الفصل الثالث 3
بقلم خضراء القحطاني
أدهم صار يرد على هاتفه وهو واقف، بنبرة قصيرة لا تتعبها، يضحك مع زوجته أمام الناس وكأنهما في فعل تمثيلي مُتفق عليه في وقت الفجر، كانت سلسبيل تصحو على صوت تحضير قهوة أدهم، تدخل المطبخ لتجد كوبين معدّين بعناية، أحدهما لزوجته، والأخر موضوع على منضدة عمله كان يبتسم لها بابتسامة عابرة، يضمّها لموعد عمل، ثم يختفي في السيارة السوداء التي تبتلع خطواته قبل أن يغادر يقول لها:هخلص الميعاد وباجي نبرة صوت فيها وعد بسيط لكنه لا يفي تمرّ ساعات يتحول الوعد إلى فراغ، والفراغ إلى رسائل قصيرة تقرأها سلسبيل مرارًا وتعيدها في دماغها كحبل رفيع يحاول أن يمسكها لكنها تفشل.
في بيتهم، الكل منشغل أمها صارت لها مواعيد لنقاش تجهيزات الضيوف، وجدتها تحفظ بعض أطباق الطعام للغداء الذي لن تجلس فيه سلسبيل مع من كانت تتوقعهم، والجيران يأتون ليباركوا ولا يكترثون لوجوه تُخفي الحنين ذات مساء جلست سلسبيل في شرفة البيت، السماء رمادية والمطر يرسم خطوطًا على الزجاج كانت تدير كأسًا من الشاي بين أصابعها وتفكر في المرات التي كان أدهم يجلب فيها هدايا صغيرة بلا سبب لعبة بلاستيكية كانت يومًا، وشريط تسجيل أغنية كان يتركه على طاولتها الآن كل هذا تبدّل بهاتف ذكي يحمل صورًا جديدة وذكريات تُحمّل على حسابها.
في المدرسة، مع الأصدقاء، كانت الضحكات تُعاد على شكل نكات ومتفرقات ميّ تقول لها:انسيه، هو تجوز خلاص وتضحك ضحكة أخوية تحاول أن تُبيض الحزن سارة تجلس بجانبها وتضغط على يدها بصوت هادىء:لو احتجتي أي حاجة أنا معاكِ لكن الكلمات هذه لا تسدّ مكانًا في قلب ممتلئ بفراغ كانت سلسبيل تحاول أن تكون ممتنعة عن الش*كوى، تحاول أن تبتسم، لكن النظر في المرآة يعيد لها صورة عيونٍ أكبر بقليل من سنها، تحمل ظلًّا من الح*زن.
الليالي أصبحت طويلة تعود لمفكرتها القديمة، تكتب في دفتر وردي أشتاق لصوتك قبل أن يكون صوت أحد غيري ثم تمزق الورقة بعد لحظات، كأنها تريد أن تطرد اعترافًا لا يليق بالحب الذي صار م*حرّمًا في مناسبة بسيطة زيارة عائلية دخلت الغرفة لتجد أدهم يقص على زوجته ح*ادثة مضحكة حدثت له في الشغل، يضحكان معًا بصوتٍ مشترك، والجو العام يشي بأن عالمهما بدأ يستقيل من العالم الذي كانت تملكه سلسبيل جلست على المقعد بقرب النافذة، شاهدت الضحكات وكأنها من خلف زجاج سميك.
في الداخل، أل*مٌ خفيف يشبه وج*ع سنٍ يت*قطع ليست الغ*يرة فقط، بل فقدان روتين كامل كان عنوان وجودها لو لم يكن أدهم يومًا في حياتها، لربما لم تشعر بهذا الفراغ لكنها خسرت أكثر من شخص خسرت مرآتها، من كان يقرّبها من الواقع حين تخ*اف، من كان يضحك معها حين تهرب من الح*زن.
ومع كل هذا، لم تفعل شيئًا دراماتيكيًا لم تُواجه، لم تُص*رخ، لم تطلب منه أن يعود جلست، سمعت خطواته تتلاشى عبر الممر، وسمعت باب المنزل يُغلق خلفه وكأن العالم يغلق معها استندت إلى النافذة ورأت ظلها الطويل على الرصيف، ظلاً يميل إلى الصغر، وفي قلبها إدانة هادئة إنها وحيدة، والبيت كله أصبح مكانًا لذكريات لم تعد تملك مفتاحها.
