة الملفوفة حوله، عيونها متورمة من كثرة البكاء، ذراعها المصاب ملقى بلا اهتمام
"صباح الخير"
انتبهت الفتاة لها، حركت عيونها تجاها لكنها ظلت متكورة على نفسها، جسدها يؤلمها لكن قلبها يؤلم أكثر، ملابس ليال ناسبتها فلهم نفس القوام تقريبا
جلست الفانيليا أمام الغامضة، التائهة، اليائسة بلا أمل
"كيف أنتِ اليوم؟"
"لماذا ترتدين الأبيض!؟"
رحلت الدماء من وجهها، انتفض القلب من السؤال لأنه يدق أبواب أحزانها، تأملت العيون التي تراقبها بنظرة طويلة قبل أن تخفض عيونها لحظة "ألتمس منه الأمل، زوجي غائب وانتظر عودته"
كلمات مختصرة، لم تشرح، لم تتحدث عن الموت "وأنت!؟"
دمعت العيون مرة أخرى ولكن صوتها خرج حرا إلا من الألم "أردت رؤيته بالعالم الآخر"
اعتدلت، لديها من مات وترغب باللحاق به؟
"لا أفهم"
أغمضت عيونها، تلك المرأة تثير الراحة داخلها، تمنحها هدوء وسكينة لم تعرفهم من قبل، لم تلقي بها بالشارع وأتت بها ببيتها وتمنحها اهتمامها
"هادي، الشاب الذي كنت أحبه"
بدأت تفهم، الصورة تتضح ولكن ما زالت تشع بالغموض "مات!؟"
سقطت الدموع الحائرة على وجنتيها البيضاء، جميلة هي الفتاة، لكنها لم تهتم بجمالها "قُتِل"
الكلمة لم تعد تهز ليال فالقتل والموت من عالمهم ولا جديد به بالنسبة لها "وانتحارك سيضمن لك رؤيته؟"
لم تمسح دموعها بل تركتها حرة تلتمس منها أي راحة "لا لكنه سيمنحني الراحة مما أعيش به"
ولفت وجهها لليال لترى مدى الألم الذي بعيونها "والدي من قتله"
تجهم وجه ليال، رحلت السكينة من ملامحها وأظلمت عيونها، زمت فمها بلا أي كلمات تخرق الصمت أو تلون السكينة بلون الغضب
"كان يرفضه لأنه فقير، من أسرة بسيطة بالأنفوشي وتمسكي به جعله يتخلص منه"
هذا يعني أن الفتاة من أسرة غنية ترفض الفقر "من هو والدك؟"
أخفضت وجهها، من عار الانتساب لأب مثله، لم تكن تعرف حقيقته، لم تظن أن والدها ينتمي لذلك العالم، لم تفكر يوما أنه سيقتل من أحبته ورغبت به..
"أحمد فهمي، صاحب شركات الزهور للتوريدات الصناعية"
تعرفه، صفوان علمها الكثير عن عالمهم، جعلها تعرف كل من ينتمي لعالم الأبيض ومن يخص العالم الأسود وأحمد فهمي يسكن الظلام..
لم ترمش، هادئة هدوء مخيف أبعدت نظراتها، لم ترغب بمنح الفتاة أي رد فعل قد يحرجها ولكن الفتاة لم تتركها "لماذا تبعدين وجهك؟
عادت لها ونظرة قاتمة احتلت مقلتيها "كيف عرفت أن والدك هو من.."
ولم تكمل والفتاة تفهم وتستمر بالبكاء بجوار صوتها الضعيف "سمعته وهو يخبر والدتي، سمعته وهو يخبرها بحقيقته التي لم أعرفها إلا وقتها، والدي قاتل"
وانهارت بالبكاء وليال تتابعها، أرادت إخبارها أنه ليس فقط قاتل ولكنه يسبح بعالم الجريمة والممنوع ولكنها كتمت معرفتها
"أراد منحي لفؤاد عزمي، ابن محمود عزمي تاجر المخدرات المعروف، رفضت وأردت هادي فقتله وكان اليوم موعد زواجي من فؤاد"
الألم ارتسم على وجهها وانساقت ليال لأحزان الفتاة فرمشت عيونها بدموع تؤازرها، مسحتها واختارت القوة "واخترتِ الموت؟"
"لم يتبقى لي سواه، ليس لي أحد، كل عائلتي ستعيدني خوفا من بابا، أنت لا تعرفينه يا.."
