رواية سليم والمراهقة الفصل السابع 7 بقلم خضراء القحطاني

 

رواية سليم والمراهقة

الفصل السابع 7 

بقلم خضراء القحطاني


ريم بنته المدللة في سن المراهقة لسه عايشة حياتها بط*يش ومغرورة إنها بنت الابنودي.

في الفترة الأخيرة، اتعرفت على شاب وسيم من برة الوسط بتاعهم لع*ب بعقلها بالكلام المعسول، أوهمها بالحب الكبير، وقال لها إنها أغلى حاجة عنده ريم، بعقلها الصغير وتجربتها القليلة، صدقته.

بدهاء شديد، استغل تعلقها بيه، وبدأ يطلب منها أسرار تخص بيتهم في الأول رفضت، لكن بعد ما لع*ب على وتر قلبها وخوفها تخسره، وافقت.

رشيد الابنودي قاعد في مكتبه الكبير، الدخ*ان مالي القوضة من كتر الس*جاير اللي ولّعها وطفاها كان عنده اجتماع مهم الصبح، ولاحظ إن في ملف ناقص من الملفات اللي بيسيبها دايمًا في درج المكتب المقفول.

رشيد بنظرة الصقر بدأ يقلب الدنيا حوالينه، مفيش أي أثر للملف نادى على سكرتيره:يا عادل، انت فتحت الدرج ده؟

لا يا باشا أنا عمري ما بقرب من حاجتك.

رشيد عرف إن الموضوع مش صدفة الملفات دي مش أوراق عادية، دي أسرار فيها صفقات واتفاقات مع ناس تقيلة.

وقف فجأة، وراح ناحية كاميرات المراقبة اللي في البيت قعد يراجع التسجيلات بنفسه عينيه اتسمرت لما شاف ريم، بنته، داخلة المكتب بالليل، فتحت الدرج، وخدت حاجة وطلعت.

الد*م غلى في عروقه مسك الطاولة ورزعها بقبضة إيده، الصوت دوّى في المكتب.

يا خسارة يا ريم يا خسارة تربيتك.

فضل ساكت دقايق، بيحاول يسيطر على غضبه، لحد ما دخل أخوه الكبير فؤاد.

مالك يا رشيد؟ إيه اللي حصل؟

البنت ريم خانت*ني س*رقت ملف من مكتبي وسلمته لواحد قليل القيمة، لعب بعقلها باسم الحب.

فؤاد بصله بصدمة:إنت متأكد؟ دي ريم دي ضناك!

شوفتها بعيني في الكاميرات الخ*يانة لما تيجي من جوا بيتك تبقى الك*ارثة أكبر.

رشيد خد قرار فوري طلب رجاله، وقال لهم:عايز البنت دي والواد اللي معاها يتجابولي دلوقتي والملف يرجع مكانه، بأي تمن.

رجالة رشيد اتحركوا بسرعة في شوارع القاهرة، عربياتهم السودة ماشية في صف كأنها مظاهرة مرعبة في خلال ساعات عرفوا مكان الشاب اللي كان بيقابل ريم.

كان قاعد في كافيه شعبي على أطراف المدينة، ملفوف حوالين نفسه وفاكر إنه أذكى واحد فجأة اتقفلت العربيات قدام الكافيه، نزلوا الرجالة، س*حبوه زي الفار من ديله حاول يتمنع، بس طل*قة واحدة في الهوا خلّت كل اللي في المكان يسيبوا كراسيهم ويمشوا.

رجعوا بيه القصر م*ربوط، ووشه مليان خوف.

رشيد كان واقف مستني، ضهره للباب وهو ماسك عصاية خشب غليظة لما دخلوا الولد، لف رشيد ببُطء، عينيه بتلمع شر.

فين الملف؟

الواد حاول يتمالك نفسه:أنا أنا ما خدتش حاجة.

رشيد ما اتكلمش، أشار لواحد من رجاله الراجل ض*ربه ك*ف خلّى صوته يرن في القاعة.

هتتكلم دلوقتي ولا أخليهم يقط*عوك حتت؟

الواد انهار واعترف بالمكان اللي مخبي فيه الملف رجاله راحوا ورجعوا بيه بعد ساعة، محطوط قدام رشيد زي غنيمة.

رشيد خد الملف وحطه على المكتب، وبعدين قال برجالة:سيبوه بس يخرج من القاهرة الليلة، لو شوفته تاني هنا ه*دفنه بإيدي.

