رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي عشر11بقلم اسماعيل موسي


رواية ملك بلا مملكة الفصل الحادي عشر11بقلم اسماعيل موسي

حين أُعلن انتهاء اليوم الأول خمدت نيران الحلبة قليلًا، لا لأنها تعبت، بل لأنها حفظت ما يكفيها من الذاكرة، وبدأت الجموع تتفرق كأن كل ذئب يحمل داخله معركة لم تُحسم بعد.
 أما يامان فلم يلتفت، انسحب كما اعتاد، خفيف الأثر، ثقيل الفكرة، وعبر الغابة في صمت يعرفه الطريق، حتى بلغ كوخه الصغير المخبأ بين الصخور وأشجار الصنوبر القديمة، كوخ لا يدل على ساكنه، ولا يشي بما يحمله، جلس عند المدخل دون أن يشعل نارًا، ترك الليل يبرد عظامه، وترك أفكاره أكثر برودة، لم يكن يفكر في انتصارات اليوم ولا في الدور القادم، بل في الأسماء التي عادت من الماضي كأن الزمن قرر أن ينقلب على نفسه.

في مملكة الذئاب لم يَنَم أحد نومًا كاملًا، الساحات امتلأت بالهمس، والمجالس اشتعلت بالأحاديث، كل فم يذكر هشمير بطريقته، وكل عقل يعيد رسم لحظة دخوله الحلبة، كيف صمتت النار، وكيف انحنى الصوت، وكيف سقط بطل أعوامٍ سابقة كأنه فقد إذن الحركة، صار اسم هشمير يدور في المملكة كما تدور الريح قبل العاصفة، لا تُرى، لكن لا أحد يجهل اقترابها.

البعض قال إن لا أحد يستطيع مواجهته، وأن ما جرى لم يكن نزالًا بل إعلانًا، والبعض تشبث بالأمل الوحيد، اسمٌ آخر عاد مع هشمير من زمنٍ ظنوه انتهى، الهنطاع، الذئب الذي لا يُقاس بالقوة بل بالنجاة، ذئب لم يُهزم لأنه لم يُحاصر يومًا، وتوقعوا أن يكون وحده القادر على الوقوف أمام هشمير، لا لكسره، بل لمجرد أن يجعله يتوقف لحظة.

وفي القصر، جلس الملك إيمير طويلًا أمام النار، لا يتكلم، لا لأن الكلمات خانته، بل لأن ما يشعر به أقدم من اللغة، كان يعلم منذ اللحظة الأولى أن الكأس لن تبقى في أرضه، وأن البطولة التي أُقيمت باسمه ستغادر عشيـرته على أقدام أسطورة أخرى، نظر إلى الشعلة وقال بصوتٍ منخفض كأنه يخاطب ذكرياته لا من حوله، منذ متى عاد الكبار إلى الحلبة، هشمير والهنطاع ابتعدا عن النزالات أعوامًا، تركا لنا الساحة، تركا لنا الأوهام، فما الذي أعادهما الآن ؟

لم يجبه أحد، لأن لا أحد يعرف، وربما لأن الإجابة أخطر من السؤال، فالأساطير لا تعود بلا سبب، وعندما تعود، لا يكون ذلك من أجل الكأس فقط، بل لأن شيئًا في هذا العالم تحرّك، وطلب حضورهم
وفي كوخه البعيد، أغمض يامان عينيه أخيرًا، لا لينام، بل ليستمع، كان يشعر أن الليلة الأولى انتهت، لكن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد.

مع بزوغ اليوم الثاني تبدلت الحلبة، لم تعد ساحة استعراض ولا مكانًا للتهور، بل صارت ميزانًا لا يرحم، كل خطوة محسوبة، وكل خطأ يُقتطع من العمر، ودخلت التصفيات مرحلة الجدية حين فهم الجميع أن النار لم تعد تكتفي بإضاءة الأجساد، بل تفضح الأرواح أيضًا.