الممر الطويل في المدرسة كان مزدحمًا بالطلبة، أصوات ضحكات وصخب متداخل سلسبيل كانت ماشية بهدوء، clutch صغيرة في يدها وكتبها مضغوطة على صدرها. حاولت تتجاهل الهمسات اللي بتلاحقها من وراها:شايفة عاملة فيها ملاك!
دي فاكرة نفسها مختلفة عن الكل.
سلسبيل زوّدت خطواتها، قلبها بيدق بسرعة، لكن الصوت وراها كان أقرب من أي مرة ثلاث بنات وقفوا قصادها عند آخر الممر. واحدة منهم رفعت حاجبها بابتسامة ساخرة:هو إنتي فاكرة نفسك أحسن مننا ولا إيه؟
سلسبيل ما ردتش، عينيها نزلت للأرض، بتتمنى تعدي من غير مشاكل لكنها فجأة حسّت بإيد ق*وية تدف*عها من كتفها جسدها اتمايل بسرعة، الكتب طارت من إيدها، وارتط*م رأسها بحافة معدنية في الجدار لحظة صادمة، بعدها صوت ارتطام مكتوم وسكون داخلي.
سلسبيل وق*عت على الأرض، الد*م بدأ ينزل بخط رفيع من جنب جبهتها عينيها اتسعت للحظة ثم غامت الرؤية قدامها، والدنيا كلها بقت أصوات متقطعة وضباب أبيض.
واحدة من البنات شهقت بخ*وف:يا نهار وقعت بجد!
التانية حاولت تضحك وتخفي ارتباكها:هي اللي وق*عت لوحدها إحنا ما عملناش حاجة.
لكن الرعب كان واضح في عيونهم طلبة تلموا حوالين سلسبيل، أصوات متداخلة:حد يجيب دكتور!
هاتوا مية بسرعة!
جسمها كان ساكن، وملامحها أقرب لبنت نايمة بعمق، بس الد*م على جبينها فضح إن الموضوع أكبر من مجرد سقوط عادي.
الدنيا اتقلبت في لحظة، وكل اللي حواليها اكتشفوا إن ضحكهم وسخريت*هم اتحولت لمأس*اة وسلسبيل غايبة عن الوعي، بين إيدين الصدمة والخوف.
سلسبيل فتحت عينيها ببطء، الضوء الأبيض للمستشفى ضرب عينيها فغمضتهم تاني، شعرت بلفّة في راسها وببرد معدني في ذراعها من الإبرة الموصولة حاولت تتحرك لكن وج*ع الج*رح فوق جبينها خلّاها تئن بصوت خافت.
أول صورة شافتها كانت أمها قاعدة جنبها على الكرسي، عيونها حمرا من القلق لما حسّت إنها صحت، قامت بسرعة ومسكت إيدها:الحمد لله يا بنتي خوفتيني م*وت.
سلسبيل حاولت تبتسم لكنها ما قدرتش، شفايفها كانت ناشفة، صوتها واهي:إيه اللي حصل؟
أمها مسحت عرقها وقالت:وقعتِ في المدرسة حد شافك وأخدوك المستشفى، الدكتور قال مجرد ارتجاج بسيط، بس لازم ترتاحي.
كلامها كان مطمّن، لكن جوا سلسبيل كان في حاجة تانية صوت السقوط رجع يتكرر في ودانها، إحساس الدف*عة المفاجئة، الضحكة الخ*بيثة للبنات قبل ما يلمس رأسها الحديد قلبها اتقبض، عينيها دمعت من غير ما تقصد.
بعد شوية دخلت صديقتها سارة، شايلة عصير ووشها متوتر. قعدت جمبها وقالت:يا سلسبيل أنا آسفة إني ما كنتش جنبك لو كنت شوفتهم ما كنتش هسيبهم يعملوا كده.
