رواية سليم والمراهقة الفصل الرابع 4 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل الرابع 4 

بقلم خضراء القحطاني 


بعد ما كبر سليم واتشكلت شخصيته العن*يفة الق*وية، كان عنده دايمًا دايرة صغيرة جدًا من الناس اللي يثق فيهم وسط عالم مليان خيانة ونفوذ ومؤامرات، أصحاب زيه مش مجرد أصحاب قهوة، دول بمثابة إيده التانية.

نادر حسني 23 سنة محقق خاص، عنده ذكاء حاد وبيفك الألغاز بسرعة رغم حبه للخيول والفروسية اللي بتخليه هادي ومتحكم، إلا إن دماغه شغالة زي الكمبيوتر سليم بيعتمد عليه في تتبع الناس، كشف الخبايا، أو حتى مراقبة خصوم بيشوفه زي العين اللي بترصد.

هادي النويري 20 سنة شاب رياضي، بيحب كرة القدم ورفع الأثقال، جسمه مفتول لكن قلبه طيب شغله كمحاسب في شركة استيراد صغير بالنسبة لنشاطاتهم، لكنه بيفيدهم في الحسابات والصفقات، بيفهم الأرقام والطرق اللي الفلوس بتمشي فيها سليم يعتبره المخزن الأمين اللي بيعرف يحافظ على الفلوس ويديرها.

صالح رشوان 22 سنة صاحب سليم المقرّب، أكتر واحد يعرف أسراره بيشتغل في ورشة صغيرة ميكانيكا، وبيمارس السباحة بشكل شبه يومي لكن اللي يخليه مميز إنه ق*ناص بارع، موهبة ورثها عن أبوه اللي كان يشتغل في الجيش سليم شايف فيه اليد الحديدية، اللي وقت الجد يخلص من أي ته*ديد بدقة.

ليل القاهرة، شارع جانبي هادي، كشافات ضعيفة من بعيد صوت كورة بتتدحرج على الأرض وبعدين ضحكة عالية.

هادي، بجسمه الرياضي، ماسك الكورة وبيقول لصالح:قولتلك يا عم أنا ميسي بتاع الشركة، محدش يعرف يوقفني.

صالح بيضحك وهو ماسك سي*جارة مطفية بين صوابعه:يا عم روح إنت آخرّك تلعب مع العيال في الحارة سيبلك الحديد والميزان، الكورة دي مش ليك.

نادر واقف على جنب، لابس جاكيت غامق، إيده في جيبه، عينه بترصد الشارع زي المحققين في الأفلام:إنتو هتفضلوا تتنططوا كده ولا نركز؟ أنا جاي عشان موضوع جد، مش عشان دوري أبطال الحارة.

قبل ما هادي يرد، صوت خطوات تقيلة قرب الكل سكت.

سليم الجندي دخل من آخر الشارع، بدلة سودا، خطواته واثقة، عينه شايلة غض*ب الدنيا كلها لما قرب منهم، مفيش حد قدر يتكلم.

وقف قصادهم وقال بصوت هادي لكن تقيل:اللي هيقف جمبي من النهاردة لازم يبقى راجل بمعنى الكلمة راجل مايرجعش لورا، مايتك*سرش، وما يخ*ونش.

هادي ضحك بخفة يحاول يك*سر التوتر:هو في إيه يا سليم؟ إحنا جينا نقعد معاك مش نحلف قسم زي الجيش.

سليم بصله نظرة جمدت ضحكته في ثانية صالح حس التوتر وقال بهدوء:كلنا معاك يا سليم عارفين إنك غير أي حد اللي تشوفه صح إحنا وراك فيه.

نادر قرب خطوتين، عينه لامعة:أنا دماغي ليك أي حاجة محتاجة تتفك، أي لغز، أي حد نراقبه سيبهولي.

هادي، وهو عامل نفسه شجاع:وأنا عضلاتي ليك بس برضه مش ناسي الكورة.

سليم ابتسم ابتسامة صغيرة، نادرة جدًا:كده الكلام من النهاردة إنتو مش مجرد صحاب إنتو ظهري وأي حد يقرب مني أو منكم هيلاقي نفسه في مواجهة معانا كلنا.

صالح مد إيده أول واحد، والباقي حطوا إيديهم فوق بعض اللحظة كانت بداية لرابطة مختلفة مش مجرد صداقة، لكن عُصبة صغيرة بتكبر في قلب القاهرة، وممكن في يوم تغيّر موازين القوة.

