رواية سليم والمراهقة الفصل الرابع عشر 14بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل الرابع عشر 14 

بقلم خضراء القحطاني


بدأت الأصوات تخفت شيئًا فشيئًا، وغادرت الفتيات الواحدة تلو الأخرى بعد أن التقطن الصور وضحكن كثيرًا.

ظل المكان مغمورًا بضوء الشموع الخافت، والجو يعبق برائحة الفانيليا والورد.

وقفت سلسبيل تنظر نحو الكعكة التي لم يتبقَّ منها سوى قطعة صغيرة، تمسح دموعها وتبتسم بخجل.

فجأة سمعت خطوات خلفها استدارت، لتجده سليم يقترب ببطء، يداه في جيبيه، وعيناه مثبتتان عليها بنظرة مختلفة تمامًا نظرة هادئة، لكنها عميقة لدرجة جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء دون وعي.

قال بصوت خافت، كأنه يخشى أن يقطع سكون اللحظة: كنتِ حلوة النهارده أكتر من أي وقت.

ارتبكت، عضت على شفتها بخجل، ولم تدرِ بماذا تجيبه.

اقترب منها أكثر حتى صارت المسافة بينهما ضئيلة جدًا،

 وهمس: عارفة يا سلسبيل من يوم ما شوفتك، وأنا مش قادر أخرجك من بالي.

رفعت رأسها إليه بدهشة، قلبها يخفق بعن*ف، لكن كلماتها تعثرت:سليم أنا.

قاطعها بنبرة دافئة لكنها حازمة: مش لازم تقولي حاجة دلوقتي بس كنت عايزك تعرفي إن وجودك في حياتي بقى جزء مني، زي النفس.

سكت لحظة، ثم مد يده وأخذ خصلة من شعرها كانت قد خرجت من حجابها دون قصد، أعادها برفق مكانها، وهمس: ما كنتش ناوي أخ*وفك ولا أضغط عليك بس النهارده، وأنا بشوفك بتضحكي، حسّيت إنك فعلاً نوري اللي كان ضايع عني.

أخفضت رأسها، لا تعرف هل تبكي أم تبتسم، كل شيء بداخلها مضطرب.

همّت بالابتعاد، لكنه أمسك بمعصمها بلطف وقال بصوتٍ خافتٍ عميق:مت*خافيش مني يا سلسبيل يمكن أكون ق*اسي، بس عمري ما هأذيك.

نظرت لعينيه طويلًا، كأنها تبحث عن صدق كلماته، ثم قالت بصوت مرتعش: أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل بس اللي أنا متأكدة منه إنك دايمًا بتخليني مش مطمنة ومطمنة في نفس الوقت.

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:يمكن علشان إحنا الاتنين اتخلقنا ن*وجع بعض ونطيب بعض في نفس الوقت.

ثم ابتعد عنها بهدوء، تاركًا خلفه أثر كلماته يتردد في قلبها كنبضٍ لا يهدأ،

وبينما كانت تراقب خياله يختفي عبر الممر، أدركت أن حياتها لن تعود كما كانت أبدًا.

مرّ يومان بعد عيد ميلاد سلسبيل، لكن قلبها لسه مش مستوعب اللي حصل.

كل لحظة تفتكر نظرة سليم، وطريقة كلامه، وإزاي لمس شعرها بخفة كأنه بيخاف ي*وجعها.

كانت بتحاول تبعد عنه، بس في كل مرة تشوفه قدامها تتهرب، ومع ذلك عينيها تروح له غصب عنها.

في الصبح، وهي بتجهز الشاي في المطبخ الصغير اللي خصصهولها سليم في القصر، سمعِت صوت دوشة برا، خطوات سريعة، وصوت ص*راخ خافت.

خرجت بسرعة، لقت الحرس بيتحركوا ناحية البوابة، وسيارة سوداء بتدخل بسرعة جنونية.

نزل منها فارس، ووشه شاحب ويده ماسكة على كتفه اللي مليان د*م، وجنبه شاب طويل، عيونه شبهه، بس فيها هدوء غريب فراس.

صرخت واحدة من الخدم: يا مصيبة! فارس اتص*اب!

اتجمعت الناس حواليهم، وطلعت سلسبيل بسرعة من غير ما تحس، بتدور على سليم.

وفي اللحظة دي، سليم نزل من الدور التاني بخطوات سريعة، صوته جه قوي ومليان قلق: إيه اللي حصل يا فارس؟ مين اللي عمل كده؟

اتنفس فارس بصعوبة وقال: كمين حد كان مستنينا واضح إنهم عارفين طريقنا كويس.

اتبدل وش سليم بلون تاني، مزيج بين الغضب والهدوء اللي يسبق العاصفة.

أشار للحرس وقال: خدوه جوه المكتب، واستدعوا الدكتور حالًا محدش يفتح بقه بكلمة.

