رواية حكاية سمر الفصل الثامن 8 بقلم زارا

 

رواية حكاية سمر الفصل الثامن 8 بقلم زارا


حاولت اتصل ليه تاني بس التلفون لسه قافل ، قلت لي لنور بخوف ، عمر تلفونو لسه قافل قلقت عليه. 
نور قالت لي بنبرة فيها نوع من "الواقعية" 
"ما تقلقي يا سمر.. الزي عمر دا ما بنخاف عليه ، يمكن انشغل بس ، و أكيد ح يرجع ليكِ. 

نور عاينت لي بجدية و قالت لي سيبك منو ومن وسواسك دا ، أنتِ عندك أيام بالعدد، ومَرّ منها يوم واحد! لازم نبدأ برنامج 'الحبسة' وتجهيز نفسك 

لازم نقوم نمشي السوق، تجيبي باقي حاجاتك الناقصة، والماسكات، والعطور.. ومن الليلة تقعدي في 'الدخان' لغاية م لونك يبقى زي الدهب المصفى. عمر لما يجي يسوقك ، لازم يلقى قدامو 'سمر' تانية خالص ، سمر الـ بتخليهو ينسى الشغل والمكاتب. 
​كلامها حمسني ، وحسيت إنو فعلاً مافي وقت للدموع. قمت غسلت وشي ، و قلت ليها السوق بكرا حيكون أول خطوة."

مشينا أنا ونور وخالتي السوق ، دخلت ع المحلات الكبيرة وأنا واثقة ، اشترينا الملابس من أفخم الأقمشة، و عطور ريحتها تثبت في الروح قبل الهدوم ، والمرطبات الكريمات ، والدهب طقم كامل... 
​عمر كان فاتح لي الميزانية ع الآخر، وكنت بشتري وأنا حاسة بانو دي أقل حاجة أعوض بيها نفسي. 
وما نسيت أهلي ، اشتريت هدايا لكل خالاتي وعماتي.. كنت عايزاهم كلهم يضوقو خير عمر، و أسكت أي لسان حاول يهمس بكلمة شينة في يوم عقدي.
​خالتي كانت بتعاين لي بفخر وبتقول لي ما شاء الله يا سمر، بقيتي ست بيت ويدك سخية.. الله يزيدك من نعيمو" نور كانت بتضحك وهي بتقول لي "خلاص قربنا نشيل مفتاح المحل معانا."

في وسط دا كلو كنت بعااين للتلفون الصامت كل دقيقة ، وانا قلبي منقبض من الخوف والقلق. 

​بديت برنامج الحبسة فعلياً.. البيت اتملا بريحة "الطلح" و"الشاف"، وبقيت محبوسة بين الدخان والماسكات الطبيعية. كنت بقعد ​وانا بقول يا عمر.. أنا بحرق في روحي عشان أطلع ليك بأجمل صورة، أنت وين؟ وليه لسه قافل بابك في وشي؟ ، و في الآخر بحاول أقنع نفسي إنو غيابو دا هو "ضريبة" العز الـ أنا فيه. 

اليوم الرابع مرّ و أنا الشك خلاص أكل روحي...  فجأة تلفوني نوّر.... عمر يتصل.... 

​جريت و فتحت الخط وأنا بنفجر بالبكاء ، صوتي طلع مخنوق ، قلت ليه وأنا بشهق ، "عمر؟! أنت وين؟! ليه عملت فيني كدا؟! ٤أيام و أنا ما عارفة عنك حاجة؟!. 

​جاني صوتو هاديء ، هدوء بخوف وكأنو جاي من عالم تاني ، قال لي ببحة غريبة  "اهدئي يا سمر.. اهدئي يا ملكتي! ، و الله م بيدي بس الظروف هي الـ حكمت."

​سألتو وأنا بمسح دموعي "ظروف شنو الـبتخليك تقفل تلفونك في وش عروسك؟!. 

​سكت مسافة طويلة ، و كأنو برتب في كذبة تليق بالموقف ، قال لي بنبرة ما مقنعة:
"يا سمر.. حصلت لي مشكلة ، في شحنة كبيرة جاية من الميناء ، أوراق ناقصة ومشاكل مع الجمارك، و كان لازم أختفي تماماً لغاية ما الأمور تسلك. التلفون قفلتو عشان ما عايز وشوشة. 

 
قلت ليه بصوت فيه لوم وشك:
"شحنة؟ وجمارك؟ وأوراق تخليك تختفي وتقفل تلفونك؟ يا عمر من متين وانت بتخاف من وشوشة؟!. 

