رواية سليم والمراهقة الفصل العشرون 20 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل العشرون 20 

بقلم خضراء القحطاني


كانت الليلة ساكنة،وسليم قاعد في جناحه الكبير، نور الأباجورة الدافئ بينعكس على الحيطان الحجرية للقصر.

وشه شاحب، وسي*جارته مطفية من نصها.

عينيه متعلقة في الفراغ، لكن جواهها دوّامة من الذكريات.

صوت أمه، ناعم، حنون،بيكرر في دماغه نفس الجملة:خليك سند يا سليم، ما تظلمش الناس، وافتكر ربنا دايمًا.

رمش بعينه بسرعة، ومسح دمعة خفيفة نزلت غصب عنه.

من سنين طويلة، محدش شافه يبكي.

بس الليلة، الحلم رجع له إحساسه القديم الإحساس اللي دفن*ه جوّه لما قرر يكون سليم الجندي اللي محدش يقدر عليه.

دخلت سلسبيل بهدوء،كانت لابسة جلابية بيت ناعمة، شعرها سايب على كتفها،

مضطربة، لكنها اتشجعت وقالت بصوت هادي: إنت كويس؟

ما ردش في الأول،بس بعد لحظات قال بصوت

 مبحوح: كنت بحلم بيها أمي.

قربت بخطوات بطيئة،وقالت بخ*وف:خير إن شاء الله.

لف وشه ناحيتها، وفي عينيه حاجة مختلفة: قالتلي أساعد الناس وأسعد اللي حواليّ.

وسكت شوية، وبعدين أكمل: وأنا اللي عملت العكس طول عمري.

سلسبيل بصت له بدهشة،هي عمرها ما سمعته بيتكلم كده،ده حتى لما بيتضايق، بيقسى، ما بيضعفش.

لكن اللي واقف قدامها دلوقتي مش سليم الجندي اللي الناس بترتجف من اسمه،ده مجرد راجل موج*وع بيحاول يلاقي نفسه تاني.

اقتربت منه، ومدّت إيدها على الطاولة وخدت كوب المي،

قدمته له وهي تقول بخفوت:يمكن ربنا بيفكرك بيها علشان تصلح اللي اتك*سر جواك.

ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا،ولأول مرة نبرة صوته تبقى دافية وهو يقول: إنتِ السبب، يا سلسبيل من يوم ما ظهرتي، والدنيا بقت مش زي الأول.

وشّها احمر، وقلّبت نظرها بعيد،بس قلبها كان بيدق بسرعة غير طبيعية،كأنها لأول مرة تشوف الإنسان اللي جوا الوحش.

وفي مكان تاني، في شقة صغيرة في الزمالك،كانت ليلى واقفة قدام المراية،بتمشط شعرها وبتحاول تخبي تعب عينيها.

سمعت صوت المفاتيح في الباب،ولما لفّت شافت فارس داخل شايل باقة ورد صغيرة.

قال بخجل مش متعود عليه:للصلح لو لسه في فرصة.

ابتسمت بخفة وقالت:أنت اتأخرت بس الورود دي غسلت وج*عي كله.

قرب منها، ولمس خدها بهدوء،وقال بصوت مبحوح: كنت غبي لما سبتك لوحدك،بس المرة دي، مش ناوي أكرر الغلط.

ردت بعينين فيها دموع بس سعيدة: كفاية إنك جيت كفاية إنك اتكلمت.

حض*نها، واللحظة كانت صافية،زي نسمة بتمر على روحهم، تمسح كل الوج*ع اللي فات.

وفي اللحظة دي،في القصر، كان سليم بيبص من الشباك وبيهمس لنفسه:يمكن فعلاً أقدر أبدأ من جديد بس المرة دي، على نظافة.

وسلسبيل كانت وراه بصمت،ما قالتش حاجة، بس جواها كانت حاسة إن ربنا يمكن بعته ليها مش علشان تِت*أذي،لكن علشان تِشفيه.

