رواية ظلال متقابلة الفصل السادس عشر 16بقلم خضراء القحطاني

              

رواية ظلال متقابلة

الفصل السادس عشر 16

بقلم خضراء القحطاني


بعدما تلقّى إياد آخر رسالة من فريقه، ش*دّ على يد ليلى قليلًا، كأنه يطمئنها بلا كلام هي لم تكن تعرف أن قلبه يدق بقوة وأن عينيه تراقبان كل زاوية.

جلسا قرب البحيرة، والهواء البارد يلامس وجهيهما ليلى كانت صامتة، شاردة، ودم*وعها محتب*سة لكن وجود إياد بجانبها كان يمنحها شيئًا من الأمان، رغم عدم وعيها بما يحدث حولها.

وفجأة مرّ رجل غريب على مسافة ليست بعيدة.

خطواته بطيئة جدًا، وعيناه لا تفارق ليلى.

إياد حسّه لا يخ*ونه.

تظاهر بأنه لم يلاحظ الرجل إطلاقًا، بل مدّ ذراعه على ظهر ليلى وأق*ربها نحوه أكثر، ليعطي ظهره للرجل وفي الوقت نفسه يتابع انعكاسه على سطح الماء الهادئ أمامهم.

بعد ثوانٍ، شعر إياد أن الرجل توقف خلفهم مباشرة.

فتحت ليلى فمها لتتكلم، لكنه بلم*سة لطيفة على يدها قال:اهدّي أنا معك.

ثم تلقى رسالة جديدة من أحد عناصر فريقه:الهدف اقترب أكثر من اللازم يبدو أنه ينتظر لحظة معيّنة.

إياد لم يرسل ردًا.

بدل ذلك، نهض فجأة وهو يقول:تعالي نمشي شوي لداخل المنتجع.

كانت خطوة محسوبة.

الرجل تبعهم كما توقع تمامًا.

بينما كانا يمشيان في الممر المؤدي إلى بهو المنتجع، لمح إياد ذلك الرجل مرة أخرى، وهذه المرة كان يلتقط صورًا خفية من خلف عمود رخامي.

لم يعد أمامه فرصة للتجاهل.

أرسل فريقه رسالة صوتية قصيرة سرًا:ثبّتوه بس من بعيد، أنا هتعامل معه.

ليلى لاحظت ارتباكًا بسيطًا على وجهه، فسألته بصوت ضع*يف:إياد في حاجة؟

ابتسم، لكن عينيه لم تكونا تبتسمان:ولا حاجة بس هروح أجيب قهوة ونرجع الغرفة، استنيني هنا دقيقة.

قبل أن تعترض، وضع يده على خدها:لو سمحتي يا ليلى ثقي فيّا.

تركها جالسة، ثم تحرك بخطوات هادئة اتجاه الرجل الذي كان يحاول اله*روب ناحية البوابات الخلفية.

لكن فريق إياد كان أسرع.

اثنان أوقفاه قبل أن يخرج، بينما جاء الثالث من الخلف وصادر هاتفه.

إياد وصل في آخر لحظة.

وجهه تغير ق*سوته الحقيقية ظهرت لأول مرة.

اقترب من الرجل وقال بصوت منخفض لكنه م*رعب:هتفضل تتبعها لحد إمتى؟ مين اللي باعتك؟

الرجل حاول التهرب:أنا أنا ما.

إياد لم ينتظر. أخذ الهاتف من يد رجاله وفتح الصور بصمت.

صور كثيرة كلها لليلى.

عند بيتها، عند عملها، عند المدرسة أثناء ذهابها لأخذ سامي إياد رفع رأسه ببطء، وصوته تغيّر:اسمع لو ما اتكلمتش، مش هتخ*رج من هنا.

الرجل بدأ ينه*ار لكن قبل أن يعترف، وصلت رسالة للفريق من مراقب آخر:في سيارة سوداء مركونة برا فيها شخص يراقب المخرج وينتظر إشارة من هذا الرجل.

إياد فهم فورًا أن الموضوع أكبر من مجرد شخص واحد هناك منظّم، مخطِط، أحد يريد إي*ذاء ليلى بشكل مدروس.

