رواية صادفني القدر الفصل الثاني عشر12بقلم سالي دياب
دخلت إلى غرفتها بعد يوم طويل استنزف طاقتها، قضته وهي تحاول أن تبدو مطيعة أمام والدتها رغم ميعتمل في صدرها. أغلقت الباب خلفها بهدوء، وضعت يدها على قلبها، وعضت شفتها السفلية بأسنانها محاولة كبح تلك الابتسامة التي أفلتت منها رغما عنها...
مدت يدها الى الموضع الذي اعتادت أن تخفي فيه هاتفها داخل بنطالها، أخرجته بلهفة، وبدأت تضغط الأرقام واحدة تلو الأخرى حتى اكتمل الرقم... ثم جلست على حافة فراشها تنتظر أن يجيب....
في ذلك الوقت، كان قد وصل إلى محطة القطار برفقة صديقه... وما إن لمح اسمها يضيء شاشة هاتفه حتى ارتسمت ابتسامة تلقائية على شفتيه. فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه قائلا...
= ايه يا نور عيني...
ابتسمت، حاولت أن تتحدث، لكن الكلمات خانتها. ما مر به قلبها في ذلك اليوم كان أثقل من أن يُقال بسهولة، فخرج صوتها مرتعشا، التقط ارتجافه فورا...
= وصلت...
= امممم... مستنيين القطر بس شكلي مفيش دلوقتي هناخد عربية...
لم تكن معه بجسدها، لكنها كانت غارقة في صوته وكلماته... تحدق في شاشة الهاتف بعينين شاردتين، وفي تلك اللحظة شعرت برغبة جامحة في اختراق المسافة، في القفز خارج الواقع والذهاب إليه حيث يكون.....
أما هو، فكان يشعر بما تشعر به تماما... كان لقاؤهما الأول مختلفا، صادقا، مفعما بإحساس لم يختبره من قبل. لقاء شابه بعض الارتباك والعوائق، لكنه ظل محفورا في ذاكرته كأجمل لقاء....
في الجهة الأخرى، كانت راندا تجلس ممسكة بهاتفها، تقرا بعناية المعلومات التي حصلت عليها عن زيزو البرعصي... قرأت عن سمعته بين الناس، عن عائلته وأصوله، وعن تلك الفتاة ابنة عمه التي كان مخطوبا لها في وقت سابق.....
تتبعت تفاصيل حياته بدقة، عنوان مسكنه، مكان عمله، وكل ما امكن الوصول اليه... كما اطلعت على القضية المرفوعة ضده من قبل أحد الأطباء، وقرأت محضرها كاملا.....
اغلقت الهاتف بعد ان تنفست بارتياح... لم تجد ما يدعو للريبة او القلق. وضعت الهاتف الى جوارها، ونظرت من النافذة بشرود، لتعود بذاكرتها إلى ما حدث قبل ساعات.
فلاش
*******
اوقفت سيارتها اسفل العقار، ونزلت ومعها الأطفال الذين اندفعوا مسرعين نحو المصعد يتسابقون فيما بينهم. لحقت بهم وهي ما تزال تتحدث عبر الهاتف...
وقبل أن تدخل العمارة، توقفت لحظة، أنزلت نظارتها الشمسية، ووقعت عيناها على شاب غريب يقف غير بعيد ويتحدث في هاتفه. لم تره من قبل في الحي. رمقته بنظرة فاحصة سريعة، ثم تجاهلت الأمر وتابعت طريقها إلى الداخل......
صعد الأطفال بالمصعد، ومعهم صعدت إلى الشقة. ما ان دخلت حتى وجدت والدتها تتحرك بين الغرف بقلق واضح. عقدت راندا حاجبيها واقتربت منها قائلة...
= السلام عليكم... في ايه بتدوري على ايه...
نظرت إليها والدتها باضطراب وقالت...
= اختك مش لاقياها... سارة صحيت قالتلي مشفتهاش...
نزعت راندا حجابها وهي تحاول تهدئتها...
= هتروح فين يعني يا امي... هتلاقيها هنا ولا هنا...
لكن قلب الأم لم يطمئن. أمسكت الهاتف واتصلت بحارس العمارة، وضعت الهاتف على أذنها تنتظر الرد، وحين أجابها قالت بقلق...
