رواية ضي الفصل الحادي والعشرون21 بقلم داليا السيد

رواية ضي بقلم داليا السيد
رواية ضي الفصل الحادي والعشرون21 بقلم داليا السيد
أفتقدك
 لم تعرف كم من الوقت مر عليها وهي غائبة بظلمات النوم أو اللا وعي الذي أرادته بخاطرها، عندما نهضت اليوم كانت أفضل حال من السابق، تذكرت أنه كان معها، يساندها للحمام وأحيانا كان يحملها ومع ذلك ما زالت لا ترغب برؤيته، الألم الذي لا يتركها بسببه أكبر من أن تغفره تلك المرة، اغتسلت وحدها وبدلت ملابسها وعادت الغرفة ورأت نفسها بالمرآة، عيون محلقة فقدت بريقها، وجه شاحب فقد جماله حتى جسدها فقد جزء من وزنه
تحركت خارجة لغرفة البنات فرأت جينا على الأرض وسط ألعابها وجانيت تحمل ماريا، ابتسمت وهي تفتقدهم وصرخت جينا لرؤيتها وزحفت مسرعة لها فضحكت لطفلتها وانحنت لتحملها وهي تقول 
"مرحبا حبيبتي هل افتقدت ماما"
هتفت الفتاة "ما.. ما"
قبلتها بحنان وجانيت تبتسم وتقول "الحمد لله على سلامتك مدام تبدين أفضل"
قالت وهي تتحرك لها "الحمد لله جانيت كيف حال الأولاد؟"
أجابت جانيت "بخير مدام"
داعبت ماريا التي كانت تشبه جولي كثيرا والفتاة تعلقت بضي جدا لأنها كانت تمنحها حنان خاص فهي طفلة فقدت والديها وهي ما زالت تضع أول خطواتها على سلم الحياة
أمضت وقت غير قليل معهم وتناولت إفطار خفيف فما زالت فاقدة لشهيتها حتى نزلت على موعد عودة كريم من المدرسة وما أن نزل من الباص وأسرع داخل الفيلا حتى خرجت له فاحتضنها بقوة وقال "ماما، اشتقت لكِ، كنت أجلس بجوارك وأنتِ نائمة"
قبلت وجنته وقالت "كنت متعبة حبيبي"
جلسا معا بالحديقة وهو قال "نعم أعلم، بابا أخبرني بذلك ولكنه سمح لي بالبقاء معك كما أشاء وكان يساعدني بواجباتي المدرسية بدلا عنك، هو رائع بالحساب ماما هل تعرفين أنه علمني كيف أجيب على أسئلة التاريخ"
وظل الطفل يتحدث عن الرجل الذي هو والده وكأنه فارسه وقدوته وأدركت كم تعلق كريم بسليم وكم تنطق عيونه بالحب له وهي تابعته بصمت فقط تسمعه ثم نهضت معه لتناول الغداء واستبدال ملابسه وظلت اليوم كله مع الأولاد ولم تسأل عنه ولم تراه لكن كريم أخبرها أنه هاتفه وسأل عنها وأخبره أنه بالعمل
ما أن انفردت بنفسها حتى تذكرت ما كان بينهم وكلماتها له وهي ليست نادمة عليها
لم تراه حتى نامت مبكرا فما زالت متعبة لكن بالصباح أطعمت البنات ومنحها كريم قبلة قبل الذهاب لمدرسته ولم ترى سيارته أيضا بل عرفت أنه رحل مبكرا، شعرت بالراحة لأنها لا تراه فهي ليست مستعدة بعد للمواجهة، ليست نادمة على أي كلمة قالتها له تحت المطر، ليست نادمة لأنها ترفضه فلم تعد لديها قوة لخوض حرب جديدة لا فائدة منها ومع ذلك عليها التفكير بمصير علاقتهم بعد ما كان ولكن علاقته بالأولاد أصبحت تعقد الأمور أكثر
أمضت اليوم كله بالمكتب تتابع العمل حتى عودة كريم، حكى لها يومه على الغداء كانت جانيت تأتيها بالبنات بمواعيد طعامهم ثم يعودوا لغرفهم وظلت تعمل وهي تفتح اتصال مباشر مع مصر والمديرين هناك ولم تتوانى عن إعادة الأمور كما كانت
رنين هاتفها جعلها تنتبه له فجذبته لتتوقف نظراتها على اسمه وتتردد قبل أن تفتح دون أن تتحدث، رفع رأسه لخارج النافذة وقد ظن أنها لن تجيبه وشعر بقلبه ينتفض شوقا لصوتها ولكنها لم تنطق بكلمة واحدة فقال "كيف حالك؟"
صوته بدا غريبا عنها وكأنها فجأة أصبحت لا تعرفه، لا بل هي الآن تعرفه، مغرور، قاسي ومتكبر، أجابت "بخير، شكرا لرعايتك لي"
أغمض عيونه وهي تتعمد وضع حدود للتعامل بينهم بذكاء، فرك لحيته وقال "ضي أنا.."
