رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثامن والعشرون28 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثامن والعشرون28بقلم داليا السيد

المواجهة
وانهارت العسلية.. حملت الكثير منذ سقط العابث بطريقها وامتلأ الكوب عن آخره وفاض بوفاة أخيها لذا انفجرت.. تحطمت وتبعثر رمادها بالهواء
الطبيب منحهم نصائح كثيرة لكن الأهم هو وجود أشخاص تحبهم بجوارها وليال هي كل من تعلق به قلبها وليال كانت تحمل داخلها جبال من الحزن والخوف ومع ذلك كانت سند جيد لها
رشدي كان واضح بتوتره وقلقه رغم كلمات الطبيب المطمئنة، اعتذر لهارون لوجوده وهارون لا يمانع من أجل أحلام
"لم نصل لمكانه هارون"
وقف صفوان بجواره أمام الجدار الزجاجي عاقدا ذراعيه أمام صدره ذهنه صافي بعد أن دفع الغضب بعيدا "أخبرتك ألا تبحث"
ضاقت خضراء صفوان، لم يمكنه التعامل مع الغضب مثلما يفعل هارون، الهدوء تخلى عنه وطاح بأحد الرجال بالأمس بالملهي ممن فقد السيطرة على نفسه وهزأ بالموظفين وصفوان منحه هدية
قبضات متتالية بالوجه وقد تخيل له أنه يلكم جسار
"أنا لا أفهمك هارون، أنت تتركه بعد ما فعله؟"
لم ينظر له، كانت الرذيلة تعبث داخله، شيطانه المسجون يضحك، يخبره أنه سيفك أسره رغما عنه.. لقد آن أوان العبث، اطمس فضيلتك التي تظن أنك تحيا بها أنت لست منها 
أنت مشبع بالرذيلة...
"أنا لم ولن أتركه صفوان"
نفخ صفوان، مرر أصابعه بشعره البني القاتم.. جنونه لا يتوقف عندما لا يفهم الريس "إذن تحدث يا رجل"
ارتد، مقعده يرحب به، يليق بالريس وبامرأة الريس فقط
"هو ينتظرني بالجحر وأنا لست فأر لألحق به لذا أنتظره حتى يخرج"
التفت له صفوان وملامحه لا تمتلئ بالاقتناع، لم يمنحه فرصة للجدال قذف الكلمات بوجهه
"ليال من ستتولى كل شيء بعدي صفوان وأنت من سيكون معها ولن تتركها"
تجهم وجه صفوان، ارتبك لأول مرة بحياته، العملاق يهتز، يفقد اتزانه.. خطواته تبعثرت بلا ترتيب حتى وقف أمام مكتبه، نظراتهم جامدة، قاتمة بظلام حالك يشبه حياتهم السابقة ويوم ما كاد الأبيض يستقر بها هارون الآن ينسفها
"أنت عن ماذا تتحدث؟"
كان يضع القواعد لأنه يدرك تماما أن معركته مع جسار له وحده ولن تنتهي إلا بموت أحدهم 
لم يجيب وهاتفه يعلن عن نفسه، لمعت عيونه على رقم المتصل وهو يجيب بنفس الهدوء "تأخرت"
نفخ جسار، دق الأرض بعصاه، غروره فاق كل التصورات، الشيطان نفخ أوداجه وأعلنها صريحة، أتى وقت المواجهة واعتلاء القمة بالخلاص من خصمه الأول والوحيد
"كنت أمنحك وقت للحزن"
ظل الريس ثابتا بمكانه، عاقدا حاجبيه ونظراته ثابتة على الفراغ، رؤية سعد وهو يقف طفلا أمامه يطلب منه مكان له ولأخته.. رؤيته وهو يتعلم منه كل شيء، أصبح من رجاله المخلصين، ابنه الذي رباه ولم يندم
أغلق عيونه على منظر سعد وهو يلقي بنفسه عليه ويتلقى الرصاصة ساقطا فوقه بلا نفس
أنت تستحق جهنم إن لم تعيد حق سعد..
"أمثالنا لا مكان للمشاعر بحياتهم، كن رجلا وواجهني بدلا من التسلل ليلا لقتلي"
الغيظ ملأ صدره، دائما يفوز بكل معاركه معه، مهما هاجم يكون الرد أقوى.. دائما رد الفعل منه مدمر..
"جيد بالتأكيد تعرف كيف تجدني، البحر ينعش الروح وأنا أعشقه، أنتظرك"
وأغلق وهارون يقبض على الهاتف ونظراته انغلقت، سكنت زرقة البحر بها، أمواجها أعلى من موجة تسونامي، سيبتلع كل ما يقف بطريقه ولو مات وهو يقتله فلن يهتم
"هارون!؟"
رفع نظراته لصفوان وأدرك القلق بعيونه "هل أستدعي الرجال؟"
نهض وتحرك له حتى وقف أمامه، كتمثال أبو الهول الشامخ، يجسد مزيجا من القوة والذكاء، جسد أسد ورأس إنسان، هو رمز القوة بجسده الأسدي والحكمة، السلطة الملكية برأسه البشري، هو حارس العالم السفلي 
"لا، الأمر يخصنا نحن الاثنان صفوان"
تراجع الذراع الأيمن للريس، لا يتقبل تلك الحقيقة، لا يفكر بأن زعيمه وحده بأي مواجهة
"هارون.."
قاطعه، نبرة هادئة لكن حاسمة تعني عدم الجدال فقط الطاعة، بل تلبية الطلب "ليال برقبتك صفوان، أنت حاميها الأول من بعدي"
شحب وجه العملاق، سقط، تحطم مائة ألف قطعة وقطعة، الحياة بدون الريس ليست حياة، هو رفيقه، قرينه، رئيسه، أخيه الذي لم يناله
"هارون.."
مال عليه، نظراته صارمة تعني لا جدال "هي أمانتك صفوان"
وتحرك للباب وقد أراد الفانيليا..
كانت تخرج من غرفة أحلام النائمة بفعل المهدئات عندما عرفت ذراعه التي تلفها، لم تفزع ولم تتساءل فهي تميز لمسته من بين مليون رجل
قبلة على عنقها وهمسة خفيفة "أشتاق لك"
وبلحظة كانت ترتفع عن الأرض بين ذراعيه، تلف ذراعيها حول عنقه بتملك، الريس لها وحدها حتى ولو كان لساعات قليلة لا تعرف متى ستنتهي وهو يتحرك بها لغرفتهم ملتفا بذرعيها والفانيليا، مانحا إياها كل ما يحمل لها من حب وغرام حتى سكنت بين ذراعيه مجهدة والنوم لفها ونظراته تسكن على ملامحها
لن يشبع منها أبدا.. المسك، الفانيليا خمره
هي.. صغيرته.. ملاكه.. 
هي حبيبته..
**** 
صفوان ظل طوال الطريق صامتا، هارون هو الآخر لا يتحدث، وضع قبلة على وجنتها ورحل تاركا إياها نائمة كالملاك 
وقف رجاله عندما تحرك لسيارته وصفوان فقط من يقود له، أنس حاول أن يكون معه لكنه تراجع أمام نظرته الصارمة، سيبقى من أجل امرأة الديب
لكن الديب لا أحد سيوقفه عن الثأر ..
البحر لم يكن ساكنا، رياح خفيفة حركت سطحه بأمواج خفيفة، نصف القمر لم يضيء الليل ولكن أضواء الطريق فعلت حتى وصلا لمرسى مراكب والهدوء يسكنه
الفجر لم يصل بعد.. لا أحد يتجول على المرسى، مراكب صغيرة تتأرجح فوق سطح المياه، سفن كبيرة تحميها وصمت يبقيها نائمة، مستقرة تنتظر أصحابها مع الصباح لتعيدها للحياة 
لم ينتظر نزول صفوان ولكن صفوان أدرك ما سيفعله فقفز أمامه بلحظة "هارون دعني أذهب معك"
نظراته الجامدة أخبرته الرد فقط صمت لحظة ثم خلع السلسلة وخاتم زواجه ورفع يد صفوان ووضعهم بيده "لها، لا تتبعني"
عندما فتح حقيبة السيارة كانت تقبع بها، مقيدة اليدين، فمها ملصق بلاصق لوثته دموعها الغير منتهية والتصقت خصلاتها بجبينها بلا مفر
قبضته أحكمت على ذراعها واللاصق كتم صرختها وهو يرفعها خارج حقيبة السيارة وقدماها لا تحملها على الأرض، نظرات صفوان لها كانت تحمل الغضب والكره ولولا هارون لقتلها بيداه 
دفعها وقبضته محكمة على ذراعها وتحرك بها تجاه الممشى الخشبي الممتد داخل البحر، كان يعرف أين يذهب، هو يعرف كل شيء يخص جسار كما هو جسار، كلاهم يترصد بالآخر والهدايا متبادلة
هو منحه هديته بقتل سعد والآن هو يرد له هديته..
