رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الحادي عشر11بقلم اسماعيل موسي


رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الحادي عشر11بقلم اسماعيل موسي

كان الحفاظ على مسافة بيني وبين بدر فعلًا يوميًا مرهقًا، قرارًا أجدده كل صباح كما لو أنه علاج لا يجوز التوقف عنه فجأة.

مسافة لا تُقاس بالخطوات ولا بالأمتار، بل بدرجة السماح والامتناع، بالنظرة التي أتراجع عنها، وبالكلمة التي أدفنها قبل أن تخرج.

كنت أحب وجوده كما يُحب الصمت بعد ضجيج طويل، لا يطالبني بشيء ولا يضغط على موضع الألم، فقط يكون هناك، بثقله، بحضوره غير المتطفل.

وجوده لم يكن مريحًا بمعناه البسيط، بل مطمئنًا على نحو خادع، وكأن العالم أقل فوضى لمجرد أنه واقف في مكان قريب دون أن يتدخل، وهنا بدأ الصراع.

رغبتي لم تكن في الاقتراب، بل في البقاء على الحافة، أستمتع بالقرب دون أن أتحمله كاملًا.
كنت أريد حضوره دون تبعاته، وصمته دون تفسيره، وظله دون أن يطالبني بالاعتراف بأنني أراه،كلما اقترب، شددت المسافة.
وكلما ابتعد، شعرت بوخزة خفيفة كأن شيئًا ضروريًا انسحب فجأة من الهواء.

لا هو علاقة، ولا هو فراغ، بل منطقة رمادية لا تُحتمل طويلًا
رفضت الرغبة لأنني أعرف إلى أين تقود
ورغبت رغم الرفض لأن القلب لا يعترف بالمنطق ولا يخضع للحسابات.

كان داخلي صوتان، أحدهما حاد يصرخ بالانسحاب، والآخر خافت يطلب فقط لحظة سلام،ومع الوقت، بدأت ملامحي تلين دون أن أنتبه.

الغضب الذي كنت أحمله كسلاح ثقيل بدأ يفقد حدته، لم يعد يقفز إلى السطح لأسباب تافهة، ولم أعد أبحث عن ذريعة للاشتباك.

صرت أتنفس أبطأ، أتكلم أقل، وأصمت دون توتر،لم يغير بدر شيئًا عمدًا، وهذا ما أربكني،لم يحاول تهدئتي، ولم يسعَ إلى ترويضي، ولم يتدخل في ثورتي، فقط ترك المساحة تعمل فعلها.

وأنا، رغم مقاومتي، بدأت أهدأ،كنت ألاحظ نفسي في المرآة دون نقاب الغضب المعتاد،العين أقل قسوة، الجبهة أقل تشنجًا، اليدان لا ترتجفان كما كانت تفعل حين أستعد لمعركة وهمية.

لم أصر أليفة، ولا ضعيفة، لكنني لم أعد مشدودة إلى الحد المؤلم.
صار حضوره يخلق لي خيارًا جديدًا لم أعرفه من قبل
أن أكون قوية دون عدوانية،أن أرفض دون قسوة
وأن أضع مسافة لا لأنها جدار، بل لأنها توازن هش لا أريد كسره بعد،كنت أحمي نفسي، نعم،لكنني، ولأول مرة، لم أكن أفعل ذلك بالخناجر.

كان اللقاء صدفة خالصة، من تلك الصدف التي لا تُخطط ولا تُنكر.
خرجتُ إلى الحديقة ومعي كتابي، غلافه مطوي عند صفحة توقفت عندها منذ أيام، وكنت أظن أنني وحدي، أن المكان خالص لي وللخضرة الممتدة بلا شهود.

لكنني رأيته عند الممر الترابي القريب من الأريكة القديمة، يحمل كتابًا هو الآخر، يمشي ببطء كعادته، كأن الأرض تعرف خطوه وتحسب له المسافة،توقفنا في اللحظة نفسها تقريبًا
نظرتُ إليه، ونظر إليّ، نظرة عابرة لا تحمل دهشة ولا ترحيبًا، فقط اعتراف صامت بالوجود.

كان من الطبيعي أن يرحل أحدنا، أن نختار أسهل الحلول، أن نكسر هذا التوازن الهش بخطوة انسحاب بسيطة.

شعرت بالرغبة في العودة فورًا، بحجة ما، بأي ذريعة تحفظ المسافة التي تعبت في بنائها، وكنت متأكدة أنه شعر بالرغبة نفسها، تلك الرغبة المهذبة في ترك المكان دون إحراج، دون تفسير، كما يفعل دائمًا،لكننا لم نفعل.

ظل واقفًا ينظر إلى امتداد الحقول، وأنا ثبتُّ في مكاني أكثر مما توقعت، كأن قدميَّ اتفقتا ضدي،الصمت لم يكن ثقيلًا، بل متمدّدًا، يحتمل وجودنا معًا دون استعجال.

