الفصل الحادي عشر 11
بقلم خضراء القحطاني
جلس الجميع في غرفة الجلوس الكبرى، الجوّ مشحون بهدوءٍ غريب.
ليلى جلست بجوار والدها صالح اليوسف، ترتجف أصابعها من التوتر.
أما سامر فكان صامتًا، يضغط على كفه بشدة، كأنه يقاوم شيئًا يغ*لي في داخله.
دخل إياد بهدوئه المعتاد، لكنه بدا مختلفًا هذه المرة،في عينيه تصميم واضح، وفي صوته ثقة ناعمة قال وهو يحيّي الجميع:مساء الخير آسف لو جيت من غير سابق إنذار، بس الموضوع بالنسبة لي مهم.
أشار له صالح بالجلوس، وقال بهدوء:أهلاً يا إياد، نعرف إنك صاحب موقف قول اللي عندك.
أخذ إياد نفسًا عميقًا، ثم نظر نحو ليلى مباشرةً،
نظرة لم تحتملها، فخفضت عينيها إلى الأرض.
جيت النهارده أطلب إيد الآنسة ليلى رسمي،مش بس لأني بحبها،لكن لأنها كانت دايمًا أقوى من كل حاجة حاولت تك*سرها وأنا نفسي أكون القوة اللي تسندها، مش الوج*ع اللي يزيدها.
ساد الصمت لثوانٍ،قبل أن يضحك سامر بخفوت، ضحكة حاول أن يُخفي بها اضطرابه.
جميل الكلام ده يا إياد، بس ليلى لسه خارجة من وج*ع كبير،إنت متأكد إنك جاهز تشيل الحِمل ده؟
رد إياد بنبرة واثقة:يمكن ما أقدرش أمسح الماضي، بس أقدر أكون مستقبله.
تحولت نظرات الجميع إلى ليلى،كانت ملامحها متوترة، ودموعها تلمع بخفة في عينيها.
تذكرت كل شيء: خذلان كريم، مكائد ديلا، ق*سوة سامر، ص*راعها من أجل ابنها،ثم نظرات إياد التي كانت دائمًا تتابعها بصمت، لا تطلب شيئًا سوى الاطمئنان عليها.
قال صالح اليوسف بهدوءٍ حازم:الكلمة الأخيرة ليها هي.
رفعت ليلى رأسها ببطء،ترددت، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:أنا محتاجة وقت أفكر، الموضوع مش سهل عليّ.
أومأ إياد بابتسامةٍ متفهمة،خدي كل وقتك، أنا مش مستعجل اللي يهمني إنك تكوني مرتاحة.
أما سامر، فنهض فجأة متجهًا نحو الباب،قال بصوتٍ بارد يخفي غليانًا داخله:أنا طالع شوية، محتاج أتنفّس.
خرج من المنزل وسار في الشارع ليلًا،يتذكّر وجه ليلى وهي تبكي ذات يوم بسببه،وصوت إياد وهو يطلبها للزواج اليوم.
توقف أمام البحر، ثم همس لنفسه:أنا اللي ضيعت كل حاجة بس مش هسمح إن الماضي يرجع يك*سرها تاني، حتى لو تمن ده إني أكون بعيد.
في الوقت نفسه، جلست ليلى في غرفتها أمام المرآة،
تلمس شعرها بهدوء، وتهمس لصورتها:هل أقدر أبدأ من جديد فعلاً؟
ولا أنا لسه جوّه نفس الج*رح اللي ما قفلش؟
وفي الخارج، كان إياد يقف أمام باب بيتها،ينظر إلى النور المنبعث من غرفتها،ويبتسم بخفوتٍ كمن ينتظر وعدًا لم يُكتب بعد.
كانت ليلى تمشي في حديقة صغيرة قريبة من المدرسة التي تعمل بها.
الهواء عليل، والسماء مائلة إلى الغروب،وأصوات الأطفال تتلاشى شيئًا فشيئًا حتى لم يبقَ إلا الهدوء.
خطواتٌ مألوفة اقتربت منها ببطء،التفتت فوجدت إياد يقف خلفها، يحمل بيده وردة بيضاء.
ابتسم وقال بخفوتٍ يشبه الخجل:ممكن أقعد جنبك؟
هزت رأسها بالإيجاب دون أن تنطق.