​أول ما حسّ إني بديت أحاصرو بالأسئلة ، سكت لحظة ، وبعدين صوتو اتغير تماماً ، قال لي بهمس:
"يا سمري.... سيبك من الورق والجمارك والوجع دا هسي ، أنتِ عارفة أنا الـ ٤ أيام دي مرت عليّ كيف؟ كنت بشم ريحتك في مكتبي ، وبفتش لملامحك وسط الزحمة. أنا مشتاق ليك لدرجة بتخوف يا سمر..
​كلامو كان زي السحر، ورغم إنو عقلي كان بيقول لي"تبريرو دا ما منطقي ، إلا إنو قلبي غلبني ، اتجاهلت الشكوك ، و لقيت نفسي ببتسم وسط دموعي وبقول ليه بدلال:
"والله يا عمر وجعت قلبي بالانتظار.. الشوق كان بياكل فيني أكتر من نار الدخان الـ قاعدة فيها دي."
​وبديت أحكي ليه بلهفة عن "تجهيزات الحبسة"،
وكيف إنو نور وخالتي ما مخليني أرفع صباعي من الأرض ، كنت بحكي ليه وهو بسمعني بإنصات غريب، كل شوية يقاطعني بضحكة واطية و يقول  "يا حظي بيكِ يا سمر.. يا حظي بالجمال الـ بيستوي على نار هادية دا"
​نسيت في اللحظة دي إنو تلفونو كان قافل ، نسيت و انغمست معاه في تفاصيل "مملكتنا" الجاية. حكيت ليه عن السوق والهدايا، وهو كان بأكد لي إنو الـ جاي أجمل بكتير... 

النسوان والبنات كلهم جو عشان يشوفوا "شيلة حرم عمر". الصالون اتملا بشنط السفر الفخمة ، الكبيرة والوسط والصغيرة، وكل واحدة كانت بتحكي عن حاجة. 
​نور كانت هي البتفتح في الشنط ، و تطلع في التياب السويسرية الـ بتلمع، والحرير الطبيعي، والأطقم النسوان كانوا بيشهقوا مع كل قطعة تطلع ، يقولو "سمر دي رقدت في الحرير عديل."
​وزعت الهدايا الـ جبتها معاي من السوق ، توب لكل عمة وخالة، وعطور من النوع الغالي. كنت شايفة الفرحة في عيونهم، بس برضو كنت بلمح نظرات "الاندهاش" والتساؤل.. كأنهم بيقولوا "سمر دي عملت شنو عشان تستاهل العز دا كله؟"

​وسط الزحمة دي، سارة كانت واقفة بعيد، بتعاين للحاجات بنظرة باردة، وكأن الشيلة دي كلها ما مالية عينها. 

بعد النسوان فاتو و نور مشت تسلم لناس بيتهم ، لأنها بقت قاعدة معاي طبيعي ، كنت قاعدة براي وماسكة تلفوني ، أمي جاتني وقعدت جمبي ، قالت لي ،" يا سمر يا بتي.. العز ده كتير، كتير شديد يا بتي."
​قلت ليها باستغراب "ومالو الكتير يا أمي؟ مش ده الـ كنتِ بتتمني ليّ؟ أعيش ملكة وما أحتاج لزول؟"

قالت لي ​"أنا كنت بتمنى ليكِ السعادة يا سمر، بس العز الـ بجي بـ 'القفز' دا بخوفني ، خايفة يكون التوب الـ بتلبسي فيه دا ، وراه 'شيلة' تقيلة ما بتقدري عليها."
​قلت ليها بضيق يا أمي هسي دا كلام شنو؟! ، عايزة تخربي لي فرحتي ، قالت لي ماف ام بتخرب فرحة بتها بس خايفة عليكِ ، قلت ليها ما تخافي علي وانا ف حماية عمر ، قالت لي يا ريت يكون اختيارك دا فيه 'أمان' ما بس 'قروش'.. القروش بتروح وتجي، بس راحة البال هي الـ بتبني البيوت ، قلت ليها ما تقلقي بس عايزة دعواتك يا أمي... 
بعد أمي طلعت فجأة جاني شك انو "هل المبالغ دي كلها فعلًا من تجارة قانونية؟ هل الورق والجمارك هم الـ جابوا الحرير والدهب دا؟".. حسيت برعشة سرت ف جسمي ، بس طوالي طردت الفكرة وانا بقول مستحيل أشك ف راجلي.. 

