رواية ارض الدوم الفصل الثالث عشر13بقلم رحمة نبيل

رواية ارض الدوم الفصل الثالث عشر13بقلم رحمة نبيل
الثالث عشر [ الجانب المظلم منه ]

صلوا على نبي الرحمة .

تنهدت بعدما انتهت من كل شيء وتحركت لتناول الطعام مع جدتها، لكن بمجرد خروجها من المطبخ تحمل صينية الطعام ابصرته يقف على باب منزلهم من الداخل ؟!

رفعت حاجبها بضيق وتحفز :

_ خير يا عمي منورنا على المسا كده ؟!

لكن عمها لم يتحدث بكلمة واحدة وهو يراقبها بشكل غريب جعلها تضيق ما بين حاجبيها وهي تعتدل في وقفتها تحاول الثبات أمام عيونه المتفحصة، لكن فجأة وقبل أن تصدر منها أي حركة تستفسر بها عن وقوفه بهذا الشكل ومراقبتها وكأنها خطيئة تسير على قدمين، كان عمها يندفع بجنون صوبها يطلق سبة مرتفعة وهو يجذبها من خصلاتها بقوة صارخًا :

_ هو أنتِ فاكرة يا بنت الـ*** عشان ابوكِ بقى عاجز انك تدوري في الافراح ترقصي مع الغوازي ؟؟ ايه ملكيش حاكم ؟!

وقبل أن تستفسر رايانا عن مقصده، كانت صفعات عمها تتوالى على وجنتها وهي تصرخ بجنون تحاول الإفلات منه وصوتها يصدح باكيًا :

_ أبعد عني أنت اتجننت، أنت ملكش حكم عليا اساسا .

لكن عمها لم يتوقف عما يفعل وهو يجذبها من شعرها بجنون يصرخ وقد وجد واخيرًا فرصة يخرج بها كامل حنقه منها وحقده عليها وعلى والدته التي تخلت لها عن كل ما تمتلك .

كان غضبه وضيقه يحركانه لتحطيم عظامها واحدة تلو الأخرى، وهي تصرخ تحاول الإفلات منه، ولم ينجدها من يده سوى شيما التي فزعت على صرختها وخرجت من غرفة عزيز تطلق صرخات متتالية تحاول أبعادها عن يده :

_ أبعد عنها الله ياخدك يا شيخ، روح اتشطر على مراتك وابنك بدل ما تتشطر عليها .

كانت تصرخ وهي تدفعه بعيدًا عنها تصرخ بأحدهم أن ينجد الفتاة من بين يديه، وصرخاتها كانت ترج الجدران حولهم، لكن ما من مجيب .

عزيز بالداخل يحاول التحرك ولا يستطيع تحريك إصبع واحد، ووالدته تتحرك بصعوبة عن فراشها وهي تصرخ بعجز تتمسك بالعكاز :

_ ربنا ياخدك يا معتز يا ابني، ربنا ياخدك، غضبي عليك ليوم الدين يا معتز، غضبي عليك يا بني روح ربنا يردلك أفعالك الضعف يا معتز .

كانت تتحدث وهي تحاول التحرك صوبه بسرعة لتنقذ رايانا من بين يديه، لكن في طريقها خانتها قدمها وارتخت أسفلها فجأة لتسقط سقطًا مدويًا في الأرض وقد كانت السقطة هي ما أوقف معتز عن قتل رايانا، يتركها خالية من الروح ساقطة ارضًا وقد حطم كامل جسدها، للمرة التي لا تدري عددها يستبيح أحدهم حرمتها ويعطي لنفسه حق ضربها دون أن يكون له حق فعلي .

سقطت دموعها بقوة وهي تشعر بجسدها بالكامل يصرخ بالوجع وعيونها مثبتة بالسقف تحاول التحرك لكنها فشلت، ورأسها يدور، تحاول النهوض لتساعد جدتها، لكن كان آخر ما سمعته هو صوت عمها يصرخ باسم جدتها ومن ثم الظلام.....

تحرك معتز بسرعة وصدمة صوب والدته، يراقبها بعجز يمد يدها ليساعدها في النهوض لكن والدته صرخت في وجهه بجنون :

- إياك تنجسني بايدك، روح اغتسل من ذنوبك الأول يا معتز، امشي من وشي وإياك المحك أنا اتبريت منك ومن معرفتك، البيت ده مبقاش ليك فيه حد، لا اخ ولا أم ولا غيره، إنسانا وعيش مع عيلتك ومتخلنيش اشوف وشك تاني، روح ربنا لا يوريك راحة في حياتك على اللي عملته فينا .

