رواية سليم والمراهقة الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل الواحد والعشرون 21 

بقلم خضراء القحطاني


كان أيهم الراوي دايمًا شخص مختلف.

عقله راجح، قلبه طيب، ووشه فيه نور بيخليك ترتاح له من أول مرة.

بعد ما خلص شغله في مصر، جات له فرصة سفر كبيرة على الخليج مشروع ضخم خاص بالأمن الإلكتروني، والكل شجعه يروح.

حتى سليم، رغم قلقه، قاله بابتسامة: روح يا صاحبي، الدنيا هناك هتفتحلك أبوابها.

سافر أيهم، وبدأ صفحة جديدة.

استقر في بلد بعيدة، جوها غريب عليه، بس هو كان دايمًا بيتأقلم بسرعة.

كان بيشتغل في شركة كبيرة متخصصة في الحماية التقنية،

وكان معروف بين زمايله إنه ما بيخافش من حد، بس بيخاف ربنا.

كان كل فترة يكلم سليم أو مراته مريم، صوته دايمًا ثابت، يطمنهم عليه:كله تمام يا مريم، هنا ناس طيبة، والشغل ماشي كويس.

لكنها كانت تحس دايمًا في نبرته بقلق خفي.

وفي يوم،اتصل بيها صوته مهزوز، وبيقول: لو حصلّي أي حاجة، خدي بالك من نفسك ومن ابننا ومن سليم.

اتجمدت وقتها وقالت له بخ*وف:في إيه يا أيهم؟ بتقول كده ليه؟

ضحك بخفة مصطنعة وقال: ولا حاجة يا بنت الناس، مجرد ضغط شغل متخافيش.

بعد المكالمة دي، سكت تمامًا.

مفيش رسايل، لا مكالمات، ولا حتى إشارات أونلاين.

اختفى.

وبعد أسبوع،بدأت الأخبار تتسرب ببطء.

الشرطة هناك قالت إنه كان متورط في ملف غامض يخص ته*ريب بيانات ومعلومات سرية تخص رجال أعمال كبار.

ناس بتقول إنه اكتشف مؤامرة كبيرة وحاول يبلغ عنها.

وناس تانية قالت إن اللي حواليه كانوا بيستغلوه.

آخر مرة اتشاف فيها،كان خارج من الشركة متأخر بالليل،ووشه عليه توتر غريب،وفي الكاميرات باين حد بيستناه في العربية السودا اللي كانت مركونة على جنب الطريق.

من بعدها مفيش.

بعد أيام،جالهم اتصال من السفارة:نأسف نبلغكم إن السيد أيهم الراوي لقى حت*فه في حادث إط*لاق ن*ار غامض.

كان الخبر كأنه ط*لقة خرجت من السما.

مريم وقعت مغشي عليها،وسليم مسك التليفون بإيد مرتعشة وقال بصوت مبحوح: لا لا يمكن، هو وعدني يرجع.

أما رشيد، خاله، وقف صامت،وشه جامد لكن عنيه بتقول كل حاجة:اللي عمل كده كان عارف هو بيض*رب فين.

كان البيت ساكت على غير العادة.

مفيش ضحك، ولا صوت مريم اللي دايمًا كانت تملأ المكان بالحياة.

الخبر نزل عليهم زي الصاعقة أيهم م*ات.

كانت سلسبيل أول واحدة سمعت من سليم،صوته وقتها كان متغيّر، خشن ومك*سور في نفس اللحظة.

قالها وهو مش قادر يرفع عينه فيها: سلسبيل أيهم اتق*تل.

فضلت تبص له، كأنها مش سامعة صح.

ضحكت بخفة واهية وقالت:بطل هزار يا سليم مش وقت نكت سخيفة.

لكن لما شافت دموعه اللي كان بيحاول يخفيها،وقع الفنجان من إيدها على الأرض واتك*سر.

جريت على مريم،اللي كانت قاعدة على الأرض وسط هدومه وصوره،تمسك التيشيرت اللي كان لابسه آخر مرة قبل سفره،وتشم فيه كأنه ممكن يرجعه.

كانت بتبكي بحرقة وتقول: وعدني يا سلسبيل وعدني إنه راجع.

ماكنش بيكذب عليا أبداً.

كان بيقولي: مستحيل أسيبك حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي.

طب إزاي إزاي سابني؟

سليم وقف بعيد،وشه جامد كأنه حجر، لكن عينيه فاضحة اللي جواه.

