رواية حكاية سمر الفصل الثالث عشر 13 بقلم زارا
أول ما رجلي عتبت باب المكتب، اتصدمت من المنظر، حسيت ببرودة غريبة في جسمي.. المكان ما كان مجرد مكتب تقليدي ، كانت صالة كبيرة عبارة عن "غرفة عمليات" كاملة ، كان ف اربع شاشات كبيرة معلقة على الحيط ، كبيرة لدرجة إنها كانت بتبتلع إضاءة الغرفة كلها بنورها..
الشاشات ما كانت بتعرض صور عادية، كل شاشة كانت مقسمة لمربعات ، فيها خرائط مشفرة ، ومصفوفات أرقام ورموز بتتحرك بسرعة خيالية، وشاشة تانية عارضة إحداثيات جغرافية فيها نقاط حمراء بتنبض فوق الموية وكأنها بتراقب حركة السفن البتتحرك في نص البحر.. و غالباً كانت للشحنات المشبوهة الكانوا بتكلموا عنها.
وشاشة تالتة عارضة صور لبيوت وشوارع رئيسية، غرف في فنادق، وأماكن عامة وحساسة في البلد!
قلبي بقى يضرب بشدة وأنا بتفرج على البث الحي دا الدنيا بقت تلف بي من هول الشايفاه.. حسيت كأني كنت نايمة في "حضن شيطان" بِيحرك خيوط البلد دي كلها من ورا الشاشات دي.
حسيت فجأة بإني صغيرة شديد ، ومكشوفة.. كأني كنت ماشة في طريق ضلام وقايلة نفسي ذكية، وفجأة النور ولّع ولقيت نفسي واقفة في نص حقل بتاع ألغام! ، في اللحظة دي خوفي ما كان بس من عمر ، خوفي كان من "الحقيقة" الـ بقت أكبر مني ومن قدرتي على الاحتمال ، ودا الكان عمر بحذرني منو! ، كنت بسأل نفسي بـ رعب حقيقي "أنا دخلت نفسي في شنو؟ وهل الـ بِراقب شوارع وفنادق ودول، ح يغلبو يراقب نفسي الطالع والنازل؟!.
مشيت وقفت قدام التربيزة السوداء الكبيرة، كان فوقها ٣ شاشات كمبيوتر مرصوصة جنب بعض بـ شكل بيخوف ، التربيزة نفسها كانت غابة من الأزرار وجهاز تحكم فيه لمبات بـتنور وتطفي بـ اللونين الأخضر والأحمر ، في اللحظة دي عرفت تماماً ، إنو دا ما مكتب زول بـ يدير شركة استيراد وتصدير، دي كانت "غرفة تحكم" حقت زول بـحرك الموت بـ ضغطة إصبع واحدة! مديت يدي ولمست التلفون السلكي التقيل ، فجأة جاني صوت "وشوشة" اللاسلكي.. صوت يصن الأذنين.
فجأة حسيت بتوازني اختلّ من الصدمة ، وبدون ما قصد ضغطت بيدي على "زر أحمر صغير" م كنت عارفاه، كان مخفي بـ دقة تحت حافة المكتب.. فجأة، الشاشة الرابعة الكنت شايفاها سوداء وكأنها مطفية نورت واتقسمت لـ مربعات كتيرة.
أول ما عيني وقعت عليها، جسمي بقى يرجف
و دمي جمد في عروقي.. دي غرفتي أنا!
شفت غرفتي بـ وضوح شديد ، السرير المرتب، الدولاب، وحتى الزاوية الـ كنت بـ قعد فيها بـراي . الشاشة بدت تعرض أجزاء داخلية للفيلا بـ زوايا مستحيلة ، الممر البودي للحمام، المطبخ، وحتى صالة الجلوس ، الكاميرا كانت قريبة لدرجة إني شفت فنجان القهوة الـ خليتو الصباح على التربيزة!