اهتز معتز في مكانه وهو يراقب والدته بصدمة يحاول التحدث بصوت مرتجف :

- هي ...فيه فيديو ليها ...هي اللي كانت بترقـ...

_ اطلع من البيت يا معتز اطلع من البيت مش عايزة المح وشك لا أنت ولا حد من بيتك، وبكرة هاخد عزاك .

اتسعت عيون معتز بصدمة من نظراتها، وتراجع للخلف قبل أن يندفع للخارج بسرعة وكان آخر ما نظر إليه هو جسد رايانا الساقط في بركة من الوجع.

وشيما تجلس في المنتصف ويلها الجدة وويلها رايانا تبكي وتصرخ أن يساعدهم أحدهم، والجدة تراقب جسد رايانا الساكن برعب تهمس بنبرة مرتجفة :

_ رايانا يا بنيتي ؟! رايانا؟؟ رايـــــــانـــــــــا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحرك من أمام الحاسوب حينما أبصر بكاميرات المراقبة ما يحدث حتى توقف جسدها عن المقاومة وكأن روحها غادرتها.

أبصر الموت مجددًا، بل يكاد يقسم أنه اشتم رائحته، لقد ابصره لكن هذه المرة في عيون لم يكن ليتمنى أن يبصره بها .

تحرك وهو يهرول صوب باب المنزل، لولا يد أحمد الذي اوقفه برعب لما يمكن أن يحدث له، وفكرة تدخل مسلم بين عائلة لأجل فتاة كانت مخيفة، مرفوضة، الفكرة بحد ذاتها كانت غريبة .

_ رايح فين يا مسلم أنت اتجننت ؟!

شعر مسلم بجسده يدخل بمراحل تجمد وقد توقفت أطرافه عن العمل بشكل غريب، ولم يكد يتحدث كلمة واحدة يقاوم بها أحمد، حتى سمع صرخة قضت على بقايا وعيه وتعقله .

انتفض جسده على صرخة صدرت من الحاسوب خلفه، صرخة تردد صداها في المكان وتوقف الحديث من بعدها، أحمد الذي كان يحاول منعه من الذهاب مع يحيى، لا يفهمون ما يحدث .

وحاتم يتابع ما يحدث بأعين متسعة وقد ارتجف صدره لما رأى، أما عن نورهان فقد كانت تبكي بخوف وهي تتوسل أحمد:

- يا أحمد سيبه خليه يروح يلحق البنت لتموت في أيد الراجل ده .

نظر لها أحمد بعجز، هو ليس نذلًا، لكن ذهاب مسلم ليدافع عنها سيفتح عليهم نيرانًا، أولهم عن كيفية معرفته بما حدث، وثانيًا عما يربطه بالفتاة ؟؟ 

مسح وجهه بكف مرتجف يحاول التفكير في شيء يساعد به قبل أن ينظر بجدية صوب عيسى يتحدث بنبرة حادة :

_ عيسى خد نورهان وروحوا شوفوا البنت وقولهم أنك بس كنت بتوصل نورهان ليها عشان تطمن عليها بعد ما ساعدتها في القرية، شوف أي حجة تدخلك للبنت وطمنا.

نظر عيسى صوب نورهان التي نهضت بسرعة تجذب ذراعه وهي تردد باكية بنبرة مرتجفة :

- تعالى معايا يا عيسى البنت ...

صمتت وهي تنظر صوب مسلم الذي كان كما لو أنه نُحت من جرانيت لا يتحرك ولا يظهر أي شيء على وجهه، فقط صامت بشكل مريب .

حتى أنه لم يشعر بخروج نورهان مع عيسى، فقط ظل واقفًا بشكل مخيف يراقب الجميع دون كلمة وأحمد يحاول التحدث بنبرة حادة :

_ أنت من النهاردة ملكش أي علاقة بمراقبة البنت دي أنت سامع، حاتم اللي هيتابع مراقبة البيت ده، يا توقف كل ده يا مسلم مش هتضيع نفسك عشان ناس متعرفهمش .