ضرب الحيطة بيده وهو بيقول من بين أسنانه:اللي عمل كده هيدفع التمن.

دخل رشيد في الوقت ده، وجهه شاحب وصوته 

مبحوح:الج*ثمان جاي من بره الليلة والشرطة فتحت تحقيق.

سليم، متتسرعش.

لكن سليم كان مش سامع حاجة،كان شايف قدامه بس صورة صاحبه وهو بيضحك،بيفكره بكلامه قبل السفر:خلي بالك من نفسك يا سليم، ومن الناس اللي بتحبهم.

الكلام ده بقى بيرن في ودنه كط*عنة.

خرج برا القصر،ركب عربيته وساق بجنون، والدموع بتنزل من غير ما يحس.

كان حاسس إن الدنيا كلها بتنهار من حواليه.

أما مريم، فكانت في غرفتها،بتحضن صورته، بتتكلم كأنه عايش،بتقوله:رجعلي بس يوم واحد، عايزة أقولك ارجع علشان ابننا اللي راح ينولد بس يوم واحد، وبعدين روح تاني لو لازم.

وسلسبيل وقفت على الباب،دموعها سايحة على خدها،مش قادرة تدخل ولا قادرة تمشي،حاسه إن البيت اتسحب منه النور،وإن الوج*ع بقى سيد الموقف.

وفي آخر الليل، لما الكل نام،خرج سليم لبرا،وقف في الحوش يبص للسماء وقال بصوت واطي: وعد يا أيهم وعد إن اللي عمل كده، مش هيطلع منها سالم.

كانت مريم قاعدة في شقتها، الدنيا ساكتة تمامًا إلا من صوت عقارب الساعة.

البيت اللي كان مليان ضحك أيهم، بقى دلوقتي مليان فراغ وصدى حزن.

بتقلب في صوره على الموبايل، دموعها نازلة على خدها من غير صوت.

وفجأة رن الجرس قامت تمسح دموعها بسرعة، تظن إن يمكن سليم أو حد من العيلة جاي يطمن عليها.

لكن أول ما فتحت الباب، لقت راجل واقف، طويل، لابس جاكيت غامق، ونظرة عينيه مش مريحة أوي فيها حاجة غريبة، مزيج بين الخ*وف والن*دم.

قال بهدوء: مساء الخير يا مدام مريم أنا اسمي ياسر الخولي كنت بشتغل مع الأستاذ أيهم الراوي.

اتجمدت مكانها، صوتها اتك*سر: إنت كنت تعرفه؟

 أكتر مما تتخيلي، كنت معاه في نفس القسم، وشُفت حاجات محدش غيري شافها.

قالها يدخل؟ بصت له بتردد، بس في الآخر دخل.

جلس على الكرسي اللي كان دايمًا أيهم بيقعد عليه،بص حواليه وقال بهدوء: الله يرحمه كان راجل نضيف في وسط عالم كله وس*اخة.

مريم قالت بقلق: يعني إيه؟

 يعني أيهم م*ات لأنه كان عايز يعمل الصح.

رفعت عينيها في خ*وف:تقصد إيه؟ حد قت*له؟

 أيوه بس مش زي ما قالوا الحكاية مش ح*ادث.

كان في ملف خط*ير جدًا بيشتغل عليه، يخص عمليات ته*ريب وغس*يل أموال لشخصيات كبيرة في البلد وكان ناوي يسلمه للسلطات.

اتسعت عيناها:وإنت إزاي عرفت ده؟

كنت معاه في آخر ليلة شُفته وهو بيحاول ينسخ الملفات على فلاشه قبل ما يخرج من المكتب.

لكن قبل ما يكمل، وصلته مكالمة خرج بعدها على طول، وقاللي بالحرف:لو ما رجعتش، بلغ سليم الجندي إن اللعبة أكبر مما تتخيل.

تسمرت مريم، قلبها يدق بع*نف.

 هو قال اسم سليم؟

 أيوه، قاله وكان واثق إن سليم الوحيد اللي هيقدر يكمل من بعده.

ياسر وقف وهو بيبص حواليه بخ*وف: أنا ما ينفعش أطوّل هنا في ناس بتراقبني من يوم الح*ادث.

بس خدي دي.

مدّ إيده، سلّمها فلاش صغيرة فضية، وقال: ده اللي قدر يحتفظ بيه قبل ما يم*وت بس خدي بالك، أيهم م*ات عشان المعلومات دي.

احفظيها كويس وسلّميها للي تثقي فيه.

