رواية ارض الدوم الفصل الثاني عشر12بقلم رحمة نبيل
الثاني عشر [ عصابة الأفراح]
" جوليان "
كان مجرد اسم نطق به حاتم بأحرف مرتجفة وهو يحدق بالشاشة أمامه، يشعر برعشة قوية مرت بعموده الفقري، هذا ..جوليان !! جوليان يرسل رسالة لهاتف مسلم .
يعلم أن مسلم وبالتالي هو أحياء، يعلم وهذا يعني أن المنظمة كذلك تعلم، تنفس بصعوبة وهو يترك الهاتف بسرعة يمسك كوب ماء بيد مرتجفة يشربه دفعة واحدة تحت أعين مسلم المتسعة بصدمة وقد شعر فجأة أن المكان حوله أصبح فارغًا من أي اكسجين، ابتلع ريقه بصعوبة يبتسم بسمة صغيرة وبصعوبة وهو يسمع صوت نورهان تتساءل بجدية :
_ مين جوليان دي ؟؟
ابتسم لها مسلم بسمة صغيرة مهتزة، وهو يتحرك بسرعة صوب مقعده، يحاول التظاهر بأن لا شيء حدث يتمالك نفسه بصعوبة ونهاية حياته التي سعى لها عشر سنوات تلوح له في الأفق، فهو إن عاد سيُقتل، وليت الأمر يتوقف عليه :
- ده مش دي، ده راجل يا نور، وده كان زميلنا في الشركة في امريكا .
هزت رأسها باقتناع وهي تكمل طعامها بلا اهتمام كبير بما يحدث، لكن يبدو أن أحمد ويحيى لم يشاركوها نفس عدم الاهتمام، فالرعب الذي مر في ثواني على ملامح كلٍ من مسلم وحاتم كان واضحًا، لكن لم يتحدث أحدهم بكلمة وهم يكملون طعامهم.
بينما مسلم شعر فجأة وكأن الطعام تحول لمسامير تنزلق في حلقه، وقد كاد رعبه ينفجر على ملامحه، والمخيف في الأمر، أن رعبه لم يكن على نفسه بقدر ما كان على من يحيطه، من عمل على إبعادهم عن أعين المنظمة لعشر سنوات، لن يأتي الآن ويضيع كل ذلك فجأة ويعرضهم لخطر لن يكون هو أو غيره قادرًا على رده .
والله وحده يعلم كيف مرت هذه الوجبة الطويلة على الجميع وقد شعروا بها دهرً، وبمجرد انتهاء كل شيء استأذن مسلم بهدوء :
_ هدخل اغير والبس حاجة مريحة تكونوا خلصتوا لمّ الاكل وقعدتوا عشان نشوف اللي هنعمله بكرة .
ومن ثم تحرك بسرعة للداخل وحاتم ابتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك خلف مسلم :
_ اسمحولي أستأذن شوي، بدي أعمل مكالمة تلفون وبرجع بسرعة.
ومن ثم تحرك بسرعة خلف مسلم تاركًا الجميع _ عدا نورهان _ ينظر في أثره بصدمة كبيرة، وأحمد يتحدث بعدم فهم :
- هو ايه اللي بيحصل ؟!
_ معرفش مرة واحدة حسيت الاتنين اتوتروا كده تحديدًا من وقت موضوع جوليان ده .
كانت كلمات يحيى الذي نظر بتقييم صوب غرفة مسلم وحاتم، بينما عيسى شعر بالخوف على شقيقه :
_ تفتكروا مسلم في مشكلة ومش حابب يقولنا عشان منقلقش ؟؟ ممكن يكون مثلا مستلف من حد فلوس ومتداين ليه ؟!
شهقت نورهان من حديث عيسى وقد بدا كما لو أنها تأخذ حديثه مسلمًا به :
_ يا خبر .
دفعها يحيى بضيق في كتفها :
- يا خبر ايه أنتِ كمان ؟؟ يستلف ايه ويتداين ايه ؟؟ ده أقصى أفكاركم في المصايب ؟؟
_ آمال يعني هيكون عمل ايه اسود من أنه يتداين ؟!
_ قتل مثلًا.
وكانت هذه المرة أحمد هو من تحدثت بشرود وكأنه يفكر فيما يقول، الأمر ربما يكون مبالغًا به، لكن مسلم حينما حمل المسدس كان هادئًا بشكل مرعب وكأنه معتاد على إمساكه والقتل به .
_ ممكن يكون مسلم متورط في حوار هناك وعشان كده نزل بالشكل ده مرة واحدة بدون تمهيد و.....
قاطع يحيى حديث أحمد وهو يلوح بيده في وجهه بسخرية وضيق وهو يدافع عن شقيقه :
- ايه يابا حيلك حيلك، عملت فيلم عربي في دماغك فجأة وماشي فيه وناقصلك بس تجيب الممثلين، مسلم مين ده اللي يقتل ؟؟ أنا اخويا عمره ما يعمل أي حاجة من اللي بتقول عليها دي .
رفع احمد حاجبه بسخرية كبيرة، يردف بجدية :
_ اه وأمي اللي كانت ماسكة المسدس وماشية تضرب بيه خلق الله صحيح ؟!
- دي مشاكلك مع خالتي تفيدة تحلها معاها، إنما أنا اخويا برة كل ده، مسلم عمره ما يوصل بيه الموضوع أنه يقتل، يهدد اه، يتسبب في إصابة زي ما عمل للراجل الحقير ده ماشي، إنما يقتل؟؟ ليه شايفه رد سجون ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ماذا ستفعل ؟!
_ سأقتله، إن فكر في الإقتراب من اسرتي، هل ترى حل آخر؟؟
كانت جملة خرجت منه بصوت لا يشبهه بالمرة، جملة بصوت خافت مظلم وقد اسودت نظرات مسلم في ثواني وشردت عيونه وكأنه يتخيل بأي الطرق سيقطع جسد جوليان لأشلاء .
ظهر جوليان اسرع مما توقع، كان يعلم أن ذلك الحقير لن يكون كما الباقيين، لن يكون من السهل خداعه كالجميع، جوليان كان وغدًا وسخًا ليعلم ألاعيب الاوغاد أمثاله، لذا لعبته لم تنطلي عليه، لكنه لم يدرك أنه سيجده بهذه السرعة، ليس بهذه السرعة وليس الآن بعدما بدأ.... بدأ يشعر أنه يمتلك حياة .
_مسلم ارجوك دعنا نفكر بشكل عقلاني، نحن هنا نحاول البحث عن حل يخرجنا بأقل الخسائر، قتل جوليان ليس حلًا، ثم ما ادرانا أن ذلك جوليان، أو أنه حتى علم مكاننا؟! ربما ...ربما فقط ...شعر بالوحشة فأرسل لك هذه الرسالة لإحياء ذكراك .
تشنجت ملامح مسلم بقوة وهو يضغط على الهاتف وقد كاد يحطمه تحت ضغطته، يبتسم بسخرية شديدة، حاتم لا يعلم جوليان كما يعلمه هو، أو هو من لم يدع له الوقت الكافي ليعلم جوليان .
رفع هاتفه أمام عيونه يفتح الرسالة بهدوء شديد وهو يتأمل اسم جوليان وصورته التي تعلو الهاتف، يبتسم بسمة واسعة ميتة وعيونه تمر على احرفه.
" إلى الصديق الساكن في الجانب الآخر في العالم، لم تخبرني من قبل أن أجواء مصر بهذه الروعة، استمتعت كثيرًا بتجربة الطعام الخاص بكم، ونعم لم تكذب الفطائر هنا تفوق الكرواسون روعة.
مع حبي من مصر .
رفيقك أو بالأحرى رفيقك السابق : جوليان "
ومن ثم صورة صغيرة لجوليان جوار الاهرامات مبتسمًا باتساع، أبعد عيونه عن الرسالة يرفعها في وجه حاتم، الذي بمجرد أن قرأها أطلق سبة نابية قذرة وهو يجذب خصلات شعره .
_ حسنًا على الأقل لم يصل لمكاننا هنا، نحن هنا آمنون صحيح ؟!
تنفس مسلم وهو ينظر حوله، ونعم كان حاتم محق، هذا المكان كان نجدته المؤقتة من مخالب جوليان الذي لن يصمت عن فعلتهما، لذا هو آمن مؤقتًا، فهذا المكان خارج حدود الاختراق والمراقبة، لا شيء يمكن أن يصل جوليان له منه سوى هاتفه، لذا نظر للهاتف ثواني قبل يلقيه في الجدار بقوة ويحطمه لأشلاء تحت أعين حاتم المتسعة بصدمة .
لكن مسلم لم يهتم بالتفكير وهو يتحرك صوب حاسوبه بسرعة كبيرة ليجد الثغرة التي عثر جوليان بها عليه .
وحاتم يراقبه يدرك أن الأوان قد حان لتحرير شياطين مسلم، أو بشكل أدق Muss.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن ضيفة مرحب بها في الواقع، ولم تكن حتى ضيفة مرغوبة خاصة على بابها، كانت سُكينة هي آخر إنسان قد تسمح ساڤا لها بأن تطأ منزلها، لذا دفعت الباب بقوة في وجهها بمجرد أن أدركت وجودها عليه، ولم تكد تصفعه بالكامل في وجهها، حتى اوقفتها سكينة وهي تدفع الباب بقوة تقتحم المنزل مغلقة الباب خلفها بسخرية :
_ مش استقبال ضيوف ده يا ساڤا .
