رواية ملك بلا مملكة الفصل الثاني عشر12بقلم اسماعيل موسي
حين لمح هشمير نزال يامان من فوق الصخرة لم يكن ينظر كمتفرج، بل كمن يقيس وزن شيء لا يُرى، عيناه تابعتا الحركة أكثر من النتيجة، وتوقف عند تلك الخفة التي لا تُشبه الهواية، ثم أدار ظهره بلا تعليق واختفى داخل كهفه مع حريمه، فقد اعتاد أن يكون بيته حجرًا لا قصرًا، وسقفًا من جبل لا من ذهب، وسرى الهمس بين الذئاب أن الأسطورة توقفت عند ذئبٍ راقص لا اسم له، وتساءلوا إن كان هشمير يرى فيه خصمًا قادمًا أم مجرد حركة عابرة في طريق بطولة طويلة
أما يامان فاختفى بدوره قبل أن يلتقط أحد ملامحه، ركض نحو كهفه مع اقتراب الليل، وترك خلفه سؤالًا معلّقًا في الهواء، ولم يكن ينوي أن يستدعي أحدًا أو ينتظر أحدًا، لكن الذاكرة لا تُستأذن
حين وقف أمام كوخه شعر بالحركة قبل أن يراها، أنفاس غير منتظمة، رائحة دم امتزجت بتراب المعركة، وذكريات قديمة حاول دفنها، رفَع عينيه فوجد جود واقفة أمام الباب، كتفاها مشدودان، إحدى ذراعيها معلقة بقوة الإرادة، وجروح المعركة ما زالت ساخنة على جسدها، لم تقل شيئًا في البداية، فقط وقفت، وكأنها تعرف أن هذا المكان لا يحتاج طرقًا
قالت أخيرًا بصوت خالٍ من الطلب المباشر إنها تحتاج أعشابًا لا أطباء، وأنها تعرف أن من يسكن هذا الكوخ لا يثق في غير الأرض
لم يسأل لماذا جاءت، ولم يعلّق على حالتها، دخل وعاد بعد لحظات حاملاً حزمة صغيرة، مدّها نحوها وبدأ يذكر أسماءها كمن يستدعي أصدقاء قدامى، أوراق السِّلْفان التي توقف النزيف وتغلق الجلد دون أن تترك أثرًا، وجذور الهِرْبان المر التي تُسكن الألم وتمنع الالتهاب، وزهر الليرما الأزرق الذي يُعيد للعضلات مرونتها ويكسر التيبس، وقليل من طحلب الظل يُسحق ويُخلط بالماء ليمنع الحمى، وقال إن عليها أن تمضغ هذا وتضع ذاك قبل الفجر وإلا ستوقظها الجراح مع أول حركة
جلست جود على الصخرة دون امتنان ظاهر، لكن عينيها تابعتا يديه بدقة، وما إن انتهى حتى سألها بهدوء لا يخلو من حذر إن كانت عرفت اسم الخصم الذي ستواجهه في التصفيات القادمة
ترددت لحظة ثم ذكرت الاسم
تغيّر وجه يامان في الحال، لم يغضب ولم يخف، لكنه فقد تلك الخفة التي يسكن بها عادة، لأن الاسم ليس عادياً، لأن صاحبه لا يقاتل بالغضب ولا بالاستعراض، بل بالصبر الطويل والضربات التي تُبنى واحدة فوق الأخرى، قال لها إن ذلك الذئب لا ينقض سريعًا، وإن أول ثلاث هجمات له تكون فخًا لا محاولة، وإن عليه ألا تنجر خلف ثقته الهادئة، وألا تقاتله من الأمام عندما يثبت قدميه، وأن تستفزه بالحركة لا بالقوة، وأن تتذكر أن ضعفه الوحيد أنه لا يُجيد القتال إن انكسر إيقاعه
كانت تستمع بلامبالاة مقصودة، تلوي الأعشاب بين أصابعها وتبدو كأنها لا تأخذ الأمر على محمل الجد، ثم نهضت وهي تبتسم ابتسامة جانبية وقالت ساخرة إن من يسمعه يظن أنه مقاتل ذئبي حقيقي رغم كونه بشريًا ضعيفًا، وأضافت وهي تبتعد أن لا يقلق، فهي ستنتصر بسهولة كعادتها، تمامًا كما تفعل كل مرة، وتركت خلفها كوخًا صامتًا وذئبًا يعرف أن السهولة أكثر ما يقتل المقاتلين.