رفع مسلم عيونه صوب أحمد وهو لا يبصره ولا يسمعه حتى، كل ما يراه صفعات معتز لرايانا وصوت صرخاتها وهي تحاول الإفلات منه، حتى سكن جسدها، ولم يبصر ما بعد ذلك، ولم يدري ما حدث، لكن صرخة أحدهم باسمها " رايانا"، اسمها رايانا .

 جعله يرتجف ويتجمد وقد شعر فجأة أن الهواء فرغ من حوله .

نظر صوب أحمد والجميع قبل أن يتحرك بهدوء وحركات ميتة صوب غرفته دون كلمة واحدة، ويحيى يتابعه بخوف يتحدث بنبرة مرتجفة وخائفة:

_ مسلم ... أنت....متزعلش نفسك من أحمد والله نورهان هـ...

لكن مسلم لم يكن يستمع له، بل تحرك بهدوء شديد صوب الغرفة يغلقها خلفه، ثم تحرك لركنها يجلس به دون كلمة واحدة وقد سحبته ظلمه لأعماقها بلا عودة .

وفي الخارج شحب وجه حاتم يركض بسرعة خلف مسلم صوب الغرفة يحاول أن يلحق به، لكن كان مسلم قد أغلق جميع الأبواب في وجهه، ليرتجف حاتم وهو يصرخ يطرق الباب بجنون :

_ لا ....لا ...مسلم بالله عليك لا تفعل، ليس مجددًا، مسلم لا تفعل هذا بنفسك، لا تدمر كل ما بنيته مسلم أتوسل إليك.

كان يصرخ بشكل هيستري جعل يحيى يشعر بالريبة وهو يقترب من حاتم يتحدث بصوت مرتاب مرتجف وقد شعر أنه سينهار في أي ثانية من نظرات حاتم المرتعبة:

- حاتم فيه ايه ؟! هو مسلم ماله ؟! اخويا فيه حاجة ؟؟ 

نظر لهم يحيى وقد امتلئت عيونه بالدموع ينفجر فجأة في بكاء وهو يصرخ بعجز يحاول تحطيم الباب قبل أن يخسر مسلم مجددًا :

_ مسلم ....مسلم بيعاني من ذهان وانفصال عن الواقع، وهاد بوادر نوبة جديدة .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتفضت عن فراشها حينما وجدت أحدهم يرسل لها رسالة، وفي العادة كانت تتجاهل الرسائل من أرقام غريبة فهي بالتأكيد من بعض الرجال الذين يحاولون العبث بحياتها .

لكن أن تصل لها رسالة من شخصٍ لا تعلم له هوية يثني على اخر عرض لها ويرفق فيديو مصور لها مع رايانا وهما ترقصان في زفاف كارا، هو ما جعلها تنتفض وهي تجيب على الرجل بضيق 

" الفيديو ده معاك ازاي اساسا ؟؟" 

دقيقة .
دقيقتان 
ثلاثة .

ولا رد من ذلك الرجل لتشعر بالغضب الشديد وهي تسبه بعنف شديد، من هذه الحقيرة التي صورتهما بهذا الشكل، هي لا تهتم لنفسها فهي معتادة، لكن رايانا؟ تدرك أن عائلتها لن تمرر ...

صمتت فجأة حينما وصلت بأفكارها لتلك النقطة، رايانا؟

أمسكت هاتفها بسرعة وهي تتصل بها، لكن رنين ثم الآخر ثم الآخر ولا رد، شعرت بالرعب وهي تحاول أن تهدأ، ربما هي مشغولة بقراءة الرواية أو ربما مع والدها أو جدتها، أو ربما نائمة...

مئات الاحتمالات لتفلت به من افكارها السوداء حول أذية أحدهم لها، ثم والدها حسب ما علمته مريض لا يحرك إصبعًا، لذا لن يستطيع أن يمسها بسوء صحيح؟!

وأثناء افكارها كانت تخرج رقم شيما بصعوبة والتي لم تتصل بها يومًا، لكن لكل شيء مرة اولى، وهي لم تكن سعيدة أن المرة الأولى في موقف كهذا .

انتظرت الرد ولم تتلقاه من المرة الأولى، بل بعد ثلاث مرات سمعت صوت شيما التي أجابت عليها بنبرة مرتعشة وصوت بدا باكيًا، حاولت أن تهدأ وهي تقول بصوت منخفض :

- الو يا شيما، أنا ساڤا، رايانا عندك ؟؟ بكلمها مش بترد .