سلسبيل ما ردتش، نظرت للسقف، دموعها نزلت من الجنب وهي ساكتة في اللحظة دي حسّت قد إيه الوحدة م*ؤلمة لا خالها أدهم موجود زي زمان يضحك ويهون، ولا البنات اللي حواليها في المدرسة شايفينها غير كأنها غريبة.
مدّت سارة إيدها ومسكت يدها، وسلسبيل لأول مرة من فترة طويلة سابت دموعها تنزل بحرية كان جواها إحساس إنها ضعي*فة، متروكة، وإن أقرب الناس ليها ابتعدوا.
لكن وسط الأل*م ده، في لمعة صغيرة بدأت تنمو فكرة إنها لازم تقف لنفسها، مش عشان تثبت حاجة للبنات اللي أذوها، لكن عشان ما تسيبش حياتها كلها تتحدد بالوحدة والفراغ.
عائلة الأبنودي واحدة من العائلات التاريخية في القاهرة، أصولهم راجعة للتجار الكبار اللي كان لهم نفوذ من أيام الملكية بيتهم القديم في الزمالك لسه محتفظ بروحه العتيقة صور أجداد معلقة على الجدران، أثاث شرقي مطعّم بالنحاس، وحديقة فيها شجر معمّر يشهد على أجيال من القوة والسلطة.
رشيد الأبنودي كبير العائلة، في الستينيات من عمره، رجل وقور، صوته هادي لكنه مؤثر، كل كلمة بيقولها بتوزن بميزان الذهب.
سياسي مخضرم، ليه علاقات مع رجال أعمال وكبار مسؤولين، وبيعرف يخلّي العيلة واقفة على أرض ثابتة مهما كان.
هو خال سليم الجندي، وبيعتبره امتداد ليه رغم إنه فاهم ع*نفه وتمرده، لكنه شايف فيه الكاريزما اللي ممكن تخلي اسمه يفضل حاضر بعد رحيله.
علاقته بسليم مزيج من الأبوة والسيطرة أوقات يدعمه لآخر نفس، وأوقات يقف قدامه علشان يوجّهه، لأنه عارف إن سليم مش دايمًا بيحسب خطواته.
ليلى زوجة رشيد، سيدة مجتمع أنيقة، حاضرة في المناسبات الخيرية واللقاءات الرسمية. رغم مظهرها الرقيق، إلا إنها صارمة جدًا في حماية صورة العيلة.
فارس ابن رشيد الأكبر، دبلوماسي في الخارجية، شخصيته مختلفة عن سليم، يميل للحلول الهادئة بدل المواجهة في داخله غيرة مكتومة من النفوذ اللي اكتسبه ابن خالته.
حسام الابن الأصغر، مستهتر، يحب السهر والمال السريع بيقع أحيانًا في مشاكل، وسليم هو اللي بيغطي عليه.
ريم الابنة الوحيدة، قوية الشخصية، متزوجة من رجل أعمال، لكنها شايفة إن بيت أهلها أقوى من أي بيت عندها حضور خاص، وبتحاول تحافظ على التوازن بين إخوتها وابن خالتها سليم.
الليل ساكن في شارع الزمالك، وأنوار الشارع بتعكس نفسها على النيل، والبيت الكبير لعيلة الأبنو̄دي مضوي بالكامل نوافذه الطويلة بتدي إحساس بالعراقة والنفوذ. سليم الجندي واقف عند بوابة الحديد، رجليه ثابتين، إيده في جيبه، وعينيه بتلمع تحت ضوء الفوانيس، كل حركة ليه محسوبة، كله فيه هيبة.
دخل البيت، وشال عينه على كل تفصيلة: السجادات القديمة، الطاولات من خشب تقيل، صور الأجداد على الحيطان، كل حاجة بتصرخ تاريخ ونفوذ رشيد الأبنو̄دي قاعد على كرسي واسع في الصالة، ظهره مستقيم وصوته هادي لكن تقيل:سليم مبسوط إنك جيت.
سليم اقترب، منحني راسه شوية احترام، لكن حضوره مسيطر:الشرف ليا يا خالي.
ليلى، مرات رشيد، دخلت وابتسامة محكمة على وشها، عيونها متابعة كل حركة:أهلا بيك البيت ده بيتك برضه.
