الفصل العشرون 20
بقلم خضراء القحطاني
وهي بتقفل السِتارة قبل النوم، عينها وقعت على عربية سودا واقفة تحت العمارة مش عارفة ليه، قلبها اتقب*ض فجأة.
نادت بصوت مك*سور ليلى: إياد ممكن تيجي لحظة؟
دخل بسرعة ولما شاف وشّها عرف إن في حاجة غلط.
إياد: في إيه يا ليلى؟
ليلى: العربية اللي تحت بقالها كتير واقفة.
حاسّة إنها مش طبيعية.
قرب من السِتارة وبَص، ملامحه اتشدّت هو فهم فورًا.
العربية اختفت في لحظة قبل ما ليلى تلحق تبص تاني.
ابتسم لها ابتسامة مطمئنة لكن مش حقيقية إياد: عربية عدّت وخلاص ما تقل*قيش.
وبمجرد ما دخلت لجوه بعت رسالة لرجالته:راقبوا المكان سامي بدأ يتحرك.
دخلت ليلى أوضة سامي تظبط له السرير، لقيته قاعد في الركن، ساكت وعينيه مليانة دموع.
قلبها وق*ع فورًا.
ليلى: سامي مين زعلك يا حبيبي؟
مسح دموعه بسرعة سامي: ماما بابا كريم كلّمني.
صوتها اتقطع ليلى: إمتى؟
وليه ما قولتش؟
سامي وهو يبص للأرض :قالّي إنك مش عايزاني وإن إياد هياخدك مني وإنك مش بتحبيني زي زمان.
الكلام دخل صدرها زي سك*ينة.
حضنته بقوة ليلى: الكلام ده كذب!
إنت ابني روحي محدّش يقدر يبُعدني عنك أبداً ولا إياد ولا أي حد.
بس سامي ما ردش وما حضنهاش زي كل مرة.
كان فيه حاجة اتغيرت جواه حاجة اتزرعت بس*مّ.
في أوضة فندق شيك، سامي قاعد يتفرج على فيديو سامي وهو بيعيط صوت الطفل متك*سر.
ضحك براحة سامي: كده تمام خلّي ليلى تتعلم يعني إيه خسارة.
رفع تليفونه سامي: ألو، كريم يلا نكمل الولد بدأ يبعد عنها وزمانها هتتهد.
كريم بتردد:بس مش عايز سامي يت*أذي يا سامي.
سامي بسخرية:هو مش هيت*أذى إلا لو ليلى ما فهمتش الرسالة.
ليلى ما نامتش كانت داخلة طالعة بين أوضتها وأوضة سامي، خ*ايفة عليه من الهوا.
جلست جنبه، لمست خُصل شعره، وقالت بصوت مخ*نوق ليلى: يا رب هو رجع ليه؟
سامي سيبني في حالي.
دمعة نزلت وأول مرة تحس إنها فعلاً مش قادرة تصمد أكتر.
الصبح، لقاها قاعدة في البلكونة، شكلها منه*ار.
قعد جنبها إياد: ليلى انتي مخبية عليا إيه؟
ردّت بصوت ضعيف ليلى: إياد سامي بيبعد عني وباباه بيلعب في دماغه وسامي جاي ينت*قم مني في ابني.
ساعتها إياد حط إيده على إيدها وقال إياد: اسمعيني أنا هنا.
ومش هسمح لحد يقرب منكم.
هعرف مين بيعمل إيه وهوقفه عند حدّه.
وقفت ليلى قدامه، وشها مليان خ*وف ليلى: إياد أنا خ*ايفة يخدوه مني.
قرب منها وحض*نها بس عينُه كانت ن*ار.
وعد إن دي هتكون آخر مرة حد يرعب ليلى.
كانت الليلة هادية، بس قلب ليلى كان مليان دوشة قاعدة في الصالة، ضامّة إيديها في بعضها، وكل شوية تبص ناحية باب الشقة كأنها مستنية حاجة تحصل أو حد يظهر.
إياد خرج من أوضته بعد ما خلّص مكالمة طويلة تخص القضية بتاعة كريم، ولما شاف وجهها الشاحب قرب منها بهدوء.
إياد:مالك يا ليلى؟ من ساعة ما رجعنا وإنتي ساكتة في حاجة تعبّاكي؟
ليلى هزّت راسها وقالت بصوت واطي:حاسة إن الدنيا بتقرب عليّا يا إياد كريم رافع قضية على الحضانة، وسامي بقى بيبعد عني، ومش فاهمة ليه وبعدين ظهرت بيسان، وأخويا اللي اختفى سنين فجأة ظهر!