وقبل أن يكمل استجوابه سمع صوتًا خلفه:إياد؟ إنت بتعمل إيه؟

التفت، ليجد ليلى واقفة، وجهها شاح*ب، وصوتها مرتج*ف.

كانت قد خرجت تبحث عنه وشاهدت جزءًا من المشهد.

ولأول مرة، رأت الغض*ب الحقيقي في عيني إياد ذلك الغض*ب الذي لم يكن موجّهًا لها، بل لمن يحاول إي*ذائها.

حين اقتربت ليلى ورأت إياد محاطًا برجاله والرجل الممسوك بينهم، شعرت بأن الأرض تم*يد تحت قدميها.

اقتربت خطوة بخطوة، وصوتها يخرج مك*سورًا:إياد إنت بتعمل إيه؟

مين الشخص ده وليه ماسكينه كده؟

التفت إياد إليها، وحاول سريعًا تهدئة ملامحه، لكنه لم ينجح تمامًا.

عيناه بقيتا تحملان غص*بًا هائلًا لا تستطيع هي تفسيره.

ليلى بس روّقي الموضوع مش عليك، ده واحد كان بيراقب المكان.

بيراقب؟!

طلبت أن ترى الهاتف.

ومع تردد واضحة، سلّمها إياد الجهاز.

لحظة واحدة كانت كافية لتف*قد أنفاسها صور لها في كل الأماكن.

صور مع سامي.

صور عند باب بيتها.

صور وهي تبكي على مقعد الحديقة وصور من داخل المدرسة حيث يدرس ابنها.

يديها بدأت ترتج*ف، وصوتها اختفى تمامًا.

نظرت إلى إياد بعينين مليئتين بالخ*وف لأول مرة:إياد ده بقاله قد إيه بيتتبعني؟ مين اللي بيعمل كده؟

وهل هل ممكن يأذي سامي؟

اقترب منها إياد فورًا، ووضع يديه على كتفيها ليمنع انه*يارها:مش هيقرب منكم لا هو ولا اللي وراه أنا معاكِ، ومش هسيب حد يلمس شعرة منك.

لكن ليلى لم تسمع سوى كلمة واحدة:اللي وراه يعني في حد أكبر حد يخطط.

بعد أن هدأها إياد قليلًا، رفع نظره للرجل الممسوك وسأله بنبرة ح*ادة:اتكلم مين بعتك؟

لو قلت الحقيقة هخففها عليك لو ك*ذبت هت*ندم.

الرجل كان يرتج*ف حرفيًا، ثم قال:أنا كنت بتعامل مع واحد بيبعتلي فلوس عشان أصور الست دي.

إياد:اسمه إيه؟

ماعرفش اسمه الحقيقي بس بيتصل من رقم مخفي كان بيقول لي دايمًا: صورها، صور اللي حواليها، وخصوصًا الراجل اللي معها.

إياد تضيق عيناه:الراجل اللي معاها؟ تقصد أنا؟"

أيوه قال لازم يعرف كل حركة بتعملها ومين بتقابل.

ليلى تضع يدها على فمها في خوف.

ثم يضيف الرجل جملة قلبت كل شيء:وقال إن هي س*رقت حاجة تخصه ولازم ي*دمرها، خطوة بخطوة.

ليلى شعرت بص*دمة كهربائية تخت*رق جسدها.

إياد مباشرة فهم أن المسألة انتقام شخصي لا شائعة ولا غيرة فقط.

بل شيء أخ*طر.

قبل أن يكمل الرجل كلامه جاء صوت من الجهاز اللاسلكي مع أحد رجال إياد:باشا السائق اللي في العربية السودا هرب! العربية اتحركت بسرعة شديدة.

إياد ض*رب بقبضته على الطاولة الحديدية بجانبه:ما تسيبوش حد! اقفلوا المخارج.

خرج ركضًا خارج المنتجع، فيما تبعه رجاله.

السيارة السوداء ظهرت على باب المنتجع الخلفي، تتسلل بنعومة أولًا ثم تنطلق كأنها سهم.

إياد صاح:واراها! بسرعة!