عمر رجع لي بقوة، بقى يتكلم معاي الليل والنهار، كأنو عايز يعوضني ع كل ثانية غاب فيها. بدينا نرتب في زفافنا، والمرة دي الأحلام كبرت ، الصالة، الكوشة، الزفة، وحتى التفاصيل الصغيرة هو كان بيختارها معاي.
 ​قلت ليه بدلال "عمر، أنا عايزة أعمل حنة صغيرة لصحباتي، ف صالة نودع بيها العزوبية."
رد عليّ وهو بيضحك  "أنتِ تأمري يا ملكة.. حفلتك لازم تشبه مقامك ومقامي."
​وفعلاً، حجز لي الصالة، ونيتي كانت حفلة بسيطة، بس طلعت "حفلة بذخ" خرافية. الأنوار، البوفيه، الفرقة الموسيقية ، صحباتي كانوا بمشوا ويجوا في الصالة وهم مبهورين، وعيونهم بتقول ، يا بختك يا سمر! .

بعد رجعنا البيت، عمر اتصل علي وسألني من الحفلة ، رديت ليه وأنا مبسوطة ، و بديت أحكي ليه ف تفاصيل الحفلة بلهفة ، وهو بسمعني بـ روقة ، كأنو بستمتع بكل حرف بطلع من خشمي.

​قال لي بصوت فيهو بحة شوق 
"يا سمر.. أنا مبسوط إنك امبسطتِ ، دا أقل شي يتقدم لملكتي ، عايزك ترمي التلفون دا ، و تمشي تنومي اخدي راحتك تماماً.. لأنو من بكرة، ماف نوم تاني."
​سكتت بخجل، وقلبي بدأ يضرب زي الطبل، كمل كلامو وهو بهمس "بكرة زفافنا يا سمر.. بكرة حتطلعي من بيت أبوكِ لبيتي، ومن عالمك لعالمي. بكرة حتكوني حرم عمر السّيد رسمياً قدام الله وخلقو. 
بديت أتخيل شكل الفستان الأبيض ، وشكل عمر وهو ماسك يدي وسط الناس..
نمت آخر ليلة لي ف بيتنا وأنا بحلم بالتاج الفضي و فستان الزفاف.. 

صحيت الصباح وقلبي مقسوم نصين ، نص طاير من الفرحة، ونص من الخوف.. شعور غريب كأني واقفة ع حافة عالم جديد و م عارفة الـ حيلاقيني فيه شنو؟!  

بدينا التجهيزات بنفس حماس يوم العقد وأكتر بكتير نهاد جاتني من الصباح ، نقشت لي حنة خرافية وأجمل ، كانت بتلمع ف لوني الـ بقى زي الدهب. 
المرة دي المشوار كان مختلف ، ركبنا العربية و مشينا لواحد من أكبر وأفخم كوافيرات المؤسسة أول ما دخلت ، جات لينا الخبيرة الرئيسية بابتسامة  قالت لي "أهلاً يا سمر.. عمر وصّانا عليكِ كتير ، وقال عايز عروستو" ملكة" بديت اتكشم ليها وأنا طايرة من كمية اللطافة والاهتمام دا. 

بدت طقوس العناية بشعري وبشرتي ، من جلسات الترطيب  وغيرو... 
​الخبيرة بدت لي الميكاب ، وكانت بتتعامل مع وشي بقدسية شديدة ، كانت بتدمج في الألوان بإحترافية خلت ملامحي تبرز بطريقة ساحرة ، و كل لمسة من ريشتها كانت بتغير فيني حاجة، كأنها بتمسح "سمر" البنت البسيطة ، وبترسم مكانها سمر الملكة. 

وسط الهدوء والتركيز دا ، تلفوني ما سكت لثانية.. عمر كان بيتصل عليّ كل دقيقة يسألني.... 
 ​
بعد ١٠ دقائق تاني اتصل  "وصلتوا وين؟ لبستِ الفستان؟ سمر.. أنا مستني اللحظة الـ أشوفك فيها طالعة لي بالبياض ده بفارغ الصبر. 
الخبيرة ضحكت و قالت لي وهي بتثبت الرموش "يا حليلهو عريسك! ما قادر يصبر لغاية ما تخلصي؟"
​ابتسمت بخجل وأنا بعاين للمرايا ، و بديت أشوف التحول الكامل ، عيوني بقت واسعة ومسحوبة، وبشرتي بقت ناعمة ولامعة ، ملامحي بقت قطعة مرسومة رسم.
 لبست الفستان و التاج ، و التلفون اتصل للمرة الـ ما بعرف كم؟ ، رديت ليه بهمس "جهزت خلاص يا عمر..  ، قال لي "إذا ف انتظارك برا الكوافير.. 