= عم ابو حسن... شروق منزلتش وانا مش هنا...
= لا يا حاچة...
= طيب...
التفتت راندا إلى ابنها مصطفى وقالت...
= مصطفى اطلع شوف شروق فوق على السطح...
= حاضر...
صعد الطفل مسرعا، بينما عادت راندا تجلس إلى جوار والدتها محاولة تهدئتها...
= كل حاجة واخدها على اعصابك كده ليه... اهدي هنلاقيها هتروح فين يعني...
تنهدت الأم بعمق وقالت بخوف صادق...
= بخاف عليها يا راندا... البت مبتستحملش اي حاجة... اخاف تروح مكان يغمى عليها فيه ولا تقع في الشارع...
اقتربت راندا منها، وضعت يدها على كتفها وقالت بثبات...
= والله العظيم هتطلع كويسة... سيبيها على الله وربنا مش هيورينا فيها حاجة وحشة...
رفعت الأم عينيها إلى السماء هامسة...
= يارب...
في الأعلى، كان مصطفى قد وصل إلى السطح، وهناك رأى شروق تقف مع شاب غريب بالنسبة له. توقف مكانه وقال بدهشة...
= مين ده يا شلوق...
تجمد الدم في عروق شروق. انتفضت بفزع، وشعرت لوهلة أن قلبها سيتوقف. نزلت إليه مسرعة، وارتعاش جسدها يفضح خوفها. نظرت إلى زيزو بعيون مذعورة، بينما هو ظل جالسا في هدوء وقال...
= هو ده بطاطا اللي بيقرفني وانا بكلمك...
اغرورقت عيناها بالدموع وقالت بصوت خائف...
= هينزل يقول لهم تحت...
نهض سريعا، أمسك يدها محاولا تهدئتها، ومرر إبهامه على يدها في حركة مطمئنة...
= اهدي يا حبيبي... في ايه محصلش حاجة...
سحبت يدها منه بفزع...
= ماما هتموتني يا زيزو...
اتجه زيزو نحو الطفل، الذي كان يقف مترددا لا يفهم ما يجري. جلس أمامه على ركبة واحدة ووضع يده على كتفه قائلا...
= اسمك ايه...
= مصطفى...
نظر إليه نظرة حادة وقال...
= انت عارف انت عملت ايه...
هز الطفل رأسه نافيا، فقبض زيزو على ذراعيه قليلا وقال بنبرة صارمة...
= انت اتدخلت في حاجات الكبار... وانا هتصل بالدكتورة راندا واقول لها اللي حصل...
أخرج هاتفه، فتمسك الطفل بيده باكيا...
= لا لا... ماما لا... انا مشفتش حاكه...
أعاد زيزو الهاتف إلى جيبه وقال...
= شاطر يا بطاطا... يلا انزل قول لهم انك ملقيتش شلوق... اجري...
هز الطفل رأسه ونزل مسرعا، ليصطدم بوالدته التي أمسكت به متعجبة...
= في ايه مالك...
لكن الخوف دفعه للابتعاد سريعا.
= مصطفى...
صرخت راندا، بينما وضعت شروق يديها على فمها تنظر إلى زيزو برعب. أما هو فظل ثابتا، لا يظهر عليه الارتباك. ابتسم ابتسامة جانبية ورفع بصره لينظر نحو راندا، لكن صوتا قطع اللحظة...
= لقيتيها...
كان صوت السيدة منار......وفي لحظة، جذبها زيزو إلى تلك الزاوية الضيقة بين الجدار والكوخ الخشبي الموضوع على السطح... استندت بظهرها إلى الحائط، وأشرف عليها بجسده. وبسبب ضيق المكان، التصق جسدهما ببعضهما بقوة...
اغمضت عينيها ورفعت يدها، وضعتها على صدره محاولة أن تبعده قليلا، لكنها رفعت رأسها إلى الأعلى دون إرادة منها حين أمسك يدها وثبتها إلى جانبها على الحائط، وضغط بجسده على جسدها أكثر. شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس شفتيها وهو يهمس بتسلية...