تراجعت بالمقعد وانتظرت كلماته ولكنه صمت وهي لن تتحدث ولو أراد المواجهة فهي تنتظره ولكنه ظل صامتا قليلا ليستجمع نفسه ولأول مرة يجد نفسه تائه وكم مرة ردد لنفسه ما سيقوله لها لكن الآن بصوتها القوي نسى كل ما جهزه 
عاد وفتح عيونه وقال "أحتاج للسفر إلى جنيف ومدريد ولا أعلم متى سأعود"
كانت عادية لا تعرف مشاعرها تجاه غيابه، تقريبا احتاجت لابتعاده عنها ربما تشفى من جراحها لذا قالت "كما تشاء"
أدرك أنها لن تبحث عنه ولن تتضرر من غيابه وربما هو ما تريده ولو كانت كذلك فهو لا يلومها، الغريب أنها لم تتحدث عن رحيلها وهذا هو ما يمكن أن يريح قلبه قليلا
قال بهدوء زائف "هل الأولاد بخير؟ هل تحتاجين لشيء؟"
لم تتحرك أو تتبدل نبرتها الباردة وهي تجيبه "الأولاد بخير"
عبث بعيونه وهو يدرك باقي الرد والذي لم تمنحه له 'وأنا بخير طالما أنت بعيد عني' لكنها لم تنطق بالكلمات فهي كالملاك لا يؤلم أحد وهي أبدا لم تتسبب بألم أحد
قال بصوت متألم "أفتقدك ضي وسأفتقدك بكل يوم سأكون فيه بعيدا عنكِ"
لم تتبدل ملامحها ولم تؤثر بها كلماته بل ظلت صامتة لا تجيبه وهو أدرك أنها لن ترد ولن تمنحه أي كلمة وهو بالفعل ما فعلته، لم ترد فنفخ بقوة ربما يجد أي راحة بلا فائدة فقال "إلى اللقاء"
لم تجيبه أيضا وهي تغلق الهاتف وتقذفه على المكتب أمامها وعيونها عليه والغريب أن ولا دمعة سافرت لعيونها، جفت، انتهت، يئست من تأثيرها لذا رحلت، كل الدموع رحلت، لا رغبة لها حتى بالتفكير فنهضت بعد أن أغلقت الجهاز وتحركت للأعلى لغرفة البنات وظلت معهم وقد تمكنوا من جعلها تدفع ذلك الرجل بعيدا عن عقلها حتى ولو كان لأيام، ساعات، دقائق، التوقف عن التفكير به يريح عقلها وقلبها وهي بحاجة لتلك الراحة
**** 
الاسبوع مر والثاني لحق به ولم يعد، علمت من الميديا أنه تنقل من جنيف لمدريد وعاد مرة أخرى لجنيف ولكنها لم تهتم ولم تسأل، بالبداية هاتفها ولكن برودها معه جعله يتوقف وهو ما أراح قلبها، لقد انتهى من حياتها بعد تلك الليلة ورغم أن الأمر وقتها لم يكن يستدعي رد فعلها هذا لكن لقد فاض الإناء بما يحمل ولم يعد يمكن ملئه بالمزيد وعندما حاول إضافة القليل غصبا انفجر بما يحمل وتناثر بوجهه فعليه تحمل نتيجة أفعاله
اقتربت رأس السنة وتمتع كريم باحتفالات أعياد الميلاد حتى تبقى اسبوع على رأس السنة عندما هاتفها أنطون ودعاها لقضاء الاجازة معهم بأستراليا للتمتع بالاحتفالات معا وكذلك كي يرى حفيدته، لم تستطع منحه أي قرار وقالت "لا أعلم أنطون"
سمعته يقول "أعلم أن سليم بجنيف سأهاتفه وأجعله يلحق بكم هنا"
ظلت صامتة فعاد وقال "ضي هل هناك شيء؟ ألم تنتهي خلافاتكم بعد؟ ظننت أن بقائك يعني استقرار الأمور"
