رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل العاشر10بقلم اسماعيل موسي
حين صرختُ من أسفل وأنا أشذب الأشجار، لم يلتفت بدر،
ظل واقفًا فوق السطح كما لو أن الصوت لا يعنيه، وكأن النداء لم يُوجَّه إليه أصلًا، أو كأن المسافة بيننا كانت أوسع من مجرد طابقين.
لكن يده توقفت لحظة واحدة، لحظة قصيرة لا تُرى بالعين، ارتخت فيها أصابعه حول الفرشاة قبل أن تعود للحركة من جديد.
تلك الوقفة لم تكن تجاهلًا، ولم تكن ردًا متعمدًا، بل كانت شيئًا آخر تمامًا، استدعاءً صامتًا، كأن جسده تذكر شيئًا لم يسمح له عقله بالاحتفاظ به طويلًا، فمرَّ الأثر سريعًا ثم اختفى.
كل عصر، كان بدر يصعد إلى سطح القصر في التوقيت نفسه، يحمل اللوحة ذاتها، ولا يخطئ الموعد كأنه طقس لا يجوز كسره.
كانت اللوحة لجسد بلا وجه، جسد مرسوم بدقة تشريحية فادحة، تفضح معرفة عميقة بالعضلات ونقاط الارتكاز، حيث الترقوة واضحة، وعضلات الصدر مشدودة دون استعراض، والذراعان قويتان بلا مبالغة، جسد في وضع استعداد دائم.
كان هناك نصف انحناء خفيف في الوقفة، يوحي بأن الضربة التالية لم تُحسم بعد، وأن الحركة معلقة في الهواء، لا سقوط ولا انقضاض، مجرد انتظار ثقيل.
أما الوجه، فكان مساحة فارغة بيضاء، بلا ملامح، بلا ظل، بلا حتى خط تخطيطي خافت، كأن بدر تعمد أن يترك الرأس بلا هوية، وكأن الجسد وحده هو الحقيقة، والوجه عبء زائد لا ضرورة له.
كان يركز على الضوء المنكسر فوق العضلات، على التوتر الصامت في الوقفة، على الإحساس بالحركة المؤجلة، وكأنه يرسم شخصًا قبل لحظة السقوط أو قبل لحظة الانقضاض، دون أن يحدد أيهما أقرب.
كل يوم، كان يعدل في الجسد، يقرب كتفًا، يشد فخذًا، يخفف ظلًا، يعيد توزيع التوازن، لكن الوجه لم يمسه أبدًا، وكأن الاتفاق بينه وبين اللوحة أن يبقى مجهولًا.
في المساء حسن كنت اتطفل عليه من بعيد كنت أراه جالسًا وحده في المكتب، تحيط به أوراق قديمة وملاحظات مكتوبة بخط دقيق لا يعرف التردد.
كان يراجع قوانين الملاكمة الحديثة بدقة باردة، يمر على أنواع الضربات المسموح بها، ومناطق الاحتساب، والفاصل الحاد بين الضرب القانوني والضرب القذر، يتوقف عند زوايا الفك، وحساسية العصب الخامس، ومخاطر الضرب المتكرر على الدماغ.
قرأ عن ارتجاج المخ، وكسور الوجنة، وخلع الكتف، وتمزق أربطة الرسغ، وكتب ملاحظات جانبية عن كيفية تخفيف الكدمة بالضغط المبكر، ومتى يُمنع المقاتل من الاستمرار، وكيف يُقاس الخطر لا بالشجاعة، بل بالتراكم الصامت للأذى.
لم يكن يكتب كمدرب فقط، ولا كطبيب فحسب، بل كشخص يعرف أن الجسد هو من يدفع الثمن دائمًا، حتى حين يربح.
كيمو واكا كان يتحرك في البيت كما لو أنه يعرف كل أسراره،
يسير بلا عجلة، يتسلل إلى الغرف المفتوحة، ينام قرب السلالم، ويقفز فجأة دون سبب واضح.