اليخت كان منتصبا بشموخ عند جانب المرسى.. رجل حراسة يقف ولم يعره انتباه والرجل يضع يده لإيقافه فلواها للخلف بيده الفارغة والرجل عاجز عن أن يفلت "ألم يخبرك ألا تعترض طريقي؟"
ودفعه بقوة فترنح الرجل دون أن ينظر له هارون وهو يصعد على متن اليخت ويجذبها معه
رجلان ظهرا أمامه قبل أن يصل للسلم "سلاحك سيد هارون"
نبرة الريس تخيف من أمامه حتى ولو كانوا عمالقة الجحيم "ابتعد من أمامي"
تراجع الرجلان أمام نظرات هارون الغاضبة، تهديد واضح بهما، من الذي لا يعرف الريس!؟
نحيبها كان مكتوم تحت اللاصق، ألم تتعلم من خطأ سابق لتعود لخطأ جديد!؟
أكمل السلم حتى وصل للسطح والرجال تترك اليخت وما أن وصل للسطح حتى رآه يتقدم تجاهه
عصاه تسبقه بخطوة وما أن سقطت نظراته عليها حتى ثبت مكانه وتجمدت العيون الزيتونية وربما شحب وجهه وستره ظلام الليل
"أردت رد الهدية"
ابتلع أي شيء بفمه الجاف وهو يمرر نظراته على رفيقة الشيطان، لا يمكن القول إنها عشيقته فالشيطان لا يعشق، ولا ضحيته فهي ليست ضحية، هي ترحل له برغبتها لذا هي رفيقة الشيطان
دكتورة مي..
سابقا..
**** 
بلحظة تراجعت فيها ليال عن الرجال أثناء تواجدهم بالمقابر، طفل صغير بملابس ممزقة ووجهه ملوث ولكن براءته جذبتها مما جعلها تلبي طلبه وتتحرك معه كي ترى أخته الصغيرة المريضة مما أثر على قلبها
وهي قلبها بسكوت بالفانيليا 
تحركت حتى خلا المكان من الرجال واستوعبت فجأة أنها وحدها حتى الطفل الصغير رحل واختفى، لفت حول نفسها، تاهت، لا تعرف أين هي؟
قبل أن تفتح فمها لتصرخ باسم هارون رأت جسد يتحرك لها، برداء أسود ووشاح يغطي الوجه تراجعت حتى اصطدمت بشاهد قبر جعلها تصرخ من الفزع
الصوت ليس غريب، تعرفه..
"ليس من الجميل رؤيتك طبعا لكن كان لابد أن أراك"
مي..
لم تفتح فمها ومي تقف أمامها، تبعد الوشاح عن وجهها وعيونها تلمع على وجه ليال المليء بالدهشة، لم تخف، تعاليم والدها وهي طفلة ما زالت ترافقها، كلمات زوجها ترن بأذنها، لا استسلام
اعتدلت وبثبات واجهتها "وهل رؤيتي تستدعي كل ذلك؟"
رفعت مي وجهها.. هندية أنقذتها من الموت، استدعاء الطبيب الذي وصل بالوقت المناسب وكان الانهيار مصيرها وانهيار هندية أيضا لعار ابنتها ولكن الأيام تداوي حتى عاد الشيطان
"بل التخلص منك يستدعي أكثر من ذلك"
ظلت ثابتة، تستدعي هدوء زوجها وثباته وقوته "لن يمكنك التخلص من أفكارك الغريبة مي، موتي لن يغير شيء، هارون لن يكون لك حتى بعد موتي"
تجهم وجه مي، ارتفعت أنفاسها، أثارت التراب حول خطواتها الغاضبة حتى وقفت أمام غريمها الأول والوحيد "لم يعد يهم، المهم أن أنتقم وقتلك هو ما سيؤلمه"
ولمع نصل السكين وتراجعت ليال، هل من المفترض أن تعيش حياتها كلها مهددة بسكين مرة من فريد ومرة من تلك الحمقاء؟
لا..
زادت حدة ملامحها ولم تسمح للخوف باجتياحها.. امرأة الديب لا تخاف
"حاذري كي لا تجرحي نفسك، هل ظننت أني أخاف؟ هو أنت الخائفة مي، تخافين من نفسك ومن حياتك التي تدمرينها يوما بعد يوم، تخسرين كل من عشت معهم عمرك ولا تفكرين لحظة بالنتائج"
لمعت دموع بعيون مي وغضبها لا يتراجع لكن كلمات ليال تزيد لهيب نيرانها "هو أنت سبب كل ذلك، منذ دخلت حياتنا و.."
أنت تكذبين على نفسك.. تلقين بأخطائك على شماعة الغير ولكنك ملطخة بالرذيلة بيدك وليس بيد أحد  
بصوت حاد قاطع أوقفتها، قطعت حبال أفكارها الزائفة، مزقت كذبتها التي صدقتها "أنا بحياتكم منذ كنت طفلة مي، أنت من أغلق عينيه كي لا تشاهدي الحقيقة، أنا وهارون كنا لبعض منذ سنوات ولن يتبدل شيء"
الجنون يتصاعد، يقفز الدرج كله مرة واحدة مدفوع بالغيرة والحقد والكره، رفعت السكين والإصرار بعيونها "بل سيتبدل عندما أقتلك"
لم تهتز ليال ولم تتراجع لأن جسد زوجها كان أمامها بنفس اللحظة، اختفاء زوجته لم يمر هكذا، حزنه لا يوقفه عنها ولا أي شيء
يده قبضت على يد مي وباللحظة التالية كان الرجال يجذبونها للسيارات
***** 
دفعها هارون لتسقط عند أقدام جسار.. أعادها الشيطان له بعد أن عاد، أراد استغلالها مرة أخرى، حتى عندما أخبرته بالحمل شيطانه رسم لها السعادة بطفل سيكون وريثه لكن الشيطان لا يرغب ببشري وريث، وريثه سيكون شيطان مثله
دفعها لقتل ليال وهو يعلم أن كرهها لها سيدفعها لكنه للمرة المليون يستهين بقدرات الريس وها هو يلقيها تحت أقدامه
"هل ظننت أني لا أعرف عنها شيء؟"
لمعت الزيتونية بشرر الغضب بمواجهة هارون الذي وضع يداه بجيوبه ولم يترك نظرات جسار
هدوئه يثير جنون جسار الذي دفع رفيقته من طريقه بقدمه واندفع تجاه هارون ونصل عصاه الحاد مسدد لصدره وبالطبع هارون لم يتوقع أن يأخذه بالأحضان
تراجع للجانب وجسد جسار يندفع له وظهر هارون يلتصق بظهر جسار وكوع هارون يندفع بجانب جسار لكنه بنفس قوة هارون، نفس الدماء..
اعتدل بثبات ولوح بالنصل الحاد بوجه هارون الذي ارتد جذعه الأعلى للخلف لتفادى النصل وما أن ارتد حتى رفع ساقه بالهواء ضاربا العصا بقدمه فأطاح بها بعيدا..
بجوار رفيقة الشيطان.. 
