رواية سليم والمراهقة الفصل الثامن 8 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل الثامن 8 

بقلم خضراء القحطاني


انتهى الدوام، وخرجت سلسبيل بخطوات متسارعة كانت تحمل كتبها متشابكة بين ذراعيها وذهنها ما زال مشغولًا بحديث الفتيات وأسئلتهن الغامضة.

عند بوابة المدرسة لاحظت تجمّعًا غريبًا للفتيات كلهن يتهامسن وينظرن باتجاه سيارة فارهة لامعة من أحدث طراز المحركات تلمع تحت أشعة الشمس، والزجاج الأسود يعكس هيبة غامضة.

خفضت سلسبيل رأسها محاوِلة الابتعاد بهدوء، فهي لا تريد أي صلة بهذه الأجواء لكن فجأة أحست بيد دافئة تمسك كفها بلطف رفعت عينيها برعب فإذا به نفس الشاب الوسيم الذي تحدثن عنه الفتيات كان يبتسم ابتسامة غامضة عينيه تخفيان ما لا تستطيع قراءته.

تجمدت في مكانها، لم تستطع حتى سحب يدها بصوت هادئ قال:تعالي معايا مفيش داعي للخوف.

لم تكد تستوعب، حتى أبعد الفتيات الفضوليات عن السيارة بإشارة بسيطة، ثم فتح لها الباب الخلفي وأدخلها.

لكن المفاجأة الكبرى كانت في الداخل جلست بجوار شخصية أخرى، شاب بملامح أكثر ق*سوة، عيناه تلمعان ببرود مخ*يف، وصمته يزيد هيبته أكثر رع*بًا.

بدأت سلسبيل ترتجف، ضمّت كتبها إلى صدرها كأنها درع.

إنتو عاوزين مني إيه؟! همست بصوت متقطع.

لكن لم يجبها أحد كل ما سمعته كان صوت إغلاق الباب بإحكام، ثم هدير المحرك وهو ينطلق بقوة، لتبتلعهم الطرقات بسرعة جنونية.

قلبها يدق بعنف، والدموع تتجمع في عينيها: إلى أين يأخذونني؟ ولماذا أنا؟

جلست سلسبيل في المقعد الخلفي، يداها ترتجفان وهي تضغط كتبها على صدرها، تشعر وكأن قلبها سيقفز من مكانه رفعت رأسها بخوف لتجد أن الشاب الوسيم الذي أمسك يدها يجلس بجوراها، بينما الآخر، الأضخم والأكثر قسوة في ملامحه، يجلس مقابلاً لها وقد انحنى قليلًا للأمام، عيناه لا تفارقها.

إنتو مين؟ وليه جبتوني هنا؟ قالت بصوت متقطع.

لم يجبها أحد اكتفى الوسيم سليم بمتابعة الطريق من خلف الزجاج بينما الآخر فارس ترك صمتًا ثقيلًا يملأ المكان، كأنه يتعمد أن يزيد من خ*وفها.

ابتلعت ريقها بصعوبة، نظرت من النافذة محاولة استيعاب الطريق، لكن السيارة كانت تنطلق بسرعة جن*ونية وكأنها تبتلع المسافات.

فجأة قطع فارس الصمت بصوته الأجش:كان المفروض نسيبها بس واضح إنك مصر يا سليم.

ارتجف جسدها من وقع كلماته، لم تفهم المغزى لكنها شعرت أن حياتها مرهونة بشيء أكبر منها.

أدار سليم وجهه نحوها لأول مرة ابتسامته كانت غامضة، وعيونه تحمل أسرارًا مخيفة قال بنبرة هادئة لكنها حادة:إهدي محدش هي*أذيكي طول ما إنتي معانا.

لكن الكلمات لم تطمئنها، بل جعلت عقلها يص*رخ أكثر:مين هما؟ وليه بيقولوا ن*أذيكي؟ وليه أنا بالذات؟

وهي غارقة في خ*وفها، أحست أن السيارة تدخل طريقًا معزولًا، بعيدًا عن ضوضاء المدينة وكل خلية في جسدها كانت تصرخ الخطر يقترب.

داخل السيارة، ظل الصمت خ*انقًا لثوانٍ طويلة، حتى قاطعه فارس وهو يلتفت لسليم بحدة:أنا مليش دعوة بالكلام ده، خلص إنت الموضوع بس أوعى تغلط.