ظلت ثابتة بمكانها وهي تحمل ماريا الصغيرة وقالت "أنا هنا من أجل استقرار أولادي أنطون، كريم يرغب بالبقاء هنا، مدرسته، والده، تدريباته، حياته هنا بالنسبة له أفضل بكثير من مصر، وهو حرم من والده بما يكفي ولن أكون السبب بحرمانه منه بنفسي مرة أخرى ولا جينا لكن ما بيني وبين سليم فهو أمر مختلف تماما"
أجاب الرجل "تعلمين تهوره ولكنك أيضا تعلمين تمسكه بك وبأولاده وهذا يغفر له ضي"
ابتسمت بيأس وهي تعيد ماريا لفراشها وقد نامت فخرجت وعادت لمكتبها وقالت "وبأي طريقة تكون مغفرتي له أنطون، بأن هذا أمر طبيعي لامرأة مثلي لها ماضي مشين وهو تفضل عليّ وارتقى بي وهذا يجعله يطالب بالثمن الذي يناسبه؟ أو ربما هو رأى أنه ليس بحاجة لمغفرتي بالأساس لأن فتاة كانت بالشارع بيوم ما ليس من حقها أن تطالبه بأي شيء وعليها أن ترضى بأي شيء يقدمه لها، سليم لا يعترف أنه أخطأ أنطون ولا يرى أن لي أي حق بأن أغضب وأثور وأطالب بحقي وأنا لم أعد أحارب بتلك المنطقة لأني كما أخبرتك أنا هنا من أجل استقرار الأولاد فقط لكن سليم لم يعد له وجود بحياتي"
لأول مرة تصرح بها بتلك القوة والشجاعة وكأنها تردد الكلمات على نفسها كي تستمر بمسيرتها دون تخاذل، أنطون ظل صامتا وهلة قبل أن يقول "وهل وافقك على ذلك؟"
ظلت تعبث بالقلم على سطح المكتب وقالت "تقريبا"
أخيرا عاد للبداية وقال "وهذا سيمنع قبولك لدعوتي؟ كريم سيعجبه المكان هنا جدا وأنا أرغب برؤية ماريا، سأرسل لكِ التذاكر وسأهاتف سليم وأخبره"
أغلقت وهي غير نادمة على ما قالت عندما دق الباب ودخل كريم فابتسمت له وهو يتحرك تجاها وهي تقول "لم تنم بعد؟"
الطفل يزداد طولا ويقترب من شاب بدلا من طفل، جلس أمامها وقال "ليس بعد وحضرتك لم تفعلي؟"
لم تنهض وهي ترد "أنطون كان يهاتفني"
ظل ينظر لها فقالت "ترغب بقول شيء؟"
هز رأسه فقالت بتشجيع "هيا اطلب"
أبعد نظراته وقال "بابا"
تجهم وجهها ورحلت ابتسامتها والتفت كريم لها فقالت "ماذا عنه؟"
واجها وقال "هل حدث شيء بينكم؟ هل ذهب مرة أخرى ولن يعود؟"
كانت تعلم تعلق ابنها بسليم خاصة منذ عادوا هنا، سليم تقرب منه بشكل كبير وجعل الطفل يتعلق به بقوة وهي الآن لا تعرف ما موقف ابنها من خلافهم؟ ربما ساندها مرة لكن الآن قد لا يفهم
أجابت "هو لم يخبرني شيء، كل ما أعرفه أن لديه عمل بين مدريد وجنيف"
ظل يحدق بها ثم قال "ماما أنتم تشاجرتم بتلك الليلة التي مرضت بها أليس كذلك؟ هو لم يتحدث مع أحد وما أن شفيت حتى رحل ويومها طلب مني أن أكون هنا بدلا منه وأن أحافظ عليكم جميعا"
نظراتها لكريم كانت عالقة وكأنها ضائعة تبحث عن منفذ للهرب بلا فائدة، أخفضت وجهها وقالت "لقد وقع شجار بالفعل بيننا واختلفنا ثم مرضت ولم أراه وقت شفيت فقد رحل"
عبث بأصابعه وقال "أنت لا ترغبين بالعودة له؟"
تجاوز الطفل يزداد لذا نهضت وقالت "كريم ألا تظن أنك عدت للتجاوز؟"