_ وهما فين الضيوف يا سكينة ؟؟
ابتسمت سكينة بسمة واسعة وهي تحرك عيونها في منزل العزيزة ساڤا والذي كان فخمًا رغم صغر حجمه :
_ عندك حق، أنا مش ضيوف، أنا صاحبة بيت، في النهاية البيت ده من خيري ولا ايه ؟؟
ارتسمت بسمة سوداء على وجه ساڤا وقد شعرت بالنيران تندفع لصدرها، تدرك تحديدًا إلى ماذا تلمح سكينة تحديدًا، لكنها فقط أجابت وهي تحتفظ ببسمتها رغم احمرار عيونها لشدة كبتها دموعها الغاضبة :
_ قصدك من هز وسطك يا أبلة سكينة، خيرك دي تقوليها لما تكوني بتشتغلي ممرضة ولا أبلة في مدرسة، مش عالمة في الكازينوهات ولا أنتِ رأيك ؟؟
اتسعت عيون سكينة بقوة وفي ثواني كانت تخرج سكين من حقيبتها وهي تندفع بشكل مفاجئ صوب ساڤا والتي كانت في هذه اللحظة في أشد لحظاتها ضعفًا، ووالله لو طعنتها سكينة في هذه اللحظة ما رفعت إصبعًا واحدًا للدفاع عن نفسها، لذا استسلمت وهي تراقبها ترفع السكين أمام عيونها تصرخ بجنون :
_ أنا سكتلك مرة واتنين يا ساڤا، لكن والله لو حصل ونطقتي في يوم اللي سبق ونطقتي بيه قدام عيلتي انا هـ....
اتسعت بسمة ساڤا بشكل مستفز وقد شعرت بالانتشاء وهي تبصر ارتعاش يد سُكينة، تميل برأسها وهي تراقبها باستفزاز :
_ ايه هو الدجال مش شايف شغله ومعتز اتمرد وخرج من تحت طوعك ولا ايه ؟!
فجأة شعرت ساڤا بوجع مرعب يخترق رقبتها حينما دفعتها سكينة بقوة للجدار تكاد تقطع رقبتها بالسكين الذي يضغط على جلدها أكثر وأكثر وصوت الاخيرة يهتف بنبرة خافتة :
_ لو محطتيش لسانك جوا بؤقك، مش هيكون معتز بس اللي تحت طوعي يا بنت شادن.
اشتد جسد ساڤا كوتد متصلب وهي تنظر لوجه سكينة بكره ومقت شديد تهمس بكره شديد وحقد :
_ شادن دي تبقى ستك يا بنت الـ*** .
ختمت جملتها وهي تبصق بوجه سكينة التي اتسعت عيونها بصدمة من فعلة ساڤا وقبل الرد عليها بكلمة أو حتى ترفع اصبعها، شعرت فجأة بشيء قوي يضرب رأسها من الخلف كما لو أن سقف المنزل سقط أعلى رأسها.
أطلقت صرخة متألمة وهي تبتعد بسرعة عن ساڤا تنتفض برعب مستديرة للخلف وهي تتمسك بمؤخرة رأسها تحاول أن تستوعب حجم الألم والدوار الذي أصابها فجأة.
لتجد أمام عيونها رايانا التي كانت تمسك عصا غليظة تحتفظ بها سافا خلف باب منزلها، وهي تلوح بها في الهواء وقد وصلت قبل دقائق تفتح الباب بمفتاحها لتطمئن على ساڤا قبل العودة للمنزل لتفاجئ بما يحدث، فتحركت بسرعة دون تفكير تمسك العصى وتهبط بها فوق رأس سكينة .
وفجأة ارتفع صوتها وهي تحرك العصى بتهديد واضح والجنون يسكن عيونها وقد كانت على أتم الاستعداد لقتل سكينة في هذه اللحظة دون أن يرف لها جفن :
_ اطلعــــي بــــرة البيـــت ده، وياويـــلك يا سكينة لو لو لمحتك قدام عتبتها تاني، قسمًا بربي احسرك على نفسك وبيتك وابنك وحياتك كلها .
كانت سكينة تتابع كلمات رايانا بصدمة كبيرة وهي تتمسك برأسها تشعر بها وقد بدأت الدماء تسيل بها، لا تصدق أن تلك المجنونة وصل بها الخبل لهذه المرحلة المخيفة، ورايانا فقط تنتظر أن تختفي من أمامها، وحينما طال صمتها وصدمتها تحدثت بصوت ارسل قشعريرة باردة لجسد سكينة :
_ اطلعـــــــي بــــــــرة .
وفي ثواني اختفت سكينة تركض من المكان وهي تتنفس برعب مما حدث، تقسم بالله أنها أبصرت منذ ثواني جنون بعيون رايانا وقد كانت جادة حينما قالت أنها ستقتلها، الفتاة أُصيبت بالجنون .
ورايانا راقبتها حتى رحلت، ومن ثم تحركت صوب الباب تغلقه خلفها بقوة، واستدارت تلقي العصى ارضًا تتحرك بسرعة صوب ساڤا تتحدث بحنان وخوف :
- أنتِ كويسة يا قلبي ؟؟
كانت تتحدث وهي تتحسس رقبة ساڤا التي أصابها جرح بالغ من سكين تلك المعتوهة سكينة، وساڤا تراقبها بأعين دامعة قبل أن تنفجر في بكاء عنيف وتلقي بنفسها بين أحضان رايانا ..
ورايانا لم تفعل سوى أنها استقبلتها بكل حب تربت عليها بحنان شديد وقد كانت في هذه اللحظة وكأنها والدتها وليست رفيقتها التي تصغرها .
تربت على ظهرها بحب شديد وهي تهمس لها بلطف :
_ ما عاش اللي ينزل منك دمعة يا سيڤو، والله ابيتهم متفحمين هي وابنها وعمي .
ضحكت ساڤا بصوت متقطع بين بكائها، تحاول تمالك نفسها، ورايانا فقط تعطيها كامل الوقت لذلك دون الحديث بكلمة إضافية أو الضغط عليها بأي شيء .
تعطيها كامل الوقت لتتماسك، لتعود ساڤا التي تعلمها بعد انهيار قوي ليلة البارحة، وما تزال حتى الآن تجهل تحديدًا سبب ذلك الإنهيار، لكنها ستعلم على أية حال حينما تتمالك ساڤا نفسها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت أيام بعد ما حدث، قضى بها مسلم لياليه كلها فقط يحاول أن يصنع جدار حماية حول هواتف جميع أفراد عائلته، رافضًا أن يكونوا لقمة سائغة أمام جوليان، أيام لم يخرج من غرفته تقريبًا سوى لتناول الطعام، أو للسير ليلًا في هدوء القرية والجميع نيام .
أيام لم يبصرها بها، ولم تغادر هي خياله، أيام كان يجلس بها ليلًا أمام حاسوبه يعمل ظاهرًا أمام عيون حاتم حول جدار الحماية، يعمل بها حارسًا ليليًا لمنزل الفروشكا باطنيًا .
كان يراقب المنزل بأعين حريصة وكأنه يخشى إن غفل ثانية عن مراقبة المنزل أن يقتحم ذلك الحقير المنزل ويصيبها بأذى .
ونعم ربما هذه كانت عادة عنده، الهوس بكل ما بدأه حتى ينهيه بنفسه، ونهاية كل ذلك هو حصوله على ما يريده والرحيل من هذا المكان بالكامل .
زفر بصوت مرتفع وهو يفكر فيما حدث لها، على مدار الأيام السابقة كانت تعتني بوالدها طوال اليوم بشكل مبهر بعد كل ما حدث لها على يده، ومن ثم تختفي باقي اليوم وتعود في المساء للاهتمام بالجميع .
لكن اليوم وفي أثناء نوبة الحراسة الليلة الخاصة به وبينما كل شيء يسير بهدوء وبشكل طبيعي تحرك لخزانته يخرج من ثوبه لتبديله لآخر مريح كي ينام ساعاته القليلة ومن ثم يرى ما يفعل .
لكن فجأة توقفت يده عن العبث في خزانته حينما تناهى لمسامعه صوت خطوات في المنزل، استدار ببطء صوب الحاسوب يتابعه بأعين مدققة، ليبصر جسدها يتحرك في المكان وهي تهبط الدرج بسعادة لم يبصرها عليها منذ أيام، تقريبًا لم يبصرها عليها بالمرة إلا حينما جاءته ذلك اليوم لتشكره على الكرة الثلجية قبل أن يحطمها بكل غباء بسبب كلمات الاحمق حاتم .
وعلى ذكر الاحمق حاتم، رفع عيونه صوب فراشه ليراه يغرق في نومة عميقة، فأعاد بصره صوب الحاسوب يتابعها دون شعور وهو يغرق في تقاصيلها يراها ترتدي فستان واسع وطويل يتحرك حولها وهي تتحرك فيما يشبه الرقصة، وقد كانت تمسك الهاتف بين يديها موصول بسماعة أذن تقيد حركاتها الراقصة لاضطرارها لحمل الهاتف قريبًا منها بسبب السلك الذي يربط السماعة بالهاتف .
تتحرك بنشاط وحيوية وبسمة واسعة ترتسم على وجهها وكأنها للتو ألقت همومها خلف ظهرها .