ليل طويل، الساعة قربت على نص الليل الأربعة قاعدين في كافيه شعبي على النيل، صوت الميه مع أصوات المراكب من بعيد الجو شكله عادي لحد ما دخلوا تلات شباب معروفين في المنطقة إنهم بلطجية.

أول ما عيونهم وقعت على سليم، واحد منهم بص وقال:آه أهو الجندي، اللي عامل نفسه ملك المنطقة.

سليم ما ردش، عينه بس اتعلقت بيهم، وهو بيكمل سحب الش*يشة كأنه مش سامع لكن نادر حط إيده على كتفه وقال بصوت واطي:دول مش جايين يشربوا شاي شكلها معمعة.

هادي، اللي كان متململ أساسًا، قام واقف وقال:يا جدعان أنا مستني اللحظة دي من زمان إيداي عايزة شغل.

صالح هداه شوية:استنى خلّيها تيجي بالراحة إحنا مع سليم مش م*عركة حارة.

البلط*جية قربوا على الطاولة، واحد منهم مسك الكرسي ورماه بعيد وقال:قوم يا جندي، ورينا نفسك بعيد عن رجالة خالك الأبنو̄دي.

سليم قام بهدوء، لا استعجال ولا خوف، ووقف قدامهم خطوة بخطوة صوته كان هادي لكنه خلى الكل يسكت:أنا ما بستعرضش بس لو فتحتوا بابها محدش هيقفله غير الم*وت.

قبل ما البلط*جي يمد إيده، صالح رفع رجله بسرعة، ض*ربه في بطنه فوقع على الترابيزة.

هادي دخل في التاني، مسكه من هدومه ورفع*ه زي ما يرفع شنطة، ورم*اه بره الكافيه.

نادر، اللي عقله أسرع منهم، شد تليفونه وصور اللحظة وقال:لو حد فيكم فكر يرجع، الفيديو ده هيوصل للكل وسمعتكم هتتبهدل.

التالت واقف مش قادر يتحرك، عينه على سليم اللي لسه ما اتحركش خطوة.

سليم قرب منه وقال بهدوء قات*ل:ارجع وقول لكل اللي باعتكم سليم الجندي مش لوحده معايا رجالة مابيتباعوش.

التالت جري بسرعة، والباقي اتلموا الجو رجع هادي، لكن أصحاب سليم كانوا لسه متنشنين.

هادي، وهو لسه متنفس بصعوبة من الحماس:يا ابني إيه العظمة دي؟ إحنا فرقة نارية، قسم بالله.

صالح ضحك وهو يطفي السيجارة:دي مجرد البداية الجاي هيبقى أصعب.

سليم ما ابتسمش، لكنه لأول مرة حس إن عنده ضهر حقيقي.

الضحكة العالية كانت مالية أوضة سارة. سلسبيل قاعدة على الكرسي، ملامحها متوترة، بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل سارة واقفة قدامها بوشها المبتسم وبتقول:يا بنتي إنتي غالية عندي، والله لو كل الدنيا وقفت ضدك أنا هافضل جنبك.

نورهان، أختها، قعدت على السرير، مكتومة من الضحك، وهي ترمي نظرات ساخرة على سلسبيل شوية تلمس كتف سارة وتقول لها بصوت واطي:يا سلام الصديقة الوفيّة أوي.

فتنفجروا هما الاتنين ضحك، وسلسبيل قلبها يتقبض أكتر.

سلسبيل، بصوت ضعيف:أنا أنا مش فاهمة إنتي بتضحكي عليا؟ ولا بتهزري؟

سارة ردت بسرعة، ملامحها متصنعة:إنتي إيه يا بنتي؟ لأ طبعًا أنا بس بحاول أخلي الجو خفيف شوية.

لكن الضحكة الساخرة اللي خرجت من نورهان فضحت كل حاجة سلسبيل حسّت إن الأرض اتسحبت من تحتها، وإنها لعبة في إيدهم، مش صديقة.

في اللحظة دي، الباب اتفتح بع*نف مسعود، أخوهم، دخل زي العاصفة وشه متغير، صوته جهوري:إيه قلة الأدب دي؟ إنتي فاكرة نفسك بتلعبي في مين يا سارة؟

سارة اتجمدت في مكانها، حاولت تتكلم:دي دي صاحبت.

