رواية ظلال متقابلة
الفصل الرابع 4
بقلم خضراء القحطاني
كان الليل أطول من أي ليلة مرت على ليلى.
البيت أصبح صامتًا على غير عادته، حتى صدى المطر الذي كان يملأ الغرفة أمس، بدا وكأنه خفت احترامًا لح*زنها.
جلست على الأرض بجانب السرير الفارغ، تمسك لعبة سامي الصغيرة، تلك الدمية التي كان لا ينام دونها.
كانت أصابعها ترتجف وهي تمرّرها على وجه اللعبة البلاستيكي، كأنها تبحث عن دفء ابنها المف*قود.
الدموع لم تتوقف منذ الأمس، لكن وج*عها لم يكن فقط من الخط*ف، بل من الإحساس القات*ل بالعجز عجز الأم التي لم تستطع أن تحمي ابنها، ولا حتى نفسها.
همست بصوتٍ مبحوح:يا رب رجّعه لي حتى لو آخر حاجة أشوفها منه، بس يكون بخير.
ثم أغمضت عينيها للحظة، لتجد نفسها وسط ظلال ذكريات قديمة كانت طفلة تجلس في حضن أبيها الراحل، يسمّيها نور البيت، ويعدها أنه هيحميها طول عمره.
لكن الصورة سرعان ما تش*وّهت، إذ ظهر وجه رجل آخر في الخلفية وجه لم تستطع تحديد ملامحه، يضع يده على كتف أبيها ويقول بصوتٍ عميق:اللي تبدأه لازم تكمله، حتى لو بنتك دفعت الثمن.
صرخت ليلى في الحلم، واستيقظت ف*زعة، عرقها يغمر جبينها.
نظرت حولها، والغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من النافذة.
سمعت صوت طرق خفيف على الباب.
قامت وهي تمسح دموعها، فتحت لتجد إياد واقفًا، وجهه مرهق لكنه مليء بالعزم.
قال بهدوء:كنت خايف تفضلي لوحدك، جبتلك شوية أكل.
لم تجبه، فقط جلست على الكرسي المقابل وأخفضت رأسها.
جلس أمامها بصمت لحظات، ثم قال:عرفت حاجة عن سامي مش كتير، بس في خيط.
رفعت رأسها بسرعة:فينه؟ هو بخير؟
هز رأسه ببطء:لسه مش متأكدين، بس اللي اتصل بيكي استخدم شبكة مشفرة من منطقة مهجورة قريبة من بيت أبوك القديم.
تجمدت ملامحها، ثم قالت بصوتٍ خافت:بيت بابا؟ محدش قرب منه من سنين هو نفسه اللي حذرني أروح هناك قبل ما يم*وت.
اقترب إياد منها:ليلى، محتاجك تكوني قوية اللي حصل مش مجرد خط*ف في حاجة قديمة اتفتحت تاني، وأنتِ في نصها.
رفعت رأسها نحوه، عيناها حمراوان من البكاء:أنا مش قادرة يا إياد كل ما أفتكر ضحكة سامي، بحس إن قلبي بيتك*سر.
اقترب منها أكثر ووضع يده على يدها، صوته كان دافئًا ومطمئنًا:سامي هيكون بخير، بس لو انهارتِ دلوقتي مش هنعرف نرجّعه.
وصدقيني، أنا مش هسيب حد يلمسه.
ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم قامت ليلى، فتحت النافذة، ونظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم.
قالت بصوتٍ مرتجف:كل مرة كنت بخ*اف من الماضي، كنت بهرب منه بس المرة دي، هو اللي رجع يطاردني.
مدّت يدها إلى جيبها وأخرجت المظروف الأحمر من جديد، فتحته ببطء وقالت:يمكن الإجابة هنا يمكن بابا سابلي طريق أرجع بيه لابني.
نظر إياد إليها بإعجاب ممزوج بالقلق:دي بداية شجاعة يا ليلى، بس الطريق دا مش آمن.