جلس إلى جوارها بصمتٍ طويل، كأن الكلمات تخاف أن تُفسد اللحظة.
قال أخيرًا وهو ينظر إلى الأفق:بتعرفي يا ليلى أول مرة شفتك كنتِ من*هارة،
كنتِ بتحاولي تظهري قوية،بس عينيك كانت بتكذبك.
من ساعتها وأنا وعدت نفسي لو الزمن سمحلي أكون سبب في ضحكتك، مش هفوّت الفرصة.
سكت قليلاً، ثم أضاف وهو يلتفت نحوها:بس لو مش جاهزة، أنا كمان مستعد أستنى العمر كله.
كانت الدموع تلمع في عينيها،همست بصوتٍ مرتجف:إياد أنا مش خايفة منك،أنا خايفة من نفسي من إني أتعلّق، وأخسر تاني.
الحب بالنسبالي بقى خوف مش أمان.
مدّ يده نحوها، وقال برفقٍ شديد:الحب مش وعد بالأمان يا ليلى،بس ممكن يكون فرصة نداوي بيها اللي وجعنا قبل كده.
لم تستطع الرد، لكنها اكتفت بأن وضعت يدها على يده بخجلٍ صادق.
نظرت إليه وابتسمت، فابتسم هو بدوره،وفي تلك اللحظة، شعر الاثنان أن الكلمات لم تعد ضرورية.
لكن القدر لا يترك سكون القلب طويلًا.
في المساء، وبينما كانت ليلى تغلق باب بيتها،سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
التفتت بص*دمة كان كريم واقفًا أمامها، شاحب الوجه، عيناه مليئتان بالندم.
ليلى مش قادرة أتخيل إنك فعلاً مشيتي من حياتي بالشكل ده.
يمكن كنت غبي، يمكن ظ*لمتك، بس والله ما نسيتك يوم.
نظرت إليه بجمود، وصوتها منخفض لكنه حاد:بعد كل اللي حصل يا كريم، لسه عندك الجرأة ترجع؟
أنا اللي كنت بدور عنك وقت ض*عفي وإنت كنت السبب.
اقترب منها خطوة، حاول أن يمسك يدها لكنها تراجعت:أنا اتغيّرت يا ليلى، والله بقيت إنسان تاني عايز أبدأ من جديد، عشان سامي عشانك.
ردّت بصوتٍ مبحوح:التغيير الحقيقي مش بالكلام يا كريم،
أنا دلوقتي مش نفس ليلى اللي كنت تعرفها.
اللي اتك*سرت خلاص ما بترجعش زي الأول.
ثم أكملت بثباتٍ م*ؤلم:أنا سامحتك بس ما فيش رجوع.
بقي واقفًا في مكانه ينظر إليها بعجزٍ واضح،في حين أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه وهي تبكي بصمتٍ طويل.
أما إياد، فكان في الخارج يتأمل تلك الشقة الصغيرة من بعيد.
رأى الضوء يُطفأ ببطء، وشعر أن شيئًا تغير تلك الليلة
ربما سقط آخر جدار بينها وبين قلبه.
كانت ليلى تجلس مع ابنها سامي في الحديقة الخلفية للمنزل،تراقبه وهو يركض بين الزهور الصغيرة ويضحك بصوتٍ صافٍ،ضحكةٌ أعادت إلى قلبها الحياة بعد شهورٍ من الألم والخوف.
ولم تكن تدري أن هذا اليوم لن يكون عاديًا على الإطلاق.
في الداخل، كانت التحضيرات تسير بهدوءٍ غامض.
سامر يتحرك متوترًا أكثر من العادة،وصالح اليوسف يراجع بعض الأوراق،بينما الخدم يتهيأون لاستقبال ضيوفٍ لم تُخبر ليلى عنهم بعد.
وبينما كانت تستعد للدخول، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام البوابة.
رفعت رأسها لتجد إياد يترجل منها مرتديًا بدلة رمادية أنيقة،وفي يده باقة من الورد الأبيض، تمامًا كما فعل يوم لقائهما الأول في الحديقة.
تجمّدت للحظة،تبادلت معه نظرة قصيرة، لكنها حملت كل ما لم يُقال.
اقترب منها بخطواتٍ واثقة وقال بابتسامةٍ خفيفة:ممكن أدخل؟ المرة دي جاي رسمي.