كانت الفيلا متلألئة بالأنوار،وأصوات الضحك والموسيقى الخفيفة ماليه المكان.

أيهم كان بيستقبل ضيوفه بابتسامته المعتادة، ومريم، زوجته، بتلف حوالين الطاولات تتأكد إن الكل مبسوط.

في الركن، كانت ريم واقفة بجوار خطيبها شهاب الدسوقي، بتحاول تبان هادية، لكن ملامحها باينة عليها الخجل، كل ما حد يباركلها، وشّها بيحمر أكتر.

أما فارس وليلى، فكانوا قاعدين قريب من المسبح،هي بتتكلم بحماس عن تفاصيل ديكور البيت الجديد،وهو بيبصلها نظرات فيها اهتمام صادق لأول مرة من شهور.

في وسط الأجواء دي، دخل سليم وسلسبيل.

هو ببدلته الغامقة الأنيقة، وهي بفستان ناعم بلون الباستيل،وحجابها يبين شعرها مرفوع بطريقة بسيطة، وابتسامتها كانت من النوع اللي ينور القاعة كلها.

كل العيون اتجهت ليهم لحظة دخولهم،لكن اللي لاحظه الناس أكتر إن سليم ماسك إيدها.

اتبادلوا همسات، وأيهم قرب منهم بابتسامة 

عريضة: أخيرًا وصلتوا! كنت هبدأ أعيّد من غيركم.

سليم ضحك بخفة:كنت هستناك تهرب من الكيكة زي كل سنة؟

ضحكوا كلهم، وجلسوا في الركن المخصص للعيلة.

كانت سلسبيل بتتكلم مع ريم بخفة دمها المعتادة،وبعد شوية بدأ شاب من ضيوف أيهم اسمه جود،صديق قديم للعيلة يقف معاهم ويتبادل النكات.

ضحكت سلسبيل بصوت عفوي،ضحكة بريئة لكنها كافية تخلي سليم يغير تمامًا.

سكت فجأة، وبصلهم بنظرة جانبية،إيده اتشنجت وهو ماسك الكوباية،وصوته بقى متحفظ لما قال بحدة خفيفة: واضح إنكم اتعرفتوا بسرعة.

التفتت له سلسبيل بدهشة:ده بس بيهزر يا سليم.

ابتسم الشاب وقال:والله يا أستاذ سليم مراتك د*مها خفيف جدًا.

الكلمة دي كانت كفيلة تشعل ش*رارة الغيرة في عينيه.

رد بنبرة فيها غموض واضح: آه وأنا بس اللي عارف إن ورا الد*م الخفيف ده لسان حامي جدًا.

ضحك الكل، لكن سلسبيل فهمت إن الجملة دي مش هزار.

قامت بخفة من الكرسي وقالت:هروح أساعد مريم في التورتة.

سليم تابعها بنظره، وكل حركة منها كانت بتأكّل الغيرة اللي جواه أكتر.

هو نفسه ما فهمش ليه الغيرة دي موجعة كده،

بس كان متأكد من حاجة واحدة إنه مش عايز حد يضحكها غيره.

في اللحظة دي، وقف أيهم بجانبه وقال وهو يربّت على كتفه:أول مرة أشوفك بتغير بالشكل ده يا سليم.

ابتسم سليم نص ابتسامة وقال: ما تقولش إني بغير بس يمكن اتعودت إنها تبقى ليا لوحدي.

أيهم ضحك وقال بخفة: أهو كده، روح يا راجل، قبل ما تبوظ عيد ميلادي بوشك المكفهر ده.

ضحك سليم رغمًا عنه،وخطا بخطوات ثابتة ناحية المطبخ هناك، كانت سلسبيل بتقطع الكيكة وهي بتتكلم مع مريم.

وقف وراها بصمت لحظة، وبعدين همس: المرات الجاية لما حد يحاول يضحكك، خليني أنا اللي أبدأ.

التفتت له بارتباك وقالت بخجل: هو في إيه يا سليم؟ كنت بهزر بس.