نهض واقفا أمامها وقال "لم أقصد أنا فقط لا أرغب بعودة الانفصال ماما، تعلمين أن وجودنا معا هو ما يمنحنا الراحة والسعادة"
من داخلها صوت يصرخ "وماذا عن سعادتي أنا وراحتي التي لم أنالها يوما؟ ماذا عن كرامتي التي انتهكها بلا رحمة؟"
لكن يظل الصوت حبيسا داخلها فابتعدت ومنحته ظهرها وقالت "هناك أمور معقدة بيننا كريم ونحن لم نحلها لذا لا يمكنني منحك أي رد"
تحرك لها وقال "لكن لن نعود مصر؟"
التفتت له ورأت الرجاء بعيونه فقالت "لا، أعلم أنك وإخوتك بحاجة للبقاء هنا وأنا لن أحرمكم من ذلك"
اقترب منها وقال "وبابا ماما، نحن بحاجة لوجوده معنا"
فتحت فمها لتثور بوجه بأنها ليست بحاجة لأحد لكنه لن يفهم فهزت رأسها وقالت "أخبرتك أننا لم نتناقش بالأمر"
رأى نظراتها التي تبدلت فقال "حسنا، لدي مباراة غدا هل ستأتين؟"
هزت رأسها وقالت "بالطبع"
تفاجأت به يتحرك تجاها ويحتضنها فلفته بذراعيها فقال "أنا أحبك جدا ماما"
أغمضت عيونها براحة من وجوده معها ومشاعره ما زالت لها فقالت "وأنا أيضا حبيبي"
**** 
اسم أنطون أضاء على هاتفه وهو يجلس بلا حركة على مقعده بالشقة التي يملكها بجنيف، أمسك الهاتف وأجاب "مرحبا أنطون"
هتف أنطون "مرحبا فقط؟ ألم تفتقدني أو ترغب برؤيتي أو أي كلمات من تلك الخاصة بالأصحاب؟"
أشعل سيجارة وقد أصبح مبالغ بالتدخين وربما هو رفيقه الوحيد الآن، قال "بالطبع أرغب برؤيتك وأفتقدك فقط لم أظن أنك بحاجة لتلك الكلمات"
رد أنطون "ومن ليس بحاجة ليسمع كلمات الود والحب يا صديقي؟ أنها تذيب كل المشاكل والصعوبات"
لم يرد وهو يتأمل الدخان الذي تطاير من حوله فقال أنطون "ألم تعد روما بعد؟"
حدق بالسيجارة المشتعلة بيده وقال "لا"
صمت لفهم حتى قال أنطون "ما سبب خلافكم تلك المرة؟"
لم يبعد السيجارة من أمامه ثم قال "ظننت أني ذكي ثم أدركت كم كنت غبي جدا بكل شيء"
صمت عاد مرة أخرى حتى قال أنطون "أنت تحبها؟"
تنهد بقوة وهو يترك السيجارة بالمطفأة وقال "وما الفائدة من السؤال أنطون؟ أنا فقدتها للأبد"
أجاب أنطون "ولكنها ما زالت موجودة بالبيت ولم ترحل، أنت من رحل"
فرك لحيته وقال "لأنني فضلت الرحيل وبقائها هي والأولاد بدلا من العكس"
تحدث أنطون "وهي لن تفعل، أخبرتني أنها باقية من أجل استقرار الأولاد فعد وحاول معالجة الأمور"
تلك الكلمات لم تفعل مع جرحه أي شيء، بقائها من أجل الأولاد بالطبع هذه هي ضي الجديدة التي صنعها، ضي التي لم تعد تفكر بأحد سوى أولادها فقط، لا هو يهمها ولا نفسها تعنيها، الأولاد وحياتهم هم كل شيء وهي تضحي من أجلهم
قال بهدوء "وهو ما أفعله أنطون، أمنحها الفرصة للاستقرار مع الأولاد فوجودي لا يعني سوى الألم والحزن والخراب، أنا لا أفعل شيء سوى تدميرها لذا فضلت الابتعاد"
تنهد أنطون وقال "لكن الهروب ليس حل، عد وناقش مشاكلكم معها وابحث عن الحل"