تنفست بعمق، وكأن قلبها يريد أن يسبق عقلها،لكنها اكتفت بإيماءة صامتة.
دخل إياد المنزل، حيث كان صالح اليوسف ينتظره بابتسامةٍ ودودة.
صافحه بحرارة وقال:كنت متوقع اليوم ده من بدري يا إياد.
جلس الجميع، وبدأ إياد حديثه بنبرةٍ صادقة وواضحة:أنا جيت النهاردة أطلب يد ليلى رسمي،مش بس كراجل بيحبها،لكن كحد شايف فيها كل معنى للثبات،رغم كل اللي مرّت بيه، لسه واقفة ولسه عندها ضوء.
نظر إلى سامي الصغير الذي كان يقف مترددًا بجوار والدته،وانحنى إليه بابتسامة وقال:وإنت كمان، لو تسمحلي، نفسي أكون جزء من حياتك.
ركض سامي إليه بخجلٍ واحتضنه دون تردد،فارتسمت ابتسامة على وجه الجميع، حتى سامر الذي جلس في الخلف بصمت،يحاول أن يخفي مشاعره المضطربة،لكن نظرته نحو أخته كانت مليئة بالحنان والفخر.
قال صالح اليوسف بنبرة حازمة لكنها دافئة:أنا ما كنتش أتمنى لليلى إلا راجل يحافظ عليها ويخاف عليها ولو هي راضية، يبقى من النهارده أعتبرها أمانة في رقبتك يا إياد.
نظرت ليلى إلى والدها، ثم إلى إياد،دموعها سبقت كلماتها وهي تهمس:أنا راضية يا بابا.
ساد صمتٌ جميل للحظة، ثم انطلقت الزغاريد الخفيفة من الخدم،وضحكة سامي الصغيرة ملأت المكان كأنها توقيع الفرح.
أما إياد، فاقترب من ليلى بخطواتٍ هادئة،وأعطاها الوردة البيضاء نفسها التي حملها أول مرة،وقال بصوتٍ منخفض لا يسمعه سواها:دي الوردة اللي بدأت القصة ودي كمان اللي هتكمّلها.
رفعت عينيها نحوه بابتسامةٍ ناعمة،وفي تلك اللحظة، شعر كلاهما أن الماضي بكل وج*عه قد صار أخيرًا خلفهما.
كانت ليلة الخطوبة مختلفة عن أي ليلة عاشتها ليلى من قبل.
البيت امتلأ بالأنوار والضحكات والموسيقى الهادئة التي اختارها سامر بنفسه،والجميع كانوا يتحركون بخفةٍ وكأنهم يريدون أن يعوضوا ليلى عن كل دمعةٍ ذرفتها في حياتها السابقة.
وقفت ليلى أمام المرآة، ترتدي فستانًا بلونٍ سماوي ناعم،
ينسدل على كتفيها بخفةٍ كأن النسيم يحمله،
وشعرها مرفوعٌ بنعومة، يزينه تاج بسيط من اللؤلؤ.
تأملت انعكاسها، وابتسمت بخجلٍ وهي تهمس لنفسها:
هو أنا فعلاً هبدأ من جديد؟
دخلت سمر الغرفة بخفةٍ وهي تصفق بفرح:يا بنتي القمر طالع من أوضته! إياد هيطير لما يشوفك!
ضحكت ليلى بخجل، ثم نظرت إليها قائلة:دعيلنا يا سمر نفسي المرة دي يكون السلام طويل.
في الخارج، كان إياد يقف مع سامر وصالح، يبدو عليه التوتر رغم محاولته إخفاءه.
سامر ربّت على كتفه قائلاً:خد بالك منها مش بس عشان أختي، عشان هي طيبة زيادة عن اللزوم.
أجابه إياد بابتسامةٍ جادة:هكون سندها طول العمر يا سامر، زي ما هي كانت دايمًا نور المكان اللي فيه.
دخلت ليلى القاعة الصغيرة، وكل العيون اتجهت نحوها.
كان إياد أول من وقف، كأن روحه سبقته إليها.
لم يرَ أحدًا سواها.
تقدّم نحوها بخطواتٍ بطيئة، حتى صار أمامها تمامًا،
ثم همس بصوتٍ منخفض:كل لحظة استنيتك فيها، كانت تستاهل.