أما فراس فكان ماسك أخوه بيد مرتجفة، بيحاول يخفف عنه، وقال لسليم: الرص*اصة خرجت من الكتف الحمد لله، بس الن*زيف جامد.

سليم حط إيده على كتف فراس وقال بنبرة فيها احترام

 واضح: عملت اللي تقدر عليه يا فراس دلوقتي دوري أنا.

دخلوا فارس للمكتب، وسليم واقف جنبه لحد ما خلّص الدكتور الإسعافات الأولية.

وبعد ما خرج الطبيب، سليم قعد على الكرسي المقابل لأخوه في السلاح، وقال بصوت منخفض: احكيلي بقى، مين اللي جرّأ يعمل كده؟

فارس بصله بعينين متعبة وقال: نادر الدهشان بدأ يلعبها صح المرة دي.

في اللحظة دي، دخلت سلسبيل من غير قصد، كانت بتجيب ميّه وفوطة، ووشها باين عليه القلق.

ولما شافها سليم، لوهلة نسي كل حاجة، حتى الد*م اللي على هدومه.

قال لها بهدوء:ادّي الفوطة لفراس وارجعي أوضتك، المكان هنا مش آمن.

هزّت راسها وقالت بخوف:بس أنا كنت عايزة أطمن على فارس بيه.

ابتسم فارس رغم أل*مه وقال: أنا كويس ، متخافيش أنا جامد أوي، ربنا يستر طريقك.

نظرت سلسبيل ليه بابتسامة باهتة ومشيت، لكنها حسّت إن فيه حاجة أكبر من مجرد شغل سليم فيه عالم غامض بيغلي حواليها، وهي داخله من غير ما تاخد بالها.

بعد ما خرجت، بص فراس لسليم وقال: البنت دي شكلها مش زينا خالص، نقية قوي.

رد سليم وهو بيبص ناحية الباب: عشان كده أنا مش عايزها تت*وسخ بعالمنا بس يمكن فات الأوان.

وسكت الاتنين، والصمت كان تقيل لدرجة إن أنفاسهم بس اللي بتتسمع.

في برا القصر، كان الليل ساكن بس في قلب سليم، الح*رب كانت بدأت فعلاً.

الليل نزل على القصر وسكون غريب خيّم على كل ركن.

رائحة المطهر لسه مالية الجو بعد ما خرج الدكتور، وصوت أنفاس فارس الهادية بيكسر الصمت.

لكن سليم ما كانش قادر يهدى واقف في مكتبه، قدامه خريطة كبيرة، وبين إيديه ملف مفتوح وصور عليها د*م متجمد.

دخل أيهم الراوي بهدوء، لبسه دايمًا بسيط، عيونه فيها وقار وهدوء بيخلي المكان يطمن رغم كل التوتر.

قال له بنبرة جدّية:يا سليم، أنا قلتلك كتير الظ*لم ملوش آخر حلو، والد*م بيجيب د*م خف شوية على نفسك، وخف أكتر على اللي حواليك.

سليم لف له وبصله بحدة، وبعدين قال بنبرة

 منخفضة: همّا اللي بدأوا يا أيهم أنا ما بسيبش حقي، وخصوصًا لما يوصلوا لرجالتي.

أيهم تقدم ناحيته وقال وهو حاطط إيده على كتفه: لو كنت فاكر إن الانت*قام راحة، تبقى غلطان الراحة تيجي لما ربنا يرضى عنك.

بص له سليم لحظة، وبعدين سحب نفسه وقال: ما تحاولش توقفني النهارده اللي حصل النهارده مش هيعدّي بالساهل.

طلع من المكتب واتجه للجراج، عيونه فيها له*ب، راكب عربيته السودا، ومعاه اتنين من رجالته، والوجهة كانت معروفة مخزن مهجور في أطراف القاهرة، بيتجمع فيه كل معلومة بتخص خصومه.

في نفس الوقت، في القصر، كانت سلسبيل قاعدة في أوضتها، متكوّرة على نفسها وبتبكي في صمت.

كل المشاهد اللي شافتها النهارده بتلف في دماغها الد*م، الصراخ، سليم الغاض*ب، رع*بها لما شافت فارس بين الحياة والم*وت.

جواها ص،راع غريب هو الراجل ده، اللي بيحميها ويخاف عليها، نفس الشخص اللي بي*خوف الناس؟

نفس الشخص اللي عيونه فيها ن*ار كل ما حد يغلط معاه؟

سمعت خبطة خفيفة على الباب، فتجمدت مكانها، قالت بصوت واطي:مين؟

جه صوت أيهم من ورا الباب:أنا يا سلسبيل، افتحي لو مش تعبانة.

فتحت الباب، ووشها باين عليه الخ*وف.