وحسنًا هنا أدرك مسلم أن هناك في هذا العالم مشهد أجمل وأروع من رؤية تلك المنظمة اللعينة مشتعلة .
سعادة فروشكا .
على الجانب الآخر.
كانت تتحرك صوب المطبخ وقد عاد لها مزاج القراءة والهدوء والصفاء مرة أخرى بعد أيام من الأحداث المشحونة والشد والجذب بينها وبين عمها والذي كان يحاول إجبارها على التخلي عن منزلها .
أيام طويلة قضتها بين العناية بوالدها صباحًا، والعناية بساڤا _ التي ما تزال تلتزم المنزل والصمت _ ظهرًا، والاعتناء بجدتها وتدليلها ليلًا خاصة بعدما اشتد عليها التعب آخر مرة .
والليلة وبعدما كانت غارقة في نومة عميقة استيقظت من منتصفها سعيدة مع شعور قوي بالراحة بعد ذلك الحلم، قررت أن تعيد لياليها رفقة بطل روايتها تاركة بطل أحلامها صاحب الملامح الضبابية في الوقت الحالي .
وضعت سماعة الأذن تسمع الأغنية التي لطالما احبتها، الأغنية الوحيدة التي استمعت لها يومًا تقريبًا، وقد كانت الملجأ الثاني لها والامل الأخير أنها ربما تحيا قصة مشابهة لها، كلماتها كانت تشعرها بالأمل.
وضعت الهاتف أسفل ذراعها وهي تحمل طبق كبير تضع به بعض الطعام والحلوى، وتوقفت يدها فجأة حينما أبصرت بعض الفروشكا جانبًا لتبتسم وهي تشعر أنها تتذوق الكلمة بصوته، لم تعد تستطيع سماع كلمة فروشكا سوى بصوته .
شردت وهي تضع القليل منها تدندن بصوت خافت كلمات الأغنية بتأمل .
ابتسمت حينما سمعت الصوت يتردد في أذنها بهدوء ( هكون لها طبعًا أمير)، وحسنًا هنا سيختلف الواقع قليلًا فلا أمير لها، ولن يكون .
مر مسلم في خاطرها في لحظات، لكنها كانت تعلم أن مسلم هو أبعد ما يكون عن أمير حكايات، مسلم بكل ما فيه يشبه الاشرار أكثر، وهي لم تحب يومًا شرير رواية، بل كانت من الحمقاوات اللواتي يهمن على وجوههن في عشق البطل قبل البطلة نفسها ..
لكن هي تدرك أكثر من الجميع أنه...حسنًا لنكون واقعيين، حياتها هذه لن تلائم أميرًا، أهالي قريتها لن يناسبوا أميرًا، لن يستطع الأمير بكل رقيه ولطفه أن يتعامل مع قومها .
ابتسمت وهي تهمس :
_ يبقى ناخد الشرير .
ومسلم الذي كان يجلس على الجانب الآخر يراقبها لا يسمع ما تردد بشكل جيد بسبب الصوت المنخفض، لكنه لم يهتم يراقبها ببسمة يراها تضع الحلوى التي أحبها وبشدة في الطبق وهذا ذكره بوعدها له اليوم .
ابتسم دون شعور وكأن بسمتها معدية، فجأة وجدها تتمايل بخفة وهي تغني وتدندن مغمضة العيون، ظل ينظر لها دون شعور ثواني قبل أن يغلق فجأة الحاسوب بفزع، ينظر حوله بصدمة لما يفعل .
بدا كما لو أن عاصفة إدراك ضربته بشكل قوي ليدرك في هذه اللحظة أنه يجلس الآن يتلصص على فتاة، مرارة استحكمت حلقه وقد شعر أنه حقير بشكل يفوق حقارة الغجر حينما سلبهم أرضهم.
أبعد الحاسوب عن جسده وهو يلقي جسده على الفراش ينظر للسقف يشرد به، ليرى صورتها ترتسم عليه وهي تبتسم، زفر بغضب شديد وهو يصرخ :
_ دي مبقتش عيشة والله .
اعتدل من مكانه يخرج من الغرفة بسرعة وقد كان حله الوحيد في هذه اللحظة هو أن يهلك جسده بتمارين جسدية حتى ينهار من التعب .
تاركًا حاتم خلفه منتفضًا عن فراشه برعب وهو ينظر حوله بأعين شبه مغلقة .
_ شو اللي صار؟ غارة جوية ولا إيش ؟؟
لكن كل ما قابله كان صمت قاتل بعد خروج مسلم، ليدرك أنها لم تكن غارة جوية، بل كانت أرضية بقيادة مسلم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
"شروق يوم العملية "
كانت جملة رنت في صباح اليوم التالي في منزل المريدي بواسطة يحيى الذي خرج من غرفته يبصر الجميع في الخارج يجلسون في تأهب غريب وكأنهم ينتظرون شيئًا هام .
رفع له مسلم عيونه يبتسم بسمة واسعة له، يشير له :
_ وهو ده عشانا يا يوحا ؟؟ ده عشانك يا قلبي ؟!
_ عشاني ؟؟ ده ليه إن شاء الله ؟!
_ هو ايه اللي ليه ؟؟ احنا رايحين ننقذ مراتك المستقبلية من ضياعها من ايدك .
كاد يحيى يجلس حتى توقف في منتصف الطريق يرفع عيونه صوب مسلم ليجد بسمته واسعة تشق وجهه بالكامل، ليبتسم له بسمة بالمقابل وهو يحرك كتفه بهدوء يرد عليه بكل هدوء :
_ اصيل يا عم العيال، مردودة ليك يوم تحرير الفروشكا يا خويا .
ونعم هذا كان هدف صده يحيى بكل احترافية وهو يجلس يضع قدما فوق الأخرى، يستمتع بتلاعبهم معه، حسنًا هو لا يمانع ولا يهتم بما يفعلونه فحديثهم لن يزيده حنقًا ولا يضره .
_ ها قررتم هتعملوا ايه ؟؟
كان يتحدث وهو يتناول كوب الشاي من أمام نورهان قبل أن تلتقطه الاخيرة، ليعلو الحنق وجه نورهان التي صرخت بضيق :
_ يا أحمد ما تشوف الجدع ده بيرخم عليا على طول هو مفكر نفسه ايه ده ؟؟
وضع يحيى قدم فوق الأخرى مجددًا بعدما كان قد اعتدل من البداية، وهو يرتشف الشاي بمزاج صافي وبرود شديد :
- يحيى المريدي يا قمر .
وقبل اكمال جملته وجد كوب الشاي بالكامل يسقط فوق ثوبه بعدما ارتطمت به يد حاتم أثناء تحركه لتسليم الحاسوب لمسلم .
ابتسم حاتم بصدمة واعتذار مصطنع وهو ينظر ببراءة صوب يحيى :
_ سامحني يا أخوي، ما انتبهت لإيدي.
ارتفع طرف شفاه يحيى بقوة وهو يسمع ضحكة نورهان التي انطلقت ويبصر التشفي الخفي الذي التمع في عيون حاتم، لترتسم بسمة صغيرة على وجهه وهو يرفع بقايا الشاي في الكوب يلقي به على حاتم الذي انتفض قبل أن يهتف :
_ ولا يهمك يا توما إحنا اخوات برضو، متقولش كده .
ختم حديثه وهو ينهض يتحرك لغرفته مرة ثانية يتحدث بصوت مرتفع :
_ هغير لبسي وارجع بسرعة تكونوا شوفتوا هتنيلوا الفرح على دماغ اللي فيه ازاي .
تابعه مسلم بعيون هادئة قبل أن يعود بنظرات متساءلة باردة صوب حاتم الذي هرب من نظرات مسلم وهو يضع الحاسوب أمامه بهدوء، ومسلم ابتسم بسمة صغيرة وهو يهز رأسه لحاتم وكأنه يتوعد بتحقيق طويل لا فرار منه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ايوة واحنا هنا بنعمل ايه ؟!
كانت كلمات ساڤا التي تحدثت بها وهي تراقب منزل محفوظ الذي كان يتزين بالاضواء والزينة لأجل زفاف ابنته الثاني بعد نكبتها الاولى من عز الدين .
استدارت لها رايانا والتي تزينت كما لو أن الزواج يخصها هي، ترتدي ولأول مرة ثوب بلون غير الاحمر والأسود، ثوب من اللون الاخضر الفاتح مع زينة رقيقة وبعض زينة الوجه .
_ بقولك البنت مجبورة على راجل عجوز .
_ ايوة احنا مالنا ؟؟ احنا حتى مش على معرفة بيها .
قلبت رايانا عيونها بضيق وهي تسحب معها يد ساڤا بالاجبار تتحرك بها داخل المنزل الذي كان يعج بالمنظمين والمحتفلين وقد اجتمعت الفتيات في غرفة بعيدة منفصلة يغنين ويباركن للعروس المنكوب .
ورايانا لم تهتم وهي تسحبها من عزلتها صوب المنزل تخترق الجموع التي تحتفل، ويبدو أن لا أحد قد انتبه لوجودهما، فها هما أكثر النساء نبذًا في القرية .
رايانا الشؤم والساحرة، وساڤا الراقصة المنبوذة من النساء والمطلوبة من الرجال .