أمسك بيدها، وبدأت مراسم الخطوبة وسط التصفيق والضحكات.
لكن بين تلك الوجوه، كان هناك وجهٌ واحد لم يشارك الابتسامة كريم.
وقف بعيدًا، بدعوةٍ اضطرارية من صالح اليوسف،
يراقب المشهد بعينين متعبتين،يحاول أن يخفي رجفة أنامله حين رأى ليلى تبتسم لإياد.
لم يصدق أن من كانت يومًا زوجته أصبحت حلمًا لا يخصه.
بعد انتهاء الحفل، اقترب من سامر بصوتٍ خافت:كنت غلطان في حقها، وفي حق نفسي.
بس كنت فاكر لسه في فرصة.
نظر إليه سامر ببرودٍ ممزوجٍ بالمرارة وقال:الفرص يا كريم مش بتتكرر لما تك*سر اللي وثق فيك.
رحل كريم بخطواتٍ بطيئة، كمن يحمل وزنه وذنبه معًا،
بينما في الداخل كانت ليلى تجلس مع إياد في ركنٍ هادئ من الحديقة.
النسيم يداعب فستانها، وضوء الشموع يتراقص بجانبهم.
قالت له بخجلٍ خافت:أنا ساعات بخاف يا إياد من الماضي، من كل حاجة راحت وممكن ترجع.
اقترب منها أكثر، وضع يده برفقٍ على يدها وقال:طول ما أنا معاكي، الماضي مكانه ورا أنا وعد، مش مجرد حب.
نظرت إليه بصمتٍ طويل، ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي غابت عن وجهها لسنوات،وبينما كان يقترب منها أكثر،لمحت من بعيد نظرة غريبة من ديلا،نظرة لم تكن مريحة أبدًا، فيها شيء من الحسد وربما الخوف.
لكن ليلى تجاهلتها،لأن الليلة كانت ليلتها ولأن قلبها أخيرًا بدأ يتنفس حياةً جديدة.
كانت أضواء الحفل بدأت تخفت، والضيوف يغادرون الواحد تلو الآخر،
لكن ديلا لم تكن قادرة على الرحيل.
وقفت بعيدًا تراقب ليلى وهي تتحدث مع إياد،ابتسامته لها، طريقته في النظر إليها كل شيء كان يشعل شيئًا مظلمًا داخلها.
همست لنفسها بمرارة:كانت مجرد غريبة والنهارده بقت كل حياته.
تقدّمت بخطواتٍ متزنة نحو ليلى، وفي وجهها ابتسامة زائفة تخفي خلفها الغليان.
قالت بصوتٍ ناعمٍ يحمل سُمًّا خفيًا:ليلى مبروك الخطوبة ما شاء الله، شكل الدنيا ابتسمت لك أخيرًا.
رفعت ليلى رأسها بابتسامةٍ مهذبة وقالت بهدوء:شكرًا يا ديلا، أتمنى لك السعادة كمان.
ضحكت ديلا بخفةٍ مزيفة واقتربت منها أكثر حتى صار صوتهما خافتًا:سعادة؟ بعد اللي عملتيه؟
تعرفي يا ليلى، الناس مش هتنسى بسهولة.
الكل بيقول إن إياد اندفع، وإنه ضيّع سمعته عشان واحدة.
لكنها لم تُكمل.
فقد جاء صوت قوي من خلفها ق*طع كلماتها كالسيف:كمّلي يا ديلا، عشان أشوف إزاي ممكن تواجهي نفسك بعد كده.
التفتت بخوف، فكان إياد يقف خلفها،عيناه تشتعلان غضبًا، وصوته يحمل من الهيبة ما جعلها تتراجع خطوة.
قالت مرتبكة:إياد! أنا كنت بس بهزر.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، وقال ببرودٍ قاتل:اللي فيه نية أذية عمره ما بيهزر.
آخر مرة يا ديلا آخر مرة تقربي من ليلى أو تحاولي تمسيها بكلمة.
حاولت التماسك وقالت بعنادٍ خافت:يعني خلاص نسيت كل اللي بينا؟ نسيت مين كانت جنبك زمان؟
رفع حاجبه وقال بنبرةٍ قاطعة:أنا مافيش بيني وبينك غير حدود احترام وانتهت.
