رواية روح غائبة الفصل الحادي عشر11بقلم السيد عبد الكريم
وبداخل إحدى الحجرات ظللنا لمدة 5 أيام نراقب حركة الدخول والخروج البرية ، بس مكنش فيه أي حاجة تثير الشك ، ولكني لاحظت ان الحمير تعبر الطريق البري مرتين فى الشهر ، وبدأت ادون مواعيد عبورها بالوقت والتاريخ ، وقلت لطارق بيه :
ـ الحمير بتعدي مرتين فى الشهر .. مرة تمويه .. ومرة تانية بتعدي بالمخدرات .
قال طارق بيه متعجبا :
ـ ازاي ؟
أشرت له لينظر الى الشاشة ، ورأينا مجموعة كبيرة من الحمير تعبر ، ومعظم الحمير كانت تحمل اسفل بطنها قطع قماشية تمتد من الظهر للبطن ، والقطع القماشية دي بتتحط حول ظهر وبطن الحمير من اجل حمايتها من البرد فى الشتاء والتراب فى الصيف ، لكنني كنت اشك ان بداخلها المخدرات .
واتفقنا أن نراقب دخول الحمير فى أقرب فرصة .
بعد ثلاثة أيام كنت فى كازينو الست محاسن ، وكانت الصالة ممتلئة وعمر بيه يقوم بدور المطرب ونسمة ترقص ، وطبعا صعدت على المسرح كالعادة وألقيت الفلوس علشان الست محاسن تحس اني غني وهكون فرصة بالنسبة ليها وتثق فيا أكتر ، بعد انتهاء فقرات الغناء والرقص جلسنا حول مائدة عليها مشارين ، قالت نسمة :
ـ حاسة اني شفتك قبل كده يا معلم .
قلت مسرعا :
ـ متقلويش انك شوفتيني على التليفزيون ... عامة انا تعرض عليا كتير اني أمثل بس أنا رفضت .
ضحكنا جميعا وقالت الست محاسن :
ـ يعني هتكوني شوفتيه فين يا دلوعة ... المعلم طول عمره عايش فى القاهرة وانتي لسه جديدة فى القاهرة .
قالت نسمة :
ـ بصراحة مش عارفة .. بس يعني حاسة ان الملامح مش غريبة عليا .
وبعدين بقا !!! احنا خلاص قربنا نوصل للعبقري بعد ما كشفنا طريقة التهريب ، ومش وقته خالص انها تشك فيا دلوقتي ، كنت أفكر فى سري وقلت :
ـ فيه نوع من الناس ليهم أشباه كتير .. يعني كذا واحد يشوفني يقولي انت به جارنا وواحد يقولي انت شبه خالي وكده يعني .
قال زيزو :
ـ انت يا معلم تعجبنا مهما كان شكلك .. المهم ان السمنة تعجبك .
قلت :
ـ خلاص احنا بقينا أهل .. هلغي كل الشغل القديم وهعتمد على السمنة بتاعتكم .. بس الست تشد حيلها معانا وتزود الكمية ... وكمان تستعجل شوية علشان السوق مفيهوش الا المغشوش .. وانا سمعتي متسحمش ليا اشتغل فى المغشوش لامؤاخذة يعني .
قلتها وانا بدوس علي كلمة لامؤاخذة يعني علشان بسمعهم بيقولوها كده فى الافلام بتاعت الفنان عادل ادهم ، المهم سمعت الست محاسن بتقول :
ـ خلاص .. كلها ايام والكمية الجديدة توصل ... بس اعمل حسابك هتاخد نص الكمية بس ... لان انا لي زبايني ومينفعش تحتكر الكمية كلها يا معلم سحلب ... وانا لولا اسعارك عجبتني مكنتش هديك نص الكمية .
قلت :
ـ 15 كيلو اعمل بيهم ايه يا ست هانم ... دول قليلين اوي .
قالت :
ـ مش قلت عندك احتياطي كتير .
قلت :
ـ عندي احتياطي اه بس من الصنف القديم .. وانا عاوز اغرق السوق بالسمنة بتاعتكم .
قالت :
ـ خلينا نمشي مع بعض واحدة واحدة يا معلم ... وبعدين انا مش بثق في حد بسهولة .. ومستغربة ازاي بتقدر توزع الكميات دي كلها .. دا الحكومة مش سايبة حد في حاله ... حتى لقمة العيش مش عارفين ناكلها من الحكومة .
اه يا مفترية ! هي المخدرات بقيت لقمة عيش عندك !
المهم قلت :
ـ انا شغلي كله بيعتمد على الافراح ... والافراح بتتوزع فيها كميات قليلة .. وديما الحكومة مش بتدقق اوي على موضوع الافراح ده .. لانها بتكون ساعة حظ وفرح ومش مستاهلة يعني الحكومة تدور على ناس عاوزه تنبسط فى فرح .