لما خلص، طلب يشوف ريم.

ريم دخلت القاعة وهي مرعوبة، عينيها حمرا من العياط، بس لسه في عندها لمعة التمرد.

بابا أنا آسفة.

رشيد صوته كان هادي بس مرعب:آسفة؟ إنتي كنتي هتضيعي سُمعة العيلة كلها أنا الابنودي، واسمنا مابيتباعش بكلمتين حب.

ريم حاولت تدافع:هو قالي إنه بيحبني وأنا صدقته.

رشيد مسك وشها بإيده بقس*وة، عينه مغروزة في عينيها:الحب مش س*رقة وخ*يانة إنتي بنت رشيد الابنودي ولازم تفهمي إن اللي يغلط عندنا بيتحاسب غالي.

ريم انهارت على الأرض تبكي، ورشيد لأول مرة حس بمرارة، مش بس من خيانة بنته، لكن من خوْفه إنها تكون نقطة ضعفه اللي الناس تستغلها.

وقف وقال:ابتداءً من النهارده، ريم مش هتخرج من البيت إلا وأنا عارف راحت فين ومع مين لو غلطتي تاني مش هرحم*ك، حتى لو إنتي بنتي.

ريم بعد اللي حصل ماقدرتش تسيب نفسها تضعف قعدت في أوضتها تبص في المراية وتقول لنفسها:أنا مش لعبة عند بابا مش كل حاجة هيمشيها بكلمتين ته*ديد.

بدأت تتصرف عادي قدام الكل، بس جواها ن*ار عناد حاولت تكلم الشاب تاني من تلفون صاحبتها، بس اكتشفت إن رقمه مقفول والناس بتقول إنه سافر ساعتها حسّت بإن أبوها فعلاً مسيطر على كل حاجة، وإن حتى الشوارع بتردّ عليه.

ليالي بعدها، قررت تخرج من البيت من غير ما تقول اتسحبت من الباب الخلفي وهي متخيلة إنها ذكية، لكن ماكملتش شارعين غير ورجالة رشيد وقفوا قدامها بالعربية السودا واحد فيهم فتح الباب وقال بلهجة صعيدية خشنة:اتفضلي يا آنسة المعلم مستني.

ريم حسّت بخوف لأول مرة، قلبها وق*ع في رجلها لما رجعوا بيها القصر، لقت رشيد واقف، صوته مليان غض*ب مكتوم:إنتي فاكرة إني مش عارف خطواتك؟ فاكرة إني مش وراكِ؟

حاولت تعاند:أنا مش سج*ينة عندك!

رشيد اتقدم خطوتين، ض*رب العصاية الخشب في الأرض، الصوت رجّ القاعة كلها:لو خرجتي من غير إذني تاني هك*سر رجلك بإيديا، عشان تتعلمي إن كلمة رشيد الابنودي قانون.

ريم اتجمدت مكانها، دموعها نزلت من غير ما تحس عمرها ما شافت أبوها بالق*سوة دي ساعتها فهمت إن عنادها مش هي*كسر جب*روته، وإنها لازم تتغير غصب عنها.

طلعت على أوضتها وهي منهارة، قلبها مليان رع*ب وحزن، بس لأول مرة استوعبت إن أبوها مش مجرد أب ده زعي*م، ومافيش مزاح مع الزعي*م.

في عز الضهر، رجعت كريمة من الشغل وهي شايلة شنط فيها شوية حاجات للبيت كانت تعبانة من الوقفة، إيديها مت*سلخة من الشغل اللي بتعمله في البيوت علشان توفر لولادها، ومع ذلك وشها مليان صبر.

دخلت البيت لقت بنتها منى قاعدة على الكنبة وبتلعب ، وأخوها قاعد على الكنبة ماسك الموبايل، أول ما شافوا الشنط قالوا بس*خرية:هو ده كل اللي جبتيه؟! الفلوس اللي بيديهالنا أبويا تجيب أكتر من كده.

كريمة قلبها وج*عها من الكلام، حاولت ترد بهدوء:يا حبايبي أبوكُم مش بيصرف عليكم زي ما فاكرين أنا اللي بجري وأتعب علشان تبقوا لابسين ورايحين مدارسكم.

الواد الكبير ض*رب كف في الترابيزة وقال بع*صبية:إنتي بتكدبي! أبونا راجل كريم إنتي اللي بخيلة أنا لو عايش عند مرات أبويا كنت هعيش ملك!