أجابت بحزم:ولا حياتي من غير سامي.
وفي لقطة بعيدة، كانت ديلا تراقب من سيارة متوقفة عند زاوية الشارع، تنظر إلى نافذة ليلى من خلال العدسة المكبرة، وفي يدها هاتف يظهر على شاشته موقع تتبع حي.
تمتمت لنفسها بصوتٍ متوتر:سامحيني يا ليلى كل اللي بعمله علشان ما تعرفيش الحقيقة اللي ممكن تدمرك.
لكن من المقعد الخلفي لسيارتها، خرج صوت رجل هادئ يقول:فات الأوان يا ديلا الحقيقة خلاص قربت تتكشف.
كانت السماء رمادية، والضباب يلف الطريق الجبلي المؤدي إلى بيت والدها القديم في أطراف البلدة.
جلست ليلى بجوار إياد داخل السيارة، صامتة، بينما المطر الخفيف يتساقط على الزجاج الأمامي في إيقاعٍ حزين.
قال إياد وهو ينظر في المرآة:متأكدة إنك عايزة ترجعي هناك؟
أجابت دون أن تلتفت:أنا مش راجعة عشان أفتّش الماضي راجعة عشان أرجّع ابني.
البيت كان غارقًا في الغبار، الجدران تشققت، والهواء يحمل رائحة الرطوبة والذكريات.
دخلت ليلى بخطواتٍ مترددة، تنظر حولها وكأنها تبحث عن ظل أبيها في الأركان.
كل زاوية فيها ذكرى صورة قديمة، كتاب ممزق، أو كرسي خشبي كانت تجلس عليه طفلة.
قال إياد وهو يسلط كشافه على الجدار:اللي اتصل بيكي جاي من المنطقة دي فعلاً في إشارة ضعيفة خرجت من بيتك القديم قبل يومين.
اقتربت ليلى من الجدار المقابل، وأشارت إلى لوحة كبيرة مائلة على الحائط.
اللوحة دي كان بابا بيخبي وراها دايمًا أوراقه الخاصة.
رفعتها ببطء، فاكتشفت خلفها خزنة حديدية صغيرة.
حاولت فتحها لكنها مغلقة.
مدّ إياد يده وبدأ يفحصها، وبعد لحظات نجح في كسر القفل.
داخل الخزنة، وجدا ملفًا قديمًا مغلفًا بطبقة من الجلد الأسود، ومكتوب عليه بخط يد واضح:لمن يهمه الأمر احموا ابنتي بأي ثمن.
فتحت ليلى الملف، وعيناها تتسعان مع كل صفحة.
صور، عقود، شهادات ميلاد، كل شيء يشير إلى اسم واحد لم تسمع به من قبل:صالح اليوسف.
قالت بدهشة:مين صالح اليوسف؟ وليه اسمي مكتوب تحته بنت؟
تجمّد إياد مكانه، وجهه شحب فجأة.
تردّد لحظة قبل ما يقول بصوتٍ هادئ لكنه مضطرب:ليلى في حاجة لازم تعرفيها.
رفعت عينيها نحوه، الخ*وف يسبق السؤال.
قال ببطء:أبوكي اللي كنتِ تعرفيه مش والدك الحقيقي.
والدك الحقيقي هو رجل أعمال كبير اسمه صالح اليوسف.
سقطت الأوراق من يدها، وكأن الأرض اهتزت تحتها.
بتقول إيه؟! ده مستحيل!
اقترب منها بحذر:كنت عارف الحقيقة دي من فترة، لكن ما كانش وقته أقولك. صالح اليوسف كان من كبار المستثمرين في مشاريع سرية للدولة، وكان عنده أع*داء كتير.
ولما حصلت محاولة اغت*ياله من سنين، خبّوا بنته الوحيدة عند عائلة تانية عائلة الراوي.
