
رواية ضي الفصل العشرون20 بقلم داليا السيد
ضي
صراخه ذهب مع صوت السيارة الكبيرة التي انحرفت تجاهه لتوقفه عن اللحاق بها وتمر من أمامه لتفصله عنها وتمنعه من أن ينقذها وما أن اختفت السيارة من بين الأمطار حتى رآها تغطي وجهها وتنهار بالبكاء والفزع كاد يوقف قلبها وشعرت بذراعيه تلفها وهو يهتف
"ضي، ضي هل أنت بخير؟"
نفضت يداه بعيدا عنها ورفعت وجهها الباكي له وقالت بغضب "لا، أنا لست بخير فاتركني وابتعد عني"
والتفتت لتفر منه مرة أخرى ولكنه لم يتركها وهو يقبض على ذراعها ويصرخ من بين الأمطار "ضي توقفي واهدئي"
كانت تصرخ بلا وعي وهي لا ترغب بأن تسمعه ولا أن يلمسها وكل ما كانت تنطق به "اتركني وجودي معك يؤلمني أنت لا تفعل شيء سوى جرحي وإهانتي"
صدمته كلماتها وهو يستوعبها ويدرك حقا أنه بكل مرة ينتهي بهم الحال لإيلامها وجرحها وهي من تدفع الثمن حتى دون أن يقصد، لم يفلتها رغم محاولاتها وعاد يقول "ضي اسمعيني أنا لم أقصد إغضابك أو جرحك بهذا الشكل أنا.."
هتفت به بقوة "أنت مغرور، قاسي ومتكبر وأنا تعبت منك، تعبت من كل ما سببته لي بحياتي، فقط اتركني لماذا لا تتركني؟ لماذا تبقيني هنا طالما ترغب بسواي؟ أنا أكرهك، أكرهك، لم لا تتركني؟"
حدق بها وهو يعلم أن كل كلمة نطقت بها كانت صادقة، هو ذلك المغرور، القاسي والمتكبر لكنه معها هي لا، معها هي سيفعل المستحيل ليبقيها بجواره حتى ولو نطقت بكلمات الكره هذه فعيونها تنفي كرهها له، هو يعلم أنها غاضبة لكن الكره لا
هتف بها "لا يمكنني أن أتركك ضي لأني لا أستطيع أن أعيش بدنيا أنتِ لستِ بها، أنتِ من جعل لحياتي معنى، ربما كنت المغرور القاسي والمتكبر لكن معك أنتِ لا، بدونك لا أعني أي شيء، أنت صنعت مني رجل آخر"
هتفت بألم "لا، أنت هو أنت لا تفكر سوى بنفسك وسعادتك ولو على حساب الآخرين بداية بتحقيق انتقامك وتلطيخي بالعار بلا رحمة ونهاية باليوم وأنت تحاول أن تثبت لي وللجميع أني لا أعني لك شيء، لماذا أعدتني لك إذن طالما ترغب بنساء أخرى؟ هل لأنهم ليسوا مثلي؟ لا يحملون ماضي ملوث بلا ذنب بل أنت سببه؟ أنت ترغب بكل شيء ولا يمكنك أن تمنح أي شيء، أنا تعبت والله تعبت، تعبت من الأمل الذي تمنحه لي كل مرة لترفعني لسابع سماء ثم تقذف بي لسابع أرض بلا رحمة، أنت لا قلب لك، لا قلب لك"
وانهارت أكثر بالبكاء وهو لا يجد كلمات يرد بها كل ما واجهته به وهي على حق ولمعت عيونه بألم هي لم تراه وهتف لتسمعه "دعينا نعود البيت من هذا المطر وهناك افعلي ما شئتِ، أنتِ ترتجفين من البرد"
هزت رأسها وهي تقول بتعب من الألم الذي يسري بكل جسدها والبرد الذي تسرب لها "هل تخشى عليّ من البرد والمطر؟ لا تفعل بل اتركني ربما تلك المياه الطاهرة تغسل عاري الذي لم تحاول أنت أن تغسله وأنت وانتقامك سببه، هذا المطر قد يطفئ النيران التي تشعلها أفعالك بي، هذا المطر أرحم بكثير منك"