في اللحظة دي ، كل شيء بقى واضح زي الشمس..
عمر كان بـ "يمتلكني". كان بـشوفني في أدق تفاصيل حياتي، براقبني وأنا بضحك و أنا ببكي ، وأنا بفكر في الهروب منو ، عشان كدا كان دايماً بظهر لي في ثواني ، كأنو بقرأ أفكاري ، و هو في الحقيقة كان بتفرج علي من ورا الشاشة دي بـ كل برود.
حسيت بالاختناق ، وكأنو الهواء الـ في المكتب خلص.. أنا كنت عايشة تحت المجهر، كنت "فرجة" للعرّاب في وقت فراغو.
حاولت أزح عيوني من الشاشات الـكانت بتنتهك خصوصيتي ، و التفتت ف مساحة مربعة آخر المكتب..
كان فيها طاولة كبيرة وكراسي حولها، عرفت انو بقعدوا فيها لاجتماعاتهم.
عاينت الركن التاني كان في أجهزة تشويش و لاسلكي كانت بطلع صوت مستمر بِيـوتر الأعصاب ، و ع مسافة منهم ، كانت في مكنة "فرامة ورق" كبيرة و باين إنهم استخدموها قبل ساعات بسيطة ، لأنو نصها كان مليان بـ بواقي ورق مقطع حتت صغيرة و شرايط رقيقة ، لدرجة إنو أي كلام فيها مستحيل يتقري مديت يدي و بقيت افتش ف كوم الورق ، و قلبي كان بوجعني من المنظر.. في أطراف من الورق المقطع المفرمة ما لحقت تاكلو كلو ، كانت ظاهرة كلمات حبست نفسي"ينفذ فوراً".. "تأمين".. "سري للغاية".. "تصفية"...
الكلمات دي كانت كفيلة انها توريني ، الورق دا ما اتقطع عبث ، كان وراه بلاوي ومصايب وقرارات بـ تنهي حياة ناس ، كان لازم تختفي للأبد وما يفضل ليها أثر. في اللحظة ديك، المكتب الـ كان بـ يظهر فخم ومنظم، اتحول في نظري لـ "مسرح جريمة" كبير، وكل ورقة مفرومة فيه بـ تحكي عن سر اندفن.
وقفت و أنا بتسائل يا ربي ، هل اسمي كان واحد من الأوراق الـ اتفرمت دي؟ وهل العرّاب بخطط يفرمني من حياتو بـ نفس البرود البفرم بيه الورق دا؟.
التفتت على يدي اليمين ، كان ف تربيزة خشبية متوسطة فيها مكنة بحسبوا بيها القروش ، ومكنة تانية متوسطة م عرفتها تبع شنو؟! ، وتحتها محاليل كيميائية كتيرة ، قلت ف سري وكمان معمل؟! ، ع جمب الركن التاني كان ف دولاب خشب كبير و ضخم مدموج مع الحيطة بشكل احترافي ، وكأنو جزء منها فتحت الدولاب من الصلفتين، بس الصدمة كانت أكبر من احتمالي... الرفوف الفوق كان فيها شنط صغيرة اول ما فتحتها ، لقيت رزم كتيرة من العملات الصعبة المختلفة ، دولارات و إسترليني كلها بأربطتها الجديدة ، بقيت اشهق وأنا بعااين للقروش دي! ، و واقفة بالعافية! ، ع الجهة المقاصدة ليها كان في صناديق صغيرة مرصوصة بنظام كبير ، لما فتحتها كانت بتلمع ببريق يخطف العين ، كانت سبايك دهب صافي مرصوصة زي الطوب! ، رفعت واحدة ويدي كانت بترجف لأول مرة ف حياتي اشوف سابيك حقيقية باللمعة دي ، اتذكرت الدهب الجابو لي عمر وأنا بقول ليه "شكراً يا حبيبي" ما كنت عارفة وراه مخازن تشتري بلد كاملة.