لمعت عيونها، ستفك قيدها
ما أن لمست ساقه الأرض حتى كان جسار يندفع بكل قوته نحو جسد هارون والتحم الاثنان مندفعين للخلف من قوة اندفاع جسار وهارون يسدد كوعه بظهر جسار وترنح الاثنان عندما تحرك اليخت فجأة ليخترق المياه بلا إنذار 
ترنحت أجسادهم مفترقين "لن يحميك مني كما اعتاد أن يفعل، لطالما اتخذك طفله المدلل"
يدورون حول بعضهم البعض، الهواء يعبث بخصلات هارون وهو يرمق خصمه بنظرات نارية "لم أحتاج حماية أحد بحياتي وأنت تعلم ذلك، غيرتك هي ما تعميك عن رؤية الحقيقة"
كشر جسار والحقد ملأ وجهه "لست جدير بأن أغار منك، أنت نزيل الملاجئ لن أنظر لك"
والتحما مرة أخرى والاثنان يتبادلان اللكمات ومي تتراجع زاحفة بعيدا وجسد هارون يسقط مرة وجسار مرات والدماء تبعثرت من وجوههم على أرضية اليخت
افترقا وهارون يمسح الدماء من فمه بظهر يده وجسار يترنح من المعركة ولا واحد منهم يتراجع فاليوم واحد منهم هو من سينجو والمعركة ستظل حتى تتحقق تلك النتيجة
"ظننت أنك بحمايتك له ستنال مكانه؟"
لم يتحرك هارون ولم يهتم بآثار المعركة فقد مر بآلام مضاعفة وتعايش معها "أنا لم أرغب بمكانه بأي وقت، لو أردته لكان لي"
الجنون ارتفع داخل الشيطان "مغرور، لن تنال شيء أيها اللقيط، أنا ابنه الأكبر ونائبه، أنت لا شيء، هو لا يعترف بك"
التوت شفاه هارون، الكلمات لا تؤلم لأنها تخرج من فم الشيطان لذا منحه الرد بكلمات قوية بلا اهتزاز، الواقع لا أحد يفر منه والديب ظل متحفزا أمام خصمه 
"هو لا يعترف بأي منا، كلانا أبنائه غير الشرعيين"
***** 
فتحت عيونها فجأة، شيء ما جعل قلبها ينقبض، وكأن يد خفية هزتها لتوقظها، التفتت، تبحث عن دفء جسده وصدره الذي نامت عليه ولكنها لم تجده
نهضت بدون انذار لتبحث عنه.. هل رحل لعمل ولم يوقظها
نهوضها المفاجئ جعلها تشعر بدوار يضربها وسقطت على الفراش تمسك رأسها وسرعان ما داهمها غثيان واسودت الدنيا أمامها فأغمضت عيونها وما زال ظلام الليل ينتظر الفجر بكبرياء
ظلت لحظة والغثيان يزداد فتحاملت ونهضت للحمام، ألقت لا شيء، لم يتناول أحد أي طعام بسبب الأحزان الجاثمة على قلوبهم
تحركت لحوض الاغتسال وغسلت فمها والعرق تناثر فوق جبينها، نظرت بالمرآة التي منحتها صورة غير جيدة لنفسها، ستخرج لتهاتفه وتطمئن عليه ولكن الغثيان لا يتركها
رفعت وجهها فجأة وهاجس يضربها، ينسيها قلقها على رفيق روحها، هاجس تجاه ما تمنته 
أسرعت تفتح المرآة، حدقت باختبار الحمل الذي اشتراه لها ووضعه بانتظار الموعد المنتظر
هل هو الآن!؟
بأيدي مرتجفة التقطته، وبقلب هلع من الخوف تنفست، السوداء اسودت أكثر، رحل منها الابيض وحلت غيامة مكانه وهي تحدق بالجهاز
أخيرا شجاعتها لحقت بها وفتحت الجهاز وسلمت أمرها لله ومنحت نفسها الأمل
سقطت على أرض الحمام وهي تغلق عيونها وجهاز اختبار الحمل بيدها، عليها أن تنتظر، كم دقيقة؟ بل ثانية 
لا، قلبها لا يتحمل.. هل يمكن؟
كم مر؟ عشر ثواني، عشرون؟...
يا الله! لقد رحلت أنفاسي.. أين الهواء؟ أين دقات القلب الجبان؟
هرب، فر كجبان لا يقدر على المواجهة.. 
ظلت عيونها مغلقة وكأنها تخشى أن تفتحها خوفا مما ستراه. أريد أولاد منك هارون، أريد أن نحملهم سويا، نلعب معهم ونفرح بهم، أريد عائلة كبيرة كما أخبرتني.. أريد إسعادك حبيبي
ونست الانتقام..
فتحت عيونها لترفع الجهاز أمام عيونها الباكية ورأت.. 
شرطتان..
رفعت يدها على فمها وهي تشهق من البكاء والدموع تغرق عيونها وتتساقط كأمطار غزيرة على وجنتيها تروي الأجدب الذي أصابها من الخوف والقلق
حامل...
لم تصدق عيونها، البكاء غطى رؤيتها حتى هدأت ونهضت وكل شيء احتفل من حولها، رحل الغثيان، رحل الدوار
تبقت سعادتها، غسلت وجهها وأسرعت خارجة وهي تحمد الله وبحثت عن الهاتف، ستخبره، نعم لن تنتظر عودته
وجدت الهاتف وطلبته، مغلق، لا هارون أرجوك افتحه، لابد أن أخبرك
صفوان، نعم، هاتفت صفوان، مغلق، لا..
أنس أجاب بأنهم خرجوا بعمل، سقطت على الفراش بلا هدى ولا تعرف كيف تخبره؟ ستنتظره، لن تنام، لن تغفل لحظة إلا عندما تخبره أنه سيكون أب، سيكون لهم الأسرة التي أرادها 
**** 
الأمر اختلف كثيرا منذ سقطت بالانهيار، لم يكن يتركها كثيرا، تبدل لرجل آخر.. هل يمكن أن يلين الجمود؟
الدواء أعادها للواقع، ليال لم تتركها، هي لا ترغب بترك البيت الذي عاش به أخيها ولو شهور قليلة
اليوم هي أفضل حال، نهضت بعد رحيل ليال، اغتسلت ومع ذلك ظلت شاحبة، جزء من ملابسها موجودة، متى أحضرها؟
الآن وبعد أن أصبحت زوجته أمام الجميع لم تعد تعرف شعورها، أحزانها أنستها المأساة التي كانت تعيشها معه..
لم يتحدثا كلمة واحدة، ولكن بالليل كانت تشعر به وهو يدخل الفراش ويجذبها له بتملك وهي مصطنعة النوم والغريب أنها لم تعترض بل كانت تنتظره ولا تنام إلا عندما تشعر بأنفاسه على عنقها، جسدها يلتصق بصدره وضربات قلبه تدق على ظهرها تمنحها يقين أنه لن يتركه
انتهت من ارتداء بيجامتها الزرقاء القاتمة، هي لا تبحث عن ألوان، رحيل سعد أفقدها الرغبة بأي شيء جميل بالحياة، انفتح الباب وطل جسده الفاره منه
عاد مبكرا على غير عادته، توقف كلاهم بمواجهة الآخر، شاحبة، نحف وجهها من عدم تناول الطعام، تحلقت عيونها بظلال الحزن والألم، تمنى لو أمكنه محو كل لحظة حزن مرت بها..
جمدت مكانها، لم تتبدل أناقته ولا اهتمامه بنفسه ومظهره، كانت ملامحه فقط مجهدة، العمل بادي عليه ولكنه اليوم هنا..
لم تخطو خطوة واحدة نحوه بل هو من تحرك، الرمادية كانت مشرقة، رؤيتها بتلك الحالة دون مساعدة ليال أو ثمية جعلته يتنفس براحة ربما خف الانهيار واستعادت نفسها
نظراتها كانت تتابعه، تلتصق بعيونه، قلبها من كان يهيج ويهرع داخل صدرها ولا تفهم السبب
الغرام يا عسلية..
أعجبه تناثر شعرها هنا وهناك، دائما ما يحبها مبعثرة، مل من النساء الكاملة والمرسومة على المسطرة، هي الطبيعة، هي البساطة والجمال
هي العسلية..
أصبحت تلازمه بكل وقت، تغلب حتى عمله، اعترف من وقت أنها ملكت ما لم تملكه امرأة من قبل، احتلت العضو الذي كان مجهول داخله.. سكنت وتربعت بكل غرفه
امتلكت قلبه، تحيا العسلية، هزمت العابث وسقط وعندما نهض كان قد فقد اللقب ونال سواه
العاشق..
"تبدين أفضل!؟"
سؤال أم إقرار لم تعرف، كانت تلملم شتات نفسها التائهة بحضرته، ما الذي تبدل منذ زواجهم وموت سعد وأزمتها؟
ما الذي اختلف بوجوده معها؟ مؤازرته لها بأزمتها؟ 
"نعم"
هل حقا لا يجد كلمات معها؟ من كان يعبث بعقول النساء لا يجد كلمة أمام زوجته!؟
"هل ترغبين بطعام!؟"
أخفضت وجهها وتساقط شعرها معها يخفي ملامحها، نظراتها، وجهها الذي لا يفارقه ولا يرغب بأن يفارقه الآن فرفعه بإصبعه وزاغت عسليتها بين الرمادية الضائعة بين أمواج الغرام الملتوية
"اشتقت لك أحلام"
وانتفض القلب..
الكلمات خرجت منه بلا وعي ولكن بيقين وكأنها اعتراف هارب من قلب أثقله الندم، لا رفعة صوت ولا تبرير، فقط صدق خالص نابض من العيون اللامعة والثابتة عليها..
لم ترد، ولكن خفقت أنفاسها وارتجفت أصابعها وهي تحاول تثبيت يديها على أطراف بيجامتها كي لا يلاحظ ارتباكها، تشك أن رشدي زيتون هو من يواجها الآن.. يخبرها أنه يشتاق لها للفتاة التي..
التفتت تخفي الألم بعيونها، الذكريات لا ترحل، سجينة داخل قضبان وهمية صنعها بنفسه.. بقسوته، إهاناته لكن..
صوته تكسر من خلفها، مدركا كل ما يمر بها الآن، كلمات الكره ما زالت تشق السكون الملازم له، تطعنه طعنات نافذة داخل قلبه.. ماذا لو كفت عن كرهه؟
"هل يمكن أن تتوقفي عن كرهي بيوم ما؟"
رفعت وجهها وهي لا تفهم سؤاله، ما المهم بأن تتوقف من عدمه عن كرهه؟
التفتت عائدة، رماديه الهادئ غرق في عسلها المبلل بالدموع والممتلئ بحيرة وتيه من كلماته "هل يهمك الأمر؟"
ضاقت الرمادية.. غامت، سرقت العسلية نبضة أخرى من قلبه "أكثر مما يمكنك أن تتخيلي"
لا، كاذب.. تتلاعب بي، تعبث بقلبي ألست العابث؟ لم لا أصرخ بوجهه ليرحل، أدق على صدره ليبتعد فقربه هلاك، نظراته مميتة وأنا لن أعود بعدها للحياة
"ما بيننا.."