شهقت ليلى، يدها على فمها، والدموع بدأت تنهمر:يعني بابا اللي ربيّاني ما كانش؟
أكمل إياد بصوتٍ منخفض:كان راجل نبيل هو وافق يربّيك باسم ليلى الراوي علشان يحميك من اللي حاولوا يقتلوا صالح.
انهارت جالسة على الأرض، صوتها يخرج مكسورًا:أنا كنت عايشة كذبة طول حياتي حتى اسمي مش ليّ.
اقترب إياد منها وجثا بجانبها:اسمعيني، كل ده اتعمل علشان سلامتك. واللي خ*طفوا سامي عارفين الحقيقة دي، وبيستعملوه علشان يضغطوا عليك.
رفعت وجهها ببطء وقالت:يعني كل دا علشان د*م صالح اليوسف؟ علشان المال؟
هز رأسه:مش بس المال صالح كان بيخبي وثائق خطيرة ممكن تغيّر مصير ناس كبار جدًا، والوثائق دي اختفت بعد الح*ادث اللي حصل له.
في تلك اللحظة، سُمع صوت خفيف يأتي من الطابق العلوي، كأن أحدهم يتحرك فوقهم.
أمسك إياد مس*دسه ورفع يده مشيرًا لليلى أن تصمت.
صعد الدرج بهدوء، حتى وصل إلى باب غرفة مغلقة.
دفع الباب ببطء، فوجد على الطاولة صورة حديثة لسامي، عليها تاريخ من يومين فقط، وتحتها مكتوب بخط غريب البنت لازم تعرف قبل الفجر، وإلا الصغير مش هيفيق.
صرخ إياد:ليلى! لازم نخرج فورًا!
ركضت نحوه، نظرت للصورة وارتجفت:دي صورته النهارده يعني هما بيراقبونا!
لكن قبل أن يتحركا، انطفأت الأنوار فجأة، ودوّى صوت غريب في المكان كأن بابًا حديديًا يُغلق خلفهم.
التفت إياد بسرعة نحو الباب، فشاهده يُغلق تلقائيًا، والنافذة الوحيدة تُسدل عليها ستائر معدنية.
ثم سُمع صوت رجل عبر مكبر صوت خافت:رجعتي يا ليلى بنت صالح اليوسف أخيرًا فاقت.
تجمدت ملامحها، وصوتها خرج همسًا مرتجفًا:إياد ده صوت مين؟!
لكنه لم يجب كان يحدّق في الظلام، حيث بدأ ضوء أحمر صغير يومض من زاوية الغرفة عدّ تنازلي.
لم يكن أمامهما سوى ثوانٍ معدودة.
العدّ التنازلي على الجدار يهبط بسرعة، والهواء في الغرفة أصبح أثقل من أن يُتنفّس.
أمسك إياد بيد ليلى بقوة وهو يصرخ:للخلف! في مخرج تحت الدرج!
ركضا معًا وسط الظلام، بينما الصوت الميكانيكي يعلن:ثلاثة اثنان واحد.
اندلع الانف*جار، واهتزت الأرض بعنف، وتناثرت ألسنة النار في أرجاء البيت.
غطّى إياد جسد ليلى بذراعيه، وألقى بها أرضًا خلف جدار خشبي سقط نصفه.
ص*رخت وهي تشعر بح*رارة الله*ب تقترب منهما:إياد! الن*ار! نخرج إزاي؟!
رد بصوتٍ مبحوح:فيه باب جانبي بيوصل للقبو يمكن نقدر نهرب منه!
زحفا بصعوبة وسط الدخان، حتى وجدا بابًا صغيرًا نصف مح*ترق، دفعه إياد بقوة، وسحبهما معًا إلى الخارج، يتنفسان بصعوبة.
خرجوا إلى فناء البيت، والهواء البارد لامس وجهيهما كأنه حياة جديدة.
وقفت ليلى تتنفس بلهاث، نظرت إلى البيت وهو يحت*رق أمامها،
وقالت بصوتٍ مك*سور:ده المكان اللي اتربيت فيه والمكان اللي بيحاول يق*تلني دلوقتي.