= امك اول مره تيجي في وقت صح
ابعدت راسها إلى الجانب وهي مغمضة العينين، وصدرها يعلو ويهبط بوضوح، ليشعر هو بحركته على معدته. كانت قصيرة القامة للغاية، كما أنها كانت حافية القدمين، لذلك لم يكن هناك ما يساعدها على رفع قامتها قليلا، بينما كان هو ينحني فوقها بطريقة ملحوظة.
انزلقت اللفحة عن شعرها قليلا، فنزلت غرتها الكثيفة على جانبي وجهها....
رفع يده وأبعد الغرة عن عينيها، مثبتا إياها خلف أذنها. ارتجف جسدها بقوة حين لامست ظهر يده وجنتها الناعمة. ابتلعت ريقها حين وضع يده أسفل ذقنها وجعلها تلتفت إليه....
= افتحي عيونك...
قالها بهمسة دافئة. ترددت في البداية، ثم فتحت جفنيها تلقائيا لتنظر إلى عينيه الداكنتين، ولم تفهم سبب تغير لونهما إلى هذا الحد...
أما هو، فرأى في عينيها حبتين من اللؤلؤ تحيط بهما رموش كثيفة....
الهي فتاة، ظننت ان عينيك في الصور فلتر او عدسات لاصقة، لم اتوقع انهما طبيعيتان...
اتسعت عيناها حين اقترب منها وكاد ان يقبلها، فرفعت يدها سريعا ووضعتها على فمه. نظر اليها، فهزت رأسها بخوف. امسك يدها، وقبل أصابعها واحدا تلو الآخر، ثم أعاد رفع الوشاح على رأسها، احتراما لرغبتها، فهو لا يريد أن يرى شعرها الآن، رغم أنه رآه من قبل، لكنه لا يريد أن يحرجها....
وضع يدها على فمها، ثم مال برأسه قليلا لينظر من خلال ذلك الثقب الصغير، حيث كانت والدتها وراندا قد دخلتا إلى الكوخ.
أعاد زيزو نظره إلى الأمام، ثم انحنى نحو أذنها وهمس بنبرة مازحة:
= امك طلعت مزه...
نظرت إليه شروق بغضب، فهي تغار على والدتها كثيرا. ورغم أن نيته لم تكن سيئة، الا انها غارت فعلا، فدار بوجهه بعيدا وخفض عينيه الى الأرض، مكتفيا بالاستماع دون أن ينظر مرة أخرى.
شعرت بابتسامته الخفيفة، فنظرت إليه رافعة حاجبها.
ابتسمت حين فهمت أنه تعمد ألا ينظر إلى والدتها المنتقبة احتراما لمشاعرها...
انتبهوا لسماعهم حينما قالت راندا لوالدتها
= اكيد عند رحمه...
نظرت اليها والدتها بغضب وقالت:
= الاقيها واطلع روحها في ايدي يابت الجزمة...
اغمض زيزو عينيه بألم، ونظر الى شروق التي عضت يدها الموضوعة على فمها، تتحمل الالم دون ان تنبس ببنت شفة حتى لا ينكشف امرهما. خرجت السيدة منار وراندا متجهتين الى الاسفل...
ابعدت شروق يده عن فمها وقالت بغضب لذيذ:
= ينفع اللي حصل بسببك ده... آاااه...
صرخت بضعف حينما ضغط بجسده على جسدها. امسك فكها بيده وقال امام شفتيها، بهمس دافئ:
= ينفع اوي، مينفعش ليه... انت حلوة ليه كده يا بت..
برقت عيناها بطريقة اربكتها، وشعرت بشعر عنقها يتحرك اسفل يده. ابتلعت لعابها بتوتر، وحركت راسها نافية حينما انحنى في دعوة صريحة انه سيقبلها. اغمضت عينيها وضمّت شفتيها بإصرار حتى لا ينال قبلة، ولكن...
انفتحت جفناها مرة اخرى حينما شعرت بقبلته، لم تكن من شفتيها بل من جبهتها. اغمضت عينيها هذه المرة بتأثر، مستسلمة لذلك الشعور الدافئ الذي تركته شفتاه على جبهتها.
تراجع الى الخلف قليلا، مائلا برأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جذابة، ثم قال بنبرة هادئة مثيرة:
= بحبك يا شروق...
شعرت شروق وكأن قلبها تلقى صدمة قوية جعلته يعتصر داخل ضلوعها. كانوا يتمازحون كثيرا بكلمة «انت حبيبي»، لكن هذه كانت المرة الاولى التي يقولها هكذا، صادقة ومباشرة، كلمة ارتج لها جسدها بالكامل....
