رواية ظلال متقابلة
الفصل الاول 1
بقلم خضراء القحطاني
ليلى صالح 31 سنة معلمة روضة، حنونة، متعبة من إهمان العائلة، قوية داخليًا رغم هشاشتها. تحب ابنها سامي أكثر من أي شيء.
كريم الحسن 36 سنة مهندس معماري مشهور، وسيم، متمالك وبارد، قلبه متعلق بديلا أخت زوجته السابقة لا يستطيع أن يبادل ليلى الحب.
سامي 8 سنوات ابن ليلى وكريم، فضولي، صادق وبريء، أهم ما لدى ليلى.
داليا 34 سنة حبيبته القديمة شخصية ساحرة وجذابة، لها ماضٍ مع كريم.
حسن 60 سنة والد ليلى، صاحب دكان بسيط. علاقة متوترة مع ابنته لكنها علاقة واقعية لها أثر في روحها.
تولّي 55 سنة والدة ليلى، أكثر تقلبًا في المشاعر؛ هي التي تهاجم وتضغط على ليلى.
إياد النجار 33 سنة ضابط شرطة جديد في المدينة، شجاع لكنه يحمل أسرارًا طفيفة. يدخل حياة ليلى بانقاذه لها في الجنازة شخصيته دافئة لكنه حذر.
ترجلت من السيارة ووقفت للحظة أمام بابه الهواء البارد حادٌّ بطرف أنفي، ويداي ترتجفان كأنما تحملان شيئًا أثقل من حقيبتي. في داخلي كان شيء يحثّني على أن أرجع، على أن أمسح الورقة من حقيبتي وأحتفظ بها لنفسي، لكني تذكرت وعدي لسامي: أن أكون واضحة لأجله، أن لا أُبقِ عليه كس*جينٍ في بيتٍ لا مكان له فيه.
دفعت الباب بيت كريم بيت كان يومًا حلمي بدا اليوم وكأنه منزلٍ مُعفى من روحه الأصوات الخافتة قادتني نحو المطبخ؛ كانت المحادثة بينهما بسيطة لكن حملت عقودًا من الأل*م.
أبي لماذا كل هذا؟سمعته يقول، صوته صغير لكنّه حادّ يقرصني في الداخل.
رد كريم بنبرة معتدلة، كما لو أنه يعلّم درسًا مشًا في الأخير،هذه أمور الكبار، يا سامي. بعض الأشياء تنتهي.
لم تزل قدماي ثابتتين، وقلبي ينه*شني نفسي کوچک تتمنى أن أندفع وأن أصرخ وأطرح كل ما على قلبي منذ سنوات: لماذا لم تحبني؟ لماذا جعلت البيت خاليًا مني؟ لكنّ السؤال الحقيقي كان عن سامي، عن براءته التي لم تل*وثها مكائد البالغين.
أبي، هل تحب أمي؟ الكلمات ببساطتها ك*سرتني أكثر من أيّ ط*عنة.
صمت تنحنح كريم، ثم قال بابتسامةٍ ضعيفة لا تصل إلى عينيه، أحبها لأنها أعطتني إياك.
كانت محاولته للتلطيف ج*رحًا مقنّعًا: أحبها لأنها أعطتني إبني لم يقل الحقيقة لم يقل أبدًا: أحبك. لم يقلها يوم زفافنا، ولم يقلها تحت ضوء القمر، ولم يقلها حين ولد سامي وملأت الأمومة قلبي بأكمله.
وقفت على حافة المطبخ، أراقب الابن والأب، أراقب كيف يسقط صوت الحقيقة بينهما كحجر صغير في بركة هادئة فيقلب الماء. ضعت بين أن أغادر وألا أثقل عليهم، وبين أن أنطق بكلمة ربما تغيّر شيئًا لكنني تذكرت الحقيبة. ورقة الطلاق.
ما الذي تفعلين هنا؟ سألني كريم فجأة، وعيناه الرماديتان تطوقانني كعصافير جائعة.