عاد للسيجارة وقال "لا، لدي من المشاكل هنا ما يكفيني، الصفقة الأخيرة تسقط بلا سبب وهي مرتبطة بصفقة مدريد والخسارة ستكون أكبر مما يمكنني تحملها تعلم أني وضعت بأملاكك كل السيولة ولو سقطت الصفقة لن أجد مال للسداد"
هتف أنطون "أنت تمزح سليم؟ رجل محنك مثلك كيف يحدث له ذلك؟"
أطفأ السيجارة وقال "بعد كثير من البحث عن الأسباب لم أجد سوى أن هناك من يحفر لي وهو من يرغب بإسقاطي بالحفرة"
سأله أنطون بدهشة "ومن الذي يمكن أن يفعل بك ذلك؟ سليم أنت لست رجل عادي بروما و.."
قاطعه "روما لكن جنيف ليست أرضي وهناك من يلف كل الخيوط بيده يجذبها ويرخيها كما يشاء"
سأله الرجل بلا تصديق "ولماذا كل ذلك؟ أنت لا تعبث مع أحد ولا تهدد مصالح أحد"
نهض ويده تلمس السلسلة الفضية التي أهدتها له وكأنه يقتبس منها بعض القوة فهو لا يخلعها حاليا كما كان يفعل قديما، الآن هي بمثابة مخدر لآلامه وكذبة يكذبها على نفسه أنها قريبة منه بقرب السلسلة منه
قال بلا تركيز "لم أعرف أي شيء بعد، أنا مجهد بسبب محاولات إنقاذ الأمور فلا أنام تقريبا ولا أجد وقت للبحث عن المتسبب بالأمر فلا رجال لي هنا لتفعل، الأمر معقد أنطون"
شعر بنبرة أنطون تتخاذل فقال "سأرسل لك المبلغ الذي أملكه كله بالصباح"
ابتسم وقال "أنت تمزح؟ أعلم أنك وضعت كل السيولة بالمزرعة والبيت والأرض المحيطة وما تبقى هو ما يحميك من غدر الأيام فلا تفعل شيء إلا لو طلبت منك ذلك"
"إذن لن تأتي استراليا لقضاء العطلة؟"
"لا أظن"
سأله "بل أنت بحاجة لها ووجودك بالإجازة عندك لن يفيد بشيء، تعالى امضي معي الاجازة وربما نجد حل سويا"
تأمل المطر بالخارج وقال "سأرى ظروفي أولا أنطون"
سأله "هل تفكر بالعودة لروما بالإجازة؟"
أجاب بلا تفكير "لا، هي ليست بحاجة لقضائها بغرفتها تهربا مني، لو لم أجد وجودي مفيد هنا سأكون عندك"
وأنهى كلاهم المحادثة ووضع يداه بجيوبه وهو يراها أمامه، مبللة من الأمطار، ملطخة الوجه من الدموع، تصرخ به بالألم الذي عانته منه ومن أفعاله، سقوطها بين ذراعيه، صمتها وهو يخبرها أنه سيفتقدها، لقد رحلت ضي البريئة ذات القلب الطيب ولم تعد الضي الذي ينير ظلامه، رحلت وهو من دفعها بغباء لتخرج من حياته بلا عودة 
الآن جدتي أنا فشلت بالحفاظ على هديتك، ضاع مني كل ما خطتِ أنتِ له، زوجة صغيرة وجميلة وبالأساس هي ضحيتي وأم ابني، عائلة كنت سعيد معها ولم أحلم بسواها تبخرت وتلاشت وعدت للوحدة من جديد ولكنها وحدة مختلفة جدتي، وحدة مليئة بألم وندم وخوف من المستقبل
آه ضي! آه لو تدركين كم أحبك وأتمنى أن أركع تحت أقدامك وأطلب منكِ السماح، آه لو بإمكاني السقوط بين أحضانك والتحدث عن همومي التي أثقلت كاهلي حتى كادت تدفني بالتراب من كثرتها