تحركت بها صوب قاعة النساء تتذكر تحدثها مع كارا منذ يوم حول زواجها لتبكي لها الأخيرة نفورها من هذا الزفاف ورفضها له، وحسنًا هي كانت تتوقع حينما علمت هوية الزوج.
اقتحمت رايانا قاعة الاحتفال ليتوقف الجميع عن الرقص والغناء حينما لمحوها وساڤا بثياب احتفال وبسمات واسعة .
اتسعت عيون كارا بصدمة من وجود رايانا وقد كانت آخر شيء تتوقعه في هذا الزفاف.
لكن رايانا لم تهتم وهي تسحب ساڤا خلفها ببسمة واسعة، بينما ساڤا لم تبذل حتى جهدًا لتخفي حنقها من الجميع .
أطلقت إحدى النساء ضحكة وهي تنظر للفتاتين بسخرية لاذعة تهمس بصوت حانق متعالي :
- والله بنت حلال يا كارا، جايبة لينا رقاصة ليه مش هنعرف نفرحلك ولا ايه ؟!
توقفت اقدام رايانا في منتصف الطريق لكارا، بعدما شعرت بتصلب جسد ساڤا التي رمتها بنظرة تقييمية من أعلى لاسفل، ثم نظرت لعيونها تهمس بجدية تامة :
_ عشان تتعلمي ترقصي لجوزك بدل ما كل يوم يسحبوه من تحت رجل رقاصة شكل .
تلاشت ضحكات المرأة فجأة وشحب وجهها على وقع كلمات ساڤا التي ابتسمت بسمة صغيرة تبتلع مرارة ما تسمع، بينما رايانا جذبت يد ساڤا وهي تردد بهدوء :
_ معلش يا ساڤا أصل هما مفكرين أن أي ست زبالة لازم تكون مختلفة عنهم، ميعرفوش إن هما من أكبرهم لاصغرهم عالم معفنة .
ختمت حديثها وهي تنظر في عيون المرأة طويلة لتبعد الأخيرة عيونها بسرعة مرتعبة من نظرات رايانا والتي تعلم عنها كما الجميع ما يتم تناقله حول أفعالها المخيفة .
أما عن رايانا فقد اقتربت من كارا التي نهضت بمجرد أن ابصرتها تنظر له بأعين دامعة، نفس الأعين التي نظرت بها لها يوم ذهبت تتوسلها الخلاص من عز الدين، لتضعه رايانا شرطًا للزواج بها سابقًا قبل أن تفسد زواجها هي الأخرى
ابتسمت لها رايانا بسمة واسعة وهي تضمها بحب، وهي تربت على ظهرها :
_ لو مش عايزة الجوازة تكمل بس قولي .
ابتسمت كارا بسمة صغيرة وهي تهز رأسها تهمس لها :
_ فيه حوار كده لو مكملش هقولك أكيد.
نظرت لها رايانا بعدم فهم لتبتسم كارا بسمة صغيرة وهي تحرك عيونها صوب ساڤا التي هزت رأسها بتحية صامتة باردة بعض الشيء، قبل أن ترتفع اصوات الموسيقى في المكان بأكمله، وينظر الجميع صوب ساڤا نظرة المترقب .
اتسعت عيون كارا باحراج من زوجة عمها التي نهضت تبعد الجميع عن الساحة لأجل الراقصة التي تظن أنها احضرتها :
_ وسعوا يلا يا بنات، يلا قربي يا ساڤا وشوفي شغلك .
ونعم كان الجملة ومضحكة ومهينة بالقدر الكافي لتركض ساڤا من الزفاف أن تصفع تلك العجوز، لكنها لم تفعل هذا أو ذاك، بل ظلت تناظر المرأة بسخرية.
أما عن كارا تقدمت وهي تهتف بضيق :
_ مرت عمي هي مش جاية هنا تـ....
لكن ساڤا لم تمنحها الفرصة لتكمل حديثها وهي تتحرك صوب الساحة تقول ببسمة واسعة تحرك خصلاتها تحررهم بشكل يعطي لها حرية الرقص كما اعتادت :
_ خلاص يا عروسة، اعتبريها هدية فرحك، وكمان بلاش انيم تيتة زعلانة عشان منالتش شرف أنها تشوفني برقص.
وبالفعل توسطت الساحة وهي تراقب الجميع بأعين لامبالية بأي شيء، تفتتح الرقصة وهي ترفع يديها في الهواء وتميل بنصف جسدها للخلف .
وبمجرد أن بدأت الموسيقى تحركت رايانا بسرعة صوب منتصف الساحة وهي تشارك رفيقتها الرقص تخفف من حدة الأجواء تحاول اظهار الأمر وكأنه شيء ودي مقدم لكارا، وليس شيء تحط به من قيمة ساڤا .
وبالفعل بدأت تتمايل مع ساڤا على إيقاع الموسيقى بكل احترافية، وكأنها عاشت حياتها تمتهن الرقص وليس ساڤا .
وفي الواقع كل ما تعلمته بالرقص كان بإشراف ساڤا نفسها والتي جعلت من رايانا ماهرة بكل ما يخص الرقص .
ساڤا امتهنت الرقص، ورايانا كانت تجد به سلواها في بعض الأحيان .
وكعادة ساڤا بدأت تغني مع ارتفاع صوت الموسيقى، ورايانا تشاركها الغناء والرقص بتناغم شديد والجميع حولهم يراقبون بانتباه شديد، البعض أظهر إعجابه، والأخر باستهانة.
اجتمع الجمال والمهارة في ساڤا، والدلال والرقة في رايانا لينتجوا عرضًا مبهرًا جعل الأعين تتسع من حولهم .
وفي الواقع لم تكن الأعين فقط ما تراقب هذا العرض، بل كانت هناك عدسات أخرى تسجل كل لحظة من هذا الحفل، قبل أن تقترب امرأة من عائلة كارا وهي تنظر للفتاة بشك :
_ أنتِ بتعملي ايه، مش قولنا ممنوع حد يدخل قاعة الستات بتليفونات ؟؟
توترت الفتاة مما يحدث وهي تحاول تبرير ما يحدث تخفي ما كانت تفعل بسرعة :
_ اصل أنا...سايبة ماما لوحدها في البيت وهي كبيرة وبتتعب وكل شوية بتطمن عليها .
نظرت لها المرأة بسخرية :
_ وامك بقى اللي قالتلك تصوري الستات في حنة البنات ؟!
نظرت لها الفتاة وأُلجم لسانها ولم تكد تجيب بكلمة واحدة حتى وجدت المرأة تنزع منها الهاتف بقوة تنظر له بحرص تبحث به على اللقطات التي اخذتها الفتاة تحذفها وهي تشير لها لتخرج من المكان بغضب :
- اطلعي برة يلا، مش هتحترمي البيت واللي فيه يبقى متدخليش ليه، غوري يلا .
نظرت لها الفتاة بغضب وهي تخرج من المكان، بينما المرأة استدارت صوب الجميع تراقب ما يحدث بهدوء شديد لا يعجبها ما يحدث بالمرة، هي لا ترتضي لابنة اخيها زواجًا كهذا، لكن أنى لها باعتراض حول رغبة شقيقها والذي حاربته حتى أنها هددته بأخذ الفتاة لعائلة والدتها، لكن في النهاية رفضت كارا أن تفعل هذا بوالدها واخبرتها أنها ستتدبر الأمر.
_ ربنا ينجيكِ من القرف اللي أنتِ فيه ده يا كارا ....
ــــــــــــــــــــــــــ
في المساء وحينما أظلمت السماء معلنًا بداية ليلة جديدة في حياة الجميع، خرج الثلاث رجال من المنزل تاركين فقط أحمد مع شقيقته في المنزل فقط تحسبًا لهجوم أحدهم، ولكي يتخلصوا من قيود أحمد العقلانية على بضعة فاسدين مثلهم .
اخرج يحيى الهاتف يضعه على أذنه وهو يجيب عيسى الذي مركزوه أمام منزل عريس الليلة منذ العصر تقريبًا، وبالطبع كان من السهل في هذه القرية أن يعلموا منزل عريس اليوم من كثرة الأنوار التي تحيطه.
_ الو يا يحيى الراجل خرج من البيت، ده طلع كبير اوي ياض، ازاي هيتجوز البنت القمر اللي جات ؟!
_ ما هو قرك ده أنت واللي زيي على الراجل هو اللي وقعنا في طريقه يا فقري، اقفل وخليك وراه احنا جايين في الطريق .
نظر له مسلم باستفهام ليتحدث مباشرة :
- الراجل في طريقه للفرح، لسه عند رأيك ؟!
_ البنت لجئت لينا .
ابتسم حاتم بسخرية وضيق من حال صديقه الذي يدفعه لمساعدة أي امرأة باحثًا عن الخلاص، وقد كان هذا هو ما أوقعه في بحر الفروشكا العميق .
_ أي، وأنت ضعيف قدام قهر النسوان يا خويّ، الله يعينك .
رماه مسلم بنظرة غاضبة، يحاول أن يهدأ ويمرر أفعاله مؤخرًا، لكن حاتم ابتسم بسمة واسعة وهو يتحرك مع الجميع صوب منزل الزفاف، وستكون هذه المرة الثانية ليدخلوا زفاف فتاة من هذه القرية، وكل الدعوات بصدر حاتم أن يخرج من الزفاف دون أي مشهد قد يوقف قلبه كما المرة الأخيرة، لكنه يثق بالله وبحكمة مسلم حينما لا يتعلق الأمر بالفروشكا خاصته .