وعادت لها بعيونها والتساؤل بهما "ليال، ليال هارون الديب، زوجة هارون الديب، الريس"
حدقت بها الفتاة بلا فهم فأكملت ليال "هارون هو الريس هنا بالإسكندرية وأنا أعرف والدك وعزمي وكل هؤلاء الأشخاص فأنا أدير أعمال زوجي حاليا"
تراجعت ألاء وهي ترغب بأن تفهم، نظراتها زائغة على وجه ليال، حيرتها ارتفعت داخلها واسم هارون لم يمر عليها لكن كلمة الريس مرت أمامها مرة "ستعيدينني لبابا؟"
نفت داخلها وأعلنتها للفتاة "لا، أنت من له الحرية بذلك، ستبقين هنا حتى تقرري مصيرك بنفسك"
تورد وجه الفتاة ولا تعرف ماذا تفعل "هذا كثير ليال، أنا يمكنني البحث عن عمل ومكان.."
نهضت فتوقفت الفتاة "عندما تستردي عافيتك سأمنحك أي عمل ترغبين به بممتلكات هارون ولكنك لن تتركي هنا، والدك لن يرحمك"
وتحركت لتخرج لترى أنس يرفع يده ليدق على الباب، واجه نظراتها التي سكنها الجمود "أنس!؟"
أخفض يده وزاغت نظراته، وجه تجهم، رحلت منه الدماء، وجه الفتاة لم يفارقه، دموعها، أحزانها، أراد أن يعرف عنها كل شيء
"صباح الخير ليال، كيف حالها الآن؟"
ظلت جامدة بمكانها لحظة، تقرأ نظراته الواضحة "بخير، يمكنك رؤيتها"
وتنحت والفتاة ترفع وجهها له، عيونه التقت بعيونها الدامعة، جمالها أخذه بشكل غريب، مي جعلته يغلق كل الأبواب بوجه أي امرأة تمر به، لم يرغب بالدخول بأي علاقة من بعدها ومنح قلبه إنذار بالطرد من حياته لو فكر بأي امرأة
لكن تلك الفتاة مختلفة، جذبته خارج الملعب.
بخطى بطيئة تحرك للداخل، عيونه منحتها إطلالة غريبة عليها، بأوائل الثلاثينات، وجه طويل، عيونه واسعة سوداء برموش طويلة، فك حاد بلا لحية، شفاه رجولية مذمومة بحدة، شعره الاسود لم يكن قصير بل طويل، ناعم بخصلات مترامية على جبينه..
قوامه الطويل متناسق، عضلاته تدل على تمارين قاسية، قميص أسود مفتوح لمنتصف صدره، بنطلون جينز قاتم، كان رجل غامض لم تفهم عمق نظراته..
"آسف لما حدث لك، لم أنتبه لوجودك أمامي"
ليال لم تنتظر، ربما رجال زوجها تجد حياتها رغم رحيله، الحب لا يدق الأبواب وأنس كان يصفع بابه بوجه الجميع بتوقيع مي، رفيقة الشيطان الراحلة
تورد وجهها بشكل غريب، لم تشعر به بل بحرارة ترتفع لجسدها لنظراته، هادي كان يمنحها نظرات الحب والحنان، أراد الزواج منها ووالدها نعته بالانتهازي وهي ضاعت برحيله..
أبعدت عيونها، هاربة من ضعفها "لا داعي لذلك، حضرتك ليس لك ذنب، أنا من أردت.."
حضرتك!؟ بكم عام يكبرها!؟ عشر؟ أكثر أو أقل لا يعلم لكنها تراه كبيرا.. هارون كان يكبر ليال بسنوات كثيرة ومع ذلك تعيش على أمل عودته
كلمة واحدة نطق بها "لماذا!؟"
مسحت دموعها ولم تنظر له، عطره وصل لها فرفعت وجهها لتراه قريب من فراشها، قامته منحتها شعور غريب، رجل لم ترى مثله من قبل، وسيم، قوي، جاذبيته قوية جدا ولا تعرف كيف يؤثر بها وهادي لم يمضي على رحيله سوى أسابيع قليلة؟
"لا أظن أن أمري يهمك، حضرتك.."