دخل أيهم، نظر حواليه، وبعدين قال: مت*خافيش، محدش هي*أذيكي هنا سليم يمكن شديد، بس عمره ما هيقرب منك ب*أذى.

قالت له بصوت مرتعش:بس أنا شفت حاجات تخ*وف أنا مش فاهمة أنا فين، ولا الناس دي بتعمل إيه.

ابتسم أيهم بحزن وقال:سليم ليه عالمه، عالم صعب بس انتي ليكي قلب طيب، يمكن وجودك هو اللي هيغيّره.

سكت لحظة، وبعدين أضاف وهو بيبصلها بنظرة

 أبوية: خدي بالك، اللي حواليه دايمًا بي*تأذوا، إلا اللي ربنا كاتب له يكون سبب هدايته.

نزلت دمعة على خدها وهي بتقول:بس أنا مش قادرة أهرب، كل مرة بحاول بحس إن فيه حاجة بتشدني له.

ابتسم أيهم وقال: يمكن دي حكمة ربنا يا بنتي.

وفي نفس اللحظة، رجع سليم للقصر، هدومه مليانة تراب، وصوته مبحوح، بس في عينيه كان فيه ارتياح بسيط كأنه خلّص المهمة.

دخل المكتب وسأل الحارس:خلّصتوا تنظيف المكان؟

قال له: أيوه يا باشا، وكل اللي كانوا هناك اختفوا من الوجود.

سكت سليم شوية، وبعدين رفع عينه للسقف وقال في سره:يمكن فعلاً أيهم عنده حق بس أنا ما أعرفش طريق غير ده.

وفي اللحظة دي، كانت سلسبيل قاعدة تبص من الشباك، شافت عربيته داخلة القصر، قلبها دق بسرعة،

مش عارفة هي خايفة ولا مطمّنة لأنه رجع.

الليل كان ساكن، بس جوه القصر كانت الرياح بتخبط في الشبابيك كأنها بتهمس بشيء غامض.

سليم نايم على سريره، ملامحه مشدودة، وعرق خفيف على جبينه.

في الحلم كانت أمه واقفة قدامه بنفس ابتسامتها اللي كان فاكر إنه نسيها لابسة جلابية بسيطة، وشعرها مغطى بإيشارب أبيض.

قالت له بصوتها الحنون اللي كان بيطمنه زمان:خُد بالك من نفسك يا سليم وساعد اللي حواليك، ما تسيبش قلبك يضلم الدنيا ما تستاهلش القسوة دي يا ابني.

مدّ إيده ناحيتها، بس كل ما يقرب، كانت بتبعد وتختفي في نور أبيض ساطع.

صوتها كان آخر حاجة سمعها قبل ما يصرخ:مامااااااا!!

فتح عينيه مفزوع، أنفاسه سريعة، قلبه بيدق بقوة، قام قاعد وهو بيبص حواليه.

الهدوء خيّم تاني، بس جواه دوشة مش طبيعية.

كان بيهمس: ماما ماماااا

وفجأة الباب اتفتح بخفة، ودخلت سلسبيل لابسة بيچامة بسيطة، شعرها مفكوك ووشها باين عليه القلق.

قالت وهي بتقرب منه بحذر:فيك إيه يا سليم؟ سمعتك بتنادي؟

بصلها بعينين محمرتين، كأنه تايه في مكان مظ*لم وشافها فجأة.

قال بصوت مبحوح: كانت هنا كانت قدامي.

قالت باستغراب: مين؟

 أمي كنت سامع صوتها، شُفتها وهي بتضحكلي كانت بتقولّي ساعد الناس، ما تظل*مش حد كلامه اتك*سر وسط بكاء مكتوم، فمدّ دراعه وس*حب سلسبيل ناحيته، حض*نها بقوة كأنها طوق نجاة، والدموع نازلة على خده.

هي اتج*مدت في الأول، بس لما سمعت صوته المك*سور 

بيقول: وحشتني يا ماما وحشتني.

حست بشيء واج*عها جواه.

فضلت ساكتة، بس حطت إيدها على كتفه وقالت

 بهدوء: خلاص يا سليم يمكن كانت بتيجي تطمن عليك.

هو ما ردش، كان لسه حض*نها بقوة، وصوته بدأ يهدى، لحد ما نفسه بقى منتظم، ووشه استقر على كتفها.

بعد لحظات، صوته اختفى تمامًا، نام من الإرهاق، وإيدها لسه على شعره.

بصت له بحنان غريب عليها، وهمست لنفسها: أول مرة أشوفك ضعيف كده يا سليم وسكتت، وكل اللي سمعته بعدها كان أنفاسه الهادية، ونور القمر داخل من الشباك، منور وشّه الهادي كأنه طفل بعد ما تعب من البكاء.

              الفصل الخامس عشر من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>