صمتت، رحلت الكلمات، ابتلعتها تلك الدقات المفزعة من قلبها معلنة الاعتراض على استدعاء الذكريات فسرقت عينيها دمعة وأسقطتها على وجنتها تلقاها براحته وملمس يده غريب عنها وكأنه ليس الرجل الذي تزوجها لشهور..
"قتل داخلنا أشياء، ولكنه أحيا سواها فلم لا نمنح أنفسنا فرصة أخرى؟"
اهتزت رأسها بعلامات النفي، لا أريد أن أعود فريسة، لا أرغب بالألم من جديد فقد اكتفيت
"لماذا الآن؟"
ليس الآن يا عسلية، بل منذ عرفتك وانتهى العابث 
"فقط دعينا لا نسأل"
صمتت وعيناها عالقة به، راحته مستقرة على وجنتها تصنع دوائر على بشرتها الناعمة حتى جذب وجهها له ونال مذاق العسلية ولكنه كان مختلف.. مشبع بالسكينة، الراحة، الرغبة النابعة من القلب
مشبع بالغرام..
***** 
"اللعنة عليك لم لا تموت؟"
كان يهجم بشراسة وكلمات هارون بنزين سقط على الشعلة الخافتة فاشتعلت نيران لا نهاية لها
رفع الريس ذراعه ليصد لكمة تحمل كره سنين كثيرة بقلب الشيطان
عذرا..
الشيطان ليس لديه قلب بالمعنى المادي والبيولوجي، هو كائن مجرد من الجن، هو فقط يجثم على قلب الإنسان ويؤثر فيه بوساوسه وشهواته
 "تعشق الكلمات وتفر من الأفعال"
وسدد الريس لكمة بالوجه الوسيم والمشوه من معركة لم تنتهي ولكمة أخرى وجسار يتراجع حتى سقط وهارون اعتدل يمنح صدره هواء منتظرا نهضة الشيطان الذي ظل ملتصقا بالأرض يتحكم بالألم والدوار 
"أفعالي وصلت لامرأتك"
ارتفع الجنون بدمائه حتى وصل لرأسه ونبض بالغضب فركل جسار بمعدته بقدمة بكل الغضب الذي أثاره داخله "لأنك جبان، لا تواجه الرجال وتلعب مع النساء"
لم ينتبه وجسار يدفع قدمه بساقه فيفقد اتزانه ويسقط وانقض عليه الشيطان، يكيل له من هنا وهناك حتى دفعه هارون بعيدا بساقيه
ليسقط جسده المنهك بجوار هارون وكلاهم يلهث من المواجهة بكلمات متقطعة نطق الشيطان "كنت لعنة حطت علينا"
كان الريس يستعيد نفسه، منذ سنوات الصغر وهما يلتقيان بمعارك لا تنتهي وحتى اليوم القوى متساوية
"لم تتقبل يوما أن اللقيط يمكنه هزيمتك"
كان كلاهم ينهض مترنحا، الدماء لوثت وجوههم، كدمات تلونت، الشروق لاح بالأفق، لون السماء كان بلون الدماء كما هي أرض اليخت التي تلوثت بدمائهم..
"الشارع منحك الكثير هارون"
وسرق منه الكثير لكن لا أحد يدرك ذلك سواه ومن عاش به ..
وأكمل "لم تسأله لماذا ألقاك بالملجأ ولم يفعل معي ذلك؟"
بالمواجهة تلمع العيون بالغضب، الألم الرفض والاستنكار "لا، لم يشغلني الأمر كان لدي الأهم، أن أكون أنا وقد كنت"
سقط مقعد صلب بيد جسار فرفعه وتحرك به بلا إنذار تجاه الريس الذي تعلم كيف تكون ردة الفعل سريعة وهو يتراجع وجسار يترك المقعد ليصطدم بالواجهة الزجاجية ومن خلفها الربان الذي يقود اليخت
تراجع هارون لم يستمر كثيرا لأن ألم بجانبه من الخلف أوقفه وابتعد بالحال والنصل الحاد يخرج من جانبه وهو يستدير مترنحا ليواجه مي وهي تقبض على العصا ونصلها مغرق بدماء هارون ونظرات الحقد والكره بعيونها هما ما رآهم
"هو على حق، لم لا تموت؟"
الدماء تفجرت من جانبه ويده لا توقف النزيف وجسار يتحرك لها نازعا العصا من يدها "رائع، تستحقين أن تكوني بجواري حقا"
ظل هارون منتصبا، لم ينحني ولم يهزمه جرح من خائنة اعتاد خيانتها "هذا مكانك حقا مي، بعت نفسك وشرفك للشيطان لأنك مثله"
هتفت بكره واضح "بل لأنك دفعتني لطريقه يوم بعتني من أجلها وتخليت عن حبي"
ابتسامة ساخرة من فم ملطخ بالدماء واجها "أمثالك لا يعرف الحب، أمثالك يرغب بالمال والمكانة العالية حتى ولو كان بطريق غير شريف، مبارك جسار ستنال ابن غير شرعي، تسير على نهج أبيك"
وعاد الغضب للشيطان وهو يندفع بنصله الحاد تجاه هارون الذي مر النصل من أمام عيونه بقيد أنملة ثم قبض على العصا ورأسه تندفع بقوة لجبهة جسار الذي ارتج جسده من الضربة وهارون يجذب العصا ويلفها بيده كي يسددها لجسار غير منتبه لمي التي كانت تحمل قضيب حديدي وترفعه لتنهال به على رأس هارون عندما انغرز النصل بصدرها...
تحجرت عيونها وفقدت صوتها وسقط القضيب من يدها وتراجع هارون غير حزين على المصير الذي استحقته الخائنة
جسار لم يفكر حتى بأن يتحرك لها وإنما تلقى مسدس من ربان السفينة والتقط هارون المشهد فتدحرج على الأرض وهو يقبض على القضيب الحديدي الذي سقط من الخائنة وهي تسقط مكانه بلا حركة
طلقات نارية طاردت هارون الذي كان بلحظة يضرب السلاح بالقضيب ثم يسدد ضربة لجانب جسار الذي صرخ وانحنى من قوتها وتلقى أخرى على ظهره أسقطته مرة أخرى متدحرجا مرة ثانية تجاه السلاح
قبض عليه رغم الألم وصوب ولكن هارون انتبه وتراجع باتجاهات مختلفة متدحرجا خلف سور واجهة الربان الذي لم ينتبه الخصمان أنه تلقى واحدة من الرصاصتان المتبقيتان 
ظل كلاهم على الأرض وجسار يلهث "اعترف بالهزيمة هارون وسأقتلك بلا عذاب"
الحرب خدعة.. والبقاء للأقوى وكل الأقوال تبيح خداع الخصم للانتصار، مال تجاه جوربه ونزع منه المسدس الوحيد الذي امتلكه، ظن أن جسار سيحارب بشرف لكن الشيطان لا يعرف الشرف
"ولم لا تفعل أنت وأعدك ألا تتألم يا .. أخي"
الكلمة لا تحمل سوى السخرية وجسده يتمدد على الأرض وسلاحه موجه لمن حاربه طوال ثمانية وعشرين عاما ولم يذكر يوما أن يمد له يد السلام
لمحه الشيطان وتحرك لكن وهو يتلقى رصاصة بكتفه وأخرى بساقه مما أسقطه بمكانه وهارون يتحرك له، عصا جسار التي بيد الشيطان طوحت السلاح من يد هارون 
ضربة أخرى أصابت ساق هارون ليسقط بجوار جسد جسار كلاهم مضرجا بالدماء وهارون يقبض على العصا التي دفعها جسار تجاهه مرة أخرى راغبا غرزها بصدر هارون 
كان كلاهم يركز بالصد والرد غير مدركين أن اليخت خرج بالبحر المفتوح بسرعة غير اعتيادية بلا ربان لكن..