قالت نسمة :
ـ بس المخدرات دي اخرتها السجن يا معلم وحرام كمان .
قالت الست محاسن :
ـ نونا قلبها ضعيف يا معلم وخوافة .. زي زيزو .. عم المطربين والرقاصين كده .. حساسين اوي ويحسسوك اننا بنشتغل فى الحرام لا سمح الله .
قلت :
ـ استغفر الله العظيم ... كله الا الحرام ... احنا بس بننبسط وعايزين الناس تنبسط مش اكتر .. وبعدين لو بطلنا الشغلانة هنلاقي ألف واحد غيرنا اشتغلها ... طيب عارفين ياجماعة بما اننا بقينا اهل ... احيانا بفكر اسيب الشغلانة .. بس بيصعبوا عليا الزباين .. هيرحوا فين وهيعملوا ايه من غيرنا .
قالت نسمة :
ـ لا قلبك طيب أوي يا معلم .
قلت :
ـ مفيش حاجة بتستخبي فى البلد دي يا دلوعة .
وضحنا جميعا ثم نهضت وانا اقول :
ـ طيب استأذن أنا بقا ... وبكرة هجيب نص المبلغ والنص التاني يوم التسليم .
فى قسم الشرطة وبالتحديد فى مكتب طارق بيه قال زيزو :
ـ انت متأكد انك مشتغلتش الشغلانة دي قبل كده يا أستاذ رأفت .
ضحك طارق بيه وقال :
ـ شاكك انه هو العبقري ولا ايه ؟
ضحكنا فقال زيزو :
ـ الست محاسن قالت الكمية الجديدة هتوصلها خلال ايام .. يعني المفروض العبقري هيظهر قريب ... وعايزين المراقبة تزيد على الست محاسن خارج الكازينو .
قال طارق بيه :
ـ احنا الاول هنراقب الحمير ونسيبها تكمل طريقها بعد ما نتأكد انها بتحمل مخدرات .. ونشوف هتروح فين ... والشخص اللى هيفرغ المخدرات من الحمير هو اللى هيوصلنا للعبقري .
قال زيزو :
ـ طيب والمورد ؟
قال طارق بيه :
ـ أنا على تواصل مستمر مع منعم بيه .. وأكدلي ان ادمن جروب الفيس بيدير الجروب واللعبة والمهمات من خارج مصر .. واعتقد انه هو المورد نفسه .
قلت :
ـ فعلا رقم الادمن رقم مش مصري .. انا حاولت اوصل لاي معلومة عنه لكن الرقم ملهوش اي ارتباط باي اكونتات فيس بوك أو انستجرام .
قال طارق بيه :
ـ عامة احنا قطعنا شوط كبير أوي ... واعتقد انا قربنا .
قال زيزو :
ـ طيب يوم التسليم المفروض الاستاذ رأفت يكون فين ؟
أجاب طارق بيه :
ـ هيكون فى الكازينو معاك ... واحنا هنكون على حدود القاهرة بمحافظات الصعيد ... وكده كده مفيش تسليم الا بعد ما البضاعة تعدي علينا فى نقطة التفتيش .
في اليوم التالي في الكازينو
بعد انتهاء فقرات الغناء والرقص جلسنا كالعادة حول منضدة وقالت الست محاسن :
ـ بعد بكرة بالليل يا معلم هتكون الكمية اللى اتفقنا عليها جاهزة .
قلت وانا اقدم لها حقيبة :
ـ ودا نص المبلغ اللى اتفقنا عليه .
قالت وهي تشير لسها لحمل الحقيبة :
ـ بعد ما تخرج من هنا البضاعة لا تعرفني ولا اعرفك .
قلت :
ـ هو انا تلميذ ولا ايه يا ست هانم .. عيب الكلام ده .
قالت نسمة :
ـ طيب ولو الشرطة جات وراه هنا ؟
قالت الست محاسن :
ـ يا حبيبتي ملكيش دعوة انتي بالحاجات دي .. انتى الدلوعة بتاعتنا متشغليش بالك بالحاجات دي .
كنت فى فندق رمسيس حينما اتصل بي طارق بيه وقال :
ـ قابلني عند مسجد الفتح بعد 10 دقايق .