كان يختار الأماكن العالية، حافة السور، ظهر الأريكة، الدرابزين، ويحب المراقبة من فوق، وكأنه لا يثق بما يُرى من مستوى الأرض.
إذا غضبتُ، ابتعد، وإذا ساد الصمت، اقترب، يعرف متى يكون البيت متوترًا، ومتى يصبح آمنًا.
وحين قفز على سور السطح يومها، ونظر إليّ، ثم حرّك ذيله ببطء، كنت متأكدة أنه فهم أكثر مما قال بدر.
وفي الريف، حيث ينساب مجرى النهر قرب القصر، كانت الطبيعة تمضي كعادتها، لا تتدخل ولا تعلق.
الماء لا يحفظ اللكمات، ولا يتذكر الصراخ، بل يمر فقط، كما لو أن كل شيء قابل للنسيان.
الأشجار تميل قليلًا مع الريح، والسماء تتبدل بلا إعلان، والعصر ينزل بثقله الذهبي دون أن يسأل أحدًا.
وهناك، بين خضرة لا تقاتل أحدًا، وهدوء لا ينتصر، كان كل شيء يبدو كاملًا، إلا نحن.
لم يكن ما أشعر به تجاه بدر رغبة واضحة ولا إعجابًا سهل التسمية، بل كان شرخًا بطيئًا يتسع من الداخل دون صوت.
كنت أراقبه من مسافة محسوبة، لا أقترب ولا أبتعد، كأنني أخشى إن تحركت خطوة أن أنهار من الداخل أو أن أستعيد توازني فجأة فأفقد هذا الارتباك الغريب.
ما جذبني إليه لم يكن قوته، ولا صمته، ولا سيطرته الباردة، بل ذلك الانقطاع المفاجئ في حضوره، تلك اللحظات التي يبدو فيها كأنه هنا بجسده فقط، بينما شيء آخر داخله ينسحب إلى مكان لا أعرفه ولا أُدعى إليه.
كنت أعرف هذا النوع من الغياب، أعرفه جيدًا، لأنه يشبه غيابي أنا حين أبتسم في غير موضع ابتسام، وحين أرفع صوتي لأخفي ارتجافة لا ينبغي لأحد أن يراها.
كنت أغضب منه بسهولة، وأفتعل الضجيج حوله، لا لأنني أكرهه، بل لأن وجوده الصامت كان يعريني أكثر مما أحتمل،
كان ينظر إليّ أحيانًا دون تعليق، دون تفسير، دون محاولة لفهمي أو إصلاحي، وهذا بالذات ما كان يؤلمني، لأنه لا يمنحني فرصة الدفاع عن نفسي، ولا حتى فرصة الكذب،
بدأ التشقق حين أدركت أنني لا أريد أن أنتصر عليه، بل أريده أن يراني.
لا جسدي، ولا غضبي، ولا فوضاي المتعمدة، بل ذلك الجزء الذي أنكره عادة وأدعي أنه غير موجود، الجزء الذي يتعب من القتال ولا يريد نزالًا جديدًا.
كان ميلًا غير متزن، لا يشبه ما قرأته أو عرفته سابقًا،
ميلًا نحو رجل لا يعرض نفسه، ولا يمد يده، ولا يعد بشيء.
رجل يقف داخل حدوده كما لو أنها آخر ما يملكه، ولا يسمح لأحد بتجاوزها، حتى لو كان ذلك يعني الوحدة.
أحيانًا كنت أكرهه لأنني شعرت أنه يراني أكثر مما أرغب، وأحيانًا أخرى كنت أرتاح لأنني لا أضطر إلى الشرح أمامه.
لم يكن يسأل، ولم يكن يفسر، ولم يكن يحاول أن ينتزع مني حقيقة أو اعترافًا، وكأن الاتفاق بيننا غير المعلن أن نترك الأشياء معلقة، مؤلمة، ولكن صادقة.
بدأ داخلي ينقسم، جزء يريد أن يكسر هذا الصمت، أن يهزه، أن يجبره على النظر نحوي بوضوح، وجزء آخر يخشى إن فعلت أن أفقد هذا التوازن الهش الذي يسمح لي بالبقاء قربه دون أن أسقط.
