رواية ظلال متقابلة الفصل السابع عشر 17 بقلم خضراء القحطاني

              

رواية ظلال متقابلة

الفصل السابع عشر 17 

بقلم خضراء القحطاني


لم يجرؤ سامر على دخول غرفة ليلى في البداية.

كان يقف عند الباب، رأسه منحني، والصمت يأكل ملامحه.

سامي الصغير لاحظه أوّلًا، فاقترب منه بحذر:خالو سامر إنت زعلان؟

رفع سامر رأسه بعينين حمراوين:أنا أنا غل*طت كتير يا بطل.

سامي مدّ يده إليه وسحب أصابعه بخجل لحظة ناعمة، أذابت جزءًا من الجليد في صدر سامر.

حين رفعت ليلى رأسها ورأته، ارتجفت.

لم تعرف ماذا تقول.

لكن سامر سبقها جلس على الأرض أمام سريرها، ووضع جبهته على السرير وبدأ يبكي بحرقة:أنا آسف آسف يا ليلى أقسم بالله ما كنت أعرف كنت أع*مى كنت غب*ي كنت مت manipulated سامحيني.

يد ليلى ارتج*فت، ثم وضعتها بهدوء فوق شعره سامر أنا عمري ما ك*رهتك.

رفع وجهه بسرعة، مدهوشًا:بس بعد كل اللي عملته؟

كنت فاكر إنك بتك*رهني وأنا كنت فاكرة إني سبب تع*استكم بس الحقيقة أكبر مننا يا سامر.

انه*ار من جديد لكنها هزّت رأسها:خلّص خلّينا نكون إخوات بجد.

سامر ضمّ يدها بقوة ووقفت صورة إياد عند الباب يراقب المشهد بصمت، والغ*يرة تش*تعل قليلاً، لكن ابتسامة صغيرة ظهرت حين رأى صلحاً ينتظره منذ وقت طويل.

بعد دقائق كان إياد في غرفة العمليات الخاصة بفريقه.

على الشاشة صور، ملفات، حسابات بنكية، كاميرات مراقبة، وأسماء لها علاقة بناصر.

إياد قال بصرامة تشبه إعلان ح*رب:من اللحظة دي ناصر اليوسف مطلوب قانونيًا وعمليًا.

انتشرت الخطة تج*ميد شركاته الوهمية ملاحقة سائقه التحقيق في وف*اة والد ليلى اللي رباها كشف حساباته الخارجية

اعتقال رجاله واحدًا واحدًا رصد كل تحركاته بالدقيقة

أحد الضباط قال:باشا ناصر مش سهل، ده ليه نفوذ.

إياد نظر له نظرة جعلت الغرفة كلها تصمت:لو كان سهل ما كانش تحدّانا.

بس أنا مش بخ*سر معارك.

كانت المواجهة غير مباشرة لكنها قوية.

في المكتب الزجاجي الضخم لناصر، رنّ الهاتف.

ألو؟

جاءه صوت ثابت وواثق:ناصر اليوسف؟

مين؟

إياد المحمدي.

تجمّد ناصر للحظة.

ابتسم ابتسامة باردة:أهلاً بیك سمعت عنك كتير بس ما توقعت مكالمة شخصية.

إياد بصوت منخفض لكن مخ*يف:أنا مش بكلمك أنا ببلغك.

تبلغني بإيه؟

اللعبة خلصت.

ناصر ضحك بخفة:على أساس إنك فاهم كل حاجة؟

إياد:فاهم أكتر مما تتوقع.

وعارف إنك حطيت سامر في وش الم*دفع.

وعارف إنك وراك محاولة اغ*تيال فاشلة قبل شهور تخص حد مهم.

هنا توقفت أنفاس ناصر لحظة واحدة لحظة فقط لكن إياد التقطها.

إياد أكمل:عارف إنك بتدور على ملفات قديمة وعارف السر اللي م*ات عشانه اللي ربى ليلى.