"أنس، ولا داعي لحضرتك هذه، لست والدك"
تورد وجهها أكثر وانتفض شيء داخلها وهي تشعر أنها السبب بإثارة غضبه "آسفة"
لم يرد وتحرك خارجا وحضرتك تجيبه.. ماذا تفعل هنا أيها الأحمق؟ ألم تختار العزلة والوحدة؟ لماذا تتسرب لسواهم الآن؟
"لا ليال سأكون معك وبعدها نرى ماذا سنفعل"
صوت صفوان وصل له وليال تكمل العصير وباقي الإفطار وصفوان بجوارها "افعل ما شئت"
جلس أنس بالجانب الآخر محاولا السيطرة على غضبه وهو يجذب الخبز، طلبت منهم تناول الطعام معها منذ رحيل هارون، لا ترغب بالوحدة، تتمسك بوجودهم معها لتغلب ضعفها أمام الوحدة
"ماذا حدث!؟"
لم ينظر لليال وهو يضع الجبن بالخبز "لا شيء، حضرتي غير مسؤول عن الحادث"
"حضرتك!؟"
رفع عيونه لها فرأت الحنق بهما "تراني كوالدها تقريبا"
أخفضت عيونها، تخفي ما فهمته برموشها وتركت صفوان يمنحه كلمات لا معنى لها "جيد، عزيز أنهى الأمر، ليال عرفت أنها ابنة أحمد فهمي، الزهور للتوريدات الصناعية وما خفي نحن نعرفه"
رفع وجهه مرة أخرى لصفوان وتوقفت يده بالخبز لما سمعه "أحمد فهمي، تاجر السلاح وتهريب الآثار؟"
"هل تعرف سواه؟ أعتقد أن حادث الشاب الذي تحدثت عنه كان منذ أسابيع، قرأت عنه مرة، حادث سيارة بعد منتصف الليل، اسم هادي هو ما ذكرني به"
دوامة سقط بها مما قاله صفوان جعله يرغب بأن يفهم "أي شاب؟ ما علاقته بها؟"
تراجعت ليال لتواجه تساؤلاته "كانت تحب الشاب ووالدها رفضه بل وقتله وتخلص منه ليزوجها ابن محمود عزمي وهي عرفت الحقيقة، اليوم كان موعد زفافها"
تجهم وجهه، كان بحياتها قصة حب، شاب من عمرها تحبه ويحبها، والدها دمر حياتها بقتله وهي أرادت إنهاء حياتها لأجله
"أنس ألا تسمعني؟"
انتبه لصفوان وامتلأت عيونه بظلام حالك عنى الغضب، الضيق، ترك الطعام وسكب الشاي "لا، لم أسمعك"
تبادل صفوان وليال النظرات حتى عادت هي له "ماذا بك؟"
أدار الملعقة بفنجان الشاي دون مواجهة عيون زوجة أخيه "لا شيء، متى سنذهب؟"
تناول صفوان الشاي ونهض "سأرى أسما قبل أن نذهب"
رحل وليال تواجه نظرات أنس الزائغة وقلبها يشعر به، يتألم له رغم أنه لم ينغمس بالأمر بعد وعليه التأني
"أنت غاضب"
لم يكن سؤال بل إقرار، هي تفهمهم جيدا، تقرأ نظراتهم "لا أعرف"
نهض مبتعدا، هل ليال من ستخترق حياته الآن؟ ولم لا؟ ألم تفعل وقت كان يعيش وهم مي؟
صوتها خلفه منحه إجابة أنها لن تتراجع عنه "هل تعجبك؟"
التفت لها والسؤال يصيبه بمقتل "تراني بعمر والدها، حضرتك!!"
كان ينطق الكلمة بنبرة غاضبة، حادة، تعلن عن جنونه بلا سبب
"هو أول لقاء لها معك أنس، هي لا تعرفك ولا يمكنها معاملتك بلا ألقاب من أول لقاء، فهل تهدأ قليلا؟"
تأنى، هدأ الغضب من نظرات ليال المحببة له، هي تعرف كيف تتسرب له، يثق بها ويقدرها كأخت وصديقة "كدت أتسبب بموتها ليال ولا أعلم كيف حدث ذلك؟"
فر من أمامها وتفهمت موقفه فلم تضغط عليه، تركته حرا طليقا حتى يسقط وحده "أخبرتني أنها أرادت الموت، هل نذهب؟ لقد تأخرنا"
وتحركت وهو التفت يتبعها بنظراته، هي تفهمه ولكنه لا يفهم نفسه ولا سبب غضبه أو اهتمامه..