الخبيرة خلصت آخر لمسة ، وهي بتقول لي أنا اشتغلت لعرايس كتار بس "انتي جمالك الليلة فيه هيبة مختلفة" ، أنتِ ما محتاجة مكياج ، أنتِ محتاجة بس زول يعرف يبرز النور الـ في وشك دا..   
وقفت قدام المرايا اتصدمت! وأنا بشوف  "سمر" تانية خالص
​بقيت اقول دي أنا كنت لوحة مرسومة رسم ، الفستان الأبيض كان محاوطني بجلال وفخامة ، والتاج الفضي ف راسي بجمال و وقار.
​نور كانت واقفة وراي ، مبهورة قالت لي "يا ريت صالح كان شافك.. لا لا، أحسن ما شافك، كان حيموت بوجع قلبو. 
​كلمة نور رجعت لي "الغصة"، بس مظهر "الملكة" في المرايا كان أقوى ، نور مسكة لي الفستان  ، وبديت أتحرك بخطوات بطيئة وتلقائية ع الباب ، أول ما طلعت من غرفة الكوافير ،  وطرحتي الطويلة كانت بتتسحب وراي.. 
 
الممر كلو سكت ، والعيون كلها اتسمرت فيني ، الناس بدت تزغرد ، شفت عمر من بعيد واقف جمب العربية السوداء ، كان لابس بدلة سوداء ،و  الجاكيت كان مخصر عليه ومظهر عرض أكتافو ، شعرو و لحيتو مرتبات زادو من حدة ملامحو الرجولية .
​ماسك بوكيه ورد في يدو ، ​عمر بطلتو دي كان في الوسامة و الهيبة بشبه أبطال الروايات الـ بنسمع عنهم. 
​أول ما عيونو وقعت عليّ ، شفت "لمعة" غريبة في عيونو ، ما كانت بس لمعة إعجاب، كانت لمعة تَمَلُّك مشيت ليه بخطوات بطيئة ، ونور ماسكة لي طرف الفستان، وقلبي بضرب زي الطبول.
​فضل يعاين لي مسافة ويتأمل فيني ، و كأنو الكلام ضاع منو ، سلمني البوكيه في يدي ، احتواني بإيديه ،  همس لي بصوت دافي ، " الليلة يا سمر، أنتِ خجلتِ الضوء بجمالك!"
​قبلني ع جبهتي بكل رُقي ، والناس بدت تزغرد بصوت عالي ، وتقول ليه ابشر يا عريس ، فتح لي باب العربية بنفسو ، طول الطريق كان ماسك يدي ، وبهمس لي.... 

وصلنا الصالة ، نزل و فتح لي الباب ، ومد لي يدو بكل شموخ ، أول ما نزلت مشينا ع السجاد الأحمر الكان ممدود لجوا الصالة ، الموسيقى كانت شغالة بصغب ، دخلنا و الأضواء دي كلها اتسلطت علينا ، ​عمر كان ماشي جنبي بخطوات ثابتة ، رافع راسو بشموخ و ماسك يدي ،
و الناس بقوا زاحمين الممر ، الزغاريد بتشق الصالة ، و الرجال ببشروا لعمر بحماس "أبشر يا عريس.. أبشر يا أسد".
 كان بيرد عليهم بهزة راس خفيفة وكبرياء. 

​وصلنا لـ "الكوشة"، كانت عبارة عن عرش كبير مرصع بالورود ، قعدنا والناس بدت تجي تبارك لينا ، الفلاشات ما وقفت من وشنا ، والعيون كانت بتلاحق كل حركة بنعملها. 
وسط الصخب دا ، عمر كان ب​ميل عليّ و بهمس لي  ، بكلمات تخجلني ، فجأة الأغاني وقفت ، وجات لحظة انو نرقص مع بعض ،  قام و مدّ لي يدو "تسمحي لي يا ملكتي؟".
​قمت معاه و قلبي بدق من الخجل ، مشينا نص الصالة ،، لفّ إيديه حول خصري بقوة ، وقربني لدرجة إني بقيت سامعة دقات قلبو هو كمان.. كانت سريعة ومنتظمة، دقات زول "واثق" من خطوتو ، كنت خجلانة و متوترة، لدرجة حاسة رجلي ما شايلاني ، بس يديه كانت مثبتاني من اني أقع. 