ليلى خطيبتي، وأي تجاوز تجاهها هعتبره إساءة ليّ شخصيًا.
غادرت ديلا المكان والدموع تحرق عينيها، بينما ليلى كانت تنظر إليه في صمتٍ وامتنان.
اقترب منها إياد، وضع يده على كتفها بلطف وقال:ما تزعليش الناس لما تحس إنك قوية بيحاولوا يكسروا فيك، بس أنا مش هسيب حد يقرب منك.
أجابت بصوتٍ مبحوح:أنا مش زعلانة بس وجعني إن في ناس بتتمنى لي الأذى حتى بعد كل اللي مريت بيه.
ابتسم إياد ابتسامةً خفيفة وقال:سيبيهم اللي بيحاول يطفي نورك، في النهاية بيتحرق بضوءك.
تلك الليلة، حين عادت ليلى إلى غرفتها،جلست على السرير تفكر بكلماته، ودمعة ساخنة انزلقت على خدها،ليست دمعة أل*م، بل دمعة امتنان لأن أحدًا أخيرًا وقف ليحميها لا ليؤذيها.
لم تكن ديلا تنام تلك الليلة.
جلست أمام المرآة، نظراتها غارقة في الغضب والخذلان.
كل مرة تذكرت فيها كيف أوقفها إياد أمام الجميع،كانت تشعر بطعنةٍ في كرامتها.
قالت لنفسها وهي تمسح دموعها بعنف:مش ممكن أخليه ينسى إني كنت كل حاجة بحلم بها وحتى هو و حياته.
مش ممكن أخلي ليلى تاخد كل اللي كنت بحلم بيه.
فتحت هاتفها، واتصلت برقمٍ مجهول، بصوتٍ منخفضٍ ومليء بالكراهية:نفّذ اللي قلت لك عليه عايزة كل حاجة تخصها تنتشر.
صور، أخبار، أي حاجة تخلي الناس تشك فيها.
في الجهة الأخرى، كانت ليلى تعيش هدوءًا نادرًا.
بعد سنواتٍ من الألم والخذلان، بدأت تشعر بالأمان أخيرًا.
وجود إياد قربها كان كنسمةٍ دافئة بعد عاصفة طويلة.
في أحد الأيام، بعد انتهاء عملها،
جاء إياد ينتظرها عند باب المدرسة بسيارته.
تفاجأت بوجوده، فابتسمت وقالت بخجل:ما كانش لازم تتعب نفسك، كنت راجعة تاكسي.
ضحك قائلاً:ولو تعبت نفسي شوية علشانك؟ الدنيا هتزعل؟
ركبت السيارة، ودار بينهما حديثٌ هادئ عن يومها، عن سامي،
عن المستقبل الذي بدأ يبدو أقل قسوة.
لكنها لم تكن تعلم أن الغيوم لم تتبدد بعد.
في اليوم التالي،استيقظت ليلى على رسائل لا حصر لها في هاتفها.
صور قديمة من أيام زواجها بكريم، مقتطفات مشوّهة من حياتها الخاصة،
وأقاويل تقول إنها عادت إليه سرًا.
تسارعت أنفاسها، شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
أمسكت الهاتف بيدٍ مرتجفة، وهمست:مين اللي بيعمل فيا كده تاني؟ ليه؟!
قبل أن تتمكن من التفكير، كان إياد قد اتصل بها.
صوته كان حازمًا ومتوترًا:ليلى، ما تفتحيش الإنترنت دلوقتي في شوية إشاعات طلعت وأنا بحاول أسيطر عليها.
أجابت بصوتٍ مختنق:أنا شوفتها يا إياد نفس الأسلوب نفس الألم اللي كنت فاكرة خلص.
قال بثقةٍ ودفء:أنا مش هسيب حد يؤذيك ولا حد يلوث اسمك تاني.
بدأ إياد تحقيقه الخاص، وبذكائه، توصّل إلى المصدر.
رقم الهاتف الذي أُرسلت منه الصور يعود لشخصٍ كان يعمل مع ديلا سابقًا.
وعندما واجهه، انهار الرجل وقال بخوف:هي اللي طلبت مني قالت لي أعمل كده علشان أنت لازم تعرف حقيقتها.
لم يتردد إياد لحظة.
ذهب إلى ديلا، كانت جالسة في المقهى الفخم كأن شيئًا لم يكن.