ثم فتح باب السيارة فجأة، نزل بخطوات ثقيلة، وأغلق الباب بق*وة جعلت سلسبيل تقفز من مكانها بقيت عيناه تتابعانها للحظة قبل أن يدير ظهره ويختفي في الظلام.

ارتجفت سلسبيل أكثر، تنظر من النافذة وكأنها تبحث عن مخرج، ثم عادت بعينيها إلى الشاب الذي ظل يجلس بجوارها بهدوء مخيف كان سليم يراقبها في صمت، ملامحه وسيمة لكنها لا تخلو من الغموض.

قالت بصوت مرتجف:إنتو عايزين مني إيه؟ أنا ماليش ذن*ب في حاجة.

ابتسم سليم بخفوت وهو يرد بنبرة غامضة:محدش قال إن ليكي ذن*ب بس وجودك دلوقتي مهم.

شعرت أنها تغوص أكثر في بحر مجهول، قلبها يخفق بسرعة، والكلمات تتلاعب بعقلها مهم؟ مهم لمين؟ وليه؟

مدّ سليم يده بهدوء، وضع شيئًا صغيرًا بجوارها على المقعد، لمحت أنه علبة مخملية صغيرة قال وهو يشيح بوجهه للزجاج الأمامي:يمكن ده يساعدك تفهمي أو يزيد حيرتك.

كانت أنفاسها تتسارع، وعقلها يصرخ: إيه اللي بيحصل؟ وليه أنا؟

كانت سلسبيل تحدق في العلبة المخملية الصغيرة، أصابعها مترددة ما بين فتحها أو تركها مغلقة سليم لم يلتفت إليها، وكأنه يعرف إن فضولها هيغلبها في الآخر.

في الخارج، ابتعد فارس خطوات عن السيارة، وأخرج هاتفه يتحدث بصوت خافت لكن نبرته مشدودة:الو اسمعني كويس أنا قلقان من اللي بيحصل سليم مش من النوع اللي يتأثر قلبه ح*جر بس البنت دي حاسس إنه بيبص لها بشكل مختلف.

توقف لحظة، ينظر من بعيد للسيارة ثم يضغط على أسنانه:لو وقع في حبها الدنيا كلها هتتقلب أنت عارف يعني إيه سليم الجندي يحس بحاجة لأول مرة. 

صوت الشخص الآخر على الخط بدا متوترًا لكن فارس أنهى المكالمة بجملة حاسمة:أنا لازم أراقب الموضوع ده قبل ما يخرج عن السيطرة.

في الداخل مدت سلسبيل يدها وفتحت العلبة ببطء. داخلها وجدت سلسلة ذهبية يتدلى منها مفتاح صغير محفور عليه رمز غريب قلبها انقب*ض، رفعت عينيها مرتبكة نحو سليم لتسأله، لكنه اكتفى بابتسامة هادئة وغامضة جعلت رع*بها يتضاعف.

في القاهرة، كان مبنى شاهق يلمع زجاجه تحت شمس الظهيرة، تعلوه لافتة ضخمة باسم شركة الدهشان للتصدير والاستيراد في الطابق الأخير، جلس شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين خلف مكتب أنيق من الرخام الأسود. ملامحه حادة، عينيه باردة لكن فيها ذكاء ماكر، وشعره الأسود مرتب بعناية.

إنه مالك نادر الدهشان، الابن الثاني لعائلة الدهشان الشهيرة، والتي تسيطر على جزء كبير من تجارة البلد بخلاف والده وأخيه الأكبر، هو كان أصغر سنًا، لكنه الأجرأ والأكثر دهاءً.

كان يراجع بعض الملفات حين دخل مساعده الخاص وقال باحترام:باشا الأخبار كلها بتأكد إن سليم الجندي بيتحرك بقوة الفترة دي.

ابتسم مالك بخفوت، أدار الكرسي ببطء ناحية النافذة الزجاجية التي تطل على القاهرة، وقال بنبرة باردة:كويس سيبه يفرح شوية في الآخر، اللي يبدأ قوي بينتهي أسرع.

المساعد بتوتر:بس يا باشا، سليم ليه رجالته، ونفوذه كبير برضه.

رفع مالك عينيه بحدة:أنا مش بنافسه في الشارع بس أنا بنافسه في كل حاجة في التجارة، في النفوذ وحتى في اللي قلبه ما يعرفش إنه محتاجه.

صمت لحظة، ابتسم ابتسامة جانبية فيها تحدي وأضاف:سليم الجندي مش هيبقى غير محطة في طريقي.

                    الفصل التاسع من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>