وصل الجميع للزفاف وتحركوا صوب الخيمة الكبيرة التي تجاور المنزل في أرض كبيرة فارغة يقف بها الجميع يرقصون ويغنون بأصوات سعيدة .
وقفوا بعيدًا يراقبون كل شيء بهدوء حتى ابصروا عيسى يتحرك صوبهم يهتف بجدية وبسمة واسعة وحماس شديد :
_ العريس جه، العريس جه .
_ مالك ولا كأن العريس اخوك كده ؟!
كان ذلك صوت يحيى المتعجب من حماس شقيقه، لكن الأخير أجاب بنبرة عادية :
- لا بس أول مرة احضر فرح غجر .
كان يتحدث وهو يحرك عيونه بين الجميع بانبهار لهذه الازياء والأجواء والغناء والرقص الذي يملئ المكان .
والجميع حوله يفكرون في الخطوة قادمة والتي كانت تعتمد على يحيى بالمقام الأول.
فبمجرد أن وصل العريس وبدأ هو وذويه الاندماج مع الضيوف ابتسم مسلم وهو يحرك عيونه صوب يحيى بإشارة واضحة ليبتسم الاخير وهو يتحرك بسرعة بين الجميع يحاول الوصول للعريس ومن معه، يحاول الوصول له دون أن يلاحظه أحدهم.
وبعدما وصل له ابتسم وهو ينظر للرجل الذي علمه بمجرد أن أبصر وجهه لينتفض من مكانه وهو يحدق بغضب في وجه يحيى، أما عن يحيى غمز له وهو يتحرك بعيدًا عن الجميع بسرعة .
والرجل بمجرد أن أبصر يحيى صرخ بصوت مرتفع :
- مين اللي سمح للواد ده يدخل هنا ؟!
التفت له من حوله بسبب صراخه ولا أحد يفهم ما الذي يحدث بالتحديد مع الرجل، لكن فجأة عم هرج ومرج في المكان بسبب صراخ العريس الذي يهتف بالجميع أن يبحثوا عن ابن المريدي الذي اقتحم زفافه ليفسده كما يفعلون .
وفي وسط كل تلك الضوضاء والهرج والمرج، أشار مسلم لحاتم ليبتسم الاخير وهو يحشر جسده بين الحشود المتحفزة، حتى وصل للعريس يبحث بعيونه عن شيء بين الجميع قبل أن تقع عيونه عليه فاتسعت بسمته .
كل ذلك ومسلم يتابع خطته بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره ببرود، قبل أن تنتفض كل ذرة بجسدة وهو يبصرها تتحرك خارج المنزل مع بعض النساء صوب خيمة الزفاف بتحفز شديد وكأنها جاءت تعلن حربًا، وحسنًا هو لم يتوقع وجودها في المكان، ولا يحتاج لوجودها الآن في الواقع .
لكن هي كانت .....فاتنة بشكل مرعب وهي ترتدي ذلك الثوب وتتأنق بهذه الطريقة، وقد جمعت خصلاتها للمرة الأولى في ضفيرة طويلة .
اخذ يتابعها بهدوء وهي تتحرك مع النساء والعروس صوب الجزء المخصص للنساء، لكن في طريقها شعرت وكأن أحدهم يراقبها، توقفت ثواني تستدير حولها تبحث عن تلك الأعين التي تجهل صاحبها، حتى وقعت نظراتها عليه، ودون شعور ابتسمت بسمة واسعة، وهو فقط ظل يتابعها بجمود شديد لا يحرك رمش حتى، فقط يحدق بها ويتحرك بعيونه معها وكأنه يتأكد أن لا أحد يعيق طريقها.
أما عنها رفعت حاجبًا على جموده وقد اعتقدت أن حالته الغريبة عادت له، لترفع رأسها تتظاهر بعدم الاهتمام وهي تتحرك مع النساء بكل هدوء جعله يقلب عيونه بضيق، وصوت عيسى يصل له واضحًا رغم ارتفاع صوت الموسيقى حوله :
_ الصراحة هي احلى واحدة عرفت تختار يا مسلم، ألف مبروك يا حبيبي.
نظر له مسلم بتحذير ليضحك عيسى ضحكة صغيرة قبل أن يصمت ويتظاهر كما مسلم أن لا شيء حدث، ومرت دقائق قبل أن يعود لهم حاتم مع شيء يخفيه في ثوبه مبتسمًا بخبث شديد .
_ شفت فـ...
_ ولا كلمة هات التليفون .
وبالفعل صمت حاتم عن تعليقه الذي كان سيلقيه والذي يلقيه كلما أبصر وجهه جوار فروشكا، اسابيع مرت منذ وجودهم هنا لأول مرة، اسابيع كانت أكثر من كافية لتجعل الجميع يربطون اسمه بها بشكل مستفز له .
انتزع الهاتف من يد حاتم وتنحى جانبًا ينهي عمله عليه سريعًا قبل أن ينتهي تشتيت يحيى للجميع ويمسكون به ويقتلونه .
فتح الهاتف وأخذ يدخل عليه بعض الاكواد، قبل أن ينتهي ويعيده لحاتم يهمس بصوت هادئ :
- أعده كما احضرته قبل أن يشعر بك أحدهم.
وقد فعل حاتم وعاد ليبحث عن اغراض العريس التي انتزع منها هاتفه، بينما مسلم تابع ما يحدث بهدوء حريصًا أن يبعد عيونه عنها طوال الوقت يتظاهر أنها ليست موجودة، وكم تمنى أن تكون في الواقع .
لكن كل ثانية كانت تخونه نظرة جانبية لها، يراها تقف مع صديقتها بعيدًا عن باقي الفتيات وهي تراقب الزفاف بأعين شاردة غريبة، واستغلالًا لحالة الشرود هذه أعاد لها النظرات وهو يتأملها قبل أن يدرك في لحظة استدارته أنه لم يكن الوحيد المعجب بطلتها، ولم يكن الوحيد المحب لطعم الفروشكا، فهناك آخر في المكان يراقبها كما يراقب التقي الفاكهة المحرمة .
تحفز جسد مسلم وهو يراقب ذلك الشاب الذي يبصره للمرة الأولى وهو يحوم حول فروشكا بخجل وعيون لم تخفي ما يقبع خلفها، كان الشاب ...عاشقًا لها .
_ هذه المرأة إما جاهلة بقدرها أو لا تمتلك مرآة داخل منزلها لتخبرني أن لا أحد من رجال قريتها قد يقترب منها .
استغفر ربه بصوت منخفض يتجاهلها كي ينتهي مما جاء لأجله ويرحل بهدوء، لكن دون إرادته كان كل ثانية يعود للنظر لها مرة وللشاب عشرة وكأنه يأمل في إحدى النظرات أن يحترق ويتلاشى .
_ خلص، كل إشي تم زي ما طلبت.
هز له مسلم رأسه بهدوء وهو يراقب الجميع يتحدث بجدية :
_ ابعت رسالة ليحيى قوله خلاص يرجع البيت وانا هخلص واحصله .
تعجب حاتم من حديثه فلم تكن هذه هي الخطة :
_ ليش ما نرجع إحنا كمان؟ اللي رح تعمله أصلاً ما بحتاج وجودك بأي حال.
نظر له مسلم ثواني قبل أن يقاطع عيسى تلك النظرات وهو يتحدث بجدية :
_ عشان فروشكا هنا .
ونعم في هذه اللحظة ندم مسلم أنه غاب كل هذه السنوات بعيدًا تاركًا عيسى البرئ يتشرب من استفزاز يحيى .
رماه بنظرة مرعبة ليتراجع الاخير وقد شعر أنه أخطأ فجأة، أما عن حاتم فرفع حاجبه وهو يقول بجدية :
_ فروشكا إذن، ستعمل حارسًا لها باقية الليلة مسلم ؟!
_ حاتم رجاءً لا تبدأ، أنا لن ارحل حتى اطمئن أن كل شيء يتم بخير .
تنهد حاتم وقد رأى أن هذا لم يعد موضع نقاش وقد قال كل ما يمتلك، لذا تراجع يجلس على أحد المقاعد جانبًا بهدوء يراقب ما يحدث .
ومسلم بمجرد أن أبصر العريس يعود لمكانه حتى سارع وبدأ يرسل له ما يريد، يراقب من بعيد أثر فعلته، وكل ثانية ينظر صوب فروشكا يتأكد أنها بخير .
عين على الهدف، وعين على الحلم ...
وفي منتصف ما كان يفعل ابصره بالفعل يقترب منها، لينسى ما كان يفعل وهو يراقب الشاب يتوقف أمامها بعيون ملتمعة وبسمة لبقة هادئة، يحمل بين يديه كوب عصير يمده لها بنظرة تصرخ بالحب .
وحسنًا هو لم يذهب لها خصيصًا فقد كان يوزع المشروبات بالفعل منذ دقائق على الجميع، لكن لماذا لا توجد امرأة في المكان لتتولى الشيء نفسه مع النساء، ولماذا يقدمه بهذه البسمة الغريبة، ولماذا يتباطئ عندها تحديدًا، ولماذا تحدق فيه بخجل ؟؟
عند رايانا كانت تراقب الزفاف منذ البداية وهي تفكر أنها خاضت هذه التجربة مرتين وكلتاهما انتهيا بكوارث من صنع يديها، هل قدر الله لها أن تقيم يومًا زفافًا تكون فيه عروس سعيدة، مع رجل اختارته بنفسها ؟؟
فجأة وجدت جسد يغيم عليها الرؤية، رفعت عيونها ببطء صوب صاحب ذلك الجسد لتسمع صوتًا لطيفًا حنونًا :
_ اتفضلي يا رايانا .