سادت لحظة صمت ثقيلة، لا يقطعها سوى انفاسهما المتلاحقة. كانت شروق تنظر اليه بعينين متسعتين، كأنها تحاول استيعاب الكلمة التي خرجت منه للتو، كلمة قلبت كل شيء بداخلها....
ضغطه على الحائط اسفل يده المسنوده على الحائط حتى لا يتهور فهي رقيقه وجميله وقابله للالتهام بملامحها المصدومه كأنه يخشى ان يضغط عليها اكثر. حتى لا تتاذى قال بصوت منخفض، صادق هذه المرة بلا مزاح....
= بحبك يا اجمل صدفه في حياتي... وعايزك تكوني ليا عرفت بنات ياما وشويه بس اول مره اقول لوحده ان انا عايزك ....
يا إلهي، لماذا اشعر كان قلبي سيتوقف، وكان الأكسجين لم يعد يصل إلى رئتي. ابتلعت لعابها بين حلقها بصعوبة.
أغمضت عينيها وفتحتهما مرة أخرى...
وهو رأى حالتها، وانها تلتقط أنفاسها بصعوبة، لذلك انسحب وقام بسحبها إلى الخارج. وضعت يدها على صدرها لتلتقط أنفاسها. التفت حوله ليجد بعض المياه، ولكن للأسف لا يوجد أي شيء هنا. التقطت عيناه حنفية مياه في زاوية. أمسك يدها وتوجه إلى تلك الحنفية وقام بفتحها....
ثم ملأ كف يده بالماء ومسح وجهها. ملاها مرة أخرى ووضع يده على عنقها من الخلف، ثم أجبرها على الانحناء لكي ترتشف بعض المياه من كف يده. وهي فعلت ذلك بالفعل والتقطت المياه من يده...
بل وأيضا أمسكت يده وشربت الكثير من المياه بلهفة. عقد حاجبيه بغرابة.
يا فتاة، لقد سحرتك بحبي، فماذا اذا تزوجتك؟ كل هذا الإرهاق والظمأ، لماذا...
رفعت شفتيها عن يده ونظرت إليهما وهي تمتص شفتيها. نظر إلى الجانب وعض على شفته، فهي بدون مجهود تثير جنونه...
نظر إليها وكاد أن يتحدث، ولكن أتى هاتفه في الوقت الخطأ برده. أخرج الهاتف فرأى أن المتصل صديقه شحاتة، الذي نسي أمره تماما. فتح الخط ليأكل شحاتة
= انت لزقت ولا ايه يا عم زيزو؟ ما تخلصنا، خلينا نرجع في إسكندرية قبل ما الليل يليل...
رد عليه ببساطة، حاول أن يجعله طبيعيا:
= نازل يا عم....
أغلق معه الخط، ثم نظر إليها وقال
= أنا لازم أمشي... عشان لو مشيتش هموتك يا شروق....
ابتسمت بخجل، ثم ابتعدت عنه وتوجهت هي أمامه. ليبتسم ويلحق بها، ولكن تلاشت هذه الابتسامات ...
وبرقت عيناها حينما وجدت شقيقتها راندا تجلس على السلم المؤدي إلى الأسفل. أغلقت راندا الهاتف ثم وقفت والتفتت إليهما....
للحظة شعرت شروق أنها ستفقد وعيها، ولكن انفتح فمها حينما اقترب زيزو وصافح راندا...
= ازيك يا دكتورة، عاملة ايه....
= الحمد لله، ايه أخبارك يا غالي...
نظر إلى شروق وقال بعشق:
= أخباري عسل...
ضحكت راندا تعمدت ان تتجاهل ما قال وقالت بمزاح...
= والله كان نفسي أقولك تعالى اتغدى معانا، بس انت عارف....
رد عليها:
= غدا ايه؟ لا ده انا يادوب اروح.
قالت راندا:
= تمام، طريق السلامة. انا هنزل الحق امي لحد ما تعدي.
هز رأسه لتنزل راندا، ثم التفت إلى تلك التي تفتح فمها ببلاهة. ضحك وقال:
= مالك؟ في ايه؟
قالت شروق ببلاهة:
= ايه ده؟ راندا أختي كانت واقفة هنا وبتتكلم معاك كأنك..ااا... يعني ايه بقى...