صافرة إنذار قوية مزقت صمت البحر وجعلتهم ينتبهون.. اليخت يخرق مياه البحر بلا هدى والواقع الذي جعلهم يتراجعون أنه كان باتجاهه نحو سفينة نقل عملاقة وهي من كانت تطلق صافرة الإنذار
انتهز جسار لحظة فقد التركيز لهارون وضغط العصا لتفلت من يد هارون وتنغز بصدره فانفلتت وجسار ينهض واليخت يقترب وهارون ينزع العصا بألم حاد، وبصعوبة نهض يتبع جسار بلا وعي من الأخير غارزا النصل الحاد بظهره 
ترنح جسار كما كان هارون من فقدانه للدماء وانتبه الاثنان للصافرة الأخيرة للسفينة واليخت لا يتوقف مقتربا منها بأقصى سرعة ليصطدم بها وينفجر بدوي مرعب والنيران تتناثر مع الأشلاء 
الفصل الثامن والعشرين
المواجهة
وانهارت العسلية.. حملت الكثير منذ سقط العابث بطريقها وامتلأ الكوب عن آخره وفاض بوفاة أخيها لذا انفجرت.. تحطمت وتبعثر رمادها بالهواء
الطبيب منحهم نصائح كثيرة لكن الأهم هو وجود أشخاص تحبهم بجوارها وليال هي كل من تعلق به قلبها وليال كانت تحمل داخلها جبال من الحزن والخوف ومع ذلك كانت سند جيد لها
رشدي كان واضح بتوتره وقلقه رغم كلمات الطبيب المطمئنة، اعتذر لهارون لوجوده وهارون لا يمانع من أجل أحلام
"لم نصل لمكانه هارون"
وقف صفوان بجواره أمام الجدار الزجاجي عاقدا ذراعيه أمام صدره ذهنه صافي بعد أن دفع الغضب بعيدا "أخبرتك ألا تبحث"
ضاقت خضراء صفوان، لم يمكنه التعامل مع الغضب مثلما يفعل هارون، الهدوء تخلى عنه وطاح بأحد الرجال بالأمس بالملهي ممن فقد السيطرة على نفسه وهزأ بالموظفين وصفوان منحه هدية
قبضات متتالية بالوجه وقد تخيل له أنه يلكم جسار
"أنا لا أفهمك هارون، أنت تتركه بعد ما فعله؟"
لم ينظر له، كانت الرذيلة تعبث داخله، شيطانه المسجون يضحك، يخبره أنه سيفك أسره رغما عنه.. لقد آن أوان العبث، اطمس فضيلتك التي تظن أنك تحيا بها أنت لست منها 
أنت مشبع بالرذيلة...
"أنا لم ولن أتركه صفوان"
نفخ صفوان، مرر أصابعه بشعره البني القاتم.. جنونه لا يتوقف عندما لا يفهم الريس "إذن تحدث يا رجل"
ارتد، مقعده يرحب به، يليق بالريس وبامرأة الريس فقط
"هو ينتظرني بالجحر وأنا لست فأر لألحق به لذا أنتظره حتى يخرج"
التفت له صفوان وملامحه لا تمتلئ بالاقتناع، لم يمنحه فرصة للجدال قذف الكلمات بوجهه
"ليال من ستتولى كل شيء بعدي صفوان وأنت من سيكون معها ولن تتركها"
تجهم وجه صفوان، ارتبك لأول مرة بحياته، العملاق يهتز، يفقد اتزانه.. خطواته تبعثرت بلا ترتيب حتى وقف أمام مكتبه، نظراتهم جامدة، قاتمة بظلام حالك يشبه حياتهم السابقة ويوم ما كاد الأبيض يستقر بها هارون الآن ينسفها
"أنت عن ماذا تتحدث؟"
كان يضع القواعد لأنه يدرك تماما أن معركته مع جسار له وحده ولن تنتهي إلا بموت أحدهم 
لم يجيب وهاتفه يعلن عن نفسه، لمعت عيونه على رقم المتصل وهو يجيب بنفس الهدوء "تأخرت"
نفخ جسار، دق الأرض بعصاه، غروره فاق كل التصورات، الشيطان نفخ أوداجه وأعلنها صريحة، أتى وقت المواجهة واعتلاء القمة بالخلاص من خصمه الأول والوحيد
"كنت أمنحك وقت للحزن"
ظل الريس ثابتا بمكانه، عاقدا حاجبيه ونظراته ثابتة على الفراغ، رؤية سعد وهو يقف طفلا أمامه يطلب منه مكان له ولأخته.. رؤيته وهو يتعلم منه كل شيء، أصبح من رجاله المخلصين، ابنه الذي رباه ولم يندم
أغلق عيونه على منظر سعد وهو يلقي بنفسه عليه ويتلقى الرصاصة ساقطا فوقه بلا نفس
أنت تستحق جهنم إن لم تعيد حق سعد..
"أمثالنا لا مكان للمشاعر بحياتهم، كن رجلا وواجهني بدلا من التسلل ليلا لقتلي"
الغيظ ملأ صدره، دائما يفوز بكل معاركه معه، مهما هاجم يكون الرد أقوى.. دائما رد الفعل منه مدمر..
"جيد بالتأكيد تعرف كيف تجدني، البحر ينعش الروح وأنا أعشقه، أنتظرك"
وأغلق وهارون يقبض على الهاتف ونظراته انغلقت، سكنت زرقة البحر بها، أمواجها أعلى من موجة تسونامي، سيبتلع كل ما يقف بطريقه ولو مات وهو يقتله فلن يهتم
"هارون!؟"
رفع نظراته لصفوان وأدرك القلق بعيونه "هل أستدعي الرجال؟"
نهض وتحرك له حتى وقف أمامه، كتمثال أبو الهول الشامخ، يجسد مزيجا من القوة والذكاء، جسد أسد ورأس إنسان، هو رمز القوة بجسده الأسدي والحكمة، السلطة الملكية برأسه البشري، هو حارس العالم السفلي 
"لا، الأمر يخصنا نحن الاثنان صفوان"
تراجع الذراع الأيمن للريس، لا يتقبل تلك الحقيقة، لا يفكر بأن زعيمه وحده بأي مواجهة
"هارون.."
قاطعه، نبرة هادئة لكن حاسمة تعني عدم الجدال فقط الطاعة، بل تلبية الطلب "ليال برقبتك صفوان، أنت حاميها الأول من بعدي"
شحب وجه العملاق، سقط، تحطم مائة ألف قطعة وقطعة، الحياة بدون الريس ليست حياة، هو رفيقه، قرينه، رئيسه، أخيه الذي لم يناله
"هارون.."
مال عليه، نظراته صارمة تعني لا جدال "هي أمانتك صفوان"
وتحرك للباب وقد أراد الفانيليا..
كانت تخرج من غرفة أحلام النائمة بفعل المهدئات عندما عرفت ذراعه التي تلفها، لم تفزع ولم تتساءل فهي تميز لمسته من بين مليون رجل
قبلة على عنقها وهمسة خفيفة "أشتاق لك"
وبلحظة كانت ترتفع عن الأرض بين ذراعيه، تلف ذراعيها حول عنقه بتملك، الريس لها وحدها حتى ولو كان لساعات قليلة لا تعرف متى ستنتهي وهو يتحرك بها لغرفتهم ملتفا بذرعيها والفانيليا، مانحا إياها كل ما يحمل لها من حب وغرام حتى سكنت بين ذراعيه مجهدة والنوم لفها ونظراته تسكن على ملامحها
لن يشبع منها أبدا.. المسك، الفانيليا خمره
هي.. صغيرته.. ملاكه.. 
هي حبيبته..
**** 
صفوان ظل طوال الطريق صامتا، هارون هو الآخر لا يتحدث، وضع قبلة على وجنتها ورحل تاركا إياها نائمة كالملاك 
وقف رجاله عندما تحرك لسيارته وصفوان فقط من يقود له، أنس حاول أن يكون معه لكنه تراجع أمام نظرته الصارمة، سيبقى من أجل امرأة الديب
لكن الديب لا أحد سيوقفه عن الثأر ..
البحر لم يكن ساكنا، رياح خفيفة حركت سطحه بأمواج خفيفة، نصف القمر لم يضيء الليل ولكن أضواء الطريق فعلت حتى وصلا لمرسى مراكب والهدوء يسكنه
الفجر لم يصل بعد.. لا أحد يتجول على المرسى، مراكب صغيرة تتأرجح فوق سطح المياه، سفن كبيرة تحميها وصمت يبقيها نائمة، مستقرة تنتظر أصحابها مع الصباح لتعيدها للحياة 
لم ينتظر نزول صفوان ولكن صفوان أدرك ما سيفعله فقفز أمامه بلحظة "هارون دعني أذهب معك"
نظراته الجامدة أخبرته الرد فقط صمت لحظة ثم خلع السلسلة وخاتم زواجه ورفع يد صفوان ووضعهم بيده "لها، لا تتبعني"
عندما فتح حقيبة السيارة كانت تقبع بها، مقيدة اليدين، فمها ملصق بلاصق لوثته دموعها الغير منتهية والتصقت خصلاتها بجبينها بلا مفر
قبضته أحكمت على ذراعها واللاصق كتم صرختها وهو يرفعها خارج حقيبة السيارة وقدماها لا تحملها على الأرض، نظرات صفوان لها كانت تحمل الغضب والكره ولولا هارون لقتلها بيداه 
دفعها وقبضته محكمة على ذراعها وتحرك بها تجاه الممشى الخشبي الممتد داخل البحر، كان يعرف أين يذهب، هو يعرف كل شيء يخص جسار كما هو جسار، كلاهم يترصد بالآخر والهدايا متبادلة
هو منحه هديته بقتل سعد والآن هو يرد له هديته..