دخل هشمير أولًا، ولم يتغير شيء فيه، لا وقفته ولا نظرته ولا ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة ولا يصحبها، خصمه كان مقاتلًا قويًا من العشائر الشمالية، جسده مشدود وتجربته حاضرة، حاول المبادرة، حاول أن يسبق اللحظة، لكنه لم يملك الوقت، ضربة واحدة فقط من هشمير، حركة قصيرة أقرب إلى إزاحة، لكنها حملت وزن جبل وخبرة قرون، سقط الخصم كما يسقط باب قديم اقتُلِع من مفاصله، وانتهى النزال قبل أن يجد الجمهور وقتآ للتصفيق.

ثم جاء الهنطاع، مختلفًا كليًا، لا يشبه هشمير في شيء سوى أن كليهما لا يعرف التردد، خصمه كان شرسًا وعنيدًا، حاول الصمود، حاول القتال، لكن الهنطاع لم يكن يقاتل ليُنهي، كان يقاتل ليكسر، قبضته الأولى حطمت الترقوة، الثانية أطفأت كتفًا، الثالثة التفت حول العمود الفقري، ولم يتوقف إلا حين صار الجسد بلا أوامر، لم يكن في نزال الهنطاع جمال، بل حقيقة عارية تقول إن البقاء لمن يتحمل الكسر ولا يتعلمه.

جود صعدت بعدهما، وهذه المرة لم تكن المواجهة رحيمة، خصمتها ذئبة خبرت الحروب الصغيرة، ضغطت عليها بلا هوادة، سحبتها إلى الزوايا، أرهقتها، وأسقطتها مرتين، لكن جود كانت تقاتل بأنفاسها لا بقوتها فقط، تماسكت حين كاد جسدها يخونها، قاومت الألم، قرأت اللحظة الأخيرة بدقة، وانتهت المعركة وهي بالكاد واقفة، انتصرت بشق الأنفس، لا لأن الفوز كان سهلًا، بل لأن الاستسلام لم يكن خيارًا بالنسبه لها.

آدم دخل الحلبة كما يُفترض بالأمراء أن يفعلوا، بثقة لا تحتاج لصوت، خصمه حاول جرّه إلى صراع قوى، لكن آدم اختار الهيمنة، فرض إيقاعه، سيطر على المساحة، وأنهى النزال بضربة نظيفة أعلنت انتصاره دون فوضى، فخرج ثابتًا كمن يعرف مكانه جيدًا في هذا العالم.

ثم جاء دور يامان، ولم يفهم الجمهور ما يحدث في البداية، لم يكن نزالًا بالمعنى المعروف، كان حركة مستمرة، جسدان يتقاطعان في مساحة ضيقة، لكن أحدهما يقود الرقصة والآخر يلاحق ظلها، يامان تحرك بخفة لا تشبه القتال، التف، انزلق، دار حول خصمه، بدت خطواته أقرب إلى لحن صامت، كل ضربة تفوته، كل هجمة تُفرغ في الهواء، ومع كل ثانية كان خصمه يثقل بينما يامان يزداد خفة، حتى اللحظة التي انتهى فيها كل شيء دون ضربة قاضية، سقوط هادئ، توازن مكسور، وجسد لم يعد يطيع صاحبه. 
ساد الحلبة صمت مختلف، ليس صمت الرهبة ولا الدهشة، بل صمت الإدراك، إدراك أن هذه التصفيات لم تعد عن القوة وحدها، وأن أسماء اليوم الثاني لم تعد مجرد مشاركين، بل نقاطًا تتحرك نحو صدام أكبر، صدام تعرفه الأساطير قبل أن يحدث، وتشعر به الأرض قبل أن يُعلن.

ولمح هشمير على غير عادته يراقب نزال يامان من فوق الصخره، نظر اليه أكثر من مره قبل أن يدير ظهره ويختفى داخل كهفه مع حريمه ،هشمير لا يسكن القصور او الغرف
بل يتخد كهفا بيتا له

وسار الهمس ان كان هشمير يعتقد ان الذئب الهاوى الراقص خصما له ؟
لكن يامان أيضآ اختفى بدوره وركض تجاه كهفه وقبل نومه وصلت جود محمله بجراح المعركه ووقفت آمام باب كوخه


تعليقات



<>