في الركن، فارس قاعد ساكت، عيونه مركزة على سليم بتحاول تفهمه، و حسام بيتململ على الكرسي ويضحك بصوت عالي زيادة عن اللزوم، وريم تتأمل سليم بنظرة غامضة، كأنه فيه سر جواه.
رشيد أشار لرجاله يسيبوا المكان، وبدأ بالكلام:عايزكم تتعرفوا على بعض سليم، انت تعرف البيت وقواعده، بس الليلة حابب أعرف رأيكم في شوية أمور مهمة.
سليم قعد على الكرسي اللي قدام رشيد، رجله متباعدة شوية، إيده على ذقنه، عيونه حادة، كل حركة ليه الكل بيراقبها الجو متوتر وصمت ممتد.
رشيد ابتدأ يتكلم عن شوية صفقات للعيلة، عن النفوذ اللي ماسكينه في القاهرة، وعن ضغوط المنافسين سليم قاعد يسمع، أوقات بيبتسم ابتسامة قصيرة وباردة، وأوقات بيرفع حاجبه ساخر من كلامهم، لكنه ما يقاطعش، كل كلمة محسوبة تظهر قوته من غير تعالي.
فارس حاول يتدخل:ابوي، سليم وإحنا بنحاول نحافظ على صورة العيلة، مش كل الطرق مقبولة.
سليم بصله مباشرة، هادي بس كافي يخلي فارس يصمت:وأنا عارف بس ساعات القوة هي اللي بتحمي الصورة، مش الكلام.
رشيد ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه بيقول:تمام الراجل ده بالظبط اللي محتاجينه البيت.
حسام اتلعثم شوية، بس حس بحاجة غريبة: احترام وخوف مع بعض، وريم ضحكت بصوت منخفض، كأنها تقول لنفسها: الراجل ده مش زي أي حد شفته في العيلة.
الساعة عدت، والحديث اتنقل من المجاملات لخطط العمل، كل فرد من العيلة بدأ يحس إن سليم مش مجرد ابن عمتهم، ده ذراع حديدية تمسك الحقيقة والقرار، ولو عايز، ممكن يقلب أي لعبة لصالحه رشيد قاعد مطمئن، لأنه عارف إن الراجل اللي اتربى على الشارع والق*ساوة ده هو الحامي الحقيقي لعيلة الأبنو̄دي.
النهار كان مايل للغروب، والساحة قدام بيت جدتها مليانة ولاد بيلعبوا وبنات بيتكلموا سلسبيل قاعدة على طرف السلم، عيونها محمرة من البكا، ودموعها لسه مترسمة على خدودها أدهم، خالها، قاعد جنبها، بيحاول يضحكها:يا بنتي انتي دموعك غالية، ماينفعش تنزليها ع الأرض كده لو حد شافها يسرقها ويجري!
قالها وهو بيضحك ويحاول يخفف عنها، لكن سلسبيل هزت راسها وقالت بصوت مخنوق:محدش بيفكر فيا كله بقى مشغول.
في اللحظة دي، كان سليم واقف مش بعيد، جاي مع واحد من رجالة رشيد الأبنو̄دي عيناه وقعت على المشهد بنت صغيرة ملامحها بريئة ودموعها بتنزل، وشاب شابك ضحكته بجنبها الد*م غلي في عروقه، ضاق حواجبه، وخطوته اتسارعت ناحية أدهم.
مد يده كأنه عايز يشده من مكانه، لكن إيده التانية ثبته مساعده ليه، همس في ودنه:سيبهم يا سليم يمكن يكون قريبها شايف البنت؟ باين عليها تعبانة، وهو بيواسيها مش أكتر.
سليم شد نفسه، عينه مش قادرة تسيب المنظر، عضلة فكه بارزة، قلبه متقلب بين الغضب والشك.
بص لرجله وقال بحدة:لو طلع غير كده مش هسيبه.
سكت، ورجع خطوة لورا، لكن عينه فضلت معلقة بسلسبيل، دموعها، وانك*سارها حاجة جواه اتحركت لأول مرة من سنين، بس هو ما اعترفش بده لسه.