ابتسمت ابتسامة مهذبة، منحنية قليلًا لسامي، أحضرت نسخة من ورقة الطلاق. سأخذ سامي الآن.
تغيّرت ملامحه إلى برودٍ يبعث على الألم كان يهز شفتيه كما لوما كان ينبغي أن تُرسليها لا تقطعي وقتي معه.
جلست ورقة الطلاق على الطاولة، وثقب*تني كلماتُه مثل س*كين بارد بعد كل سنوات الانتظار والتمسّك، بعد كل محاولاتي أن أكون امرأة صالحة، ها هو يقول لي إن الوقت المُخصّص له أهم من حقي في لقاء ابنه.
لم أكمل الحديث رن هاتفي بصوت أمي صوتها كان مشحونًا بالهلع،توجهي للمستشفى حالًا! حسن أُصاب!
سقط الهاتف من بين يداي كل شيء تلاشى حولي لوهلةٍ قصيرة ذاك النوع من الصمت الذي تليّح الدنيا فيه اصطدمت الكلمات ببعضها في عقلي: إط*لاق ن*ار؟ حسن؟ أبي؟
عندي موعد هناك الآن هل يمكنك البقاء مع سامي؟ قلت بلا تفكير، وبدأت أجمع حقيبتي كمن يحاول أن يلتقط شظايا يومٍ انهار فجأة.
سأبقى سأجعل والدتي تأتي إليه أجاب كريم ببرودٍ، لكن سريعًا ما أمسكت عينيه شهقة قلق لم يستطع إخفاءها.
القيادة إلى المستشفى كانت سلسلة من صورٍ متقطعة وجه والدي ماسكًا في يده ورقة الإيصال، أمي تبكي بوج*عٍ مكتوم، تامر واقفًا متيبسًا، وكأن كل شيء في حياتي يُدفع للحد الأقصى في هذه الساعات.
عند الاستقبال لم يسألوني كثيرًا؛ قالوا إنه في غرفة الطوارئ، سيُنقل فورًا لعمليّة أمضيت الطريق والد*م يتجمّد بعيدًا عنّي كنت غريبة في حدّ ذاتي؛ لم أستطع أن أُشعر بكثيرٍ سوى ببرودة تحت الجلد.
ومنذ أن علمت أنه م*ات لأن الطبيب أخبرنا بعد ساعات أن شيئًا لا رجعة فيه قد حدث تهاوت الأرض من تحت قدمي. كانت كلمات الطبيب رسمية، لكنّ صراخ والدتي فكك أي شيء بداخل جوفي.
الوداع في المش*رحة كان ماثلًا جسد بارد، ورق شفاف، نه*اية للإنسان الذي لم يكن يومًا لقلبي شيئًا أكثر من مصدر وطأة همست له:وداعًا يا أبي لم أعرف بعد لماذا اختمرت في صدري هذه الغصة التي لا أستطيع أن أفسّرها ربما لأنّه بالنسبة لسامي، كان كل شيء.
حين خرجنا إلى بهو المستشفى كانت السماء تمطر رذاذًا بطيئًا، وكأن السماء نفسها تبكي سمعت خطوات تقترب مني، ورجلًا يقول اسمي بهدوء.
أدرتُ وجهي ورأيت شخصًا لم أعرفه من قبل عيناه زرقاوان كسماءٍ شفاف، وملامحه محاطة بهدوءٍ صارم. أنا إياد، ضابط قالها بلا تكلّف نظر إليّ نظرةٍ جعلت شيئًا خافتًا داخلي يتعافى هل أنتِ بخير؟
لم أكن متأكدة إن كنتُ أحتاج أن أكون بخير لكنّني في تلك اللحظة تذكّرت سامي، وابتسامةٍ مرّة ارتسمت على شفتيّ لا أعلم لكن يجب أن أكون كذلك لأجله.
إياد لم يبتعد ظل يقفَ بجانبي، الذي لم أدرِ بعد إن كان صدفةً أم بداية ضوءٍ ما في ظلال حياتي المتكسّرة.