****
نامت من التعب الذي لفها، عندما استيقظت كان على صوت ثمية تطالبها بتناول الغداء والدواء وأطاعت بصمت ولكنها سألت "أين ليال؟"
اعتدلت ثمية تنظر لها "الباش مهندسة بالعمل وتعود متأخرة بالليل، هل تأمرين بشيء؟"
نفت برأسها ولكنها تداركت واسئلة كثيرة تمرح داخل عقلها، تسبح بين أحزانها وعدم رغبتها بتلك الحياة "تبدو صغيرة على ما تحمله وما نراها عليه"
عبثت ثمية بأصابعها وعيونها تسقط عليهم "موت الريس هزمنا جميعا ومنحها عمر فوق عمرها بسبب حزنها عليه"
تراجعت وتساءلت وثمية تمنحها نبذة عن قصة هارون الديب وصغيرته..
تنهدت وأدركت كم هي لا شيء بجوار ما تعانيه ليال وحياتها وقدرتها على مواجهة أزمتها "أرغب بهاتف من فضلك"
أرادت أن تسمع صوت أمها، رغم أن المرأة لم تساندها لكنها أمها، حنينها لها فاق قوة تحملها، لحظة وثمية عادت بالهاتف الأرضي، تركته وانصرفت
"ألو، من المتصل؟"
صوت أمها جعلها تعود للبكاء، لم تستطيع أن تنطق من بين الدموع ولكن المرأة هتفت "ألاء!؟ هل هذا أنت حبيبتي!؟ ألاء أجيبي!"
صوت والدها أفزعها، جعلها ترتجف وتسقط السماعة "ألاء، هل ظننت أنني لن أجدك؟"
أبعدت يدها عن الهاتف، شعرت بأنه سيخرج لها منه ويقتلها، الفزع أصابها، الخوف جعلها تشهق من البكاء، سيجدها ووقتها لا تعرف ماذا سيفعل بها؟
رحل الصوت وانغلق الخط، بقوة واهنة أعادت السماعة وتراجعت عن الاتصال مرة أخرى، لا تعرف هل يمكن لليال أن تحميها كما قالت؟ لا أحد يمكنه مواجهة والدها، الرجل الذي لم تكن تعرف حقيقته والآن عرفته
تراجعت بالفراش، عقلها ارتد لهادي، أيامهم معا بالكلية، كلمات الحب التي كان يمطرها بها، رغبته بالزواج منها بالسر حتى تضع والدها أمام الأمر الواقع لولا خوفها منه
ثم موته، الألم الذي أحرق صدرها وقلبها ووالدها يخبرها بالحادث وأنه شاب انتهازي أراد استغلالها
لم تصدقه وتركت أحزانها تأكلها، لم تذهب للجامعة وحبست نفسها بغرفتها مهزومة بموته والطامة الكبرى يوم عرفت بالحقيقة
"نعم ميسرة أنا من قتلته"
تجهم وجه ميسرة وهي تسمع الحقيقة من زوجها، لا تندهش فهو اعتاد تلك الأمور بقلب ميت "وألاء!؟ ألم تفكر أنها قد تعرف؟"
نفخ الدخان من فمه وابتعد للنافذة وملامحه باردة "ستفهم عندما تدرك أن ذلك الانتهازي كان يطمع بأموالها، لم تصدقني عندما أخبرتها أنه كاذب، تلاعب ببنات غيرها كثيرات وهي لا تسمع"
اندفعت للداخل تصرخ به بألم وحزن "كيف تفعل بي ذلك!؟ أنت لا يمكن أن تكون والدي"
التفت وميسرة تهرع لها لتلفها بذراعيها "ألاء اهدئي والدك أراد مصلحتك، ذلك الشاب كان يخدعك، أراد أموال ليتركك"