اقترب إياد منها، شعره مبلل بالعرق والرماد، وصوته مبحوح لكنه ثابت:المكان خلاص انتهى، بس إحنا لسه عايشين.
وده معناه إن في حد كان عايزك تم*وتي قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
نظرت له بعيون دامعة، ثم جلست على الأرض تبكي بصمت،وقالت:كل حاجة بتقع حواليّ حتى ذكرياتي مش متأكدة منها.
جلس بجانبها، اقترب برفق وقال:ليلى، إنتي أقوى مما تتخيلي.
أعرف إنك فقدت كتير بس اللي جاي محتاجك واقفة، مش مكسورة.
رفعت رأسها نحوه ببطء، عيناها مليئتان بالخ*وف والتعب، لكن خلفهما بريق صغير من الإصرار.
كلهم بيكدبوا عليّ يا إياد حتى اللي رباّني، حتى أختي.
وأنا مش عارفة أصدق مين.
أمسك بيدها وقال بهدوء:صدقيني أنا، مش علشان أنا ملاك، لكن علشان أنا الوحيد اللي مش مستفيد غير إنك تكوني بخير.
في تلك اللحظة، ساد صمت غريب، كأن الزمن توقف حولهما.
نظراتهما التقت، والدموع التي سالت على خدها امتزجت ببقايا الرماد على وجهه.
قالت بصوتٍ خافت:أنا مش عايزة أضعف بس كل مرة بحاول أقوى، بيحصللي حاجة بتكسرني أكتر.
همس لها:اللي بيك*سرنا مش دايمًا بيم*وتنا يا ليلى أحيانًا بيخلق فينا نسخة جديدة.
في الصباح، كان إياد يقف على التلّ المقابل للبيت المح*ترق، يتحدث عبر الهاتف إلى جهة مجهولة:تم تفج*ير البيت، لكن الملف اللي كنا بندوّر عليه مش موجود.
واضح إن حد أخده قبلنا.
صمت قليلًا ثم قال:لا، ليلى لسه ما تعرفش إنها مراقبة.
بس أنا مش ناوي أسلّمها لأي جهة دلوقتي.
أنهى المكالمة، وأدار وجهه ليراها قادمة نحوه، تمسك بوشاح رمادي على كتفيها، عينيها تلمعان بشيء لم يره من قبل خليط من الخوف والإصرار.
قالت وهي تقترب:إياد، كنت بحلم وأنا صغيرة بمكان كبير مليان مرايات كنت بشوف فيه راجل بيشبه صالح اليوسف، بيقولي دايمًا: ابقي بعيدة عن البحر.
دلوقتي فهمت ده مش حلم، دي كانت ذكرى.
نظر إليها بدهشة:يعني إيه البحر؟
ردت:يمكن المكان اللي بدأ منه كل شيء يمكن هناك هنلاقي سامي.
أمسك إياد بالمفتاح الصغير اللي وجده في جيب سترته أثناء هروبهم، مكتوب عليه نقش بحرف (ب) وورقة صغيرة كتب عليها:ميناء اليوسف رقم 17.
نظر لها وقال بابتسامة خافتة:يبدو إن البحر فعلاً بيستنّانا.
كان البرد أول ما شعر به سامي حين استيقظ.
رائحة صدأ، جدران معدنية، وصوت قطرات ماء تتساقط ببطء من السقف، كأنها تعدّ الوقت بدلًا عنه.
فتح عينيه بصعوبة، حاول أن ينهض، لكن يديه مقيدتان بسلك بلاستيكي خشن.
تلفت حوله بخوف، المكان مظلم إلا من ضوء خافت يأتي من فتحة صغيرة في الباب الحديدي.
همس لنفسه بصوتٍ مرتجف:ماما؟ ماما انتي فين؟
لم يرد أحد.