قبل ما ترد، كان خرج من الباب واختفى في الظلام،

وسابها واقفة، الفلاش في إيدها، وإحساس غريب بيخترق صدرها خ*وف، وفضول، وشيء تاني خفي كأن أيهم لسه عايش،ولسه بيحاول يقولها حاجة.

الساعة كانت تعدّي منتصف الليل، وسليم قاعد في مكتبه الصغير اللي في الطابق العلوي من بيت العيلة.

أوراق مبعثرة، ملفّات مفتوحة، وكوباية قهوة ساقعة من كتر ما نسيها.

كان غارق في أفكاره عن أيهم، صديقه اللي راح فجأة وترك فراغ كبير جواه.

دخلت مريم بخطوات مترددة، وشها باين عليه الإرهاق وقلة النوم.

لما شافها، قام فورًا واقف:مريم! إيه اللي جابك في الوقت ده؟ في حاجة؟

مدّت إيدها المرتجفة وقدّمت له الفلاشة الصغيرة:الراجل ده قاللي إنك لازم تاخدها اسمه ياسر الخولي قال إنه كان بيشتغل مع أيهم.

سليم اتجمد مكانه، نظر للفلاشة كأنها قن*بلة موقوتة.

ياسر الخولي؟!

أيوه، قال إن أيهم سابهاله قبل ما يم*وت، وإنك الوحيد اللي لازم يعرف محتواها.

جلس على الكرسي، شبك أصابعه في شعره:يا رب كنت حاسس إن في حاجة ناقصة في القصة دي.

مريم بصت له بخوف: يعني فعلاً أيهم اتق*تل؟

غالبًا أيوه ودي ممكن تكون المفتاح.

فتح اللاب توب، وبدأ يوصل الفلاشة، وصوته واطي وهو

 بيقول: لو فعلاً دي فيها اللي أنا متخيله، فالموضوع أكبر من مجرد تحقيق فاسد.

الملفات بدأت تظهر على الشاشة صور، تحويلات مالية، تقارير سرّية، أسماء شركات وهمية.

عيناه اتسعت، قلبه بيدق بسرعة.

يا نهار أبيض دي شبكة كاملة!

مريم قالت بصوت مرعوب: سليم، لو حد عرف إن الفلاشة دي وصلت لنا إحنا في خ*طر!

بصّ لها بثبات وهو بيغلق اللاب توب: متخ*افيش، من النهارده أنا اللي هكمل اللي بدأه أيهم ومش هسيب حقه يضيع.

في نفس الوقت تقريبًا، كان ياسر الخولي ماشي بسرعة في شارع جانبي مظلم.

كل شوية يبص وراه، حاسس إن في حد بيتبعه.

ريح خفيفة بتتحرك وسط الأشجار، وصوت خطوات خافتة بيتردد في المسافة.

أخرج موبايله، حاول يتصل بحد، لكن الخط مقطوع.

 اللعنة أسرع خطاه، قلبه بيخبط في صدره، وفجأة لمح ظل أسود بيتحرك في الجهة التانية من الشارع.

وقف مكانه، وصرخ:مين هناك؟

مفيش رد بس صوت خفيف لزجاج بيتك*سر من بعيد.

ابتلع ريقه، وبدأ يجري، لحد ما وصل لموقف عربيات مهجور.

فتح باب سيارة قديمة بسرعة، حاول يشغّلها لكن قبل ما يدور المفتاح،ظهر راجلين لابسين أسود من وراه.

واحد منهم قال بهدوء: كان المفروض تخلّي لسانك مقفول يا ياسر.

صرخ ياسر:إنتو اللي قت*لتوه؟ إنتو اللي خلّيتوا مريم تبكي عليه؟!

مد الراجل التاني يده وفيها أداة معدنية لامعة

الكاميرا لو تخيّلناها مشهد سينمائي بتتحرك ببطء على وجه ياسر،صوت أنفاسه بيتسارع، وبعدين صوت طل*قة واحدة فقط يشق الصمت.

بعد لحظات، تلف سيارة سوداء وتختفي في الظلام،

بينما الموبايل بتاع ياسر بيقع على الأرض،وشاشته منورة برسالة غير مرسلة لمريم:لو حصللي حاجة ثقي بسليم.

كانت مريم جالسة في غرفة المعيشة، تحاول تُلهي نفسها بقراءة كتاب أيهم القديم،

لكن قلبها كان مثقلاً بالقلق بعد لقائها مع ياسر قبل يومين.