ناصر يرد ببرود:أنت فاكر إنك هتخ*وفني؟

إياد يبتسم:أنا مابخ*وّفش أنا بنفّذ.

ثم قال الجملة التي جعلت وجه ناصر يفقد لونه:ليلى تحت حمايتي وابنها وشقيقها وكل اللي يخصّها.

لو قربت خطوة واحدة بس هخلّي اسمك ينتهي للأبد.

ناصر يص*رخ لأول مرة، يفقد أعصابه:أنت ما تعرفش أنا مين!

إياد بردٍ قات*ل:بالعكس أنت مش أكتر من رجل هيبدأ العد التنازلي لسقوطه الليلة.

وقبل أن يغلق الخط قال:وصدقني نه*ايتك هتكون على إيد بنت اسمها ليلى.

وأغلق.

ناصر رمَى الهاتف بقوة، وتحطّم على الأرض.

داخل المكتب لأول مرة منذ سنوات شعر بالخوف.

في تلك الليلة كانت ليلى جالسة في حديقة المستشفى بعد أن سمحوا لها بالخروج القصير.

سامر يجلس عند قدميها، وسامي في حضنها، وإياد واقف خلفها كأنه حارس أبدي.

قالت بصوت منخفض لكنه قوي:أنا مش ههرب تاني.

ومش هسيب حد يتحكم في حياتي.

اللي حاولوا ي*دمروني هواجههم.

إياد وضع يده على كتفها:وأنا معاكي خطوة بخطوة.

سامر أضاف بنبرة ندمية صادقة:وأنا كمان أختي.

اقترب سامي وقال بعفوية:وإحنا هنكسب يا ماما؟

ليلى قبلت رأسه:هنكسب وهنتخلص من كل الش*ر.

ثم تهمس لنفسها:ناصر انتهى وقتك.

بعد أيّام طويلة من الشك*وك والضغط النفسي، يجتمع الجميع في قاعة الاجتماع الواسعة في الشركة إياد، ليلى، سامر، صالح اليوسف، ديلا، كريم، بيسان وكل شخص كانت له يد ظاهرة أو خفية في ما جرى.

الجو مشحون نظرات متوترة وقلوب تخفق.

إياد يدخل بثقة، وعلى وجهه نظرة حاسمة، ثم يضع ملفات وصور وتسجيلات على الطاولة ويقول ببرود:قبل ما نتّهم حد لازم نعرف الحقيقة كاملة واللي حصل مع ليلى كان أكبر من مجرد غ*يرة أو سوء تفاهم.

الجميع يصمت وسامر ينظر لوالده بخ*وف، ما زال يشعر بالذن*ب رغم أنه لا يعرف الحقيقة.

ثم يلتفت إياد نحو سامر ويقول:سامر أنت مش المذن*ب.

يتجمد وجه سامر، لا يصدق ما يسمع.

يفتح إياد التسجيل الأول ويظهر صوت رجل يحاول إقناع موظّف في الشركة بنشر إشاعة ضد ليلى.

ثم تظهر صور لشخص يدخل خلسة إلى مكتب ليلى قبل الحادث بأسابيع.

ولحظة التوتر تنف*جر عندما يعلن إياد بصوت قوي:اللي كان بيشوّه سمعة ليلى واللي حاول يوقع بينها وبين الكل مش سامر.

المجرم الحقيقي هو شخص من برّا العيلة، كان عايز يبتز صالح اليوسف ويوقع الشركة.

يظهر الاسم مدير قسم الحسابات المُقال سابقًا فراس.

صمت كامل ثم تنه*ار ديلا بالبكاء لأنها كانت متهمة نفسها أنها السبب.

وصالح اليوسف يرتعش غض*بًا وندمًا وهو يلتفت نحو سامر الذي جلس منكمشًا في زاوية الغرفة، وعيناه ممتلئتان بالدموع.

الصغير سامي يركض نحو سامر ويحضنه، كأنه يشعر أنه لم يكن يومًا سيئًا.

وسامي يقول بصوته الصغير المهزوز:خالي سامر طيب ما يعملش كدا.