أنا أتألم ضي، أتألم بشدة ولا دواء لألمي سوى مغفرتك فكيف لي بها؟ أنا لم أعرف بأي يوم كيف أعتذر أو أطلب السماح، الرجل المغرور الذي عاش عمره كله بكبرياء وقسوة لم يتعلم كيف يعتذر عن أخطائه لذا بدلا من أن أطلب غفرانك وأمنحك حبي الذي أحمله لكِ وأحميكِ داخل ضلوعي أضعتك مني، نسفت آخر سلمة كانت سترفعني لكِ ولم يعد باستطاعتي الوصول إليكِ
أخرج يده بالهاتف وعبث بالأرقام حتى وصل لرقمها وظل ناظرا له لوقت طويل حتى هاتفها وانتظر أن تجيب حتى يأس ولكن قبل أن ينتهي الرنين فتحت الخط وكالعادة لا تنطق وظل هو الآخر لا ينطق حتى قال "كيف حالك؟"
كم الألم النابض بصوته جعلها تعتدل بالفراش، لأول مرة تسمع تلك النبرة منه لذا قالت "بخير، هل أنت بخير؟"
أغمض عيونه ولم يتساءل كيف شعرت بأنه ليس بخير أو كيف اهتمت له، ربما لأنه بالفعل ليس بخير فلم يدرك سؤالها فقط قال "لم أقصد إيقاظك"
يفر من السؤال فقالت "لا يهم، هل الوقت لديك متأخر؟"
أجاب "نعم، لديكِ عمل بالصباح؟"
قالت بمحاولة إخفاء القلق الذي نبض بقلبها عليه ولم تفهم نفسها وكيف تحمل له أي شفقة "تعلم أني لا أرتبط بمواعيد، أنا أعمل من البيت، لا تبدو بخير"
رفع رأسه وقال وهو سعيد باهتمامها "العمل هنا مرهق ولا أجد وقت للراحة، هل استعديت للإجازة؟"
لم تخبره عن دعوة أنطون ولكنها قالت "لا شيء محدد، كريم يرغب بشراء شجرة كبيرة لتزيينها كأصحابه، بالمناسبة لديه مباراة هامة غدا وربما اتصالك يفيد"
أجاب "سأفعل شكرا لاهتمامك"
صمت كلاهم ولا رغبة له بإغلاق الاتصال وهي تنتظر كلماته حتى قال "أفتقدك"
أغمضت عيونها وأوقفت أنفاسها كي لا يسمع أنين قلبها ولا صراخ عقلها بالغضب من الرجل الذي منحته قلبها وهو نفس الرجل الذي دمرها مرة واثنان وثلاث بلا رحمة حتى تعبت منه ولم تعد ترغب بالاستمرار بطريق كله أشواك
أدرك أنها لن تجيب فقال "فقط أردت أن أسمع صوتك، طابت ليلتك"
وأغلق وهو يضغط على الهاتف وصرخ "غبي، ألا يمكنك أن تقول، أنا آسف، أنا أحبك ولا أعرف للحياة معنى بدون وجودك؟ حتى لو صفعتك بكلمات الرفض فهو حقها، لو ثارت مرة أخرى بوجهك فأنت تستحق فلماذا لم تفعل؟ لماذا تصر على ضياعها منك للأبد؟"
سقطت يدها التي تمسك الهاتف بحجرها ولم تدمع ولم ترمش حتى، أفتقدك، أردت أن أسمع صوتك، وماذا؟ ماذا أردت من كل ذلك سليم؟ تلك الكلمات لا تداوي جراح عميقة كجراحها، لا تشفي العلل المزمنة
تمددت بالفراش وجذبت الوسادة لتحتضنها وهي تستعيد المحادثة، هو حتى لم يسأل عن الأولاد، لماذا هاتفها؟ هل حقا رغب بتلك الكلمات، افتقدتك؟ أنا لا سليم، أنا لم أفتقدك لأني لا أرغب بتكرار الألم، أردت أن أسمع صوتكِ، أنا لا، لم أرغب بسماع صوتك لأنه يعيد كل الذكريات دفعة واحدة عليّ، يفتح الأبواب التي أصارع لإغلاقها، ليتك ما هاتفتني وليتني ما أجبتك