ما كملتش مسعود رفع إيده وص*فعها ص*فعة ق*وية رجّت الأوضة، صوتها سبق حتى شهقة سلسبيل بعدها م*سك شعرها وش*دها وهو منفعل، صوته مليان غضب:أنا مش هسمحلك تلعبي بقلوب الناس إنتي فاهمة ولا لأ؟

نورهان صرخت:سيبها يا مسعود! إنت جننت؟!

سلسبيل واقفة، الدموع ملياها، مش عارفة تعمل إيه قلبها بيت*قطع بين خوفها من اللي حصل قدامها، وبين إحساسها إنها كانت ضحية استهزاء رخيص.

مسعود ساب شعر أخته أخيرًا، وبص على سلسبيل بنظرة هادية لكنها تقيلة:إنتي ما تستاهليش اللي عملوه فيكي بس أوعي تفتكري إن الدنيا كلها زي كده.

وخرج من الأوضة، سايب وراه صمت خانق وسارة لأول مرة تبص في الأرض وما تقدرش تضحك. 

سلسبيل كانت قاعدة في أوضتها، عينيها لسه فيها أثر دموع من آخر موقف اتعرضتله الشقة ساكتة أوي بعد ما أدهم ومراته سافروا كل مرة كانت بتحس إنه هو الحضن الوحيد اللي بيعوضها عن أي وجع أو وحدة، دلوقتي حتى هو مش موجود.

مسكت موبايلها وبدأت تقلب في الصور القديمة: صورة ليها مع أدهم وهما في النادي، ضحكة صافية وهي ماسكة إيده، صورة تانية وهو بيهزر معاها قدام العربية كل صورة كانت بتفكرها إنه كان زي الأخ الكبير اللي عمرها ما لاقته.

تنهدت وقالت بصوت مك*سور:حتى إنت يا أدهم سبتني ومشيت.

قامت من السرير تمشي في الشقة، بتلمس الحيطان كأنها بتدور على أي صوت أو ذكرى تطبطب عليها فجأة وقفت عند الشباك، بصّت على الشارع الفاضي، النور خافت والدنيا هادية الإحساس بالفراغ بدأ يخ*نقها.

افتكرت ضحكة سارة المزيفة واللي كانت بتتظاهر إنها صديقتها، والطع*نة اللي خدتْها منها افتكرت كل المرات اللي رجعت البيت تبكي وأدهم كان يسمعها ويضحك معاها عشان ينسيها دلوقتي مفيش حد.

قعدت على الأرض، حضنت ركبها وقالت بصوت واطي:الوحدة وح*شةوح*شة قوي.

سلسبيل بعد سفر أدهم ومراته بقيت حاسة بالوحدة في كل تفاصيل يومها لكن فجأة، حاجة غريبة بدأت تحصل.

أول يوم وهي راجعة من المدرسة، لقت علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا أنيق محطوطة قدام باب الشقة. فتحتها بسرعة ولقت جواها دب صغير، على رقبته شريط أحمر قلبها دق بسرعة وهي مبتسمة ومش فاهمة مين اللي جاب الهدية.

في اليوم اللي بعده، وهي بتفتح شباك الأوضة الصبح، اتفاجئت بباقة ورد أبيض متعلقة بهدوء على سور الشرفة مسكتها بإيدها المرتعشة وحست ريحة الورد تملأ الأوضة كلها عينيها لمعت بسؤال كبير: مين اللي بيعمل كده؟

وبعدها بكام يوم، في المدرسة، وهي قاعدة على طاولتها لقت ظرف أنيق لونه سكري، جواه رسالة مكتوبة بخط مرتب:ابتسامتك بتنور المكان متخليش الحزن يسرقها منك.

سلسبيل فضلت تقرأ الرسالة أكتر من مرة، ضحكت بخجل وقلبها بيرقص من الفرحة كل يوم بقى عندها فضول جديد: مين اللي بيتابعها؟ وليه بيبعتلها الهدايا دي؟

وبالرغم من الوحدة اللي كانت مخ*نقاها، إلا إن الرسائل والهدايا دي بقت زي نسمة هوى جديدة في حياتها حاجة غامضة بتخليها تصحى كل يوم بأمل إنها تكتشف السر.

               الفصل الخامس من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>