اليخت كان منتصبا بشموخ عند جانب المرسى.. رجل حراسة يقف ولم يعره انتباه والرجل يضع يده لإيقافه فلواها للخلف بيده الفارغة والرجل عاجز عن أن يفلت "ألم يخبرك ألا تعترض طريقي؟"
ودفعه بقوة فترنح الرجل دون أن ينظر له هارون وهو يصعد على متن اليخت ويجذبها معه
رجلان ظهرا أمامه قبل أن يصل للسلم "سلاحك سيد هارون"
نبرة الريس تخيف من أمامه حتى ولو كانوا عمالقة الجحيم "ابتعد من أمامي"
تراجع الرجلان أمام نظرات هارون الغاضبة، تهديد واضح بهما، من الذي لا يعرف الريس!؟
نحيبها كان مكتوم تحت اللاصق، ألم تتعلم من خطأ سابق لتعود لخطأ جديد!؟
أكمل السلم حتى وصل للسطح والرجال تترك اليخت وما أن وصل للسطح حتى رآه يتقدم تجاهه
عصاه تسبقه بخطوة وما أن سقطت نظراته عليها حتى ثبت مكانه وتجمدت العيون الزيتونية وربما شحب وجهه وستره ظلام الليل
"أردت رد الهدية"
ابتلع أي شيء بفمه الجاف وهو يمرر نظراته على رفيقة الشيطان، لا يمكن القول إنها عشيقته فالشيطان لا يعشق، ولا ضحيته فهي ليست ضحية، هي ترحل له برغبتها لذا هي رفيقة الشيطان
دكتورة مي..
سابقا..
**** 
بلحظة تراجعت فيها ليال عن الرجال أثناء تواجدهم بالمقابر، طفل صغير بملابس ممزقة ووجهه ملوث ولكن براءته جذبتها مما جعلها تلبي طلبه وتتحرك معه كي ترى أخته الصغيرة المريضة مما أثر على قلبها
وهي قلبها بسكوت بالفانيليا 
تحركت حتى خلا المكان من الرجال واستوعبت فجأة أنها وحدها حتى الطفل الصغير رحل واختفى، لفت حول نفسها، تاهت، لا تعرف أين هي؟
قبل أن تفتح فمها لتصرخ باسم هارون رأت جسد يتحرك لها، برداء أسود ووشاح يغطي الوجه تراجعت حتى اصطدمت بشاهد قبر جعلها تصرخ من الفزع
الصوت ليس غريب، تعرفه..
"ليس من الجميل رؤيتك طبعا لكن كان لابد أن أراك"
مي..
لم تفتح فمها ومي تقف أمامها، تبعد الوشاح عن وجهها وعيونها تلمع على وجه ليال المليء بالدهشة، لم تخف، تعاليم والدها وهي طفلة ما زالت ترافقها، كلمات زوجها ترن بأذنها، لا استسلام
اعتدلت وبثبات واجهتها "وهل رؤيتي تستدعي كل ذلك؟"
رفعت مي وجهها.. هندية أنقذتها من الموت، استدعاء الطبيب الذي وصل بالوقت المناسب وكان الانهيار مصيرها وانهيار هندية أيضا لعار ابنتها ولكن الأيام تداوي حتى عاد الشيطان
"بل التخلص منك يستدعي أكثر من ذلك"
ظلت ثابتة، تستدعي هدوء زوجها وثباته وقوته "لن يمكنك التخلص من أفكارك الغريبة مي، موتي لن يغير شيء، هارون لن يكون لك حتى بعد موتي"
تجهم وجه مي، ارتفعت أنفاسها، أثارت التراب حول خطواتها الغاضبة حتى وقفت أمام غريمها الأول والوحيد "لم يعد يهم، المهم أن أنتقم وقتلك هو ما سيؤلمه"
ولمع نصل السكين وتراجعت ليال، هل من المفترض أن تعيش حياتها كلها مهددة بسكين مرة من فريد ومرة من تلك الحمقاء؟
لا..
زادت حدة ملامحها ولم تسمح للخوف باجتياحها.. امرأة الديب لا تخاف
"حاذري كي لا تجرحي نفسك، هل ظننت أني أخاف؟ هو أنت الخائفة مي، تخافين من نفسك ومن حياتك التي تدمرينها يوما بعد يوم، تخسرين كل من عشت معهم عمرك ولا تفكرين لحظة بالنتائج"
لمعت دموع بعيون مي وغضبها لا يتراجع لكن كلمات ليال تزيد لهيب نيرانها "هو أنت سبب كل ذلك، منذ دخلت حياتنا و.."
أنت تكذبين على نفسك.. تلقين بأخطائك على شماعة الغير ولكنك ملطخة بالرذيلة بيدك وليس بيد أحد  
بصوت حاد قاطع أوقفتها، قطعت حبال أفكارها الزائفة، مزقت كذبتها التي صدقتها "أنا بحياتكم منذ كنت طفلة مي، أنت من أغلق عينيه كي لا تشاهدي الحقيقة، أنا وهارون كنا لبعض منذ سنوات ولن يتبدل شيء"
الجنون يتصاعد، يقفز الدرج كله مرة واحدة مدفوع بالغيرة والحقد والكره، رفعت السكين والإصرار بعيونها "بل سيتبدل عندما أقتلك"
لم تهتز ليال ولم تتراجع لأن جسد زوجها كان أمامها بنفس اللحظة، اختفاء زوجته لم يمر هكذا، حزنه لا يوقفه عنها ولا أي شيء
يده قبضت على يد مي وباللحظة التالية كان الرجال يجذبونها للسيارات
***** 
دفعها هارون لتسقط عند أقدام جسار.. أعادها الشيطان له بعد أن عاد، أراد استغلالها مرة أخرى، حتى عندما أخبرته بالحمل شيطانه رسم لها السعادة بطفل سيكون وريثه لكن الشيطان لا يرغب ببشري وريث، وريثه سيكون شيطان مثله
دفعها لقتل ليال وهو يعلم أن كرهها لها سيدفعها لكنه للمرة المليون يستهين بقدرات الريس وها هو يلقيها تحت أقدامه
"هل ظننت أني لا أعرف عنها شيء؟"
لمعت الزيتونية بشرر الغضب بمواجهة هارون الذي وضع يداه بجيوبه ولم يترك نظرات جسار
هدوئه يثير جنون جسار الذي دفع رفيقته من طريقه بقدمه واندفع تجاه هارون ونصل عصاه الحاد مسدد لصدره وبالطبع هارون لم يتوقع أن يأخذه بالأحضان
تراجع للجانب وجسد جسار يندفع له وظهر هارون يلتصق بظهر جسار وكوع هارون يندفع بجانب جسار لكنه بنفس قوة هارون، نفس الدماء..
اعتدل بثبات ولوح بالنصل الحاد بوجه هارون الذي ارتد جذعه الأعلى للخلف لتفادى النصل وما أن ارتد حتى رفع ساقه بالهواء ضاربا العصا بقدمه فأطاح بها بعيدا..
بجوار رفيقة الشيطان.. 