كلاهم يصارع بلا معرفة نهاية لذلك الصراع، أو ربما يعرفان لكن يرفضان التصديق، الرجل الذي أحبته وأنجبت منه ابنتها هو الذي اغتصبها ودمرها وحطم شبابها وبدلا من أن يداوي ما تسبب به وضع الملح على الجراح ليزيد من الألم، ماذا أراد بترك امرأة عاهرة تفعل معه ذلك أمامها؟ إهانتها؟ إثبات أن امرأة رخيصة أهم عنده منها أم أنها هي لا تساوي أي شيء بالنسبة له
ليتني ما هاتفتك ضي، صوتك زاد من ألمي وصمتك أشعل النيران بقلبي بل بكل كياني، لف حول نفسه بلا هدي وهو لا يعلم كيف يوقف الألم؟ أنا لا أعرف ماذا أفعل كي أتوقف عن التفكير بكِ والحنين إليكِ، كيف أخبرك أنكِ تسكنين بكل خلية من خلاياي، أكاد أصاب بالجنون من كثرة تفكيري بكِ وبكيف أتحمل البعاد أكثر من ذلك لكني أعلم أنها النهاية ولن يعيدنا شيء لطريق واحد
أرسل لها أنطون تذاكر السفر لكنها لم تكن تعرف أن عليها الحصول على إذن منه كي تسافر الأولاد خارج البلد لذا كان عليها أن تهاتفه وهو وقتها كان يخرج من مناقشة حادة مع أحدهم ممن لا يعرف سبب تبدله معه وتخلى عنه وما أن رأى اسمها حتى أغلق الصوت ولم يجيب، لن ينفث غضبه بوجهها وكي يرد عليه أن يهدأ، الخسائر تسقط عليه وهو يعلم أن هناك من يفعل به ذلك لكنه لا يعرفه ولا يجيد التف كم ير الآن بطريقة كي يوقفه أو يوقف من يضرون به
ألقت الهاتف على المكتب وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تتابع الأولاد بالحديقة، كريم يلعب مع أخته كعادته وببعض الأحيان يداعب ماريا أو يحملها عندما تبكي، تعلم من جينا كيف يراعيها وهي تصمت معه وتبتسم له وهو ما أسعدها
لم تعرف لماذا لم يجيبها فهي لا تهاتفه من الأساس وبالتأكيد عندما تفعل فهذا يعني شيء هام، ألا يهتم؟
تحركت للمكتب وفتحت جهازها واندمجت بالعمل كما اعتادت حتى أعادها رنين الهاتف لترى اسمه فأجابت وهو يقود السيارة وقال "لم أقصد تجاهل اتصالك لكن كنت بدوامة العمل ولم أستطع الرد"
محاولة التبرير جعلتها توقف غضبها قبل إخراجه لذا قالت "نحتاج إذنك لسفر الأولاد خارج إيطاليا"
كاد يصدم السيارة التي أمامه من كلماتها وهتف "ماذا؟ ضي أنتِ لن تعودي مصر؟"
غضبه جعلها تتوقف قليلا قبل أن تقول "لا"
نفخ بقوة وهو يبتعد عن الزحام وهتف "لماذا الإذن إذن ضي؟"
أجابت بهدوء "استراليا، أنطون أرسل دعوات لقضاء الاجازة هناك ورؤية ماريا"
تنفس براحة وقال بهدوء تلك المرة "جيد، سأجعل المحامي يقوم باللازم" 
صمتت وتمنت لو تسأله عن موعد عودته أو هل سيأتي معهم أم لا ولكن قلبها أبى أن تفعل، أغمض عيونه وقال "إلى متى سيستمر صمتك هذا ضي؟"
هي نفسها لا تعرف ولكنها قالت "ليس لدي سواه"
فتح عيونه للطريق وتألم وهو يرى ما وصلوا إليه فقال "أنتِ لا تعرفين كم هو مؤلم؟"
وأنت لا تعرف كم أنا أتألم، قالت بهدوء "لو شئت لا أهاتفك"
تنفس بقوة وقال "نحن لا نفعل بالأساس، ضي الأولاد.."