لكن كل ما وصل لها في هذه اللحظة هو صوت بكاء شيما أكثر وهي تبكي بعجز وصوت صراخ الجدة في الخلفية تصبح باسم رايانا:

- ساڤا هاتي أي حكيم وتعالي بسرعة الله يكرمك، رايانا مش بتنطق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت كلمات نطق بها حاتم قبل أن ينهار يحيى وهو يركض يطرق باب غرفة مسلم برعب يهتف بصوت مرتجف لا يفهم نصف الكلام الذي نطقه حاتم، لكن كل ما فهمه أن شقيقه الآن يضيع من بين أيديهم:

_ مسلم يا حبيبي افتح الله يكرمك، تعالى أنا هروح معاك وملكش دعوة باحمد هنروح نشوفها و نرجع على طول يلا افتح، هتصل بنورهان دلوقتي يا مسلم تطمنك .

كان أحمد يتابع ما يحدث متجمدًا وعيونه متسعة بصدمة وقد امتلئت دموعًا، قبل أن يركض بسرعة خارج المنزل يتحرك بسرعة كبيرة صوب الساحة الخلفية يبحث عن نافذة الغرفة الخاصة بمسلم وحاتم، ومن ثم دفع النافذة بسرعة يحشر جسده بها، يدخل للغرفة المظلمة يبحث بعيونه عن مسلم، حتى أبصر جسده في ركن الغرفة ساكنًا بشكل مرعب .

_ مسلم ؟؟

ومسلم حرك رأسه بهدوء شديد صوب أحمد يراقبه بأعين ضبابية وكأنه ليس في هذه الحياة، اقترب منه أحمد بتوتر ولا يعلم كثيرًا عن هذا المرض الذي تحدث عنه حاتم، لا يعلم سوى أنه اضطراب نفسي قد يتسبب في هلوسات وانعزال عن المحيط وانفصام ربما، ابتلع ريقه يجلس ارضًا على بُعد صغير من مسلم يبتسم له بحنان يحاول الحديث ليجذب انتباه الأخير:

_ مسلم أنت...زعلان مني عشان منعتك تروح ؟! اقسم بالله ما عملت كده غير عشان خايف عليك، أنت اخويا يا مسلم ومش هرضى حد يأذيك واللي بتعمله ده ممكن يأذيك، الناس دي هتأذيك لو اتدخلت في حياتهم بالشكل ده ومحدش هيقدر يقول ليهم ليه .

كان مسلم ينظر له بشكل غريب وكأنه لا يبصره، فقط صامت بشكل غريب يراقب المحيط بجمود يسمع أصوات أخرى أشد حدة من صوته، يبصر خيالات حوله، وهذه الحالة تسببت في إصابة أحمد بالرعب .

نظر مسلم لأحمد الذي كان يراقبه بعدم فهم، يشعر بالعجز لينهض بسرعة يفتح الباب لحاتم وهو يهمس بنبرة مهتزة مرتعبة :

- حاتم اتصرف، ده....ده مش بيرد و... كأنه مش شايفني.

وحاتم لم يهتم وهو يدفعه جانبًا بعنف ويدخل الغرفة ينظر لمسلم الذي كان يجلس ارضًا شاردًا بشكل مريب، يجلس أمامه وهو يهمس بصوت منخفض :

_ مسلم ؟؟

ومسلم فقط نظر له بهدوء وحركة آلية كما فعل مع أحمد، بينما يحيى يراقب شقيقه بأعين متسعة باكية، لا يصدق ما يحدث أمامه، كيف ومتى ولماذا .

همس حاتم بصوت منخفض :

_ أنت بخير حسنًا ؟؟

ومسلم لم يتحدث بكلمة واحدة فقط ظل ينظر له، اقترب منه حاتم بهدوء يهمس له بكلمات لم تصل للباقيين، قبل أن يساعده لينهض عن الأرضية ويحركه صوب الفراش ويتحرك بسرعة صوب خزانته يخرج منها شيئًا سريعًا وهو ينظر صوب يحيى يهمس له برجاء :

_ مايه اذا سمحت .