تراجعت خطوة إلى الخلف حينما اقترب، وقال وهو ينظر داخل عينيها:
= يعني يرضيكي أدخل البيت من غير ما أهلك يعرفوا؟ مش أصول يا كوتي.
يا رجل، ماذا ستفعل بنا أكثر من ذلك
جدعنة ورجولة اصيل واصوله
شهامة غير معقولة
اغرقتنا بجمالك يا رجل
مش ممكن، مش ممكن، مش ممكن
سالي... نعم... انتي بتقولي ايه
آه... وهنا سأسكت قليلا، لأنني لا أجد شيئا أقوله
المهم...
نزل زيزو من المبنى بعد ان أرسلت له راندا رسالة بأن الطريق فارغ، لذلك نزل إلى الأسفل بعد أن ودع شروق، وهذه المرة أخذ المصعد...
دخلت شروق إلى شقتها، فوجدت والدتها في وجهها
تبخرت الابتسامة والملامح المشرقة حينما قالت والدتها بغضب...
= كنتي فين يا بنت
نظرت الى راندا التي وقفت خلف امها وهي تشير الى الأسفل، فعلمت انها قالت انها لدى صديقتها رحمة بنت البواب، لذلك قالت لوالدتها....
= كنت بتشمس مع رحمة تحت السطح...
ضربت راندا يدها في وجهها، وحركت رأسها بإنكار من غباء شقيقتها....
أما عند زيزو الذي نزل إلى الأسفل، فقد عقد البواب حاجبيه ونظر إليه بغرابة، وأوقفه قبل أن يخرج من العمارة وقال بتعجب....
= استنى، انت جاي منين وطلعت فوق ازاي....
نظر زيزو الى مدخل العمارة، ثم نظر اليه، والتفت بعينيه في المكان وقال...
= انت جيت منين....
= انت اللي جيت منين، وطلعت ازاي وانا قاعد...
لف زيزو ذراعه حول عنقه وقال...
= طلعت ازاي هقولك يا بلدياتي، ولا اقولك اتصل بالست منار أم راندا وأقولها ان البواب بيروح يفك مية وبيسيب الناس طالعة داخلة.....
ابتلع الرجل لعابه ونظر إلى زيزو بارتباك، وكاد أن يتحدث، لكن زيزو قال وهو يتوجه إلى الخارج وينظر إليه بتهكم...
= انا الدليفري يا باشا، مبقاش في أمان في الدنيا، ناس طالعة داخلة يا حول الله مبقاش في امانه....، امانة عيانة في المستشفى...
خرج فوجد صديقه في انتظاره بجانب العمارة
نظر إليه بغضب، ليبتسم الآخر ابتسامة واسعة ويضع يده على قلبه بطريقة درامية، ويحرك رأسه وقال لشحاتة....
= أنا حبيت القاهرة اوي، بفكر اعتزل واجي اعيش هنا...
= يلا يا عم، عايزين نروح
توجها الاثنان ليذهبا من حيث أتيا وهما يتمازحان
وقف زيزو في منتصف الشارع والتفت إلى الخلف، رفع بصره وابتسم حينما وجدها تقف في شرفة المنزل
أشارت له وهي تنظر إلى الداخل، فضحكت ووضعت يدها على فمها، حينما قال وهو يتراجع إلى الخلف بظهره، وقال بصوت عال...
= يا حلاوتك يا مرررررج...
باك
.....
الساعة الآن التاسعة مساء...
تمدّدت على الفراش وهي تتحدث معه، بينما التفت هو إلى صديقه شحاتة حينما قال....
= تعال يا عم، هناخد عربية القطر، مش هييجي...
= تمام ماشي..
اعتدلت شروق فجأة وقالت بقلق...
= انت هتروح في عربية...
= ايه، القطر..
لم يكمل حديثه حينما استمعت إلى صوت انفتاح الباب بقوة...وضعت شروق الهاتف أسفل قدمها، ثم دفعته أسفل الفراش، وفي اللحظة التالية دخلت عليها والدتها بملامح متوحشة....