ابتسمت رايانا بشكل تلقائي وهي تتلقي منه كوب العصير ترحب به بلطف :
_ شكرًا يا محمد، تسلم ايدك .
أراد محمد الرحيل، لكن أقدامه خانته وهو يراقبها أكثر وأكثر يروي عيونه التي حُرمت منها أكثر وأكثر :
_ اخبارك ايه ؟؟ مشوفتكيش من سنين طويلة .
_ ايوة ما أنت سافرت يا دكتور، الحمدلله بخير، شكرا على سؤالك .
فتح فمه يبحث عن حديث آخر يفتتحه معها، وقد كانت لهفته واضحة، فهذه حبيبة الطفولة أمامه بكل بهاء الشباب، لا يصدق حينما سأل عنها والدته لتخبره أنها لم تتزوج وأن زوجها مات بعد عقد القرآن منذ سنوات، ومن ثم حاول عز الزواج منها مرتين ورفضته هي .
عز الدين الحقير الذي هدده قديمًا بالقتل إن اقترب منها، حتى خاف عليه والده واجبره على الذهاب للقاهرة لإكمال دراسته، وعاد منذ أيام قليلة يتتبع اخبارها كالمجنون لا يصدق أنه ما يزال يمتلك فرصة لقلبها .
شعرت رايانا بالخجل من تحديق محمد المستمر لها، تبتسم له بسمة صغيرة تحاول أن تنطق بكلمة تخفف بها حدة الأجواء، لكن فجأة وقعت عيونها عليه في الخلف يراقبها بأعين فقدت كل جمودها واشتعل بها غضب مرعب .
ومحمد يتحدث ببسمة صغيرة هي كل ما استطاع إخراجه من شدة تأثره :
_ لسه راجع من ايام و....
فجأة توقف عن الحديث حينما شعر باصطدام قوي في كتفه وقد أسقط صينية العصير بالكامل ارضًا لتتسع عيونه وينظر بسرعة لمن صدمه، ليجد رجل يتحرك دون أن يستدير له حتى أو يعتذر .
كل ذلك ورايانا تراقب الفوضى التي حدثت في ثواني والتي طالت أطراف ثوبها كذلك، قبل أن ترفع عيونها فجأة لصاحب الضربة التي أسقطت كل شيء، لتبصر بسمة مسلم المتسعة وهو يتحرك خارج المكان، في اللحظة التي علت بها همسات كثيرة حول انسحاب العريس ورفضه إتمام الزواج بسبب خوفه من أحزان زوجته القديمة .
نظرت رايانا حول نفسها بلا فهم لما يحدث، زوجة من وتذكرها الآن فجأة، أوليس الرجل ارمل ؟!
ومسلم ما به هذا ؟!
ما الذي يحدث حولها، هذا الزواج كان أشد غرابة من حفلات زواجها هي شخصيًا .
فجأة وأثناء دورانها بين الجميع بعيونها مصدومة مما يحدث وقعت عيونها عليه لتبصر بسمته وهو يستند على الشجرة خلفه بيد مضمومة لصدره، يراقب ما يحدث أو بالأحرى يراقبها هي .
تشنجت ملامحها ونظرت له بتساؤل ترفع حاجبها بتشنج، لكنه فقط حرك رأسه حركات صغيرة، قبل أن يميل بها جهة الباب في إشارة للرحيل، ابتسمت له بسمة صغيرة بعدم فهم تحرك رأسها بيأس منه، تسمع صوت ساڤا جوارها .
_ رايانا خلينا نمشي الموضوع بدأ يسوء أكتر، خلينا نمشي .
وساڤا كان همها الوحيد ألا يستفيق الجميع من صدمة ما حدث ليبدأوا برمي كل ما حدث على شماعة حضور رايانا المكان .
تحركت رايانا من المكان مع ساڤا وعيونها ما تزال على وجه مسلم الذي بمجرد اختفائها عاد بنظره للجميع يبصر حاتم يتحرك صوبه هو وعيسى الذي تحدث بفضول :
- أنت عملت ايه !!
ابتسم له مسلم وهو يعتدل في وقفته :
- عرفته إن الي بيكدب على مراته الاولى بيروح النار .
ابتسم وهو ينظر حولهم باحثًا عن أخيه الآخر يتساءل عن مكان وجوده ليردد عيسى بعدم معرفة :
_ معرفش بس تقريبا رجع البيت لما خلص لاني مش لاقيه خالص .
نظر مسلم حوله مرة أخيرة يراقب الرجل ينظر لوالد كارا بخجل وهو يحاول أن يحفظ ماء وجهه بانسحاب مشرف، ليشعر أن الأمر انتهى عند هذه النقطة ينسحب بمن معه وقد وفى بجزئه من الاتفاق ينتظر المقابل بعدما تنتهي هي مما لديها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت في المكان وهي تمسك طرف ثوبها بغضب شديد ترفض التحدث مع أحدهم بعد ما حدث، متظاهرة بالغضب الشديد من خداع ذلك الحقير لهم .
فبعدما جلس وبدأت طقوس الزفاف، فجأة وقف بوجه شاحب وهو ينظر لهاتفه برعب، ومن حيث لا يدرون هتف بجدية :
_ أنا....اعذروني لكن الزواج ده مش ممكن يتم .
اتسعت عيون الجميع وعلت الشهقات حولهم وهي لولا رباطة جأشها لابتسمت اكبر ابتسامتها، لكنها تمكنت من الحفاظ على نظرات محايدة وانكماش ملامح ملحوظ للجميع .
تسمع كما الكل حولها محاولة الرجل لإخراج مبررات لنذالته، وقد بدأ عرق يتكون على جبينه مرتجفًا :
_ أنا....مش هقدر أأذي زوجتي الاولى بالجواز ده، كان قرار غلط ومش هستمر فيه .
والهمسات التي علت حولها كانت مصدومة، أليس هذا الرجل ارمل، من اين حصل على زوجة ولماذا يتزوج إن كان خائفًا منها؟!
اخفضت وجهها تدعي الانكسار مما يحدث، لكن أثناء ذلك لمحته بطرف عيونها يقف بين الجميع وهو يراقب ما يحدث ببسمة واسعة ويضحك وكأنه يشاهد عرضًا ممتعًا، رفعت عيونها له تميل، تحرك رأسها حركة شبه محسوسة، ليبتسم الثاني وهو يحرك كتفه في حركة راقصة ساخرة، ثم يغمز لها بشكل جعلها تكبت ضحكة كادت تخرج من فمها، سيطرت عليها بصعوبة، وحينما كادت تفلت منها انتفضت وهي تصرخ بصوت خرج متهدج لكتمها الضحك :
_ كان من الاول تحترم نفسك وتحترم سنك قبل ما تدخل بيوت الناس تطلب ايد بناتهم اللي بالمناسبة بعمر عيالك، روح لمراتك قبل ما تمدك على رجلك .
ومن ثم سحبت طرف ثوبها وهي تتحرك بسرعة من أمام الجميع تتظاهر بعودتها للمنزل، لكنها تحركت بسرعة صوب الجهة التي لمحت يحيى يتحرك لها ..
تحدث بلهفة كبيرة وصوت مرتفع توقفه به إذ لم تكن تتذكر اسمه، وهي تراقبه يرحل :
_ شكرًا ليك .
توقفت اقدام يحيى فجأة وهو يستدير صوبها، يراقبها بكل بهائها وجمالها، هذه الزهرة التي كادت تدفن في حديقة بور مع بستاني مسن .
_ العفو يا مودمازيل، أي وقت .
التمعت عيون كارا بشدة وهي تراقبه بحماس شديد، ولهفة أكبر وقد بدأ التعجب من هذا الرجل داخل صدرها يتحول لإعجاب لا تمتلك يدًا لقمعه.
_ قمور مش كده ؟؟
أفاقت وهي تنظر له بعدم فهم ليضحك ضحكة صغيرة :
_ عارف إني قمور، بس شكرًا على المجاملة اللطيفة دي .
_ بس أنا مقولتش حاجة على فكرة .
- بس عيونك قالت .
اشتد احمرار وجه كارا وهي تشعر برجفة تمر بها تنظر حولها تحاول أن تجد لها مهربًا من ذلك الرجل الغريب، قبل أن تتحدث بجدية :
_ صحيح بما أنكم نفذتوا الجزء بتاعكم من الاتفاق فأنا لسه عند كلمتي، وهنفذ الجزء الخاص من الاتفاق .
رفع حاجبه لها وهو يتحدث بجدية غريبة عليه :
_ استريحي مش هتخرجي من الدار للنار، احتفلي وكلي جاتوه واشربي عصير ونشوف الاتفاق ده بعدين .
كاد يرحل لكنه توقف فجأة ينظر لها بجدية تامة ينظر لها وهي تتابعه بصمت :
_ المرة الجاية اتعلمي تقولي لا وأنتِ قصداها، بلاش حد يحدد مصيرك، وعلى فكرة احنا عملنا كده بس مساعدة مش عشان موضوع المقابل والحوارات دي.