تحرك بدر أولًا، بخطوة واحدة فقط، وجلس على الأريكة الخشبية المواجهة لفدادين الخضرة
لم ينظر إليّ وهو يفعل، ولم يشر، ولم يدعُ، لكنه ترك المكان مفتوحًا،ترددت لحظة، ثم جلست على الطرف الآخر من الأريكة، وبيننا مسافة مدروسة، لا قريبة ولا بعيدة، كأننا نعرف بالضبط أين يجب أن يقف كل شيء.

جلسنا صامتين، كل منا يحمل كتابه دون أن يفتحه
أمامنا امتدت الحقول الخضراء بلا نهاية، خطوط طويلة من العشب والأرض، هادئة، ثابتة، غير معنية بتعقيدات البشر.

الريح كانت خفيفة، تمرّ على الأشجار ثم تتابع طريقها، كما لو أنها لا تريد أن تزعج أحدًا،كنت أشعر برغبتي في الكلام، ثم أقتلها بهدوء،وكنت أشعر برغبتي في الرحيل، ثم تتلاشى حين أستعيد هذا المشهد الكامل، هذا الهدوء النادر.

أما بدر، فكان ساكنًا تمامًا، كتفاه مسترخيتان، نظره بعيد، كأنه يقرأ شيئًا لا يُكتب في الكتب،لم يكن بيننا حوار، ولا حاجة إليه، كان وجودنا معًا كافيًا لهذه اللحظة، جلوس شخصين يحمل كل منهما عالمًا متكسرًا، يواجهان اتساع الخضرة دون محاولة للفهم أو التفسير.
لحظة بلا وعد، بلا خطوة قادمة، لكنها حقيقية بما يكفي لتجعل الرحيل مؤجلًا.

بينما كنا جالسين على الأريكة، والحقول ممدودة أمامنا بلا نهاية، وجدت أفكاري تنسحب من هذا السكون إلى مكان أقدم وأكثر إلحاحًا.
فكرة الدراسة، تلك التي ظننت أنني دفنتها مع حياتي السابقة، عادت فجأة بكامل ثقلها، لا كحنين، بل كمسؤولية مؤجلة تطالبني بالاعتراف.
كنت أعرف أن بقائي خادمة ليس هزيمة، بل اختيارًا مؤقتًا، مساحة أتنفس فيها دون أن أكون مرئية، دون أن أُختبر أو أُطالب.
لكنني عرفت أيضًا أن الهروب الطويل يتحول إلى شكل آخر من الخسارة، وأنني إن لم أعد الآن، فلن أعود أبدًا.
أردت إكمال دراستي لا لأستعيد ما كنت عليه، بل لأغلق الدائرة.
أن أواجه ما تركته مبتورة، أن أثبت لنفسي قبل أي أحد أنني لم أترك الطب لأنني ضعفت، بل لأنني تعبت.
وكان التعب قد انتهى، أو على الأقل لم يعد يعذرني.
كنت أعرف أنني أستطيع الاستمرار في العمل خادمة، وأن ذلك لا يتعارض مع ما أريد، بل يمنحني اتزانًا غريبًا.
هذا البيت، وهذه الحياة البسيطة، علّماني الصبر أكثر مما فعلت المدرجات والقاعات.
لم يعد في داخلي احتقار لهذا الدور، بل قبول هادئ، كأنني وجدت فيه ظلًا مؤقتًا لا عار فيه.
ظللت أفكر طويلًا قبل أن أتكلم.
ثم قلت بصوت منخفض، كأنني أخشى أن أفسد المشهد:
سيد بدر، أنا محتاجة أخد أجازة قصيرة.
لم ينظر إليّ فورًا، ترك نظره معلقًا على الخضرة، كأنه يمنحني الوقت لأكمل دون ضغط.
قلت إنني أريد العودة للدراسة، أن أنهي ما توقفت عنده، وأنني أعده بالعودة فورًا، دون مماطلة، دون اختفاء.
لم أطلب إذنًا بمعناه التقليدي، بل قدمت له وعدًا.
وعد بالعودة، بالالتزام، بعدم الفرار.
حين التفت أخيرًا نحوي، كانت نظرته هادئة بلا دهشة.
قال ببساطة إن الأبواب التي تُترك بنية العودة لا تُغلق، وإن البيت باقٍ كما هو.
لم يكثر من الكلام، ولم يضع شروطًا، وكأنه كان يعرف أن هذا الطلب سيأتي عاجلًا أو آجلًا.
شعرت براحة لم أتوقعها.
لا فرح، ولا خوف، بل خفة في الصدر، كأن القرار أعاد لي جزءًا من نفسي دون أن ينتزع مني هذا المكان.
كنت أعرف أنني سأرحل لفترة، نعم، لكنني لم أشعر للمرة الأولى أن الرحيل خيانة.

تعليقات



<>