جلس أمامها، وعيناه باردتان كحدّ السيف.
قال بهدوءٍ قاتل:هدمتي إنسانة ما عملتلكش حاجة.
لو في يوم كنتِ غالية عندي، دلوقتي انتي انتهيتِ بالنسبالي.
كل حاجة بينا خلصت.
ابتسمت بسخريةٍ حزينة وقالت:خلصت من بدري يا إياد بس إنت اللي كنت مش شايف.
غادر، تاركًا خلفه امرأةً مهزومة،بينما عاد إلى ليلى التي كانت تنتظره بعيونٍ ممتلئة خوفًا.
حين رآها، لم يقل شيئًا.
اقترب منها، رفع وجهها برفق وقال:خلصت يا ليلى كل حاجة خلصت.
واللي حاول يؤذيك، هيتعاقب، بس إنتِ لازم ترجعي تبتسمي تاني.
نظرت إليه طويلاً، ثم همست:مش عارفة أبتسم من غيرك.
ضحك وهو يمسح دمعتها وقال:يبقى ما تسيبيش إيدي تاني.
في تلك اللحظة،كان في مكانٍ آخر ديلا تراقبهما من بعيد،وفي قلبها نار لم تخمد بعد فحتى بعد انكشاف أمرها، لم تنتهِ قصتها بعد،بل كانت تخطط لشيءٍ أكبر، شيءٍ قد يغير كل شيء.
امتلأت القاعة بأضواء خافتة،
وأصوات الموسيقى الكلاسيكية تنساب برقة في الأجواء.
الكل كان يظن أن الحفل مجرد احتفال بسيط لتكريم مجموعة من المتفوقين،لكن المفاجأة كانت تنتظر الجميع.
وقف إياد على المنصة، بثباتٍ ووقار،عيناه تبحثان بين الحضور حتى استقرتا على ليلى،التي كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا يليق برقتها،وبجانبها ابنها سامي الذي لم يفارق يدها.
أخذ إياد نفسًا عميقًا وقال بصوتٍ قويٍّ وهادئ:في حياتي قابلت ناس كتير بس في واحدة علمتني يعني إيه القوة،يعني إيه تعيش رغم الألم،عشان كده، أنا النهارده، قدامكم كلكم،بطلب رسميًا يد الأستاذة ليلى صالح اليوسف.
ساد الصمت القاعة لثوانٍ طويلة،
ثم تعالت الأصوات بالتصفيق والتهاني،بينما وجه ليلى احمرّ خجلًا،ونظرت إلى إياد وعيناها تغرورقان بالدموع.
لكن، لم يكن الجميع سعيدًا.
في الصفوف الخلفية،كان كريم يقف مذهولًا،لم يتوقع أن يرى حب حياته السابق يُعلن ارتباطه رسميًا أمامه من رجلٍ آخر.
خرج مسرعًا من القاعة، ووجهه متجهم،ولحقته ديلا بخطواتٍ مترددة.
كريم، استنى!
التفت نحوها بعينين تشتعلان غضبًا،وصاح بصوتٍ خافتٍ لكنه مليء بالاحتقان:ده اللي كنتي عايزاه، صح؟!
إنتي السبب في كل ده!
لعبتِ بعقول الناس، شوهتِ صورتها، وبعد كده سبتِ الأمور تتفاقم!
تراجعت بخوف وقالت:كريم، إنت فاهم غلط، أنا ماليش دخل.
قاطـعها بعنف:كل حاجة من يوم ما دخلت حياتها وإنتِ حواليها، المشاكل ما وقفتش!
كنتي عايزة تبقي مكانها، صح؟
وفضلتِ تلفي وتدوري لحد ما خدتِ كل حاجة في طريقك!
دمعت عيناها وقالت بصوتٍ مرتجف:أنا كنت بحبك يا كريم وكل اللي عملته كان عشانك.
ضحك بسخريةٍ مرة وقال:حب؟
الحب مش دمار، ولا حقد، ولا أذية الناس.
إنتِ السبب إن قلبي مات، بس صدقيني أنا مش هسيبك ترتاحي بعد كده.
تركها واقفة والدموع تسيل من عينيها،بينما كان يعود إلى سيارته،يضرب المقود بيده بعنف،يحاول استيعاب أن المرأة الوحيدة التي أحبها حقًا
صارت اليوم ملك رجلٍ آخر.