الكلام كان زي س*كاكين في قلب كريمة دموعها نزلت غصب عنها، بس مسحتها بسرعة عشان ما يبانش ضعفها.

آسر، ابنها الصغير، كان واقف ساكت على جنب، عينه بتلمع بالحزن قرب من أمه، مسك إيدها وقال بهدوء:متعيطيش يا أمي أنا عارف إنك إنتي اللي بتتعبي عشاننا.

بس الباقيين مشوا وسابوها، وهي قاعدة في نص الصالة لوحدها فجأة الباب اتفتح، ودخل زوجها ومعاه مراته التانية، ضحكة عالية على وشها، وهو متعمد يحض*نها قدام كريمة.

قال ببرود:هتجهزلنا الأكل يا كريمة مراتي نفسها تاكل أكلة من إيدك.

كريمة حسّت إنها بت*تقطع من جوه، بس ماقالتش ولا كلمة دخلت المطبخ، وهي بتقطع الخضار إيديها بترتعش، مش عارفة إزاي تتحمل كل يوم بيتها بيزيد وجع، واللي يزود الغصة إن ولادها نفسهم بقوا قساة عليها.

الليلة دي نامت وهي حاضنة آسر، والدموع على خدها حسّت إنها وحي*دة في دنيا كلها ضدها، بس كان في جواها بصيص صغير من قوة إنها لسه واقفة رغم كل اللي بيحصل.

البيت كله كان متوتر من الصبح. حسام، ابن كريمة الكبير، كان بيرمي كلام ج*ارح طول الوقت، يتذمر من قلة الفلوس، ومن لبسه القديم، ومن أمه اللي في نظره مقصرة كريمة سكتت كالعادة، قلبها بي*تحرق من جوه بس بتقول: ربنا يهديك.

وقت العصر، كانت نازلة السلم بسرعة علشان تروح تشتري طلب للبيت حسام كان واقف فوق، غض*بان ويزعق:إنتي سبب كل المص*ايب! حتى الفلوس اللي أبويا بيديها بتضيعيها!

كريمة وقفت على نص السلم وبصت له بعين مك*سورة:يا ابني، والله أنا اللي شايلة الهم عنكوا لو تعرف بس قد إيه بتعب.

هو كان منفعل أكتر من اللازم، قرب منها وحاول ي*زقها علشان يبعدها عنه بس يده جات أق*وى من قصده فجأة، كريمة فقدت توازنها ووقعت على السلم، ص*رخة مدوية خرجت منها وهي بتتدحرج.

آسر كان واقف تحت، اتجمد في مكانه شاف د*م نازل من راس أمه وهي مرمية على الأرض بلا حراك عينه اتسعت، قلبه ضرب بسرعة، حاول يص*رخ لكن الصوت ماطلعش.

حسام اتجمد مكانه فوق، مش مصدق اللي حصل.

يا نهار اسود يا أمي!

كريمة ماكانش فيها حيل تتحرك، جسمها ممدد على الأرض والد*م محاوط وشها إيدها ممدودة ناحية آسر كأنها بتستغيث.

آسر أخيرًا انفجر في بكاء هستيري، صوته هز البيت:ماماااا!

الجيران سمعوا الصريخ وجروا على السلم، لاقوا المشهد اللي يقطع القلب كريمة مضرجة بد*مها، وحسام واقف فوق مصدوم، وآسر محتضنها وهو بيترجّاها تفتح عينيها.

الإسعاف وصلت بسرعة والجيران ساعدوا يشيلوا كريمة وهي غرقانة في دمها آسر كان لازق فيها، مش عايز يسيب إيدها، بيبكي ويقول:ماما ماتسيبينيش أنا مش عايش من غيرك.

وصلوا المستشفى، والدكاترة دخلوا بيها الطوارئ، والكل واقف برا في قلق حسام قاعد في الكرسي حاطط إيده على راسه، مش قادر يستوعب إنه هو السبب.

بعد ساعات طويلة، خرج الدكتور ووشه متجهم بص للزوج وقال:الحمد لله، هي لسه عايشة لكن حصل ن*زيف حاد جداً، واضطرينا نعمل عملية للأسف الجنين ما استحملش.

كلمة الجنين وقعت زي الصاعقة آسر بص حوالين، مش فاهم الأول، بس لما سمع إن أمه فقدت البيبي، حضن نفسه وعيونه غرقت دموع.