إياد قعد قدّامها، مسك إيدها بحنان:أنا قولتلك طول ما أنا موجود، محدّش هيقربلك وإحنا هنكسب قضية الحضانة، متقلقيش.
قبل ما تكمل كلامها، باب الشقة خبط خبطة تقيلة
ليلى اتوترت فورًا.
ليلى:مين ده؟ الوقت اتأخّر.
إياد وقف، مدّ إيده ناحية مس*دسه اللي كان مخبيه في درج قريب، وراح للباب.
فتح الباب، وللحظة ملامحه شدّت.
واقف قدّامه راجل طويل، جسمه نحيف بس شكله قاسي شعره منكوش شوية وعيونه غامقة، فيها غضب قديم.
وشبه ليلى شبه ما يخطئش.
الراجل بابتسامة باردة:إزيك يا أختي؟ مش هتسلمي؟
ليلى قامت واقفة، رجليها بتتهز:مروان؟
مروان:اه أنا راجع يا ليلى بعد ما اختفيت عشانكم. تفتكريني هسيب حقي؟
إياد وقف بينه وبين ليلى فورًا:إنت واقف على باب بيتي وبتتكلم بته*ديد لو عندك كلام قولّه من غير لعب عيال.
مروان بصله بنظرة فيها استهزاء:يا باشا أنا جاي لأختي والحق يتقال وجودك في حياتها بوّظ حاجات كتير بس ماشي لكل وقت.
دخل خطوة لجوة ليلى اتراجعت غصب عنها، وإياد مد إيده ومنع مروان من التقدم.
إياد بحدة:قف قبل ما أفوّت النقطة دي إنت غايب سنين بلا خبر وراجع ته*دد؟
مروان رفع حاجبه:لما تعرف هي عملت إيه فيّا زمان ساعتها بس هتفهم أنا راجع ليه.
ليلى صارت تتنفس بصعوبة.
ذكريات كانت محبوسة جوا عقلها، رجعت تتحرك حق*د، ظ*لم، وليل طويل عاشته وهي طفلة.
بس دلوقتي مروان راجع لسبب واضح انت*قام.
سامي طلع من الأوضة بعد ما سمع الأصوات، عينه لقت الراجل الغريب، وجري بسرعة ولازق في رجل إياد وهو خايف.
قلب ليلى اتق*طع لما لقي ابنها بيبعد عنها ويرتمي في حضن جوزها بدلها.
مروان ضحك بس*خرية:حتى ابنك مش جاي جنبك شكله واخد باله.
ليلى اتج*مدت مكانها والدموع فضلت تتحبس عشان ما تنه*ارش.
إياد ماستحملش الكلمات دي، قرب خطوة من مروان وقال بصوت منخفض بس مرعب:لو كررت كلمة زيادة هتخرج من هنا على قسم الشرطة وإنت عارف كويس أنا اشتغل إيه فاهم؟
مروان رفع إيده باستسلام مصطنع:ماشي يا باشا ماشي ليا رجعة.
ومشي.
لكن قبل ما يقفل الباب، بصّ لليلى نظرة خلت رجليها تبرد تمامًا.
ليلى همست:هو هو مش هيسيبني يا إياد.
إياد حض*نها، مسك راسها على صدره:ولو كان آخر يوم في عمري مش هسمح له ي*أذيكي. ولا ياخد سامي ولا يه*د بيتنا.
سامي قرب بخطوات بطيئة ولأول مرة من فترة طويلة، مدّ إيده ولمس يد أمه، كأنه فاق من غيابه عنها.
سامي:ماما متعيطيش.
ليلى نزلت لحدّه وحضنته دموعها نزلت أخيرًا، بس كانت دموع خ*وف وراحة ورجوع ابنها لحضنها.
وإياد واقف فوقهم وعينه بتلمع بعزيمة ما تهزش:اللعبة بقت واضحة وسامي وظهور شقيقها من امها ؟
أنا اللي هخلصها.
الصبح بدأ عادي أو ده اللي كان مفروض يحصل.
بس لما إياد صحى وملقاش ليلى جنبه في السرير حس بحاجة غريبة.
يمكن في المطبخ يمكن بتصحي سامي.
لكن دقيقة اتأخرت.
ودق قلبه بدأ يعلى.
نزل بسرعة، نادى:ليلى؟ سامي؟
مفيش رد.
البيت ساكت سُكُوت مريب.
راح على أوضة سامي، فتح الباب السرير فاضي.