انتهت الرقصة ، وبدينا تجهيزات "الجرتق"..
​غيرت الفستان ولبست التوب الأحمر المرصع بالذهبي ،، و عمر كمان غير لبسو ولبس البلدي  . 
​قعدنا ع "العنقريب"وانا مغطية راسي بالقرمصيص ، خالاتي بدو يجهزو في صينية الضريرة ، و ربطوا لينا "الحريرة" والهلال، والزغاريد رجعت تضرب من جديد وأغاني الدلوكة .
​جات لحظة افتح وشي ولحظة رشيتو باللبن ف وشو وهو رشاني كمان ، كنت شايفة ف وشو ضحكة حقيقية لأول مرة من بداية الحفلة.... 

​انتهى الجرتق ، وانتهت معاهُ ريحة الصندل والمحلب، وجات اللحظة الـ كنت بهرب منها بضحكاتي طول اليوم .. لحظة "الوداع". 
فجأة، حسيت إنو "القرمصيص" الـ فوق راسي بقى تقيل، وكأنه بيضغط على قلبي.
​عمر وقف ، ومسك يدي عشان يمشيني اتجاه أهلي الـ كانوا واقفين في صف واحد بدموعهم ودعواتهم.

​سَلّم على خيلاني و أعمامي بوقار ، ولما وصل لأمي، وطى راسو وباس يدها وقال ليها بكلمة واحدة 
"بنتك في عيوني يا خالة.. ومقامها عندي فوق الراس... 

 أول ما وصلت لـ أمي ، وقعت في حضنها.. شميت فيها ريحة البيت، ريحة الأمان الـ كنت بعيشو من غير ما أحس بقيمتو، أمي كانت بتبكي بصوت مكتوم وهي بتقول لي

يا سمر يا بتي.. أنتِ اتحديتينا وبقيتي مرت راجل أبوكِ ما راضي بيه.. الليلة أنتِ بقيتي مسؤولة من قرارك . أمكن نحن ما ارتحنا ليه عشان جاء براهُ.. بس يمكن يكون زول كويس ونحن ظلمناهُ. الراجل بتغيرو العشرة الطيبة، ما بغيرو النكد والعناد.. ابقي سِت صبورة، وأهم حاجة أسرار بيتك ما تطلع للناس.. ما تخلي القروش تغيرك، ابقي زي ما أنتِ.. احفظي نفسك واحفظيهُ وكوني في ضهره وسنده دايماً.. الله يغطيكِ بسترو، خلي بالك من نفسك.. استودعتك الله."

فجأة حسيت إني "خايفة". من كلمة "أبوكِ ما راضي بيه". في اللحظة دي حسيت إني كنت في حلم طويل، و ياداب صحيت ع واقع إني "طلعت من ذمة أهلي لـ ذمة راجل غامض. 
مسكت يد أمي وقلت ليها و صوتي مخنوق بالشهقات:
"يمة.. ادعي لي، الله يرضى عليكِ ادعي لي كتير.. وسلمي لي على أبوي، قولي ليه بتك بتطلب منك العفو، خليه يعفي لي ويسامحني يا يمة.. أنا ما قصدي أعصيه ، بس دا نصيبي."

نور كانت وراي بتمسح دموعها وهي بتبكي ، حضنتها وأنا بقول ليها نور" أنا خايفة... خايفة شديد" ، نور شدت عليّ في الحضن وكأنها عايزة تديني من قوتها، قالت لي بصوت مخنوق"ما تبكي يا سمر، دموعك دي بتوجع قلبي .. أنتِ الليلة عروس، وماشة لبيت العدل والزين.. ربنا يسعدك ويوفقك، بس أنا كيف أتعود على غيابك؟ حأفقدك شديد يا سمر.. البيت وراكِ حيبقى ضلمة"...
ودعت باقي اهلي ، وأنا بفتش ع سارة بين الناس بس ما لقيتها... 

طلعنا من الصالة، والهواء البارد ضرب وشي وكأنو بفوقني من حلم طويل، ​عمر كان واقف جمب باب العربية، مراقب المشهد بعيون مستعجلة ، لأول مرة احس إني عايزة أهرب منو...