عشر ثوانٍ فقط والسيارة دخلت شارع جانبي سريع، واختفت بين السيارات بطريقة محترفة.

لكن أحد رجال إياد التقط رقم اللوحة قبل اختفائها.

عاد إياد لليلى وهو يلهث قليلًا، ممسكًا بذراعها:ما تخافيش جبنا رقم العربية. هنوصّل لصاحبها وهعرف مين اللي عمل كل ده.

لكن ليلى بدأت ترتج*ف بقوة، والدموع تنزل دون توقف:يعني في حد من زمان بيلاحقني وأنت ما تقولّيش؟

كنت خايفة، إياد أنا تعبت مش قادرة أعيش وأنا مراقبة!

ضمّها إياد بقوة لدرجة أن ذراعيه كانتا تح*ميان ظهرها بالكامل:أنا آسف آسف لأني أخفيت جزء من اللي عرفته بس كنت عايز أبعد الخ*وف عنك.

وتزداد دموعها.

في نفس الليلة، بينما كانت ليلى في غرفتها محاطة بحراسة مشددة، تلقى إياد اتصالًا من التحقيق الميداني:الباشا عربية السودا اتسجلت باسم شركة وهمية لكن كاميرات الطريق جابت لنا لقطة للسائق قبل ما يلبس الكمامة.

إياد يقف فجأة:هاته.

عُرضت الصورة على شاشة صغيرة.

السائق كان شابًا صغيرًا، لكن ملامحه واضحة.

إياد صُدم.مش معقول ده ده واحد اشتغل قبل كده مع سامر!

أي شقيق ليلى نفسه.

وهنا فهم إياد شيئًا مخيفًا:سامر ليس وحده هناك من يستخدمه، أو يتحكم فيه أو كلاهما.

وقصة الانت*قام ليست فقط غيرة أخ بل شيء أعقد وأعمق.

عاد غرفة ليلى، وجدها مستيقظة تنتظر سماع الحقيقة.

جلس بجانبها، أمسك يدها:ليلى اللي بيحصل أكبر مما تتخيلي وأنا لازم أقولك الحقيقة.

تنظر له بخ*وف:مين اللي ورا كل ده؟

إياد ينظر في عينيها مباشرة:اللي ورا ده مش غريب عليك.

تتسع عيناها.

ويقول:أخوكي سامر جزء من الموضوع بس في شخص أخ*طر منه واحد عايز يم*حي حياتك من الأساس.

ليلى ترتج*ف:مين؟

شخص مرتبط بماضيك.

وينتهي المشهد على ص*دمة ليلى، وقبضة إياد المشدودة، وصوت المطر بالخارج يزيد التوتر.

جلس إياد بجانب ليلى، وكانت يداه تع*انقان يديها كأنه يحاول نقل الطمأنينة إليها بالقوة.

عيناها كانتا ترتج*فان خ*وفًا من الجواب، لكنه لم يعد يستطيع إخفاء شيء.

قال ببطء:ليلى سامر مش هو الشخص اللي وراك.

تحدّق فيه بصدمة:مش سامر؟ طب ليه كل الدلائل ضده؟ ليه كل حاجة بتشير ليه؟

إياد يتنفس بعمق:لأن في حد أذكى حد استخدم اسمه ورجاله وفلوسه من غير ما يعرف.

عقدت حاجبيها:حد مين؟

ينظر لها نظرة ثابتة:الشخص ده كان أكبر سر في حياتك سر حتى إنتِ ما كنتيش تعرفيه.

تتسارع نبضات قلبها.

اتكلم يا إياد مين؟

أخ أبوكي عمّك الحقيقي: ناصر اليوسف.

تهتز ليلى كأن أحدًا ضربها.

شرح إياد :ناصر اليوسف كان شريك والدها صالح اليوسف في الشركة.

كان يريد أن يرث كل شيء، لكن بعد ولادة ليلى، أدرك أن صالح كتب معظم أملاكه باسم ابنته الصغيرة حفاظًا عليها.

غضب ناصر، وبدأ يخطط لإقصاء صالح .