فتحت الجزء المخفي من الدولاب .. فكانت الصدمة ما كانت مجرد خزنة ، كانت ورشة مكتملة ، فيها طابعة قروش متطورة، وجنبها رزم ورق من العملة الخام لسه ما اتقصت ، وريحة الحبر الكيميائي كانت خانقة المكان ، وانا بقول بصدمة ديل ضاربين اقتصاد البلد بإجرامهم دا..
بس الخلاني أرخي يدي من ضلفة الدولاب بـ رعب ، كان الرف التحت خالص.. عبارة عن ترسانة بتاعت أسلحة مصغرة ، مسدسات بـ كواتم صوت، كلاشات بتلمع وكأنها جديدة، و صناديق حديد مفتوحة مليانة بـ خزنات ذخيرة و طلق مرصوصة زي الأصابع.
المنظر كان بحسسني إني واقفة في نص مخزن بارود ممكن ينفجر فيني في أي ثانية.
قفلت الدولاب كلو و رجعت لورا بسرعة وأنا ، برجف من الخوف ، راسي لفه وأنا بتأمل ف الحاجات الشفتها دي ، دا غير الأجهزة الأول مرة أشوفها و ما عرفتها شنو بالضبط ؟! ، قلت لنفسي أنا قعدت أكتر من اللازم ، لو فضلت في المكان دا ثانية واحدة ح أتقبض ونهايتي ح تكون طلقة في راسي ..
لازم أتصرف ، لازم ألقى تلفون أتصل بيه لأهلي أو للشرطة تلحقني وتلحق المصايب دي قبل ما العرّاب يوصل! ، بس هل الشرطة ح تصدقني؟! ، و اقول ليهم أنا قاعدة وين؟!.
بقيت أفتش يمين وشمال بـهيسرتيا ، فجأة اتذكرت إني ما فتشت أدراج التربيزة الكبيرة الـ كانت "مركز القيادة" لكل العمليات دي ، مديت يدي برجفة وفتحت الدرج الأول... لقيت كمية من الملفات مرتبة بشكل دقيق ومستفز ، و كأنها أسرار دولة.
شلت أول ملف ، م قدرت ما افتحو ، كان لونو أحمر فاقع وكأنو بحذرني من الـ جواه.. أول ما فتحتو الدنيا لفت بي ، كانت "قوائم شحنات" بـ تواريخ قريبة جداً ، ومكتوب جنبها بـ خط يد واضح "بودرة خام - مخدرات".
الكميات المكتوبة ما كانت بـ الكيلو، كانت بـ "الأطنان"! وأرقام المبالغ الـ جنبها بـ آلاف الدولارات كانت تعمي العين من كترت الأصفار الـ ما ليها نهاية. في اللحظة دي ، عرفت إنو عمر ما كان مجرد مهرب صغير ، كان بابلو سكوبار تاني بِجري في عروق البلد، وإنو كل ذرة من العز الـ كنت فيه ، كان تمنو دمار آلاف البيوت وموت آلاف الشباب.
رميت الملف بـ قرف وكأني ماسكة جمرة نار ، بقيت أفتش في الدرج بـ سرعة أكبر، عيوني بتفتش على أي وسيلة اتصال ، وأنا بـ تكلم في سري: "يا ربي أنا كنت نايمة في حضن منو؟ يا ربي أسترني و طلعني من الأنا فيه دا قبل ما أبقى جثة هامدة وسط الملفات دي!".
فتحت الدرج التاني ، والمنظر خلاني أكتم صرختي.. لقيت صور لـ ناس كبار، مسؤولين وقادة كنت بشوفهم في الأخبار ، ختيت يدي ف خشمي من الصدمة ، كان ليهم "عقود" وأوراق ممضية بـ خط يدهم وتوقيعاتهم ، وأوراق رسمية مختومة بختم" رسمي" لـ "تسهيل الممرات". هنا عرفت إنهم ما كانو مجرد عصابة كانوا "دولة جوه الدولة"، وعمر جزء كبير فيها.