في داخل القاعة، اقترب إياد من ليلى،أمسك يدها أمام الجميع وقال بابتسامةٍ خفيفة:ابتسمي بقى الناس كلها مستنيّة تشوف العروسة.
ضحكت بخجلٍ وارتبك سامي وهو ينظر إليهما قائلاً بصوتٍ طفولي:يعني بابا إياد خلاص هيبقى معانا دايمًا؟
ابتسم إياد وانحنى إليه قائلاً:لو أنت تسمح لي يا بطل.
ضحك سامي وهزّ رأسه بحماس،فانفجرت القاعة بالتصفيق مجددًا،بينما في الخارج،كانت ديلا تراقب من بعيد،وعلى وجهها ملامح امرأة فقدت كل شيء لكنها لم تستسلم بعد.
كانت شمس المساء تُلقي بأشعتها الذهبية على مدخل الشركة الجديدةفي عمله الجديد،حيث اصطحب إياد ليلى لتُقابل بعض زملائه بعد إعلان الخطوبة رسميًا.
كانت متوترة قليلًا، ترتب حجابها وملابسها بين الحين والآخر،بينما كان هو ينظر إليها بابتسامةٍ مطمئنة:ما تقلقيش، الناس هنا محترمين، وهيحبّوكي من أول مرة.
لكن قلبها لم يكن مطمئنًا ككلماته،كانت تشعر بشيءٍ غامض ينتظرها هناك.
وما إن دخلا القاعة الواسعة حتى لفتت أنظار الجميع،
الجميع يعرف إياد،لكن القليلون فقط يعرفون تلك المرأة الجميلة التي كانت تقف عند الطرف الآخر.
كانت فتاة في منتصف العشرينات،شعرها الأسود منسدل بنعومةٍ على كتفيها،عيناها بلون العسل تلمعان بذكاء،وملابسها الراقية تعكس ذوقًا رفيعًا وثقة عالية بنفسها.
وما إن وقع نظرها على إياد،حتى ركضت نحوه بخفةٍ مفاجئة،وقبل أن يفهم أحد ما يحدث،كانت تحت*ضنه بشدة أمام الجميع!
تجمّد الزمن في عيني ليلى،وانقب*ض صدرها بشعورٍ لاذع.
نظرت حولها، الكل يتهامس،وصوت بداخلها يصرخ:إزاي تعمل كده قدام الناس؟! ومين البنت دي أصلاً؟!
انكمشت يدها لا إراديًا،شعرت بحرارةٍ غريبة تسري في وجهها ودموعٍ تختنق في عينيها.
ابتعدت قليلًا، تحاول إخفاء اضطرابها،لكن قلبها كان يطرق بقوة من شدة الغيرة والصدمة.
بينما كانت هي على وشك المغادرة،سمعت صوت إياد يناديها بلطفٍ ممتزجٍ بالدهشة:ليلى! استني!
عايز أعرّفك على حد مهم جدًا.
استدارت ببطء، ملامحها متوترة،اقتربت منه بخطواتٍ مترددة،في حين كانت الفتاة الجميلة تنظر إليها بابتسامةٍ واسعة ومليئة بالود.
قال إياد وهو يضع يده على كتف الفتاة:دي بيسان أختي الصغيرة.
تجمّدت ليلى في مكانها.
لثوانٍ لم تستطع النطق،ثم همست بارتباك:أختك؟!
ضحكت بيسان بخفةٍ وقالت وهي تمد يدها لليلى:أكيد كنتي فاكراني حد تاني، صح؟
دايمًا الناس بتستغرب لما يشوفونا سوا إحنا شبه بعض قوي.
أحمرّ وجه ليلى من الخجل،وضعت يدها في يدها وقالت بابتسامةٍ مرتبكة:أنا آسفة جدًا، ما كنتش فاهمة.
ضحك إياد وقال مازحًا:واضح الغيرة كانت شغالة بسرعة الصوت.
رمقته ليلى بنظرةٍ عتاب خفيفة وهمست:مش مضحك على فكرة.
اقترب منها وقال بصوتٍ خافت لا يسمعه سواها:بالعكس أول مرة أشوفك غيرانة كده، وكان شكلِك جميل جدًا.