لمعت عيونها، ستفك قيدها
ما أن لمست ساقه الأرض حتى كان جسار يندفع بكل قوته نحو جسد هارون والتحم الاثنان مندفعين للخلف من قوة اندفاع جسار وهارون يسدد كوعه بظهر جسار وترنح الاثنان عندما تحرك اليخت فجأة ليخترق المياه بلا إنذار 
ترنحت أجسادهم مفترقين "لن يحميك مني كما اعتاد أن يفعل، لطالما اتخذك طفله المدلل"
يدورون حول بعضهم البعض، الهواء يعبث بخصلات هارون وهو يرمق خصمه بنظرات نارية "لم أحتاج حماية أحد بحياتي وأنت تعلم ذلك، غيرتك هي ما تعميك عن رؤية الحقيقة"
كشر جسار والحقد ملأ وجهه "لست جدير بأن أغار منك، أنت نزيل الملاجئ لن أنظر لك"
والتحما مرة أخرى والاثنان يتبادلان اللكمات ومي تتراجع زاحفة بعيدا وجسد هارون يسقط مرة وجسار مرات والدماء تبعثرت من وجوههم على أرضية اليخت
افترقا وهارون يمسح الدماء من فمه بظهر يده وجسار يترنح من المعركة ولا واحد منهم يتراجع فاليوم واحد منهم هو من سينجو والمعركة ستظل حتى تتحقق تلك النتيجة
"ظننت أنك بحمايتك له ستنال مكانه؟"
لم يتحرك هارون ولم يهتم بآثار المعركة فقد مر بآلام مضاعفة وتعايش معها "أنا لم أرغب بمكانه بأي وقت، لو أردته لكان لي"
الجنون ارتفع داخل الشيطان "مغرور، لن تنال شيء أيها اللقيط، أنا ابنه الأكبر ونائبه، أنت لا شيء، هو لا يعترف بك"
التوت شفاه هارون، الكلمات لا تؤلم لأنها تخرج من فم الشيطان لذا منحه الرد بكلمات قوية بلا اهتزاز، الواقع لا أحد يفر منه والديب ظل متحفزا أمام خصمه 
"هو لا يعترف بأي منا، كلانا أبنائه غير الشرعيين"
***** 
فتحت عيونها فجأة، شيء ما جعل قلبها ينقبض، وكأن يد خفية هزتها لتوقظها، التفتت، تبحث عن دفء جسده وصدره الذي نامت عليه ولكنها لم تجده
نهضت بدون انذار لتبحث عنه.. هل رحل لعمل ولم يوقظها
نهوضها المفاجئ جعلها تشعر بدوار يضربها وسقطت على الفراش تمسك رأسها وسرعان ما داهمها غثيان واسودت الدنيا أمامها فأغمضت عيونها وما زال ظلام الليل ينتظر الفجر بكبرياء
ظلت لحظة والغثيان يزداد فتحاملت ونهضت للحمام، ألقت لا شيء، لم يتناول أحد أي طعام بسبب الأحزان الجاثمة على قلوبهم
تحركت لحوض الاغتسال وغسلت فمها والعرق تناثر فوق جبينها، نظرت بالمرآة التي منحتها صورة غير جيدة لنفسها، ستخرج لتهاتفه وتطمئن عليه ولكن الغثيان لا يتركها
رفعت وجهها فجأة وهاجس يضربها، ينسيها قلقها على رفيق روحها، هاجس تجاه ما تمنته 
أسرعت تفتح المرآة، حدقت باختبار الحمل الذي اشتراه لها ووضعه بانتظار الموعد المنتظر
هل هو الآن!؟
بأيدي مرتجفة التقطته، وبقلب هلع من الخوف تنفست، السوداء اسودت أكثر، رحل منها الابيض وحلت غيامة مكانه وهي تحدق بالجهاز
أخيرا شجاعتها لحقت بها وفتحت الجهاز وسلمت أمرها لله ومنحت نفسها الأمل
سقطت على أرض الحمام وهي تغلق عيونها وجهاز اختبار الحمل بيدها، عليها أن تنتظر، كم دقيقة؟ بل ثانية 
لا، قلبها لا يتحمل.. هل يمكن؟
كم مر؟ عشر ثواني، عشرون؟...
يا الله! لقد رحلت أنفاسي.. أين الهواء؟ أين دقات القلب الجبان؟
هرب، فر كجبان لا يقدر على المواجهة.. 
ظلت عيونها مغلقة وكأنها تخشى أن تفتحها خوفا مما ستراه. أريد أولاد منك هارون، أريد أن نحملهم سويا، نلعب معهم ونفرح بهم، أريد عائلة كبيرة كما أخبرتني.. أريد إسعادك حبيبي
ونست الانتقام..
فتحت عيونها لترفع الجهاز أمام عيونها الباكية ورأت.. 
شرطتان..
رفعت يدها على فمها وهي تشهق من البكاء والدموع تغرق عيونها وتتساقط كأمطار غزيرة على وجنتيها تروي الأجدب الذي أصابها من الخوف والقلق
حامل...
لم تصدق عيونها، البكاء غطى رؤيتها حتى هدأت ونهضت وكل شيء احتفل من حولها، رحل الغثيان، رحل الدوار
تبقت سعادتها، غسلت وجهها وأسرعت خارجة وهي تحمد الله وبحثت عن الهاتف، ستخبره، نعم لن تنتظر عودته
وجدت الهاتف وطلبته، مغلق، لا هارون أرجوك افتحه، لابد أن أخبرك
صفوان، نعم، هاتفت صفوان، مغلق، لا..
أنس أجاب بأنهم خرجوا بعمل، سقطت على الفراش بلا هدى ولا تعرف كيف تخبره؟ ستنتظره، لن تنام، لن تغفل لحظة إلا عندما تخبره أنه سيكون أب، سيكون لهم الأسرة التي أرادها 
**** 
الأمر اختلف كثيرا منذ سقطت بالانهيار، لم يكن يتركها كثيرا، تبدل لرجل آخر.. هل يمكن أن يلين الجمود؟
الدواء أعادها للواقع، ليال لم تتركها، هي لا ترغب بترك البيت الذي عاش به أخيها ولو شهور قليلة
اليوم هي أفضل حال، نهضت بعد رحيل ليال، اغتسلت ومع ذلك ظلت شاحبة، جزء من ملابسها موجودة، متى أحضرها؟
الآن وبعد أن أصبحت زوجته أمام الجميع لم تعد تعرف شعورها، أحزانها أنستها المأساة التي كانت تعيشها معه..
لم يتحدثا كلمة واحدة، ولكن بالليل كانت تشعر به وهو يدخل الفراش ويجذبها له بتملك وهي مصطنعة النوم والغريب أنها لم تعترض بل كانت تنتظره ولا تنام إلا عندما تشعر بأنفاسه على عنقها، جسدها يلتصق بصدره وضربات قلبه تدق على ظهرها تمنحها يقين أنه لن يتركه
انتهت من ارتداء بيجامتها الزرقاء القاتمة، هي لا تبحث عن ألوان، رحيل سعد أفقدها الرغبة بأي شيء جميل بالحياة، انفتح الباب وطل جسده الفاره منه
عاد مبكرا على غير عادته، توقف كلاهم بمواجهة الآخر، شاحبة، نحف وجهها من عدم تناول الطعام، تحلقت عيونها بظلال الحزن والألم، تمنى لو أمكنه محو كل لحظة حزن مرت بها..
جمدت مكانها، لم تتبدل أناقته ولا اهتمامه بنفسه ومظهره، كانت ملامحه فقط مجهدة، العمل بادي عليه ولكنه اليوم هنا..
لم تخطو خطوة واحدة نحوه بل هو من تحرك، الرمادية كانت مشرقة، رؤيتها بتلك الحالة دون مساعدة ليال أو ثمية جعلته يتنفس براحة ربما خف الانهيار واستعادت نفسها
نظراتها كانت تتابعه، تلتصق بعيونه، قلبها من كان يهيج ويهرع داخل صدرها ولا تفهم السبب
الغرام يا عسلية..
أعجبه تناثر شعرها هنا وهناك، دائما ما يحبها مبعثرة، مل من النساء الكاملة والمرسومة على المسطرة، هي الطبيعة، هي البساطة والجمال
هي العسلية..
أصبحت تلازمه بكل وقت، تغلب حتى عمله، اعترف من وقت أنها ملكت ما لم تملكه امرأة من قبل، احتلت العضو الذي كان مجهول داخله.. سكنت وتربعت بكل غرفه
امتلكت قلبه، تحيا العسلية، هزمت العابث وسقط وعندما نهض كان قد فقد اللقب ونال سواه
العاشق..
"تبدين أفضل!؟"
سؤال أم إقرار لم تعرف، كانت تلملم شتات نفسها التائهة بحضرته، ما الذي تبدل منذ زواجهم وموت سعد وأزمتها؟
ما الذي اختلف بوجوده معها؟ مؤازرته لها بأزمتها؟ 
"نعم"
هل حقا لا يجد كلمات معها؟ من كان يعبث بعقول النساء لا يجد كلمة أمام زوجته!؟
"هل ترغبين بطعام!؟"
أخفضت وجهها وتساقط شعرها معها يخفي ملامحها، نظراتها، وجهها الذي لا يفارقه ولا يرغب بأن يفارقه الآن فرفعه بإصبعه وزاغت عسليتها بين الرمادية الضائعة بين أمواج الغرام الملتوية
"اشتقت لك أحلام"
وانتفض القلب..
الكلمات خرجت منه بلا وعي ولكن بيقين وكأنها اعتراف هارب من قلب أثقله الندم، لا رفعة صوت ولا تبرير، فقط صدق خالص نابض من العيون اللامعة والثابتة عليها..
لم ترد، ولكن خفقت أنفاسها وارتجفت أصابعها وهي تحاول تثبيت يديها على أطراف بيجامتها كي لا يلاحظ ارتباكها، تشك أن رشدي زيتون هو من يواجها الآن.. يخبرها أنه يشتاق لها للفتاة التي..
التفتت تخفي الألم بعيونها، الذكريات لا ترحل، سجينة داخل قضبان وهمية صنعها بنفسه.. بقسوته، إهاناته لكن..
صوته تكسر من خلفها، مدركا كل ما يمر بها الآن، كلمات الكره ما زالت تشق السكون الملازم له، تطعنه طعنات نافذة داخل قلبه.. ماذا لو كفت عن كرهه؟
"هل يمكن أن تتوقفي عن كرهي بيوم ما؟"
رفعت وجهها وهي لا تفهم سؤاله، ما المهم بأن تتوقف من عدمه عن كرهه؟
التفتت عائدة، رماديه الهادئ غرق في عسلها المبلل بالدموع والممتلئ بحيرة وتيه من كلماته "هل يهمك الأمر؟"
ضاقت الرمادية.. غامت، سرقت العسلية نبضة أخرى من قلبه "أكثر مما يمكنك أن تتخيلي"
لا، كاذب.. تتلاعب بي، تعبث بقلبي ألست العابث؟ لم لا أصرخ بوجهه ليرحل، أدق على صدره ليبتعد فقربه هلاك، نظراته مميتة وأنا لن أعود بعدها للحياة
"ما بيننا.."