قاطعته "أنا أفعل كل ذلك من أجل الأولاد فلا تطالبني بالمزيد من أجلهم"
هو يعرف ذلك ويدرك أنها باقية من أجلهم فعليه التراجع فهي تخبره أنه طريق سد، رفع يده لشعره ومرره به وقال "لو تبعتكم لأستراليا ستغضبين؟"
منعت أنفاسها ككل مرة وقالت "ليس لي الحق بأن أغضب لتصرفاتك فأنت حر"
غضب حقا من كلماتها البسيطة ولكنها مؤلمة فهتف "لا تفعلي بي ذلك ضي، أنت تحرقين بلا رحمة"
صمتت وهي لا تصدقه فهي لم تقل سوى ما تعرفه، عاد وقال "أنا لست حر ضي، أنت قيدي ولا يمكنك تخيل ماذا يفعل بي قيدك هذا"
فهمت خطأ فأطلقت أنفاسها وقالت "فك قيدي إذن وحرر نفسك مني، الطلاق حل مناسب لك بتلك الحالة لكن لا تخبرني أن أنا من طلبه فما زلت أبحث عن الأولاد"
ضرب المقود بيده وهتف "عن ماذا تتحدثين ضي؟ أنا لم ولن أفكر بطلاقنا أبدا وأنتِ تعرفين ذلك أنا أتحدث عن أشياء أخرى"
لم ترمش بعيونها ولم تدفع أي دموع فبالأساس لم يعد لديها دموع وهي تقول "أنا لم أعد أعرف أي شيء سوى أولادي لو كنت تعني أشياء أخرى فهي لك لأني لم أعد أهتم يكفيني ما نلت"
وأغلقت الهاتف وقذفته على المكتب لأن يدها كانت ترتجف بشدة وقلبها انهار بالدقات المفزعة مما جعلها تغمض عيونها وتضع يدها على صدرها لتوقف الألم، أنا لا أتألم، لا أتألم، ليس من أجلك فأنت لا تستحق، أنا لا أريدك ولا أريد لوم أو عتاب فقد تعبت ولن أعيد مأساتي مرة أخرى
أبعد الهاتف وهو يدرك أنها لن تقبل بأي كلمات ليس عبر الهاتف، ليس وهو لا يمنحها أي شيء، هي بالفعل نالت منه ما يكفيها فهل يظن أنها ستقبل بأي شيء آخر؟ بالطبع لن تقبله ولن ترغب برؤيته ولكنه ما زال يرغب بها وبرؤيتها وبرؤية الأولاد، قلبه متعب وربما لو رآهم مرة يرتاح وبعدها يعود للصراع الذي يعصف به هنا فوجوده حاليا لا يفعل أي شيء، الاجازات توقف كل المصالح وعليه أن ينتظر حتى تنتهي الاعياد فهل سيجرؤ على الذهاب

تعليقات



<>