لم تلين قبضته ولم يفلتها وكل كلمة منها كانت بمثابة طعنة عميقة بقلبه وهي لا تتوقف وقد خزنت كل تلك الآلام والأحزان بسببه داخلها وهو يطالبها بتجاوزها هل كان أناني لهذا الحد؟ لم يفكر بها ولم يشعر بمعاناتها طوال تلك السنوات وعندما وضعها القدر بطريقه ليمسح عارها تجاهل كل ذلك وكأنه لم يفعل شيء بل وطالبها بأن تعيش معه وكأن شيء لم يكن والآن فقط هو يرى جرحها العميق والذي لا يمكن لأي شيء أن يداويه
صوت الرعد جعلها تصرخ من الفزع وجعله يعود للواقع فلم يفكر وهو يحملها وهي لم تقاوم فقد فقدت كل قوتها وتهالك جسدها من الضغوط التي جعلت كل الأوجاع تطفو على السطح مرة واحدة
لم تقاومه وهو يساعدها على دخول السيارة وانكمشت بالمقعد وجسدها يرتجف من البلل وأغمضت عيونها وصداع قوي يضربها برأسها بلا رحمة وقاد هو السيارة وهو ينظر للطريق مرة ولها مرات عديدة وهو يتابع أنفاسها التي تدل على الارتجاف وقد شحب وجهها وتلطخ من الكحل الأسود والتصق شعرها ببشرتها الشاحبة، حتى ملابسها التصقت بها ولولا أن القماش سميك لظهر جسدها منه بسبب المياه
لن يفكر بكلماتها الآن لأن حياتها هي كل ما تعنيه بالوقت الحالي لكن كل كلمة نطقت بها سكنت قلبه وعقله وسببت جرح عميق داخله هو يستحقه ولن يحاول حتى مداواته ربما يشعر ولو بجزء من الألم الذي عاشته وما زالت تعيشه بسببه
ما أن أوقف السيارة وسمعته يغلق بابه حتى استعادت آخر قواها وفتحت الباب ولكن ما أن حاولت أن تقف حتى كادت تهوي من الضعف الذي ضربها لكنه كان قد وصل لها وتلقاها بين ذراعيه وحملها وهي تغمض عيونها بلا أي كلمات وهو يسرع بها لغرفتهم وبلا تفكير وضعها بالفراش وجذب ملابس نظيفة وهي لم تقاوم وهي ترتجف بقوة وجسدها كله تخدر من البرد ولم تعد تعي أي شيء
****
ما أن فتحت عيونها حتى أغلقتها مرة أخرى بسبب ضوء النهار الذي ضربها بعيونها وشعرت بالصداع يدق بقوة بلا توقف وألم بحلقها وجسدها ثقيل ورغم الغطاء الثقيل لكنها كانت تشعر بالبرد، حركت جسدها فرأته يقترب منها بقلق واضح وقال
"ضي كيف حالك الآن؟"
أبعدت عيونها وهي تحاول أن تستوعب ما حدث ورددت بتعب وضعف من ألم حلقها "أولادي!؟"
أدرك أن هم كل ما يعنيها الآن وهو فقدها للأبد، جلس بجوار الفرش وقال "بخير"
أغمضت عيونها لا ترغب برؤيته وهو يعرف ذلك خاصة بعد انفجارها بوجهه بالأمس، وضع الكمادات الباردة على جبهتها فعادت للنوم مرة أخرى بلا رغبة بمقاومة التعب حتى ولو كان من أجل أولادها لقد استنفذت كل طاقتها ولم يعد لديها أي خزين يعينها على تحمل ما تعانيه لذا استسلمت للراحة من كل ذلك
أنهى الكمادات التي طالبه بها الطبيب وظل جالسا بجوارها كما فعل منذ سقطت غائبة عن الوعي وحتى الآن، تراجع بالمقعد وهو يحدق بها ورأى ماذا فعل بها
أغمض عيونه وهو يدرك أن ما فعله بها ليس فقط ما كان بالأمس عندما ترك امرأة لا تعني له أي شيء تثير غيرتها ولم يهتم بتحذيرها له، اتقي شر الحليم إذا غضب، وهي كانت الحليم ذي القلب الطيب والتي ظلمها البعض فسامحتهم وأحبها الآخرين ووثقوا فيها وبلا حدود