صمتت، رحلت الكلمات، ابتلعتها تلك الدقات المفزعة من قلبها معلنة الاعتراض على استدعاء الذكريات فسرقت عينيها دمعة وأسقطتها على وجنتها تلقاها براحته وملمس يده غريب عنها وكأنه ليس الرجل الذي تزوجها لشهور..
"قتل داخلنا أشياء، ولكنه أحيا سواها فلم لا نمنح أنفسنا فرصة أخرى؟"
اهتزت رأسها بعلامات النفي، لا أريد أن أعود فريسة، لا أرغب بالألم من جديد فقد اكتفيت
"لماذا الآن؟"
ليس الآن يا عسلية، بل منذ عرفتك وانتهى العابث 
"فقط دعينا لا نسأل"
صمتت وعيناها عالقة به، راحته مستقرة على وجنتها تصنع دوائر على بشرتها الناعمة حتى جذب وجهها له ونال مذاق العسلية ولكنه كان مختلف.. مشبع بالسكينة، الراحة، الرغبة النابعة من القلب
مشبع بالغرام..
***** 
"اللعنة عليك لم لا تموت؟"
كان يهجم بشراسة وكلمات هارون بنزين سقط على الشعلة الخافتة فاشتعلت نيران لا نهاية لها
رفع الريس ذراعه ليصد لكمة تحمل كره سنين كثيرة بقلب الشيطان
عذرا..
الشيطان ليس لديه قلب بالمعنى المادي والبيولوجي، هو كائن مجرد من الجن، هو فقط يجثم على قلب الإنسان ويؤثر فيه بوساوسه وشهواته
 "تعشق الكلمات وتفر من الأفعال"
وسدد الريس لكمة بالوجه الوسيم والمشوه من معركة لم تنتهي ولكمة أخرى وجسار يتراجع حتى سقط وهارون اعتدل يمنح صدره هواء منتظرا نهضة الشيطان الذي ظل ملتصقا بالأرض يتحكم بالألم والدوار 
"أفعالي وصلت لامرأتك"
ارتفع الجنون بدمائه حتى وصل لرأسه ونبض بالغضب فركل جسار بمعدته بقدمة بكل الغضب الذي أثاره داخله "لأنك جبان، لا تواجه الرجال وتلعب مع النساء"
لم ينتبه وجسار يدفع قدمه بساقه فيفقد اتزانه ويسقط وانقض عليه الشيطان، يكيل له من هنا وهناك حتى دفعه هارون بعيدا بساقيه
ليسقط جسده المنهك بجوار هارون وكلاهم يلهث من المواجهة بكلمات متقطعة نطق الشيطان "كنت لعنة حطت علينا"
كان الريس يستعيد نفسه، منذ سنوات الصغر وهما يلتقيان بمعارك لا تنتهي وحتى اليوم القوى متساوية
"لم تتقبل يوما أن اللقيط يمكنه هزيمتك"
كان كلاهم ينهض مترنحا، الدماء لوثت وجوههم، كدمات تلونت، الشروق لاح بالأفق، لون السماء كان بلون الدماء كما هي أرض اليخت التي تلوثت بدمائهم..
"الشارع منحك الكثير هارون"
وسرق منه الكثير لكن لا أحد يدرك ذلك سواه ومن عاش به ..
وأكمل "لم تسأله لماذا ألقاك بالملجأ ولم يفعل معي ذلك؟"
بالمواجهة تلمع العيون بالغضب، الألم الرفض والاستنكار "لا، لم يشغلني الأمر كان لدي الأهم، أن أكون أنا وقد كنت"
سقط مقعد صلب بيد جسار فرفعه وتحرك به بلا إنذار تجاه الريس الذي تعلم كيف تكون ردة الفعل سريعة وهو يتراجع وجسار يترك المقعد ليصطدم بالواجهة الزجاجية ومن خلفها الربان الذي يقود اليخت
تراجع هارون لم يستمر كثيرا لأن ألم بجانبه من الخلف أوقفه وابتعد بالحال والنصل الحاد يخرج من جانبه وهو يستدير مترنحا ليواجه مي وهي تقبض على العصا ونصلها مغرق بدماء هارون ونظرات الحقد والكره بعيونها هما ما رآهم
"هو على حق، لم لا تموت؟"
الدماء تفجرت من جانبه ويده لا توقف النزيف وجسار يتحرك لها نازعا العصا من يدها "رائع، تستحقين أن تكوني بجواري حقا"
ظل هارون منتصبا، لم ينحني ولم يهزمه جرح من خائنة اعتاد خيانتها "هذا مكانك حقا مي، بعت نفسك وشرفك للشيطان لأنك مثله"
هتفت بكره واضح "بل لأنك دفعتني لطريقه يوم بعتني من أجلها وتخليت عن حبي"
ابتسامة ساخرة من فم ملطخ بالدماء واجها "أمثالك لا يعرف الحب، أمثالك يرغب بالمال والمكانة العالية حتى ولو كان بطريق غير شريف، مبارك جسار ستنال ابن غير شرعي، تسير على نهج أبيك"
وعاد الغضب للشيطان وهو يندفع بنصله الحاد تجاه هارون الذي مر النصل من أمام عيونه بقيد أنملة ثم قبض على العصا ورأسه تندفع بقوة لجبهة جسار الذي ارتج جسده من الضربة وهارون يجذب العصا ويلفها بيده كي يسددها لجسار غير منتبه لمي التي كانت تحمل قضيب حديدي وترفعه لتنهال به على رأس هارون عندما انغرز النصل بصدرها...
تحجرت عيونها وفقدت صوتها وسقط القضيب من يدها وتراجع هارون غير حزين على المصير الذي استحقته الخائنة
جسار لم يفكر حتى بأن يتحرك لها وإنما تلقى مسدس من ربان السفينة والتقط هارون المشهد فتدحرج على الأرض وهو يقبض على القضيب الحديدي الذي سقط من الخائنة وهي تسقط مكانه بلا حركة
طلقات نارية طاردت هارون الذي كان بلحظة يضرب السلاح بالقضيب ثم يسدد ضربة لجانب جسار الذي صرخ وانحنى من قوتها وتلقى أخرى على ظهره أسقطته مرة أخرى متدحرجا مرة ثانية تجاه السلاح
قبض عليه رغم الألم وصوب ولكن هارون انتبه وتراجع باتجاهات مختلفة متدحرجا خلف سور واجهة الربان الذي لم ينتبه الخصمان أنه تلقى واحدة من الرصاصتان المتبقيتان 
ظل كلاهم على الأرض وجسار يلهث "اعترف بالهزيمة هارون وسأقتلك بلا عذاب"
الحرب خدعة.. والبقاء للأقوى وكل الأقوال تبيح خداع الخصم للانتصار، مال تجاه جوربه ونزع منه المسدس الوحيد الذي امتلكه، ظن أن جسار سيحارب بشرف لكن الشيطان لا يعرف الشرف
"ولم لا تفعل أنت وأعدك ألا تتألم يا .. أخي"
الكلمة لا تحمل سوى السخرية وجسده يتمدد على الأرض وسلاحه موجه لمن حاربه طوال ثمانية وعشرين عاما ولم يذكر يوما أن يمد له يد السلام
لمحه الشيطان وتحرك لكن وهو يتلقى رصاصة بكتفه وأخرى بساقه مما أسقطه بمكانه وهارون يتحرك له، عصا جسار التي بيد الشيطان طوحت السلاح من يد هارون 
ضربة أخرى أصابت ساق هارون ليسقط بجوار جسد جسار كلاهم مضرجا بالدماء وهارون يقبض على العصا التي دفعها جسار تجاهه مرة أخرى راغبا غرزها بصدر هارون 
كان كلاهم يركز بالصد والرد غير مدركين أن اليخت خرج بالبحر المفتوح بسرعة غير اعتيادية بلا ربان لكن..
صافرة إنذار قوية مزقت صمت البحر وجعلتهم ينتبهون.. اليخت يخرق مياه البحر بلا هدى والواقع الذي جعلهم يتراجعون أنه كان باتجاهه نحو سفينة نقل عملاقة وهي من كانت تطلق صافرة الإنذار
انتهز جسار لحظة فقد التركيز لهارون وضغط العصا لتفلت من يد هارون وتنغز بصدره فانفلتت وجسار ينهض واليخت يقترب وهارون ينزع العصا بألم حاد، وبصعوبة نهض يتبع جسار بلا وعي من الأخير غارزا النصل الحاد بظهره 
ترنح جسار كما كان هارون من فقدانه للدماء وانتبه الاثنان للصافرة الأخيرة للسفينة واليخت لا يتوقف مقتربا منها بأقصى سرعة ليصطدم بها وينفجر بدوي مرعب والنيران تتناثر مع الأشلاء 

تعليقات



<>