اقتربت منها شروق لتقف، وقبل أن تنطق بكلمة، هوت يد والدتها على وجهها بصفعة قوية جعلتها تسقط على الفراش...
سحبتها والدتها من شعرها بعنف، فصرخت شروق، وجاءت راندا من خلفها تحاول إبعادها وهي تقول
= اسمعيني، انتي فاهمة غلط، متتهوريش...
آه...صرخت شروق حينما سحبتها والدتها بقوة لتجرّها إلى الغرفة الأخرى...الغرفة المخصصة للمقتنيات القديمة
= يا ماما استني، انتي بتعملي إيه
قالت شقيقتها محاولة إيقافها، لكنها لم تلق منها أي استجابة....دفعت الأم شروق إلى الداخل بعنف، فسقطت على الأرض بقوة أفقدتها توازنها
استندت شروق على الأرض بصعوبة، ثم التفتت إلى والدتها بعينين ممتلئتين بالدموع، تنظر إليها بصدمة وألم
اقتربت منها السيدة منار، وقد ارتسمت القسوة على ملامحها، وقالت بغل واضح...
= يا بنت الجزمة، اديتك الأمان وإنتي تعملي فيا كده وتضحكي الناس عليا...
آاااه..خرجت صرخة حادة من فم شروق حين تلقت صفعة قوية أخرى...
كانت المرة الأولى التي تصفعها فيها والدتها بهذه القسوة
التوى وجهها من شدة الضربة، بينما وقفت الأخرى قرب الباب تراقب ما يحدث، وقد ارتسم التردد والندم في عينيها، لكنها عجزت عن النطق بكلمة..
كادت السيدة منار أن ترفع يدها مرة أخرى، إلا أن راندا أمسكت بها سريعا وقالت بانفعال...
= خلاص بقى يا منار، كفاية، هتموتي البت...
= ابعدي إيدك...
قالتها وهي تسحب يدها بعنف من قبضة راندا، ثم تابعت بصوت مرتفع وعصبية
= كنتي بتداري عليها، بتداري عليها يا راندا
أنا اللي بتشرف بيكي وبقول للناس إنك ظهري
تشجعيها على اللي هي بتعمله...تجيبوا راجل البيت من غير ما اعرف...تتصرمح مع الشباب، ها...
= يا امي...
قاطعتها بحدة، وقد اشتعل الغضب في عينيها
= أنا مش أمك....مدام غدرتي بيا واستغفلتوني، ابقى مش أمك....خدي ابنك واطلعي بره...
توقفت شروق عن البكاء فجأة...واتسعت عينا سارة بصدمة وهي تتابع ما يحدث، تتنفس بعنف...
أما راندا فنظرت إلى والدتها بعدم تصديق، ثم قالت وقد بدأ الفهم يتسلل إليها...
= انتي بتقوليلي انا الكلام ده....
لم تجبها السيدة منار، واكتفت بالنظر امامها بملامح غاضبة....هزت راندا رأسها عدة مرات، وكأنها تحاول استيعاب ما سمعت، ثم قالت بصوت حاسم...
= مصطفى، يلا بينا...
أخذت ابنها وتوجهت إلى الخارج...نظرت السيدة منار إلى شروق نظرة قاسية، ثم بصقت عليها، وسحبت الباب بعنف وأغلقته خلفها....
بقيت سارة واقفة مكانها، تنظر إلى ما حدث، وتبتلع لعابها بتوتر وخوف...
خرجت راندا من العمارة بملامح غاضبة، لكنها توقفت فجأة حين رأت زيزو يقف أمام العقار
عقدت حاجبيها واقتربت منه بسرعة، تنظر إلى الأعلى بقلق، ثم قالت...
= زيزو، متعملش مشاكل أكتر من كده وامشي...
لأول مرة يتحدث معها بهذه الطريقةنظر إليها بغضب واضح، ورد بانفعال...
= الغلط اللي امك بتعمله ده ازاي
ازاي تعمل كده فيها وهي عارفة إنها تعبانة
أقسم بالله لو جرلها حاجة لأموتها...
وقبل أن تتمكن راندا من الرد، رفع الاثنان رأسيهما في اللحظة نفسها، بعدما دوّى صوت صراخ حاد
تجمدا في مكانهما، ثم صاح زيزو بفزع
= لاااا يا شرووووق
= بنتي... شررررروق