صوت المطر بالخارج يملأ الأجواء، والنافذة تهتز كلما ضربتها الرياح.

رنّ هاتفها، نظرت للشاشة، رقم غريب.

 ألو؟

حضرتك الأستاذة مريم؟

أيوه، مين معايا؟

 من قسم الشرطة نحب نبلغك إن الأستاذ ياسر الخولي وُجد مق*تول في سيارته قبل ساعات.

تجمدت الكلمات على لسانها.

 مـ… م*ات؟

 للأسف، أيوه. لو عندك أي معلومة عن آخر مرة شُفتيه فيها، ياريت تمرّي علينا.

أغلقت الهاتف ببطء، كأن الهواء خرج من رئتيها دفعة واحدة.

وقعت الفلاشة من يدها على الأرض، وجلست على الكرسي وهي تهمس: يا رب كل اللي حواليّ بيمشوا واحد ورا التاني ليه؟

الدموع بدأت تنزل، مش بسبب الخ*وف فقط، بل من ثِقَل الفقد.

الناس اللي كانت بتدي حياتها معنى، بيروحوا واحدًا تلو الآخر.

رفعت نظرها للسقف وقالت بصوت مبحوح: لو أيهم لسه عايش، يا رب رجّعه مش قادرة أتحمل تاني.

في المقابل، كان سليم واقف في شرفة الفيلا وقت الغروب،

الهواء بارد، لكنه حاسس بدفء غريب في صدره.

جاءه صوت سلسبيل من ورائه، ناعم ومتردد: سليم في حاجة لازم أقولك عليها.

التفت نحوها بابتسامة:خير يا حبيبتي، في إيه؟

مدّت له ورقة صغيرة من المستشفى،عيناه قرأتا الكلمات بسرعة، وبعدين رفع نظره لها بدهشة ممزوجة بفرح لا يوصف.

 سلسبيل! إنتِ حامل؟!

ضحكت بخجل، وعينيها تلمع: الدكتور قال في أول الشهر.

لم يتمالك نفسه، ض*مها بين ذراعيه بقوة، يدور بها في المكان كطفل فرح.

 ياااه يا سلسبيل، أخيرًا! هنبقى عيلة بجد.

ضحكت وهي تقول:بالراحة يا سليم هتوقعني!

جلسا سويًا على الأريكة، وسليم ماسك يدها بلطف،

صوته اتغير، بقى أكثر عمقًا ودفئًا:أنا كنت فاكر إن حياتي وقفت بعد موت أمي بس وجودك غير كل حاجة.

 ربنا يخليك ليا يا سليم.

مرّت لحظة صمت مليئة بالمشاعر،ثم رفع يده يدعو:يا رب احفظهم، سلسبيل واللي جاي وخلينا دايمًا سند لبعض.

كانت ليلى جالسة أمام المرآة تُسرّح شعرها الطويل ببطء،صوت أنفاسها المتقطعة يختلط بصوت عقارب الساعة في الغرفة الواسعة.

التفتت نحو السرير، فارس يجلس واضعًا نظارته، يقلب أوراق عمله كعادته كل مساء.

كل شيء فيه منظم، دقيق، هادئ إلا قلبه، فهي لم تعرف طريقه بعد.

قالت بصوت منخفض: فارس هتفضل طول الليل كده؟ مش تعبت من الشغل؟

رفع عينيه نحوها، بابتسامة باهتة: الشغل ملوش مواعيد يا ليلى، انتي عارفة.

سكتت لحظة ثم قالت بخفوت: يعني حتى وأنا قدامك، تفضل تشوف الورق أكتر مني؟

توقف عن القراءة، وضع الأوراق على الطاولة، تنهد بعمق، ثم قال:ليلى أنا مش متعود أتكلم كتير، بس دا مش معناه إني مش حاسس.

 بتحس بإيه؟ لأني بجد مش فاهمة!

 بحس إنك طيبة وصبورة أكتر من اللازم.

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها، بس مش دي مشاعر حب يا فارس.

يمكن بس الحب عندي ملوش كلام.

صمتٌ ثقيل ساد المكان،ليلى عضّت شفتها كي لا تبكي، ثم قامت ببطء، اقتربت منه وجلست بجواره.

 فارس، أنا مش عايزة منك ورد ولا كلام حلو أنا عايزة أحس إنك بتشوفني.