الدموع كست كل ملامح وجهها، وهي لا تسمع لكلمات أمها، ابنتها تضيع، تنهار بسبب شاب كاذب لا يستحق مشاعرها "أنت قتلته وقتلتني معه، أنا أكرهك، أكرهك"
الجنون أصابه، ابنته الوحيدة، دللها ومنحها كل شيء وأراد رؤيتها ملكة لا أن تسقط فريسة لشاب مثله وها هو يفقدها بسببه "ألاء كفى، أنا والدك، أنت لا تفهمين شيء"
كانت تصارع جنونها وحزنها وألم مواجهة الحقيقة، والدها قتل حبيبها "بل أفهم أنك قتلته، أنت لا تحبني، أنت دمرتني"
اقترب وهي تدفن وجهها بأحضان أمها والبكاء هو كل ما أمكنها أن تفعل "هو لا يستحقك ألاء، محمود طلبك للزواج لابنه وأنا وافقت"
أبعدت وجهها عن أحضان أمها بذهول وهي لا تصدق قسوة ذلك الرجل الذي كان يمنحها كل ما ترغب به، ولا مرة منع عنها شيء ولكنه تبدل منذ عرف بهادي، لم تعد تعرفه
هاجت وماجت، ثارت واعترضت ونالت منه صفعة أسقطتها أرضا لأول مرة بحياتها وحبسها بغرفتها حتى موعد الزفاف ومنحت الخادمة خاتم ماسي لتفتح لها قبل الزفاف بيوم وهربت وقررت أن تنهي حياتها لتلتقي بليال..
مسحت دموعها وانكمشت بالفراش بلا رغبة بتذكر أي ماضي مرة أخرى يكفيها ألم..
****
بدلت ليال ملابسها بمكتب الفندق، مكان زوجها المفضل وأصبح لها المثل، انتهت وأنس يدخل "ليال هل نذهب؟ صفوان انتهى هو الآخر"
التفت له ببدلتها البيضاء، شعرها ارتفع فوق رأسها، لم تفكه منذ رحيل هارون ولم تتزين ولا مرة، القلب الفضي بجوار خاتمه لمعا على صدرها وأنس تألق ببدلة وقميص مفتوح بلا ربطة عنق ولكنه كان وسيم حقا
"هل انتهيت من كل شيء؟"
منحها إيماءة من رأسه وهي تتحرك له "نعم، هيا"
أسما بدت جميلة حقا، منذ وصلت شقتها وتبعها مختصي التجميل بتوصية من ليال، فستان أبيض أنيق وطويل فاخر بذوق صفوان تبعها وجعلها أميرة فاتنة، هل هذا يعني زفاف؟ لم تجد إجابة
أنوار تم تعليقها على واجهة البيت تعلن عن المناسبة لكل من بالمنطقة..
صبحي انكمش داخل قهوته، لم يفكر بالخروج لرؤية السيارات التي أغلقت الشارع كله
وصل العريس..
قامته الفارهة ارتفعت بعد أن نزل من السيارة ولم يكن هو من يقود بل رجل من رجالهم، أنس نزل وفتح لليال بالسيارة التالية ونزلت تتأمل الأنوار التي تمنح بهجة للمنطقة ولكنها لم تمنح نفسها أي بهجة، قلبها انزوى بعيدا عنها
أتيت لتشاركيهم فرحتهم ونحن نحمل أحزان على من ملك حياتنا؟
"ليال هيا"
انتبهت لأنس وتحركت وصفوان تحرك لها "هل أنت بخير؟"
ابتسمت له، نظراته كانت تحمل القلق ولكنها أرادت منحه الراحة "بالطبع، سعيدة من أجلك"
تحركت وكلاهم بجوارها هو على يمينها كرفيق عمره وأنس على يسارها..