حين نودي اسم جود دوّى الوادي كأنه يفتح فمه مرة واحدة، وتقدم المستذئب العنيد بخطوات ثقيلة، كتفاه عريضان وصدره مفعم بثقة خشنة، يبتسم للجمهور أكثر مما ينظر لخصمته، ومع أول التحام اندفع بقوة أراد بها الإنهاء السريع، لكن جود انزلقت حوله كظل، ضربته في الخاصرة ثم في الفخذ، وسعت الدائرة، وبدأت تفتح عليه الجرح قبل أن تفكر في إسقاطه، فاشتعل غضبه ورفع صوته ساخرًا أمام الجميع، ناداها أنثى ضعيفة، وقال إنها واحدة من حريمه الضائعين، فضجت المدرجات بين ضحك وصراخ
لم ترد جود بالكلام، ردت بسلسلة ضربات سريعة، كفتاه وصدره وركبته، لكنها أسرفت، اقتربت أكثر مما يجب، فاغتنم اللحظة، أمسك بها وقذفها أرضًا، اهتز التراب تحت جسدها، وانسحب الهواء من صدرها، حاولت النهوض فلم تستجب قدماها، عيناها اتسعتا والضوء انكسر، وسقطت خائرة القوة، مهزومة للحظة، وسط هدير جمهور ظن أن الحكاية انتهت
من بين الصفوف كان يامان يراقب بصمت، كتفاه منقبضتان، وجهه خالٍ من الحيلة، حزن ثقيل مرّ في عينيه، وهمس بالكاد تحمله الريح، تذكّري التعليمات
وصل الهمس إلى جود كخيط دافئ وسط العتمة، أعاد لها الإيقاع، فتحت كفها على التراب، سحبت نفسها ببطء، لم تنهض دفعة واحدة، نهضت كما علّمها، كسرت المسافة، لا مواجهة مباشرة، حركة قبل قوة، استفزاز بلا تهور، دارت حوله، قطعت أنفاسه، جعلته يطارد ظلًا لا جسدًا، ومع أول ارتباك منه ضربته في المفصل، ثم غيّرت الاتجاه، كسرت إيقاعه، وعندما حاول التثبيت انقضت حيث لا يتوقع، ضربة دقيقة أنهت اندفاعه وأسقطته على ظهره أمام الجميع
سكت الوادي لحظة، ثم انفجر بالصراخ، كانت جود واقفة، صدرها يعلو ويهبط، عيناها ثابتتان، لم تبتسم، فقط استدارت وغادرت الساحة، وقد انتصرت كما لم تفعل من قبل.
حين دُعي يامان إلى الحلبة تغيّرت الهمهمة إلى انتظار متوتر، ولم يُعلن اسمه الحقيقي، فقط ذئب متخفٍ، رقم بلا سلالة، ومع ذلك تقدّم هشمير بنفسه إلى القضاة، همس كلمات قليلة غيّرت القوانين، قال إن الجماهير جائعة وإن ذئبًا كهذا لا يُختبر بخصم واحد، فصدر الحكم سريعًا، على يامان أن يواجه ثلاثة ذئاب دفعة واحدة، نزال واحد لإرضاء المدرجات وإشعال النار أكثر
دخل الثلاثة بثقة عالية، تحرّكوا كطوق، أرادوا كسر المساحة من البداية، وكان يمكن ليامان أن ينهي الأمر في لحظات، لكنه لم يفعل، خفّف خطواته، فتح صدره، سمح لأول ضربة أن تصيبه، ثم الثانية، ثم شق جلده مخلب متعجل، لم يكن ضعفًا بل اختيارًا، كأنه يختبر الإيقاع، يترك الجسد يتذكر الألم دون أن يرفضه
قاتل يامان كفنان بالشوكة والسكين، لا ضربة تُهدر، كل حركة محسوبة، يقرّبهم ثم يفلت، يسمح لهم أن يظنوا أنهم يملكونه، أن يشعروا بثقل أنفاسه، أن يروه ينزف قليلًا، وفي كل مرة يقترب أحدهم أكثر مما يجب كان يامان يقطع الخطوة، يبدّل الزاوية، ويزرع ضربته في فراغ لا يُرى
ازدادت ثقتهم وارتبك تنسيقهم، بدأوا يتزاحمون بدل أن يحيطوا، وعندها تغيّر الإيقاع، لم يطلق يامان قوته، فقط شدّها، وجعلها حاضرة، أنهى الأول بإسقاط نظيف وسريع، وأدار جسده ليستقبل الثاني، ضربة قصيرة أسكتت اندفاعه، أما الثالث فتردد للحظة، وكانت تلك اللحظة كافية، تحرك يامان بلا قسوة ظاهرة، بلا استعراض، فقط نهاية حتمية
وقف يامان في منتصف الحلبة، جسده يحمل آثار ما سمح به عمدًا، وعيناه صافيتان، فهم الجمهور متأخرًا أن ما رأوه لم يكن فوضى، بل لوحة، وأن الذئب المتخفي لم ينتصر بالقوة، بل بالسيطرة، وساد صخب طويل يعرف فيه الجميع أن هذا النزال لم يكن إلا تذكيرًا بمن يملك الإيقاع ومن يُجبر على الرقص.
نظر يامان بعد انتهاء المعركه تجاه الذئب هشمير الذى يجلس بهيبه وثقه آمام القضاه ثم ابتسم بسخريه قبل أن يختفى بين أشجار الغابه.