نظر إليها نظرة طويلة، فيها شيء من الوج*ع الذي يخفيه دائمًا،ثم مد يده ولمس كفّها بلطف، وقال بصوت 

خافت: يمكن معرفش أعبّر زي الناس، بس وجودك راحة حتى لو مابنطقش بيها.

ابتسمت بخجل، دموعها لم تسقط هذه المرة.

وضعت رأسها على كتفه، وهو ظل صامتًا،لكنه لأول مرة منذ زواجهما، رفع يده ووضعها حولها بخفة.

الهواء في الغرفة صار دافئًا،وصوت أنفاسهما امتزج، كأنهما وجدا أخيرًا بداية صغيرة لحبٍّ كان يبحث عن طريقه بصمت.

كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً، والهدوء يخيم على البيت.

ليلى في المطبخ تُحضّر له العشاء، بينما ينتظرها فارس في مكتبه يتفقد بعض الأوراق.

فجأة، سمعت صوت ارتطام عنيف، تبعته صرخة خافتة.

ركضت بخوف، لتجده على الأرض ممسكًا بصدره، وجهه شاحب وعرقه يتصبب.

صرخت وهي تركع بجانبه: فارس! يا رب، فارس ردّ عليا!

حاول أن يفتح عينيه بصعوبة، وقال بصوت 

متقطع: دوخة بس بسيطة.

 بسيطة إيه؟ إنت مش قادر تتنفس!

ساعدته على الجلوس، واتصلت بالإسعاف وهي تبكي.

كانت المرة الأولى التي تراه فيها ضعيفًا بهذا الشكل،

والمرة الأولى التي تشعر فيها كم هو غالٍ على قلبها.

في المستشفى، بعد الفحوصات، طمأنها الطبيب بأن ضغطه انخفض بسبب الإرهاق الشديد وقلة النوم.

جلست بجانبه، تمسك يده وتهمس: ليه بتع*ذب نفسك كده؟ مش كفاية اللي فيك، كمان الشغل يا فارس؟

فتح عينيه ببطء، نظر إليها نظرة طويلة، فيها امتنان لم يقدر أن يعبّر عنه بالكلمات.

قال بخفوت:كنتِ خايفة عليا قوي، صح؟

 إنت مش فاهم أنا كنت هم*وت وأنا شايفاك كده.

ابتسم بهدوء، ثم رفع يده ليلمس وجهها برفق.

 يمكن دي أول مرة أشوفك بتخافي عليا بالشكل ده وأنا أول مرة أحس إن ممكن أفقدك فعلاً.

لم يُكمل الكلام، اكتفى بأن أمسك يدها بإحكام،

وكأن قلبه بدأ يعترف بما أنكره طويلًا.

مرت أسابيع، وفارس بدأ يستعيد نشاطه، لكن شيئًا تغيّر بداخله.

صار يضحك أكثر، يقضي وقتًا أطول مع ليلى،

وأصبح يلاحظ أدق تفاصيلها ضحكتها الخجولة، وصوتها حين تناديه.

وفي صباحٍ دافئ، خرجت ليلى من الحمام تمسك بيدها نتيجة اختبار الحمل،كانت يدها ترتجف، ودموعها على وشك النزول،

فهي لا تعرف إن كان سيفرح أم سيغضب!

دخل فارس الغرفة، لاحظ ارتباكها،في إيه يا ليلى؟

مدت الورقة نحوه، بصمت.

قرأها ثم رفع رأسه إليها، عيناه اتسعتا بدهشة، ثم ابتسم ابتسامة خافتة لأول مرة منذ زمن.

اقترب منها، ووضع يده على بطنها بلطف، وقال بصوت مبحوح: يعني أنا هبقى أب؟

أومأت برأسها، والدموع في عينيها، أيوه يا فارس، هتبقى أب.

ضحك ضحكة قصيرة خرجت من أعماقه، وض*مها إليه بقوة.

 الحمد لله يمكن دي البداية اللي كنت مستنيها.

 تقصد إيه؟

 أقصد إن ربنا رجّعلي الحياة فيكِ وفي اللي جاي.

بكت بين ذراعيه، وهو يهمس لها: أوعدك من النهارده مش هسيبك تزعلي تاني، لا من برودي ولا من سكوتي.

وفي تلك اللحظة، شعرت ليلى أن قلب فارس الذي طالما كان صامتًا نبض أخيرًا باسمها ظل يتذكر كل هذه اللحظات وزوجته على وشك الولادة ومريم قد سبقتها لغرفة الولادة.

             الفصل الثاني والعشرون من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>