سيارة أخرى توقفت بنهاية الصف، رشدي.. نزل وتحرك لزوجته، ليال طلبت منهم الحضور ورشدي لم يمانع، أراد مشاركتهم كل شيء، اقترب منهم بعد رحيل هارون وأحب الانتماء لعائلتهم
انتظروهم، احتضنت أحلام التي لمعت عيونها وبدت أكثر جمالا وأناقة، عيون رشدي تحاوط زوجته وهو يهنئ صفوان ويرحب بأنس ويحيي ليال ثم تحرك الجميع للأعلى
والد أسما كان يجلس والتعب ظهر عليه بالفعل، ممرض كان يقف بجواره، رجل الدين لم يصل بعد، تبادلوا النظرات وليال تتحرك لغرفة أسما
ظلت تنظر لنفسها بالمرآة، جميلة، مشرقة بعد التجميل لكن قلبها لم يكن مستمتع بل خائف، دقات الباب جعلتها ترى ليال تدخل، نهضت وأسرعت لها تلقي نفسها بأحضانها، كانت بحاجة لها
أريد صحبة من يعرفون أسراري وإلا فأنا أفضل الوحدة.. بل الوحدة أفضل فقر وأنا تعبت من الفقر.. كلمات
ضمتها ليال بحنان، أغمضت عيونها تربت على حالها قبل صديقتها، تشعر بأحزانها ومع ذلك لا أحد يشعر بأحزانها هي، تبتسم بوجوههم وتبكي من داخلها
لا سعادة بغيابك حبيب الروح.. أموت بغيابك هارون، أتعذب بفراقك حبيبي متى ستعود؟
هدأت أسما وابتعدت "هل أنت بخير أسما؟"
مسحت دمعتين فرا منها غصبا ولم تنظر لليال "نعم، لا ليال أنا خائفة، هل صفوان.."
لم تمنحها فرصة لتشك بحب الرجل أو مشاعره "يحبك أسما، صفوان لم يفكر بامرأة ولا بالزواج إلا يوم عرفك"
رفعت وجهها الجميل لها والأمل ارتفع داخلها "بابا عقبة بطريقنا"
أحاطتها بيداها والعقل هو من يدير الدفة، زوجة الديب ترأس الأمور، تحل مشاكل العائلة والديب غائب "لقد شفي أسما وصفوان لا يهتم إلا بك، هيا، استمتعي بيومك، أنت بحاجة لرجل بحياتك، يحبك ويحميك وصفوان الأفضل"
"شكرا لوجودك معي ليال"
****
"بارك الله لكما وعليكما ومنحكما الذرية الصالحة"
نزع المأذون المنديل من على يد صفوان ووالد أسما وتعالت زغاريد النساء من جيران لا يعرفهم الموجودين، ليال قبضت على يد أسما الجالسة دون أن ترفع وجهها "مبروك أسما، ألف مبروك"
أحلام فعلت المثل وأنس الشاهد الأول على زواج صديقه يحتضنه ويبارك له، ورشدي، الشاهد الثاني يفعل المثل حتى التفت لزوجته وتحرك لها وهي لا ترفع وجهها، انحنى عليها ليصل لها
"مبارك حبيبتي"
رفعت وجهها له ورأت الحنان والحب بعيونه، منحها السعادة والأمان، الخوف ابتعد بنفس اللحظة، منحته يدها فجذبها لتنهض له وهو يضع قبلة على جبينها وهي تغمض عيونها بقلب يدق بلا توقف، أنفاسها تتلاحق بجنون
هل حقا تم الأمر؟
تحركت لوالدها وانحنت عليه، لم تتحدث معه منذ وصل، ركعت بجواره ونظراته المتعبة تسقط عليها "بابا"
رفع يده المكدومة من أثر الحقن والمحاليل ولمس وجنتها "مبارك حبيبتي، الآن ارتحت واطمأننت عليك، سامحيني أسما"
جذبت يده لفمها وقبلتها "سامحتك بابا، سامحتك حبيبي"
احتضنها بما ملك من قوة واهنة حتى رفعها صفوان والرجل ينظر له بتعب "لا تتركها بني، هي أمانة بعنقك"
صفعته الكلمات، صوت هارون يرن بأذنه، ليال برقبتك..
تنفس بصعوبة، رمشت عيونه وتحكم بنبضات قلبه وأخفى وهج أحزانه داخله "بالطبع عمي لا تقلق"
نظر للممرض الذي تدخل "سنعيده بأسرع وقت سيد صفوان"
نظرت لزوجها "صفوان لم لا يبقى معنا قليلا؟"
ضمها له بحنان، لم يخبرها بسوء حالته، ترك الأمل يسكن قلبها تجاه والدها ومنحها لحظات السعادة "هو بحاجة للرعاية الطبية حبيبتي"
ظلت تنظر له والدموع تلمع بعيونها، الممرض دفع والدها على المقعد المتحرك وهي تبعته ولكن صفوان أوقفها "أسما اهدئي، الرجال تتبعه"
التفتت له "بابا صفوان، أرغب.."