نزلت لـ الدرج الأخير بـ أنفاس مقطوعة ، كان ف مجموعة من جوازات سفر مزيفة ، صور عمر بـ أسماء مختلفة وجنسيات تانية ، وجوازات لـ ناس مجهولين.. المافيا دي كانت مأمنة طريق الهروب لـ أي لحظة غدر.
أثناء م برجع الجوازات ، عيني وقعت على جهاز غريب ف ركن الدرج ، أول ما رفعتو عرفتو! ، شاشتو كانت صغيرة ، عندو ايريال طويل و قوي ، ما بشبه التلفونات الـ بنعرفها.. عرفت طوالي إنه دا تلفون فضائي "ثريا" لا بحتاج شبكة أرضية لا غيرو ، دا بلقط الإشارة من السما طوالي ، من الأقمار الصناعية. دا التلفون البستخدموه القادة في الحروب والمهربين في نص الخلا ، عشان يضمنوا إن مكالماتهم ما تتقطع ولا في زول يقدر يتصنت عليها أو يحدد مكانهم بـ سهولة ، مسكتو بقوة وكأني ماسكة روحي الـ دايرة تطلع ، ف اللحظة دي حسيت ببصيص أمل وسط الظلام دا ، التلفون دا كان وسيلتي الوحيدة عشان أصرخ لعالم الخارجي ، واطلب المساعدة..
بقيت أدخل رقم نور بسرعة جنونية ، وانا برتعش فجأة سمعت صوت غريب طالع من التربيزة.. كأنو في جهاز استشعار اشتغل، و ف لمبة حمراء بدت "تـكنتك" تولّع وتطفي في لوحة التحكم بـ شكل سريع . في اللحظة دي جسمي بقى يعرق وبقيت ارجف من الرعب ، عرفت إنو عمر، بـ حرصو المبالغ فيه ، عرف إنو في زول بـ ينبش في أسرارو، قلبي أتوقف تماماً من الخوف وأنا بقول المرة دي م ح اتكفت انا ح أتدفن هنا.
ضغطت ع الرقم و أنا بقول ليها عارفة الزمن نص ليل و متأخر ردي لي يا نور... التلفون جاني مغلق ، و قبل ما أستوعب إني ح اعمل شنو؟! ، باب المكتب اتفتح بـ قوة... التفتت وانا برجف ، بس المرة دي ما كان عمر؟! ، كان نفس الراجل الـ جاء قبل ساعات واستلم الشنطة من "أبو لحية". ملامحو كانت حادة ، و حتى نظرتو بـ توحي بـ الموت وبـ تقول إنو ما عندو ذرة رحمة.
وجه عليّ المسدس بـ كل برود، وعيونو بتـخترق خوفي ، قال لي بـ صوت غاضب...
"الفضول بـقتل صاحبو يا مدام.. أنتِ قايلة الحاجات دي مخبية عشان تجي تفرجينا شطارتك؟ الشفتيه دا تمنو رقبتك ، والجهاز الـ في يدك دا.. دا الـ ح يندفن معاكِ لو ما نزلتيه هسي ، العرّاب اتأخر كتير في تصفيتك ، عشان كدا 'الكبير' قرر ينهي المهزلة دي فوراً."
حسيت بـ ركبي خانتني ، حتى التلفون الفضائي الـ كنت متأملة فيه بقى لي تقيل و أنا بنزل فيه ، كنت بعااين لفوهة المسدس و انا خلاص مستسلمة تماماً و أتخيلت الرصاصة وهي بتخترق راسي ، و تنتهي من قصة "سمر" الـ ضاعت مع "العرّاب".
عمّر المسدس ف وشي ، ف اللحظة دي غمضت عيوني بـ قوة وأنا بـ تشهد بأنفاس مقطوعة.......