ركض يحيى بسرعة يحضر اول قارورة مياه تقع يده عليها ويعود لحاتم الذي ساعد مسلم لتناول بعض الحبوب، ومن ثم أخذ يربت عليه، وفي ثواني اغمض مسلم عيونه باستكانة مخيفة ولم يتحرك، رفع حاتم عيونه للجميع يتحدث بهدوء :

_ خلّينا نطلع ونتركه يرتاح لحاله.

عاند يحيى ورفض ولم يكد يجادل حتى جذبه أحمد بالقوة للخارج ومعهم حاتم والذي بمجرد أن أغلق الباب حتى سحب يحيى يده من أحمد بعنف يلكمه دون تفكير صارخًا :

_ إياك تلمسني تاني أنت فاهم، وملكش دعوة باخويا يعمل اللي عايزه وأنت ملكش فيه، أنت مش ولـــــــي امرنــــــا يا أحمد، مش ولي امرنــــــا سامـــع ؟؟

كان أحمد مجمدًا من كلمات يحيى ولم يستطع الرد عليه فقط راقبه بصدمة كبيرة، بينما يحيى أبعد عيونه عنه يهتف بغضب لحاتم :

_ أنت دلوقتي هتنطق وتقول يعني ايه اللي حصل جوا ده ؟؟ اخويا ماله ؟؟ ده كان بيبصلي كأنه.....مش شايفني، ويعني ايه مصاب بالذهان؟؟ ايه اللي حصل لاخويا ؟؟

بلل حاتم شفتيه وهو يحاول الحديث، يبتلع ريقه بهدوء يحاول شرح الأمر ببساطة لهم فجزء من ماضي مسلم بدأ يعلن عن نفسه بالفعل :

_ مسلم مصاب بالذُّهان، وكان متعالج منه من قبل، لكن أحيانًا بتيجيه نوبات خفيفة، مش حادّة، خصوصًا لما يمرّ بموقف بضغط عليه وبيحفّز عقله ينفصل عن الواقع. زي اللي صار قبل شوي؛ مسلم تأثّر باللي صار مع البنت لدرجة إنه لما انمنع يساعدها، انفصل عن الواقع للحظة.

صمت يتابع ردات الفعل على عيون الإثنين وقد شعر يحيى أنه سينهار وهو يتخيل ما قد يوصل شقيقه لهذه المرحلة، ما الذي حدث أو ابصره ليصل لهذه اللحظة ؟!

تنهد حاتم وهو يهتف بجدية :

_ مسلم ما بينتكس… بس بنهار لحظيًّا لما يصطدم عقله بوجع ما بقدر يصلّحه.

كان أحمد صامتًا بشكل غريب وهو يفكر أن الأمر أشد مما ظن، وحاتم مايزال يكمل حديثه :

_ لما يصحى مش رح يتذكّر إشي، فلو سمحتوا لا تذكّروه بحالته، خلّوها كأنها ما صارت.

_ وأنت... أنت...هو اخد دلوقتي منوم ؟؟ 

نفى حاتم ما قيل يوضح لهم الأمر ببساطة وقد رأى أن ذلك حقهم فبعد كل ما تعرض له مسلم ابسط الامور أن يعلم من يحيط به كيف ينتبهون له :

_ لا، بس مجرد أدوية بيلتزم بيها، بس عشان ما تتأزم حالته .

أنهار يحيى على الأريكة وهو يضع يده على رأسه وهو يكتم دموعه بصعوبة، يحاول التنفس بشكل طبيعي، وأحمد راقبهم دون كلمة وهو يندفع للخارج لولا كلمات حاتم :

_ لوين يا أحمد ؟؟

توقف أحمد قليلًا قبل أن يردد بصوت منخفض :

_ لو كانت البنت دي مهمة لمسلم لدرجة يحصل فيه كده بسببها، فأنا لازم أتأكد أنها بخير، هروح وأشوف نورهان وعيسى وصلوا لفين .

ومن ثم تحرك لأجل السبب الذي ذكره ولأجل الهرب من الذنب الذي التف حول رقبته يحاول التنفس بشكل طبيعي، يا الله يقسم أنه لم يفعل كل ذلك عن قصد، هو فقط كان يحمي أخيه منهم ومن شرهم ..