وسامر يبكي وليلى تتأثر وصالح يقترب من ابنه ببطء ويهمس:سامر ظل*متك وأنا آسف.

سامر ينه*ار في حضن والده، لأول مرة منذ سنوات يشعر أنه يُرى ويُفهم.

في صباح اليوم التالي، يدخل فراس الشركة كعادته، متخفّيًا بثقة زائفة لكنه يفاجأ برجال الأمن يحاصرونه، وإياد يقف ببرود أمامه.

فراس يحاول التماسك:إياد أكيد في سوء سوء تفاهم.

إياد يقاطعه:سوء تفاهم؟

دا أنت حاولت تض*رب سمعة ليلى، وتب*تز أبو سامر،وتوقع الشركة كلها عشان طم*عك!

يخرج إياد تسجيلًا لفراس يه*دد موظفًا آخر:لو مشيت معايا هترجع الشغل بضعف الراتب.

فراس يجحظ بعينيه ينكمش يعرف أن اللعبة انتهت.

ويضيف إياد:على فكرة أنت مش بس ش*وهت سمعة واحدة بريئة أنت كنت السبب غير المباشر في الح*ادث اللي دخلها غيبوبة!

رجال الشرطة يدخلون يتم القبض عليه.

الجميع ينظر لإياد بإعجاب وصمت خاشع.

سامر أصبح أهدأ أكثر نضجًا بعد ما حدث.

كلما رأى ليلى يطأطئ رأسه ويقول:حقك عليّ من قلبي.

وليلى تبتسم له ابتسامة خفيفة تك*سر جبل الع*داوة القديم.

سامر لأول مرة يشعر أن لديه أختًا وليلة الحادث أصبحت تطارده وتعيد تشكيله من الداخل.

بعد الأزمة سامي تغير.

ابتعد سكت صار يخ*اف أن تتركه ليلى أو تحصل لها مصيبة أخرى.

كلما أرادت أن تحضنه، كان يتراجع ويقول:ماما أنت هتنامي تاني وما تصحيش؟

كلمات صغيرة لكن الخ*نجر الذي خلفها كان عميقًا.

ليلى تبتسم أمامه وتنهار وحدها.

مع معاناة سامي وتدهور ليلى النفسي ورغبتها الدائمة في الانع*زال إياد يتخذ القرار:إحنا لازم نسافر دلوقتي.

لازم نغير الجو نرجّع روحك.

لم يناقشها.

جمع أوراق السفر.

أقنع صالح.

طمأن سامر.

وطلب منها ترتّب حقيبتها، لأنه لن يتركها تنه*ار ثانية.

ليلى تحاول تعترض لكنها منه*ارة لدرجة تجعلها ع*اجزة عن الرفض.

في المطار كانت صامتة وعيناها تائهتين.

وسامي يتمسك بيدها بخوف لا يشبه أي شيء مرّ به من قبل.

إياد ينحني للطفل ويقول:أنا هنا وهفضل معاكم.

عمرك ما هتفقد مامتك.

سامي يركض ويحضن إياد وهي اللحظة التي جعلت ليلى تدمع بصمت.

يستقر الثلاثة في دولة هادئة، لا يعرفهم فيها أحد.

أجواء دافئة، البحر قريب الهدوء يغطي المكان.

أول يوم ليلى تبكي.

ثاني يوم تنام كثيرًا.

ثالث يوم يبدأ سامي يلعب قليلًا.

وفي اليوم الرابع حدث ما قلب الأحداث.

إياد، الذي كان يتظاهر بالاسترخاء، في الحقيقة كان يراقب المكان.

عين مراقبين متخفّين يرصدون كل حركة.

وفي ليلة هادئة يأتي أحد المراقبين إليه ويقول:باشا اللي كان بيلاحق مدام ليلى في البلد ظهر هنا.

الته*ديد الحقيقي تبعهم للسفر.

السفر كان supposed to be بداية جديدة لكن الخ*طر كان أسرع منهم.