كلماتها ذبحته منذ قذفتها بوجهه ونزف، نعم نزف بغزارة وما زال ينزف، أنا حقا لم أغسل عارك الذي تسببت لكِ به بلا ذنب لكن ضي صدقيني وقتها كنت مدفوع بغضب أعمي لأجلها، آه لو تعرفي السبب الذي دفعني للانتقام بلا رحمة، أنا أيضا متعب ضي، متعب من قسوة الزمن والأيام، متعب لأني أراك تضيعين مني ولا أستطيع إعادتك، متعب لأني كنت غبي، بدلا من أن أركع أمامك وأطلب منكِ السماح جرحتك جرح جديد، كل كلمة خرجت منكِ كانت حقيقة عليّ أن أعترف بها
فتح عيونه ووجدها بعالم آخر ولا تشعر بأي شيء حولها وكأنها لم تعد ترغب بالحياة، نهض وأخرج سيجارة أشعلها وهو يصل للنافذة وحدق بالفراغ أمامه وهو ما زال يراها بدموعها والمياه تتقطر منها وهي تخبره أن المطر قد يطهرها من عارها الذي لم يغسلها هو منه، يراها وهي تخبره أنه ذلك المغرور القاسي والمتكبر هو حقا مغرور ومتكبر ورفض حتى الاعتراف بذنبه وطلب السماح
لف وجهه لجسدها الراقد على الفراش وقد تهالك من كثرة ما عانى بسببه، الآن، الآن يعترف أنه صم أذنيه عن كل ما قالته عن معاناتها بعد ما حدث، هل حقا فكر بقصتها وأدرك الثمن الذي دفعته؟ والدتها ماتت من الخزي والألم، حمل مشين لا تعرف ماذا تخبر الناس عنه لأب لا تعرفه وهي فتاة بالسابعة عشر وحدها بدنيا لا ترحم مع فقر يطحن من يسقط تحت أقدامه بلا رحمة
أخرج الدخان وهو يزفر نفس كان حبيس داخله وهو يدرك أنه لم يستوعب ما عاشته وحدها، لم يهتم بكلمات ابنه عنها عندما أخبره أنها كانت تنام بلا عشاء لتوفر له العشاء وبلا غطاء بالبرد لتغطيه وتحميه من البرد، لم يفهمه عندما وقف بوجهه وهو طفل صغير ليوقفه عن تجريح المرأة التي رآها وهي تعمل وتعمل وتذاكر وترعاه دون أن تكل أو تشكو
غضب لأنها طالبت بالانفصال وعاقبها بأن تركها وحدها دون أي اهتمام حتى أكلته الغيرة وضربته كرامته برؤية رجل يبدي إعجابه بها فأسرع ليوقفها والغضب لكرامته فقط هو كل ما كان يعنيه حتى ساعدته الظروف وجعلتها ترضخ وتستسلم وتلغي كرامتها لتأتي من أجل امرأة عرفتها عدة شهور لكن أخلصت بحبها لها وقبلت أن ترعى ابنتها وكأنها ابنة ثالثة لها
خطط وقرر أن يخضعها له ويجعلها تستسلم وتأتي له راكعة بعد كل ما فعلته ولم يرحمها وانتهى بجرحها جرح جديد بكرامتها كامرأة فمتى ستكتفي منه ومن أفعاله المشينة والمؤلمة؟
أبعد وجهه للخارج ورأى كريم يلعب مع أخته بالحديقة وجانيت تضع ماريا بالعربة الخاصة بها لتستمتع بالشمس الدافئة وشعر بألم بقلبه، ما أن تعود لوعيها لن تبقى، سترحل ولن يمكنه إيقافها تلك المرة لن يجرؤ على مواجهتها حتى وسيفقد أولاده مرة أخرى وسيعود البيت للصمت من جديد
أطفأ السيجارة وارتد للمقعد وجلس أمامها فلن يتركها حتى تستعيد نفسها ووقتها لن تراه فلو كان بيوم يأمل بأن تسامحه، اليوم وبعد ما حدث هي لن تنظر بوجهه مرة أخرى وهو يستحق