ابتسم بخفة وقال: وأنا كمان بس هزار من نوع تاني.

سكتت، وبصت له بنظرة فيها شيء ما بين الخ*وف والدفء.

هو ما قالش أكتر، لكنه في داخله كان عارف إنها المرة الأولى اللي قلبه دق فيها عن وعي.

كانت الساعة تعدت منتصف الليل،والفيلا غارقة في السكون إلا من صوت المطر اللي بدأ يطرق على الزجاج برقة.

دخل سليم وسلسبيل الفيلا، هو ساكت من لحظة ما ركبوا العربية،

وهي ماشية جنبه، ماسكة طرف فستانها بخفة، بتحاول ما تبينش ارتباكها.

وقف عند الشرفة،فك أزرار جاكيت البدلة، وشعل سي*جارة،نظراته بعيدة، كأنه بيحارب أفكاره بصمت.

بعد لحظات، سألته سلسبيل بهدوء:مالك؟ زعلان مني؟

لف ناحيتها ببطء، دخان الس*يجارة بيغلف ملامحه،وقال بصوت واطي لكنه واضح: مش زعلان بس ما بحبش حد يقرّب منك كده.

رفعت حاجبها بدهشة:تقرّب؟ يا سليم، ده راجل بيهزر، والناس كلها كانت بتضحك.

أطفأ الس*يجارة، ومشى ناحيتها بخطوات بطيئة،ولما وقف قريب منها جدًا،قال: أنا عارف بس الغيرة ما فيهاش منطق، بتحصل كده غصب عني.

نظراته كانت صريحة، دافئة ومتوترة في نفس الوقت.

هي عضّ*ت شفايفها بخجل وقالت بخفوت:أول مرة أشوفك كده كنت مخ*يف شوية.

ابتسم، ابتسامة صغيرة جدًا، وقال: وأنا أول مرة أحس بالخ*وف برضو خف*ت إنك تبعدي عني.

سكتت وهي تبص له، قلبها يدق بسرعة.

قالت بخفوت: ليه؟

اقترب أكتر، لحد ما بقى بينه وبينها نفس واحد: يمكن لأنك بقيتِ كل حاجة في يومي من غير ما أحس.

نزلت عينيها للأرض، ووشّها احمرّ،حاولت تغيّر الكلام وقالت بسرعة: أنا هغير هدومي وأجيبلك شاي.

مسك يدها قبل ما تتحرك وقال بابتسامة هادئة:الشاي بعدين خلينا نحكي شوي.

جلست على الكنبة وهو قعد مقابلها.

قالت وهي تحاول تهزر:ما كنتش أعرف إن سليم القاسي ممكن يغير كده.

ضحك وقال:الق*اسي لما يحب بيخ*اف، والخ*وف دايمًا بيخليه أضعف.

رفعت نظرها له، وقالت بصدق: أنا ما كنتش متوقعة منك الكلام ده.

رد بهدوء:ولا أنا كنت متوقع من نفسي بس إنتِ غيرتِ حاجات كتير جوايا يا سلسبيل.

في اللحظة دي، كانت نظراتهم متشابكة،بينهم ألف كلمة ما اتقالتش،لكن الشعور كان واضح جدًا هو بيحبها،وهي بدأت تحبه من غير ما تعترف.

المطر اشتد بره،وسليم مد إيده ناحية شعرها المبلول من المطر اللي لحقهم قبل ما يدخلوا،وقال بابتسامة خفيفة: شكلك محتاج تدفي الدنيا برد.

قالت بخجل وهي تقوم: أنا هدخل أنام، تصبح على خير.

رد بصوت واطي: وانتي من أهل الخير يا سلسبيل.

ولما راحت لغرفتهم،فضل واقف مكانه،يبص للباب اللي قفل وراها،ويبتسم ابتسامة فيها وج*ع جميل،زي اللي لقى أخيرًا اللي كان دايمًا بيدور عليه.

          الفصل الواحد والعشرون من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>