بسرعة ارتديت ملابسي وخلال دقائق كنا نتجه جنوب القاهرة فى الطريق البري ، وهنا عند نقطة التفتيش رأينا الحمير تمر بالقرب من نقطة التفتيش ، وسرنا أنا وطارق بيه خلف الحمير لمدة 4 ساعات ، كنا نسير بالسيارة من بعيد ، والحمير تسير فى طرق متعرجة معظمها زراعي واحيانا تعبر طرق سكنية وقري واحياء شعبية حتي توقفت فى منطقة مخصصة لتجميع القمامة ، وهناك رأينا من بعيد سيدتين ورجل ، الرجل قام بالقاء بعض البرسيم للحمير بينما كانت احدي السيدات تصب المياه فى احواض خرسانية للحمير لتشرب ، وبعدها قام الرجل بفك القطع القماشية المفروشة على ظهر الحمير والممتدة الى بطونها ، وكانت السيدة تساعده فى نقل تلك القطع القماشية لداخل غرفة مصنوعة من صاج الحديد القديم ، بينما كانت السيدة الثانية داخل السيارة تنتظر ، وبعد قليل خرج رأينا الرجل والسيدة يخرجان من الغرفة المصنوعة من صاج الحديد يحملان كرتونة مغلقة ، ثم دخلوا الى السيارة ، قلت لطارق بيه :
ـ الست اللى سايقة العربية هي محاسن ... والست اللى مع الراجل هي اللى اخدت مني حقيبة الفلوس فى الكازينو .. بس الراجل ده معرفوش .
قال :
ـ طيب يلا نرجع .
قلت :
ـ نرجع ايه ؟!!! مش هتقبض عليهم .
ابتسم وهو يدوس على دواسة البنزين :
ـ لا ... احنا كده عرفنا طريقة الاستلام ... وهنقبض عليهم بعد ما تقنعهم يجيبوا كمية كبيرة ... وبكده عرفنا مين هو العبقري .
قلت :
ـ مين ؟
قال :
ـ الراجل اللى معاهم .
قلت :
ـ بس دا مش شكل عبقري خالص .. مشفتش ملابسه وهيئته ... دا اكيد واحد من رجالة العبقري .. استحالة دا يكون العبقري .
قال :
ـ وجايز العبقري ملهوش وجود .
قلت :
ـ ازاي ؟
أجاب :
عملية التسليم تمت .. وخلال ساعات البضاعة هتكون فى الكازينو ... ولو الراجل دخل معاهم الكازينو يبقي هو العبقري .. ولو مدخلش يبقى مفييش حاجة اسمها عبقري .
قلت :
ـ طيب والمورد ؟
قال فى بساطة :
ـ المورد مش هنا .. المورد فى الصعيد ؟
قلت :
ـ لا أنا مش فاهم حاجة .
قال :
ـ هفهمك كل حاجة بس بعدين .
فى اليوم التالي اخر الليل فى الكازينو ، حينما انتهت السهرة جلسنا حول منضدة وقالت الست محاسن :
ـ معلهش يا معلم سحلب ... تسليم البضاعة مش انهارده .. بس اوعدك بكرة الكمية اللى اتفقنا عليها هتكون فى ايدك .
قلت :
ـ ليه طيب .. حصل حاجة ؟
قالت :
ـ انت عارف عيون الحكومة فى كل مكان .. والبضاعة لسه موصلتش .
كنت مستغرب اوي من كلامها ، ازاي يعني البضاعة موصلتش .. انا وطارق بيه شفنا كل حاجة قدامنا امبارح ، ودول 30 كيلو .. يعني الراجل جمعهم كلهم فى كرتونة واحدة ، المهم قلت :
ـ طيب طمنيني ... فيه حاج يعني ؟
أجابت :
ـ مفيش يا معلم .. ولو خايف على فلوسك انا ممكن ارجعلك المبلغ اللى دفعته لحد ما تستلم البضاعة .
قلت :
ـ لا يا ست هانم .. الموضوع مش موضوع فلوس خالص .
بعدها جاء شاب تبع الفرقة الموسيقية ، والشاب ده بشوفه ديما بيعزف على العود خلف زيزو ونسمة ، والشاب قال :
ـ اسف يا ست محاسن .. بس العود لازم يكون عند توفيق الليلة .
قالت :
ـ هو ايه حكاية العود ده يا عز .. كل شوية تصاليح ومرة وتر تقطع ومرة مش عارفة ايه ... ما تروح توديه دلوقتي لتوفيق يصلحه .
قال :
ـ مراتي حاليا فى المستشفي و..
قالت :
ـ خلاص ...
ثم نظرت نحوي وقالت :
ـ معلهش يا معلم سحلب .. خد العود دا معاك وانا مروح وسيبه عند توفيق أول الازهار .
قلت :
ـ تأمري يا ست .
المهم انتهت السهرة وانا فى قمة الاستغراب ، واخدت العود وخرجت ، على اخرتها امشي فى الشارع وانا ماسك عود موسيقي ، المهم بعد قليل لقيت تليفوني بيرن ، وكانت المتصلة هي الست محاسن وقالت :
ـ البضاعة جوه العود يا معلم سحلب .