أما عن حاتم فقد القى بجسده على الأريكة جوار يحيى يربت على الأخير بهدوء، يحاول أن يعينه ويتذكر ما مر به مسلم ليصل لهذه الحالة، كم الصدمات التي مر والتي يقشعر جسده لتخيلها، مصير كاد يواجهه هو كذلك لولا مسلم ...

ذلك اليوم حينما سُحب مسلم من السجن بسبب قتله أحد الرجال، وضع في غرفة كان الجميع يسميها غرفة الهلاك، هناك حيث تلقى مسلم أشد أنواع الإذلال والعذاب التي قد يمر بها إنسان يومًا، وقد أوشك هو أن يتعرض للمثل لولا أن أنقذه مسلم يومها، والله وحده يعلم ما كانت ستصل حالته له .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصلت مع عيسى أمام المنزل وهي تراقبه بتوتر وجوارها عيسى كان فقط يمسك يدها ويجذبها بهدوء صوب المنزل، ولولا حالة الفتاة وحالة مسلم الذي تعلم أنه يهتم لها لما فكرت بالمجئ للمكان بالمرة .

طرق عيسى الباب ليجد الباب قد فُتح دون ضربة إضافية، والسبب أنه ومنذ خروج معتز لم يغلق أحدهم المنزل، وفي العادة كانت ابواب البارو مفتوحة طوال الوقت عدا وقت النوم .

نظر عيسى لنورهان بتردد ولم يكد يتحدث بكلمة حتى فزع الإثنان على صوت صرخات امرأة في الداخل وبكاء عنيف لتقتحم نورهان المنزل بسرعة تبصر رايانا ممدة ارضًا فاقدة للوعي وامرأة كبيرة في العمر مع أخرى في منتصف العمر يبكون جوارها بعجز .

اتسعت عيونها ودون تعريف عن نفسها أو تفكير نظرت لعيسى وهي تهتف بسرعة :

_ عيسى تعالى ساعدني ناخدها أي مستشفى بسرعة.

 وعيسى الذي تألم من مظهر رايانا هرول بسرعة يميل حاملًا إياها وكان على وشك الخروج بها خلف نورهان التي لا تعلم حتى مكان مشفى أو كيف تسير الأمور، لكنها لم تكن تحسن التفكير في مثل هذه الحالة .

وشيما التي لا تصدق أن أحدهم يساعدهم هتفت بصوت مرتجف :

_ تعالى الله يكرمك دخلها الاوضة دي، الحكيم في الطريق .

نظرت لها نورهان بعدم فهم لكنها أشارت لعيسى أن يفعل ما تريد وبالفعل تحرك عيسى معهم صوب أول غرفة ضيوف فتحتها لهم شيما ووضع رايانا الفاقدة للوعي على الفراش .

نورهان شرعت تدفئها وهي تنظر لشيما الباكية :

- فيه هنا اسعافات أولية ؟! قطن وشاش ؟؟

هزت شيما رأسها بنعم تتحرك بسرعة لتحضر ما طلبت المرأة التي لم تكلف نفسها عناء سؤالها عن هويتها، بينما الجدة كانت تتحرك بصعوبة للغرفة، ليتحرك لها عيسى بسرعة يمسك بيدها يعينها، ويجلسها لتبتسم له بحنان وهي تربت على كفه تبصر في وجهه شبهًا لذاك الشاب الذي ابصرته ذلك اليوم .

ابتسمت له بسمة مقهورة متعبة وهي تهمس له :

- عشت يا ولدي .

ابتسم لها عيسى باحترام، بينما عادت شيما بسرعة بما تريد نورهان التي أخذت تطبق كل ما تعلمته في دورات الاسعافات الاولية والتي كانت قديمًا أحد شروط توظيفها في الشركة السياحية التي تخلت عنها لأجل زوجها العزيز .

أبعدت مرارة غبائها عن رأسها وهي تندمج فيما تفعل.

 في اللحظة التي اقتحمت بها ساڤا المكان وهي تجذب خلفها رجل تصرخ باسم شيما، وقد كادت تنهار من رعبها :

_ شيما ...شيما .

خرجت شيما من الغرفة وهي ترحب بها بلهفة، ولم تكد تتساءل عن الحكيم حتى أبصرت ساڤا تجذب الرجل بعنف شديد داخل الغرفة وقد بدا أن الرجل سُحب من فراشه بملابس نومه وهيئة رثة .