أضاف ببسمة وهدوء شديد لا يليق به :
_ إحنا برضو لينا اخت هنرفض تنجبر على شخص هي مش عايزاه.
صمت ثواني قبل أن يكمل ببسمة ساخرة يتذكر زواج نور الأول :
- هي اللي بتجبرنا على شخص احنا مش عايزينه .
اتسعت عيونها بعدم فهم، ليبتسم وهو يشير صوب منزلها :
- ادخلي البيت عشان محدش يقلق عليكِ، وعلى فكرة إحنا ما اخدناش جاتوه ودي مش ضيافة ولا كرم.
ولم يكد يرحل قبل أن توقفه كارا بسرعة وهي تشير له أن يبقى :
_ ثواني بس .
توقف بعدم فهم وهي هرولت بسرعة للباب الخلفي لمنزلها، تبصر عمتها تقف في المطبخ ببسمة واسعة وهي تنظف المكان والسعادة تكاد تقفز خارج وجهها تتحدث بحماس شديد بمجرد أن ابصرتها:
- كارا حبيبتي الحمدلله انا مش مصدقة إن المهزلة دي وقفت، ربنا رحيم بيكِ يابنتي .
ابتسمت لها كارا وهي تنظر حولها تتقبل التهاني بلطف قبل أن تهمس وهي ما تزال تمسك أطراف ثوبها :
_ فيه حلويات يا خالتو متبقية من الفرح ؟!
نظرت لها خالتها بعدم فهم، لتوضح كارا بسرعة ولهفة وهي تنظر للخلف خوفًا أن يرحل يحيى قبل أن تعطيه بعض الحلوى .
- فيه صاحبتي هتمشي وعايزاها تاخد شوية معاها.
ابتسمت خالتها وهي تتحرك صوب الطاولة تحمل طبق حلوى كبير جمعت به ما تبقى من جميع أصناف الحلوى التي صنعوها :
- اه اكيد خدي خليها تحلي بؤقها، والله لو عليا لكون موزعة على كل القرية بس بلاش لأحسن ابوكِ يتقمص .
ضحكت كارا وهي تتناول منها الطبق الكبير تشير لها أن تساعدها في لفة، قبل أن تهرول مجددًا للخارج وهي تدعو الله أن يكون مايزال واقفًا، وازدادت بسمتها اتساعًا حينما ابصرته ما يزال واقفًا .
هدأت في سيرها وهي ما تزال تتنفس بصوت مسموع، تتوقف على بعد صغير منه تمنحه بسمة واسعة صافية جعلته يشرد بها دون شعور، الفتاة كانت ومنذ اللحظة الأولى جميلة للغاية، مع بشرة سمراء بعض الاشياء وملامح صغيرة واعين سوداء تناسب خصلاتها السوداء الجميلة، كانت الفتاة خليطًا جميلًا بين الملامح الغجرية وملامح جنوب مصر من جهة والدتها .
_ اتفضل، بالهنا والشفا .
أبعد يحيى عيونه بصعوبة عن وجهها يراقب يدها التي تحمل طبق حلوى كبير للغاية، ثم رفع عيونه لها مجددًا :
_ ايه ده ؟!
_ دي ...دي حلويات عشان تاكل ...تأكلوا منها كلكم، اعتبرها شكر صغير مني على وقفتكم معايا .
ابتسم يحيى ولأول يصمته فعل ويشعره بالحرج وهو يفرك خصلاته لا يدرك التصرف الصحيح في هذا الأمر :
_ هو ... أنا كنت بهزر على فكرة .
- وأنا مش بهزر، ده أقل شيء، مفيش جاتوه للاسف، لكن الحلويات بتاعتنا هتعجبك اوي ...قصدي يعني هتعجبكم.
ابتسم وهو يتناول منها طبق الحلوى بخجل يحاول أن يجلي حلقه للتحدث :
_ اه هي فعلا جميلة اوي، جربت قبل كده الفروشكا دي .
_ الفروشكا، هتلاقي منها كتير في الطبق لو بتحبها .
نفى برأسه وهو ينظر للطبق بفضول مرددًا :
_ لا ده مسلم اللي بيحبها .
_ بالهنا والشفا ليه .
رفع عيونه لها فجأة لتتوتر من نظرته الغريبة وهي تحاول الابتسام، بينما هو ابتسم لها بسمة صغيرة :
_ شكرًا، الاولاد هيحبوا الحلويات دي أوي، يلا ادخلي أنتِ كملي احتفال جوا .
ولم يكد يرحل حتى أوقفته وهي تتساءل بجدية تحاول تذكر إن كانت سمعت اسمه من قبل ربما :
_ صحيح قولتلي اسمك ايه ؟!
توقف يحيى ينظر لها ثواني وهو يتحدث بلطف :
_ يحيى ..
_ شكرًا يا يحيى .
_ في الخدمة يا مودمازيل .
ختم حديثه يرحل من أمامها وهي تتابعه بقلب نابض ولأول مرة في حياتها، تشعر بهذا التضخم من شدة المشاعر، لأول مرة تنبهر بشخص، ومن بين كل الأشخاص كان هذا الشخص هو أشدهم وقاحة و.... لطفًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت مع ساڤا أمام منزل الأخيرة التي كانت تحاول إقناعها بالدخول معها للمنزل، لكنها رفضت وهي تخبرها أنها تحتاج للعودة كي تهتم بوالدها وجدتها، يكفيها أنها ألقت كل شيء طوال اليوم فوق أكتاف شيما.
ضمتها ساڤا بحب وهي تهمس بحنان :
_ هتكوني بخير ؟!
_ طول ما ربنا معايا فأنا بخير، ربنا يسترها معانا يا سيڤو، يلا سلام .
وبالفعل تحركت بسرعة صوب منزلها وهي تفكر طوال طريقها فيما حدث اليوم بداية من أحداث الصباح التي حدثت معها ومع كارا حتى تخريب الزفاف بشكل مريب، وصولًا لوجود مسلم الغريب في هكذا زفاف وتكاد تقسم بالله أن خراب الزفاف لن يخرج من يده هو وأخوته .
ابتسمت بسمة واسعة وهي تهز رأسها بيأس على أبناء المريدي، الرجال الذي جاءوا قريتها ليعلمونهم فقط أنه خلف هذه البحيرة التي تفصلهم عن العالم الخارجي هناك حياة أخرى ورجال لا يشبهون رجال قريتها بشيء .
دخلت المنزل تهتف بصوت مرتفع :
- شيما انا رجعت .
تحركت أول شيء صوب جدتها تطمئن أنها بخير، لتجدها على عادتها تجلس تقرأ بعض الآيات القرآنية بصوت خافت .
ابتسمت وهي تقترب منها بلطف وبمجرد أن وصلت لها مالت تقبل كفها بحب :
_ كيف حالِك النهارده يا جدّتي؟
رفعت السيدة رأسها تستقبل حفيدتها ببسمة واسعة :
- سعيدة دامني شايفة بسمتك يا عيون جدتك، استمتعي في الزواج ؟
هزت رايانا رأسها بقوة وكل ثانية يرتجف جسدها كلما تذكرت نظرته لها، ومازالت لا تفهم سر غضبه وتصرفاته الاخيرة، لكنها ابتسمت بسمة صافية :
_ كان جميل، أنتِ ايه اخبار اليوم ؟!
_ الحمدلله كان هادي، روحي غيري توبك وتعالي لأجل ما ارقيكِ .
ضحكت رايانا بقوة وهي تقبل وجنة جدتها التي كانت ترقيها كلنا أبصرت سعادتها لندرتها ..
هزت راسها تهمس بصوت منخفض :
_ حاضر هشوف البارو وبغير توبي وبجيكِ، استنيني.
وبالفعل رحلت سريعًا لتغيير ثوبها ومن ثم تأكدت أن كل أمورها جيدة، ثم تحركت صوب والدها تفتح الباب ببطء لتراه مسطحًا دون حركة كما عادته، ينظر للسقف دون كلمة، اسبوع كامل وهو على هذا الحال .
تنهدت بحزن، رغم كل ما حدث يؤلمها رؤية انكساره بهذا الشكل، تحركت للداخل تتحدث بصوت مرتجف خافت :
- بارو...عساك بخير اليوم ؟؟
حرك البارو عيونه بهدوء ينظر لها نظرات لم تفهمها، لكنها وترتها وهي تنظر حولها تبحث عن شيما التي من المفترض أنها الآن مع والدها :
_ محتاج حاجة ؟! اساعدك في حاجة ؟!
ولأول مرة تبصر رايانا والدها يبكي، دمعة صغيرة تدحرجت من وجهه للوسادة، وهو يحاول الحديث، وهي فقط تنظر له بعجز شديد :
_ فيه حاجة يا بارو؟؟ محتاج اساعدك في حاجة ؟! انادي شيما طيب ؟!
تحرك نظرات والدها صوب الباب ببطء لتفهم في ثواني الأمر، بللت شفتيها وهي تنظر حولها بتردد تتحرك بسرعة صوب باب الخروج تنتوي نداء شيما، لكنها توقفت فجأة تغمض عيونها بقوة، قبل أن تعود له تميل على الفراش :
_ تعالى أنا هساعدك.