محروس رفع حاجبه ببرود وقال:يعني هي بخير خلاص؟

الدكتور اتنرفز:بخير إزاي! الست دي كانت هت*موت محتاجة راحة تامة وعناية أي صدمة تانية ممكن تقتلها.

الجيران اتصدموا من رد محروس، لكن حسام وقع على الأرض من كتر الصدمة، دموعه نازلة وهو بيقول:أنا السبب أنا اللي م*وتت أخويا.

أما آسر فدخل أوضة أمه بعد ما سمحوا له يشوفها لقاها نايمة ووشها شاحب، على أجهزة، بس إيدها لسه دافية مسك إيدها وقال بصوت مبحوح:ماما أنا مش هسيبك حتى لو كله ضدك أنا جنبك.

كريمة، وهي بين الغيبوبة والصحوة، دمعة نزلت من عينها كأن قلبها لسه سامع صوت ابنها الصغير اللي بيحبها بجد.

رجعت كريمة البيت بعد أسابيع من التعب والعلاج. كانت مازالت ضعيفة، خطواتها بطيئة، بس عينيها شايلة وجع أكبر من أي جرح البيت كله ساكت، حتى زوجها اللي كان دايمًا متسلط وباين عليه البرود، بقى يتجنب يواجهها بشكل مباشر.

أما حسام فقد تغيّر الواد اللي كان لسانه طويل وعصبي، بقى ساكت معظم الوقت كل ما يشوف أمه جايه، يقوم بسرعة يساعدها، يمد إيده لو تعبت في المشي، أو يقعد جنبها في الصالة بهدوء.

في يوم وهي قاعدة على الكنبة، جه وحط كوباية شاي قدامها وقال بصوت واطي:سامحيني يا أمي أنا غبي، ظلمتك، وكنت عايش في وهم.

كريمة بصت له، عينيها دمعت، بس قلبها كان متقفل ردت بهدوء:أنا مسامحة يا ابني بس اللي حصل مش هيتنسي.

حسام نزل راسه، ماعرفش يرد من يومها وهو عامل زي التلميذ، يسمع كلامها، يحاول يعوضها بابتسامة، بكلمة طيبة، لكنه في نظرها لسه الولد اللي زق*ها من السلم وخلاها تفقد الجنين.

آسر، زي ما هو، ظل قريب من أمه، يتعامل معاها كأنها كل الدنيا هو الوحيد اللي كان سبب قوتها، لكن حتى مع تغيّر حسام، كانت كريمة جواها بتقول:الوج*ع علم قلبي ومهما حاولوا، اللي اتك*سر مش هيرجع زي الأول.

كانت سلسبيل جالسة وسط الفتيات في ساحة المدرسة، وابتسامة خجولة لا تفارق وجهها لم تعتد من قبل على هذا الكم من اللطف إحداهن أهدتها قلادة صغيرة، وأخرى وضعت بين يديها دفترًا مزخرفًا وقالت:دي ليكي يا سلسبيل، عشان تدوّني فيه خواطرك.

نظرت إليهن بدهشة، قلبها يدق بسرعة لم تفهم لماذا كلهن فجأةً يتسابقن للتقرب منها همست في نفسها: هل تغيّرت فجأة؟ أم أن هناك سرًّا لا تعرفه؟

قبل أن تستوعب الموقف، سألتها إحداهن بجرأة:على فكرة يا سلسبيل الشاب الوسيم اللي كان معاكي أمس، هو قريبك؟

تجمّدت الكلمات على لسانها رمشت بعينيها في حيرة:شاب؟! أي شاب؟!

تبادل الفتيات نظرات مليئة بالفضول والضحكات الخفية. شعرت سلسبيل أن الأرض تدور بها، فهي لا تعرف عن أي شاب يتحدثن ولا لماذا يربطنها به.

رفعت نظرها إليهن مرتبكة، والقلق يتسلل لصوتها:ممكن تفهموني إنتو تقصدوا مين بالظبط؟

لكنهن اكتفين بالابتسامات الغامضة وكلمات متقطعة توحي بأنها محط أنظار، دون أن يقدمن لها جوابًا شافيًا فبقيت سلسبيل بين الحيرة والارتباك، تتساءل: هل هناك من يراقبني من بعيد؟ أم أنني وقعتُ في دائرة أحاديث لا أعرف بدايتها ولا نهايتها؟

              الفصل الثامن من هنا 

 لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>