دفعته ساڤا صوب الفراش لتبتعد نورهان بسرعة تأخذ جوار عيسى وهي تراقب  وتسمع حديث ساڤا :

- شوف شغلك بسرعة، خليها تصحى دلوقتي .

نظر لها الطبيب بضيق شديد وهو يحاول أن يتمالك نفسه ولا ينفجر بساڤا فقط لأنه يحترم كونها امرأة، وايضًا لأنها جارته التي لم تقصر يومًا في مساعدته وزوجته :

_ أنتِ جايبة طبيب مش ساحر يا ساڤا .

رفعت ساڤا حاجبها وهي تردد بصوت مرتفع :

_ تحب تشوف مين الساحر بعد ما أخفيك عن وش الأرض لو معملتش اللي قولت عليه ؟؟

زفر الطبيب بصوت مرتفع وهو يردد بضيق :

- والله أنا استاهل اني لسه قاعد في المكان اللي كل سكانه مجانين دول .

أما عن ساڤا تابعته وهو يساعد رايانا، ويفحصها حتى مر تقريبًا نصف ساعة والجميع يتابع بهدوء بعدما طمئنهم الطبيب أنه يعالج إصابتها .

نظرت ساڤا صوب شيما التي كانت تراقب رايانا باكية بقلة حيلة :

_ مين اللي عمل كده يا شيما ؟! عز الدين ؟!

نظرت لها شيما تنفي برأسها باكية :

_ لا ده اللي ينشك في أيده عمها، الله ياخده هو واللي زيه، ده يا حبة عيني كان بـ...

وساڤا لم تمنحها الفرصة لتتحدث بكلمة إضافية وهي تتحرك بسرعة خارج المنزل دون كلمة واحدة ووجهتها أمام عيونها معروفة، لقد كتب معتز نهايته هو والدجالة التي تزوج بها .

أما عن شيما شعرت أن كارثة على وشك الحدوث وأنها نطقت بما لا يجب أن تنطق به، لذا نظرت حولها بعجز وكادت تلحق بساڤا لمنع الكارثة الوشيكة، لكن فجأة توقفت حينما سمعت صوت ارتطام قوي في غرفة عزيز، لتستدير للخلف تنظر صوب نورهان تردد باستنجاد :

_ بالله عليكِ الحقيها قبل ما تعمل مصيبة يا بنتي .

ومن ثم خرجت تاركة نورهان تنظر لاثرها بجهل، لا تفهم ما يحدث لكنها كل ثانية تجد نفسها تقتحم جزء من هذا الأمر دون إرادتها، لكن رغم كل ذلك تحركت بسرعة خلف ساڤا، وعيسى يلاحقها بنظراته يتساءل هل يتبعها، أم ماذا يفعل، لكنه في النهاية استقر على اللحاق بأخته ليتأكد أنها بخير .

أما عن ساڤا فتحركت صوب المطبخ دون أن تبصر شيء أمامها، ومن ثم هرولت للخارج، وهي تتوعد لمعتز بالويل، تركض دون أن ترى أمامها شيئًا حتى شعرت بأن دمائها تكاد تنفجر من رأسها، تركض صوب منزل معتز وهي تقسم بقتله لما فعله .

في اللحظة التي خرجت نورهان من المنزل بسرعة تحاول إيقافها وهي تتنفس بصعوبة، لتبصر فجأة جسد احمد الذي كان يقترب بحذر يحاول التخفي كي لا يبصره أحدهم ويتهمه بشيء، فقط يتأكد أن كل شيء بخير ويأخذ أخته وعيسى ويرحل ليطمئن مسلم .

لكن فجأة ارتفع صوت نورهان وهي تصرخ من بين أنفاسها اللاهثة بمجرد أن أبصرت شقيقها :

_ أحمد الحقها، البنت هتقتل الراجل .

وأحمد تجمد في وقفته بصدمة وهو لا يفهم ما تقصد شقيقته حتى أبصر خصلات نارية تتحرك من أمامه كالمدفعية صوب المنزل المجاور، ولم يكد يستفهم حول ما يحدث حتى أبصر فجأة نصل سكين يلتمع بين قبضتها، ليطلق صرخة مرتعبة وهو يهرول خلفها بجنون :

- يا بنت المجانين.

ومن ثم ركض دون تفكير، يبصرها تقف على عتبة منزل معتز وهي تصرخ بصوت مرتفع :

_ معتز يا عرة الـ ....