ليال جاورتها "سيكون بخير أسما، الليلة لكما"
ظلت تحدق بليال وبعد لحظة كانت الموسيقى ترتفع والجميع اندمج بالحفل وظل قلبها يدق بالحزن على والدها ولكن لم تملك له شيء، هو بحاجة للرعاية الطبية حقا
"ليال هل أنت بخير؟"
التفتت لأحلام، نظراتها كانت تحمل تساؤلات كثيرة، الحمل بدأ يظهر على بطنها الصغير على خلاف ليال، ربما قلة الطعام أو ربما أحلام تسبقها بالشهور لم تهتم
"نعم أحلام وأنت؟ كيف هو رشدي معك؟"
رحلت عيونها لزوجها الملتف بدخانه وحديثه الهام مع أنس لكنه شعر بنظرات زوجته فالتف لها ومنحها نظراته الهائمة فابتسمت العسلية وابتسم الجامد وهو يغمز لها
تورد وجهها وأبعدت ليال نظراتها، قلبها يعترض على كل ما يحدث حوله "رشدي رائع معي ليال"
عادت لها، القوة الظاهرة تستنزفها ومع ذلك قاومت، سعادتهم هو كل ما ترغب به، من أجلك حبيبي أتحمل جهنم..
"أنت تستحقين كل خير أحلام"
أحلام تحاول اختراق حاجز ليال بلا فائدة، قوتها لا يمكن هزيمتها، كم أنت رائعة ليال، ليتني أتمتع بربع قوتك "متى الزفاف؟"
أبعدت وجهها للعروسين، أسما تجاوزت حزنها وصفوان يلفها بذراعه والرجال تحاوطهم والضحكات ترتفع "صفوان لم يحدد بعد، وربما يكتفي بالليلة، الحفل يوازي زفاف، حماك جيد معك؟"
عادت لها "جدا، ينتظر حفيدته بفارغ صبر، ستكون فتاة، الطبيبة أخبرتني أول الاسبوع"
ابتسمت مجاملة لفرحة أحلام، هي لم ترغب برؤية طفلها حتى الآن، أرادت أن يشاركها تلك اللحظات ولكن لا فائدة من الانتظار بالنهاية ستفعل وحدها..
"رائع حبيبتي ربنا يتمم لك على خير"
"وأنت ليال؟ ألم تعرفي بعد؟"
تجمدت الابتسامة، لا ترغب بأي تساؤل عن طفلها، الحديث عنه يثير أشجانها، صوت رشدي جذبهم، أوقف إجابة باردة كادت تلفظ بها "ليال انتهينا من الفندق ألن تأتي لرؤيته؟"
لف زوجته بذراعه كما أصبح يفعل مؤخرا، تملكه لها جعلها تحبه أكثر، ترغب بقربه ووجوده وكل ما يمنحه لها من اهتمام، ليال منحته اهتمامها وتحولت للعمل بلحظة
انتهى الحفل وانصرف الجميع وعلا صوت صفوان فجأة "أخبرتك أنك لن تبقي هنا وحدك أسما فلماذا الجدال؟"
تحرك أنس له "صفوان اهدأ"
نفض يد أنس والغضب لا يتركه، يقوده، يدفعه لحد الجنون وأسما لا تتراجع "وأنا أخبرتك أنني لن أترك بيتي"
انحنى ليصل لها كعادته ونظراته تمتلئ بالجنون الذي رأته ليال وفهمه أنس وتراجع منه رشدي "لم يعد بيتك أسما، بيتك هو بيت زوجك وزوجك لن يتركك ليلة واحدة بعيدا عنه"
تراجعت بلا فهم، هي لم تتقبل بعد أن عقد القران زواج! ظلت ليال بعيدة، تدخلها لن يكون جيد لكن نظرات أسما لها طالبتها بالتدخل "ليال!"
توجهت النظرات لها، لم تتراجع بل ظلت ثابتة وهي تمنح صفوان نظراتها، لن توقفه فيبدو مهزوما أمام امرأة ولن تخذل أسما وتاهت بلا حل..