نظر لها والدها بصدمة، وهي وضعت يدها أسفل جسده تحاول أن تساعده ليتحرك صوب المرحاض والتردد يصاحبها، لم يصاب والدها بالشلل، لكن جسده تجمد عن الحركة دون أسباب واضحة، فجأة سقطت وفقد قدرته على الحركة بشكل طبيعي والحديث، حاولت معرفة مع الأطباء كيف تساعده، لكن لم يصف له أحدهم سوى بعض الأدوية فقط، وهذا ما يعيش عليه حاليًا
ابتلعت ريقها وهي تسانده ومن ثم أدخلته المرحاض تساعده ليستقر هناك ثم نظرت حولها بتردد :
_ هستناك برة ماشي ؟!
نظر لها الرجل ولم يتحدث بكلمة، فقط يخفض عيونه وقد خجل من النظر لها بعد كل ما كان يفعله لها، أو الأحرى كل ما لم يكن يفعله لها .
تحركت رايانا للخارج وهي تنتظر انتهاء والدها تراقب الباب بهدوء، والدها ورغم كل ما صدر منه لها، لكنه ذات يوم كان والدًا لها في طفولتها، كان جيدًا ربما، على الأقل لم يصدق عليها ما كان يتناقله الناس عنها، على الأقل لم يخضع لهم ويحرقها بشؤمها كما كانوا يرددون في فترة من فترات حياتها، هي تدين لها أنه كان من التعقل الذي جعله يحتفظ بها، وكأن هذا كان خيارًا .
ورغم أنه ربما ضربها بضعة مرات، لكنه ....في الواقع لم يكن بالسوء المتوقع منه، كان فقط يتجاهلها ويتجاهل رغباتها، ويتجاهل حمايتها، كان يمكن أن يكون اسوء مما كان عليه بالفعل، وهي ممتنة فقط أنه اكتفى بكونه ظل في حياتها، وليس أداة لتحطيمها .
وهي ليست مثالية لتسامحه على كل لحظة لجأت له بها وتخلى عنها، تمنت لو تستطيع، لكنها رغم كل شيء ما تزال تحمل حقدًا في صدرها لوالدها، رغم كل مساعدته له، إلا أنها لم تغفر له بعد .
سمعت صوت طرق من الداخل، لتتحرك بسرعة تقف أمام الباب تتحدث بصوت منخفض :
_ بارو خلصت خلاص ؟؟ لو خلصت خبط مرتين .
وبالفعل وصل لها الصوت الذي اعتبرته إشارة ودخلت المكان تساعده لينهض ويغتسل ومن ثم خرجت به من المرحاض في الوقت الذي وصلت به شيما وهي تسارع لتساعدها :
_ بسم الله، ليه منادتيش يا رايانا ؟؟
ابتسمت لها وهي تساعدها في وضع والدها على الفراش :
_ كفاية عليكِ تعب اليوم يا شيما، ده والدي برضو أشيل شوية معاكِ .
ابتسمت لها شيما بسعادة على لطفها وهي تتحسس كتفها بحب :
- انبسطتي في الفرح اليوم ؟!
هل راحتها واضحة للجميع هكذا أم أنه مجرد سؤال عادي :
- كان جميل، هروح اجهز ليا الاكل أنا وجدتي، اجهز ليكم معانا ؟!
_ لا يا حبيبتي احنا اكلنا بدري عشان علاج البارو، بالهنا والشفا ليكم .
وبالفعل تنهدت براحة تلقي نظرة أخيرة لوالدها ومن ثم رحلت بهدوء تاركة عزيز ينظر لاثرها نظرات مكسورة، قبل أن يغمض عيونه يحاول ابتلاع مرارة ما يحدث له .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كل دي حلويات ؟؟ أنت لميت البوفيه في كيسة سودة وأنت جاي ؟!
كانت كلمات نورهان التي مررت عيونها على الحلوى التي وزعها عليهم يحيى بمجرد دخوله، ومسلم يتناول الحلوى بهدوء مبتسمًا على شقيقه الذي تحدث ببساطة. :
_ لا ده عربون شكر من العروسة عشان ضربنا كرسي في الكلوب وولعنا في الفرح .
_ عربون شكر ولا عربون محبة يا حنين ؟!
كانت جملة مسلم ليرفع له يحيى عيونه بضيق :
- أنت هتستلمني بقى ؟؟
_ والله يا يحيى ما مصدق اللي بشوفه منك .
التوى ثغر يحيى وقبل تحدث أحدهم بكلمة أشار حاتم على شيء أمام يحيى يردد بجدية :
_ اعطيني شوية من هالحلى يا يحيى، بحبّها للفروشكا كثير.
وفي ثواني تحركت عيون مسلم بحدة صوب وجه حاتم وقد ضاقت عيونه على الأخير الذي لم يكن منتبهًا لنظراته وهو يتقدم بطبق صغير ليتناول بعض الفروشكا من يحيى، لكنه أثناء ذلك أبصر نظرات مسلم ليتوقف بصدمة يردد بجدية :
_ شو؟! أنا بحكي عن الحلى .
انطلقت ضحكات احمد صاخبة وهو ينظر لوجه مسلم الذي أبعد عيونه عن الجميع يتظاهر بتناول الحلوى، لكنه لم يكن يتناول في الواقع سوى الفروشكا فقط، ربما لأنها كل ما يعلم من هذا كله، والجميع يتابعه بسخرية من وضعه الحالي .
رفع عيونه للجميع بتحذير :
_ ايه في ايه ؟!
ابتسم أحمد يكتب ضحكته وهو يجيب ببساطة :
- لا مفيش بس أنت أخدت كل الفروشكا ليك، سيب لينا شوية يا اخي، احنا كمان بنحبها زيك .
اشتعلت عيون مسلم وهو يعلم اللعبة التي يحيكها الجميع الآن فيما بينهم يهتف بتحذير :
_ أحمــــــد.
وضحكات أحمد انفجرت بقوة في المكان ليضرب مسلم الطبق بقوة وهو يصرخ :
_ على فكرة ده مش هزار، بلاش التلميحات السخيفة دي عن البنت .
رفع أحمد حاجبه وهو يجيب بصدمة مصطنعة :
_ بنت ؟؟ بنت ايه يا حبيبي سلامة السمع انا بكلمك عن الفروشكا الحلويات، مش الفروشكا بتاعتك .
ومسلم شعر بالنيران داخله وهو يدرك داخلًا أنه تحت حديثهم السطحي يلمحون لها وهذا يصيبه بالجنون، لا يحب أن تكون هي محور الحديث بهذا الشكل.
_ ماشي بس افتكر بس إن احنا عندنا أخت بنت يا حبيبي .
نظرت له نورهان بعدم فهم وقبل التحدث بكلمة كانت نبرة حاتم تخرج قاطعة بضيق :
- وشو دخلها هي فيكم وفي حديثكم ؟!
توقف الجميع فجأة عن التحدث وتحركت العيون صوب حاتم الذي استوعب فجأة أنه نطق كلماته بصوت مرتفع وليس داخل عقله كما ظن، غصّ بالطعام الذي كان يتناوله لولا يحيى الذي قذف له زجاجة مياه وهو يردد بصوت ساخر قاسي :
_ اسم الله عليك يا حبيبي .
امسك حاتم الزجاجة يرتشف منها بسرعة وهو يبصر بطرف عيونه وجه نورهان التي كانت تنظر له بعدم فهم وعيون متسعة، كاد يسكب المياه على نفسه وهو يبعد الزجاجة يتحدث بصوت خافت كي يبعد العيون عنه :
_ كان مقصدي أنه ايش دخل البنات بالحوار ؟! احنا كنا بنتحدث من الأصل عن الحلى، لشو قلبتم الحوار ؟!
ابتسم له يحيى بسمة مظلمة ليبعد عنه حاتم عيونه بعدم اهتمام، بينما ينظر لمسلم الذي ضاقت عيونه على حاتم بتفكير، والاخير يحاول تلاشي نظرات الجميع .
_ شو الخطوة اللي بعدها ؟!
ونعم علم مسلم أنه يتجاهل ما حدث عن قصد، لذا سايره في الأمر بإرادته وهو يهز رأسه بهدوء شديد :
_ هنتابع بيت البارو برضو ونستنى نشوف البنت اللي بتقول أن فيه حاجة ممكن تساعدنا مع عز، وأحمد بدأ يشوف القضية عشان نفتحها تاني في المحكمة.
_ وأنت وصلت فيه ايه بمراقبة بيت البارو ؟؟
كان سؤال عيسى الذي طرحه بجدية كبيرة وهو يبتلع الحلوى في فمه، جذب مسلم الحاسوب الخاص به صوبه وقد شعر أنه ما فعلوه لم يكن ذو فائدة كبيرة حتى أنه صدق أن حل كل هذا في منزل عز الدين وليس البارو كما قالت تلك الفتاة .
فهو على مدار الأيام السابقة لم يجد شيء يمكن أن يكون دليلًا على أفعالهم، لا حوار مترامي ولا احاديث جانبية ولا أي شيء .
_ حتى الآن ولا حاجة، الموضوع من وقت تعب البارو وهو هادي بشكل غريب و....
توقفت كلماته بعدما فتح كاميرات المراقبة أمامه يحرك عيونه على ما يحدث أمامه وقد شعر بالمكان يتجمد من حوله وكل شيء توقف حتى أنفاسه يراقب ما يحدث أمامه بشحوب، وكل ما نطق به كان كلمة واحدة :
_ قتلهــــا.........