ملابس كانت متعلقة على الكرسي، الشنطة الصغيرة بتاعة سامي مش موجودة.
قلب إياد وق*ع في الأرض.
فتح باب الشقة فجأة، جري لسلالم العمارة ونادى على الحارس:شفت ليلى وسامي خارجين؟ حد كان معاهم؟
الحارس اتوتر:والله يا باشا شفتها نازلة مع الصغير بس كانت مستعجلة أوي وركبت عربية سودة عليها زجاج فاميه ظنيت حضرتك اللي باعت العربية.
وشه إياد شح*ب.
عينيه اتسعوا كأنه بيشوف ك*ارثة قدّامه.
إياد بصوت عالي:عربية إيه؟ رقمها إيه؟ كانت واقفة فين؟!
الحارس اتلخبط، ماردش بسرعة.
إياد مسك ياقة القميص بتاعه من الخ*وف والعص*بية:قولّي يا عمّ قولّي شفت إيه؟!
العربية كانت من غير نمر والحارس معرفش يوصف راكبها.
إياد رجع الشقة بخطوات تايهة مسك تليفونه وابتدى يرن على ليلى.
الرقم مغلق.
اتصل على أصحابه في الشغل، على زملائه في القسم، على كل حد ممكن يساعده.
وفي النهاية قعد على الأرض، يضرب كفه في البلاط.
إياد:مش ممكن مش ممكن تكون خرجت بإرادتها مش ليلى!
حد خط*فها حد خط*ف مراتي وولدي!
لما كريم عرف من خلال المحامي إن ليلى مختفية جاله جنان.
اتصل على إياد بصوت مليان غ*ضب:إياد!! ابني فين؟! ليلى فين؟! إنت كنت فين وإنت سايبهم؟!
إياد رد بصوت مخ*نوق:أنا بدوّر عليهم يا كريم واللي عمل كده هيتحاسب.
كريم قطعه:لو ابني حصله حاجة هقلب الدنيا عليك.
ورمى التليفون.
لما الخبر وصل لمروان الوش البارد اختفى.
لأول مرة اتوتر.
هي راحت فين؟
إزاي تختفي كده؟
ومين غيري يعرف سرها القديم؟
مروان ما كانش متوقع إنها تختفي قبل ما ياخد حقه منها.
وده زوّده ج*نون فوق ج*نونه.
مروان:لو حد أذ*اها غيري هافتح الن*ار على الكل.
وراح يدور بمعرفته بطريقته اللي كلها س*واد.
سامي الصغير كان في العربية مخ*طوف.
ولأول مرة في حياته بعيد عن حضن أمه.
كان بيعيط بصوت مك*سور:ماما ماما أنا خ*ايف بس مفيش رد.
وشخص مجهول سايق العربية، مش باين منه غير إيده الخشنة، وصوته المبحوح:اسكت يا ولد كل حاجة هتبقى تمام.
وسامي الصغير لرغم ضعفه حاول يخبّي دموعه زي ما شاف إياد بيعمل.
في آخر الليل إياد واقف في نص الصالة، ماسك صورة ليلى وسامي، وصوته بيتهز:لو جرالهم حاجة لو نسمة هوا لمستهم بدون إذني هح*رق العالم.
ليلى فتحت عينيها بشويش لقت نفسها في مكان مختلف، مليان ألوان وزهور صغيرة وإضاءات دافئة، وألعاب سامي حواليه، و صوت صغير بيضحك.
لما بصت، لقت سامر واقف قدامها، وعيونه مليانة طمأنينة وحنية، مش زي الشخص اللي كانت خ*ايفة منه قبل كده.
قبل ما تفهم حاجة، سامر مد إيده وقال:متخافيش يا ليلى كله تمام دلوقتي.
ليلى ما صدقتش نفسها، جريت تح*ضنه، ودموع الفرح نزلت من عينيها.
سامر ض*مها بقوة وقال:أنا جنبك ومفيش حد هي*أذيكي.
في نفس الوقت، ليلى بصت على سامي، لقت الولد الصغير نائم بين الألعاب، وشعرت براحة كبيرة إنه بخير ومبسوط.
ليلى ابتسمت وقالت:شكراً يا سامر أنا كنت خ*ايفة بس إنت كنت دايمًا جنبي من غير ما أحس.
سامر ضحك بخفة:مهمتي إني أخليكي سعيدة وسامي يفضل دايمًا مبسوط.
المكان كله كان مليان حب، وهدوء، وحسست ليلى إنها أخيرًا قدرت تاخد نفسها بعيد عن كل اللي حصل، مع ابنها وأحبابها.