ركبنا العربية، والمرة دي ما كان فيها زفة ولا زغاريد، كان في هدوء بخوف ، عمر قعد جنبي ، وانا لسه ببكي بصوت مكتوم ، فجأة، مسك يدي مسكة قوية، أصابعو ضغطت عليّ لدرجة قلبي انتفض ، عاين لي بنظرة فيها جمود وقال لي بصوت خشن "خلاص يا سمر.. أنا ما بحب أجواء البكاء دي. دموعك دي كانت مقبولة هناك قدام أهلك عشان الصورة تكتمل، بس هنا في عالمي، ما في مكان للضعف دا." 

م قدرت استوعب ف اللحظة دي ، الخوف اتملكني تماماً نفس نظراتو الغامضة ، قلت ليه بصوت مزهول انت بتقول ف شنو ي عمر؟ ، وصورة شنو تكتمل؟ ديل اهلي وانا ببكي عشان فارقتهم؟. 
 أول ما شاف ملامحي اتغيرت، ولمح الخوف الحقيقي في عيوني ، ملامحو الصلبة بدت تلين شوية و كأنو انتبه انو ضغط ع الوتر الحساس ف وقت م مناسب. 
​سحب يدي براحة بمسكة حنينة ، حاول يمسح بيها أثر كلامو القاسي ، وقال لي 
​"أهدي يا سمر.. أنا أسف، يمكن التعب والضغط خلوني أعبر غلط. أنا ما عايز أشوف عيونك السمحة دي بتبكي... 

العربية مشت بينا لمسافة طويلة ، لغاية ما وقفت في مكان ، أظن كان فندق بس الغريب إنو كان هادئ جداً ، ما كان فيه حركة ناس كتير  ولا صخب أو ازدحام زي الفنادق العادية. 
حسيت انو عمر كان دايما بختار أماكن ليها خصوصية تامة ، بعيد عن عيون الناس  ، كأنو كان مكان لي طبقة بتفضل تكون في الخفاء. 

​نزل اول حاجة وفتح لي الباب ، ما كان في موظفين استقبال ، كان في راجل واحد جا لابس رسمي ، ما بتعرف موظف استقبال ولا حارس شخصي  ، تحيتو لي عمر كان فيها احترام ما طبيعي ، كأنو عمر هو مالك أو ضيف دائم للمكان. 

الراجل ساقنا بمصعد خاص لغاية ما وقفنا قصاد شقة ، فتح لينا الباب بكل أدب وسلم عمر اامفاتيح
عمر قال لي اتفضلي يا ملكتي كنت لسه زعلانة منو ما رديت ليه. 
اتسمرت ف مكاني وأنا بتأمل ف تفاصيل الشقة ، كانت صالة كبيرة فاتحة ف بعضها، الديكور كان بجمع بين البساطة والفخامة حتى الأقمشة كانت ناعمة و بتلمع مع الإضاءة ، و ألوانها رايقة ، السرير كان قاعد في نص الصالة  ومغطي بكمية ورود حمراء ، و ف طاولة زجاجية جمبها كرسيين ، الحمام كان فاتح ع الصالة بتفصلو حيطة زجاجية عشان تدي خصوصية للبانيو والدش ، بالإضافة للتسريحة وع ركن كان ف تلاجة صغيرة ، و كأنو المكان كان مصمم انو يخفى اي احساس خوف وقلق . 

قال لي المكان عجبك؟، قلت ليه ببرود أيوا. 

دخلت الحمام بعد ما عمر طلع ، غسلت وشي ، بس عقلي ما وقف تفكير في كلامو القاسي ، اتوضيت بسرعة ​، طلعت و أنا منتظرة أشوف سجادة الصلاة مفروشة ، ومنتظرة الراجل الـ حيكون إمامي في أول ليلة لينا..
 بس أول ما فتحت الباب، اتسمرت في مكاني والشهقة وقفت في حلقي.
الصالة اتحولت لـي بار صغير ، أنواع مختلفة من الشراب و الويسكي مرصوصة بطريقة مستفزة ع تربيزة الزجاج. 
وعمر.. عمر كان قاعد في الكرسي بكل هدوء ماسك كأس في يد ، وباليد التانية ماسك سيجارة مولعة و عاملة دخان كتير لدرجة إنو خافي ملامح وشو تماماً، وكأنو شيطان متدسي ورا سحاب من السواد.
فضلت متسمرة ف محلي ودموعي عشرة......... 


تعليقات



<>