خفضت رأسها بخجلٍ واضح،بينما كانت بيسان تراقبهما بابتسامةٍ خبيثة بعض الشيء،ثم قالت ممازحة:واضح إن خطيبتي المستقبلية قوية الشخصية عجبتني.
ضحك إياد بينما ليلى شعرت ببعض الارتياح،لكنها لم تلاحظ أن عينَي بيسان كانت تخفي وراء تلك الابتسامة شيئًا آخر ربما ليس الغيرة، ولكن اهتمامًا غامضًا بما يجري حول أخيها وليلى.
كانت الأيام التالية تمر بهدوءٍ ظاهري بعد الموقف المحرج في الشركة،لكن شيئًا في قلب ليلى ظلّ غير مرتاح.
رغم أن بيسان أظهرت لطفًا مبالغًا فيه،
إلا أن نظراتها أحيانًا كانت تحمل شيئًا يصعب تفسيره
شيئًا بين الفضول والمراقبة.
في اليوم التالي، تلقت ليلى اتصالًا من رقمٍ مجهول.
كانت المفاجأة حين جاء الصوت الرقيق من الطرف الآخر يقول:صباح الخير، أنا بيسان أخت إياد.
فكرت أخرجك النهارده نتمشى شوية ونتعرف أكتر،
ما يصحش تبقي جزء من عيلتنا وأنا لسه معرفكيش كويس.
ترددت ليلى لوهلة، لكنها ابتسمت وقالت بلطف:أكيد، يسعدني جدًا أنا خلص شغلي الساعة خمسة.
في المساء،وصلت بيسان بسيارتها الفاخرة،كانت أنيقة كعادتها، يعلو وجهها ذلك اللمعان الهادئ الذي يخفي ما لا يُقال.
ركبت ليلى بجانبها، وسرعان ما تحوّل الصمت بينهما إلى حديثٍ خفيف مليء بالمجاملات.
بيسان: إياد قليل الكلام عن نفسه بس لما بيتكلم، دايمًا يجيب سيرتك.
ليلى تبتسم بخجل:يمكن عشان ساعدني كتير، أنا مدينة له.
بيسان:هو بيهتم بيكي بطريقة مشفتهاش منه قبل كده.
نظرت إليها ليلى بتساؤلٍ خفي:كنتو قريبين زمان؟
ضحكت بيسان بخفة:كنا دايمًا مع بعض، بس بعد ما سافرنا واتفرقنا شوية، رجع مختلف هادي بس حذر.
بس إنتِ، واضح إنك رجعتي له الحنية اللي راحت منه.
كانت كلماتها دافئة،لكن نبرتها في آخر جملة حملت شيئًا غريبًا، كأنها تزن ليلى بعينٍ خبيرة.
في المقهى الفخم المطلّ على البحر، جلستا تتحدثان طويلًا.
بيسان كانت تعرف كيف تُشعر مَن أمامها بالراحة،تحكي بخفة، تضحك برقة،لكنها بين كل سؤالٍ وسؤالٍ كانت تزرع كلماتٍ صغيرة
كأنها تختبر ردود ليلى دون أن تشعر.
بيسان:قولّي يا ليلى، إنتي بتحبي إياد فعلًا؟
ولا لسه مترددة بعد اللي حصل مع كريم؟
تجمدت ليلى، ارتبكت قليلًا وقالت بهدوءٍ مصطنع:الماضي انتهى وأنا بحترم إياد جدًا.
ابتسمت بيسان، رفعت كوب القهوة وقالت:كويس لأن إياد بيستحق واحدة حقيقية مش مجرد ذكرى.
لم تفهم ليلى مقصدها،لكن نغمة صوتها كانت تحمل شيئًا يشبه التحذير أكثر من المودة.
وعندما أوصلتها بيسان إلى بيتها،أمسكت يدها وقالت بابتسامةٍ رقيقة:انبسطي، إحنا بقينا أصحاب خلاص، صح؟
ردت ليلى بابتسامةٍ خفيفة:أكيد، أصحاب.
لكن ما إن أغلقت الباب خلفها،حتى سقطت ابتسامة بيسان،وتحوّل وجهها إلى ملامح جادةٍ وباردة،ثم أخرجت هاتفها واتصلت بشخصٍ مجهول قائلةً بصوتٍ منخفض:بدأت تثق فيّ الخطوة الجاية هتكون أسهل.