كنت أميل إليه لا لأنني أريده لي، بل لأنني شعرت أننا نقف في المكان ذاته من الحياة، كلٌّ على حافته، كلٌّ ممسك بجراحه دون ضماد، وكلٌّ يدّعي الاكتفاء.
وذلك الإدراك، أكثر من أي شيء آخر، هو ما صدعني من الداخل.
لم أخف من ميلِي لبدر بقدر ما خفت من المعنى الذي يحمله، معنى أن أحتاج لأحد بعد أن أقسمت أن أكون مكتفية بنفسي، وأن لا أمد يدي مرة أخرى لأي رجل مهما بدا مختلفًا أو أقل إيذاءً.
كنت خارجة من قصة حب لم تترك لي جرحًا واحدًا بل مجموعة تشققات صغيرة لا تُرى، لكنها تُضعف الجدار كله.
لم أُهزم فيها لأنني أحببت، بل لأنني صدّقت، ولأنني حين أعطيت، أعطيت نفسي كاملة بلا حساب ولا شروط.
وحين انتهت، لم أخرج باكية، خرجت منهكة، خالية من الرغبة، مشبعة بالشك.
أعلنت الحرب يومها لا بصوت عالٍ، بل بقرار داخلي صارم،
الحب خديعة متكررة، والرجال مشروع خيبة مؤجل، وكل اقتراب جديد هو فقط تأجيل لألم أعرفه جيدًا.
قلت لنفسي إن القوة في الاكتفاء، وإن النجاة في العزلة، وإن النجاة وحدها تكفي.
لذلك حين شعرت بشيء يتحرك داخلي تجاه بدر، شعرت بالخيانة.
ليس له، بل لي.
خيانة لكل الوعود التي قطعتها لنفسي وأنا أضمد بقاياي
كيف أسمح لشخص غريب، صامت، ناقص، أن يربك هذا التماسك الذي بنيته بالعناء؟
رفضت الشعور لا لأنه ضعيف، بل لأنه قوي أكثر من اللازم
لأنه لم يطلب إذنًا، ولم ينتظر وقتًا مناسبًا، ولأنه لم يتشكل في صورة إعجاب سطحي يمكن السخرية منه، بل تسلل كاحتياج خفي لم أستعد للاعتراف به.
قلت لنفسي إن ما أشعر به مجرد انعكاس للوحدة، وإن بدر ليس استثناءً بل ظرفًا، وإن أي رجل آخر لو وقف في المساحة نفسها، بالصمت ذاته، والاختفاء ذاته، لتحرك داخلي الشيء نفسه.
كان هذا هو كذبي المفضل، لأنه يحميني من الاعتراف الأصعب.
كنت أراه، ثم أُجبر نفسي على النظر بعيدًا
أسمع صوته، ثم أوبخ قلبي لأنه انتبه
أغضب، أفتعل شجارًا، أختبئ خلف قسوة متعمدة، فقط لأثبت لنفسي أنني ما زلت قادرة على الرفض.
الاحتياج، بالنسبة لي، لم يعد ضعفًا فقط، بل خطرًا
والرغبة في أن يراني أحد، أن يفهمني دون شرح، أن يبقى دون محاولة امتلاك، كانت كلها إشارات حمراء رفعتها داخلي بحدة.
لا أريد أن أعود إلى تلك النسخة التي تنتظر، أو تتمنى، أو تراهن على رجل.
أنا التي خرجت من الحب مثخنة، لا أملك رفاهية الاحتمال،
أنا التي اخترت الوحدة لا لأنها أسهل، بل لأنها أقل كلفة،
وبدر، مهما بدا مختلفًا، لم يكن مبررًا كافيًا لأعيد فتح حرب أعلنت نهايتها هكذا أقنعت نفسي،وهكذا دفنت الشعور، لا لأنه مات، بل لأنني قررت ألا أسمح له بأن يعيش.
وكنت أعرف، في مكان ما داخلي، أن ما يُدفن حيًا لا يموت… بل ينتظر.