لم يكن المطر يرحم ذلك اليوم، كأن السماء ترفض أن تصمت مثلنا
المقب*رة امتلأت برجالٍ يهمسون، ونساءٍ يخفين وجوههن خلف الشالات.
الكل يتحدث عن موت أبي وكأنه مشهد عابر في مسلسل حياتهم اليومية، بينما أنا كنتُ أتعلق بكل تفصيل صغير آخر مرة ضحك فيها، آخر مرة وضع فيها يده على كتفي وقال:انتِ قوية يا ليلى، لا تخلّيهم يك*سروا فيكِ.
الآن، لا أحد يمد لي كتفًا أتكئ عليه.
وقفتُ صامتة، والماء يبلل خصلات شعري المتسللة من تحت الطرحة، حين اقترب إياد بخطواتٍ بطيئة. لم يقل شيئًا فقط أخرج من جانبه مظلة ورفعها فوقي.
قال بهدوء، المطر برده ممكن يبقى رحمة أحيانًا.
التفتُ إليه، حاولت أن أبتسم لكن لم أستطع.
الرحمة مش في المطر يا حضرة الضابط الرحمة إن الناس تبطّل تسيب بعضها قبل الوقت.
لم يرد، لكن نظراته كانت كأنها تفهم أكثر مما أقول.
عينيه لم تكن كعيون رجال الشرطة المعتادة فيها شيء من الح*زن، وكأنه يخفي ج*رحًا يعرف طعم الخسارة مثلي.
بعد انتهاء الدفن، اقتربت مني أمي.
وجهها شاحب، وصوتها متكسر، لكنها ما زالت كما كانت دائمًا قوية في ق*سوتها.
اللي حصل دا ما كانش صدفة، ليلى أبوكي كان متغيّر من كام يوم. كان بيقول إنه شايف ناس بتتبعه.
نظرت إليها في صمت يعني إيه ناس بتتبعه؟ هو في إيه؟
هزت رأسها، مش عارفة بس قبل الحادث بيوم، حد كلمه بالتليفون وخرج متوتر ما رجعش غير على صوت الرص*اص.
تسللت القشعريرة إلى ظهري.
لم أكن أريد تصديقها، لكن كلماتها لم تغادر ذهني.
هل فعلاً أبي م*ات صدفة أم أن هناك ما لم يُقال؟
اقترب إياد مرة أخرى وهو يدوّن شيئًا في دفتر صغير.
لو تسمحيلي، محتاج أسألك كام سؤال بسيط عن آخر مرة شفتيه فيها.
ترددت، ثم قلت ببرود: قبل أسبوع كان زعلان مني لأني طلّقت كريم قال إني استعجلت وبعدها ما كلمنيش تاني.
كتب شيئًا سريعًا، ثم رفع عينيه وقال:لو خطرلك أي تفصيل صغير، حتى لو مالوش معنى، كلّميني فورًا الحادث مش واضح ومحتاجين نتأكد من حاجات.
غادر بعدها، لكن صوته ظل في رأسي كصدى بعيد.
كل الناس رحلوا، بقيت أنا وسامي.
ابني كان ماسك في يدي بقوة، صوته يرتجف: ماما، هو جدو راح السما؟
نزلت على ركبتي، وضمت وجهه الصغير بين كفيّ.
أيوه يا حبيبي، بس هو شايفنا دلوقتي، وهيساعدنا من هناك.
مسح دموعه بإيده، وسأل ببساطة، هو كان زعلان منك؟
تجمدت كيف يعرف كل هذا؟
أجبت بحذر: يمكن شوية بس هيسامحني.
في تلك اللحظة، مرّت سيارة سوداء ببطء من بعيد، نوافذها مظللة، توقفت للحظة وكأن أحدهم يراقب.
وقبل أن أرفع رأسي لأرى من فيها، كانت قد اختفت في الضباب والمطر.
وقفتُ وأنا أضم سامي إليّ، وقلبي يخفق بشدة.
لم أكن أعلم أن تلك السيارة ستكون أول خيطٍ في لغزٍ سيقلب حياتي كلها من جديد.