ليلٌ هادئ في الشقة الساحلية موج البحر قريب والمدينة نائمة.

لكن إياد مستيقظ.

ينتظر تقرير المراقبين.

فجأة يهتز هاتفه إنذار.

باشا الشخص اللي كنا متابعين تحركاته ظهر قدام الفندق.

واضح إنه اتبعكم لغاية هنا.

إياد ينهض فورًا.

يحدّق في ليلى النائمة، شعرها مبعثر، وجهها شاحب وسامي نائم على صدرها، متمسك بها كأن العالم كله قد ينه*ار لو افترقا.

يتمتم بينه وبين نفسه:مش هسمح لحد يقرب منكم.

المفاجأة أن المراقبين يرسلون تسجيلًا رجل مجهول، يحمل ملفًا، يلتقط صورًا للشقة يتحدث في الهاتف:لازم نرجّع الولد بأي طريقة وإلا كل حاجة هتضيع.

الولد؟

سامي؟

إياد يتجمد.

هل الحكاية أكبر من تش*ويه سمعة؟

هل هناك سر مخفي عن نسب سامي ذاته؟

لكن لا وقت للغوص الآن.

الأولوية حماية ليلى.

في اليوم التالي، ليلى تقرر لأول مرة الخروج قليلًا.

وجهها لا يزال حزي*نًا لكنها تريد أن تعود للحياة.

إياد يسير خلفها وعلى جانبيها رجال لا تعرفهم، متنكرون كعائلات وسياح.

في لحظة واحدة رجل يرتدي قبعة يقترب منها بشدة، يحاول لمس ذراع سامي.

سامي يص*رخ:إييياد!!

إياد يندفع كالبرق يمسك الرجل من معصمه ويكاد يك*سره:لو لمست الطفل تاني هق*طع إيدك.

الرجل يحاول التعلثم:كنت كنت بسأل عن.

إياد يض*ربه ض*ربة قاس*ية تُسقطه أرضًا.

ليلى تنه*ار بالدموع وهي تمسك سامي وتضمه بقوة:مش عايزة أي حد يقرب من ابني مش عايزة!

إياد يلتفت إليها يقترب يمسك كتفيها لأنهما يرتجفان:ولا حد هيقرب منك أنا معاكِ.

كلمات قليلة لكنها الكلمة التي ك*سرت خ*وفها، وأذابت جزءًا من الجدار الذي بنته حول قلبها.

بعد الح*ادث، ليلى تجلس على الشرفة، بينما البحر يمتد أمامهما.

سامي نائم في الداخل.

ليلى تهمس بصوت مك*سور:أنا تعبت يا إياد كل ما أقف حاجة جديدة توقعني.

إياد يجلس بجوارها وقال بحنان غير معتاد منه:أنا هنا عشان تمسكي فيّ مش عشان أقف أتفرج.

ليلى تحدّق ببقع الضوء على الماء وتشعر أن صدرها يضيق ثم ينفتح.

لم تعد تبكي بصوت، لكن دموعها تنزل ببطء وإياد لا يبتعد.

يتركها تبكي ويترك كتفه لها.

عندما هدأت، أرادت أن تنطق:لو لو مش أنت كنت معايا كنت زماني.

إياد يقاطعها وهو يرفع وجهها من ذقنها:ما تقوليش أنا فاهم.

وبرع*شة خفيفة، وهي أول مرة يحدث شيء كهذا بينهما يقترب تقترب ق*بلة قصيرة جداً خاطفة.

لكنها كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء بينهما.

ليلى تتراجع مصدومة تضع يدها على فمها وإياد يشيح بنظره،كأنه يخشى أن يلمحوا مشاعره الحقيقية.

لكن لم يعد أي منهما قادرًا على إنكار ما حدث.

بعد تلك الليلة، يقف إياد وحده على الشرفة، يفكر بعمق.

لازم أحميها ولازم أكمل اللي بدأته.

أنا جوزها وهحميها مهما حصل.

                الفصل الثامن عشر من هنا

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>