وبعد سنوات حين ظهرت ليلى مرة أخرى في حياتهم، اكتشف ناصر أن الوثائق ما زالت قائمة ليلى وريثة رسمية لجزء كبير من الشركة.

ومن هنا بدأ إرسال أشخاص لمراقبتها

تش*ويه سمعتها

الضغط النفسي عليها

ستخدام سامر كواجهة دون علمه

الت*حريض على إبعاد سامي عنها

محاولة دفعها للانه*يار حتى تتخلى عن كل شيء

ليلى وضعت يدها على فمها، مص*دومة، غير مصدّقة:يعني كل ده عشان ورث؟ عشان فلوس؟

عشان الط*مع ولأنه بيك*ره إن اسم اليوسف يروح في فرع غير فرعه.

دموعها تسقط:بس أنا ما كنتش أعرف ولا عمري طلبت حاجة!

هو كان عارف إنك أنضف من إنك تطلبي وكان عارف إن أبوكي حماك وهو عايش فقرر ينتقم بعد ما يم*وت.

يميل إياد نحوها ويقول:سامر ضحية زيه زيّك ناصر هدده، وخلاه يصدق إنك كنت سبب مشاكل قديمة بين أبوكم وبينه.

سامر كان فاكر إنه بيحمي أبوه من حاجة ما يعرفهاش!

وتظهر ذكريات سامر الأخيرة في المستشفى، ودموعه وسقوطه أرضًا بجانب سريرها.

ليلى تشهق بالبكاء:سامر بريء؟

بريء وغلبان وكان أداة.

ليلى تنهار تمامًا.

تحاول أن تتنفس لا تستطيع.

عيناها تتسعان، والدموع تغمر وجهها:ليه ليه محدّش حبّني؟ ليه كلهم اتخ*لّوا عني؟

يحملها إياد بين ذراعيه بسرعة:أنا هنا أنا مش هسيبك ولا هخلي حد يلمسك.

لكنها تبكي بع*نف:حتى سامي ابني بيبعد عني بيخ*اف كله راح يا إياد!

يض*مها بقوة تكاد تك*سر ضلوعها:لا أنتِ مش لوحدك وأنا مش هتخلى عنك تزوجتك عشان أحميك وهافضل جنبك مهما حصل.

بعد أن هدأها، خرج إياد لغرفة العمليات الخاصة برجاله.

فتح الخريطة الإلكترونية على الشاشة اسمعوني الهدف الأساسي: ناصر اليوسف.

وبشكل سري طلب إياد فحص تسجيلات سنوات ماضية :هل وف*اة والد ليلى اللي رباها كانت مدبّرة؟

رجاله يتبادلون نظرات صامتة.

في الوقت نفسه كان سامي يجلس في زاوية الغرفة، ينظر لوالدته وهي تبكي بين ذراعي إياد.

وجهه ح*زين جدًا.

طفل يشعر بأن العالم حوله ينه*ار ولا يفهم لماذا.

جلس بجانبها بعد أن هدأت، وضع رأسه على رجلها:ماما إنتي ليه زعلانة؟"

ليه ما بقتيش تضحكي زي زمان؟

ليلى انف*جرت من جديد، وضمت ابنها بقوة:ماما جنبك يا حبيبي ومش هسيبك أبدًا.

سامي يهمس بخ*وف:في ناس بيقولوا عنك حاجات وحشة وأنا زعلان بس أنا بحبك يا ماما.

هنا انه*ارت أكثر.

وبصوت مخ*نوق قالت:أنا هرجع قوية عشانك عشانك أنت بس يا سامي.

يجلس إياد قربهما، يضع يده فوق أيديهما:اسمعوا من اللحظة دي إحنا تلاتة فريق واحد.

هندافع هنه*اجم وهن*دمر كل اللي حاول يدم*رنا.

ينظر لسامي:وأول حد هتحميه هو أنت يا بطل.

سامي يهز رأسه بشجاعة طفولية.

ليلى تمسح دموعها، تنظر لإياد بنظرة مختلفة نظرة ثقة كاملة لأول مرة:إياد أنا مستعدة لأي حاجة جاية.

ويبتسم:اللي جاي بداية النهاية.

                الفصل السابع عشر من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>