لكن باقي كلماتها لم تجد لها متنفس بعيدًا عن كف أحمد الذي كبت صرخاتها وهو يجذبها بسرعة بعيدًا عن المكان وهي تصرخ في كفه تقاوم ذلك الذي تجرأ واحبط انتقامها من معتز وزوجته .

حاولت المقاومة وهي تتحرك بغضب بين ذراعيه تبعد يده عن فمها وهي تصرخ بجنون :

_ أنت اتجنيت، أبعد عن وشي احسن اقسم بالله لكون غزاك أنت.

اتسعت عيون أحمد بصدمة:

- غزاني ؟؟

وفجأة وجدها بتحرك السكين صوبه، ليبعدها بسرعة عنه حتى أنها سقطت ارضًا بقوة تشعر بالصدمة من ردة فعله، هل ظن أنها ستطعنه فعلًا .

أما عنه نظر لها بجنون وهو ينظر حوله للمكان شبه الفارغ يهتف بصوت حانق :

_ أنتِ عقلك ده ماله ؟؟ مش واعية بتعملي ايه ؟؟ رايحة تهددي واحد في بيته بسكينة يا مجنونة، دي فيها سنة حبس على الأقل .

صمت وهو يرفع عيونه صوب المنزل ثم عاد لها يتحدث بجدية، يرفع إصبعه في وجهها محذرًا وكأنه يتعامل مع فتاة صغيرة :

_ سنة سجن، سمعتي ؟؟ يعني الموضوع مش هزار وعبط وخلاص، المفروض تكون عاقلة ومسؤولة أكثر من الطيش ده و ..

قاطعته ساڤا وهي تهز رأسها بجدية شديدة تفكر في الأمر:

_ سنة سجن عشان اقتله ؟! طب والله يا بلاش، ولو قتلت مراته وابنه معاه نفس السنة ولا هتزيد ؟؟ 

اتسعت عيون أحمد بصدمة من تفكيرها، يصرخ بعدم فهم :

- سنة سجن ايه اللي تدخليها في قتل يا مجنونة أنتِ ؟؟ السنة دي بس عشان التهديد، القتل ده اعدام أو مؤبد .

انكمشت ملامح ساڤا بضيق وكأن أملها قد خاب في الأمر، ربما كان رجاء منها أن تقضي سنة واحدة بعد قتل معتز وعائلته، ربما سيتفهم القاضي دوافعها ويشفق عليها .

_ طيب ولو قتلت التلاتة نفس العقوبة برضو ؟؟ أكيد يعني مش هتعدم تلات مرات .

وضع أحمد يده على وجهه وهو ينظر لها بصدمة من افكارها وبساطة حديثه، قديمًا قرأ مقالة حول أن أصحاب الشعر الأحمر يتميزون بالاشتعال والغضب السريع، وقد ضحك وقتها، لكن لم تذكر أي مقالة أنهم اغبياء كذلك .

_ أنتِ متخلفة اقسم بالله .

وقد كانت جملة نطق بها وهو يرمقها بضيق، لتتسع عيونها بصدمة من سبته وقد شعرت بالخزي من نظرته لها، تنهض وهي تنفض ثيابها تقف أمامه بغضب شديد :

_ أنت اللي متخلف وستين متخلف، أنت مالك بيا اساسا ؟؟ ايه علاقتك بيا ولا بتدخل ليه في اللي بعمله ؟!

- أنا محامي ومن واجبي أبلغك بس عواقب أفعالك .

ابتسمت بسخرية وهي تنظر له بحنق :

_ محامي ؟؟ أنت اخرك مدرس جغرافيا بشكلك وتصرفاتك دي .

_ وماله مدرس الجغرافيا، على الأقل راجل عنده علم وفاهم، مش جاهل زي البعض .

اقتربت منه ساڤا بالسكين وهي تتحدث بتحفز شديد :

- قصدك ايه أنت ؟! 

- بتهدديني؟؟ العقوبة هتزيد كده لأني وقتها هتأكد أنك تاخدي اكتر من سنة عشان حوار التهديد ده .

_ لو بجد استمريت في تصرفاتك دي مش هتقدر تترافع بنفسك وأنت جثة ومش هيكون وقتها سنة واحدة .

ارتفع حاجبه بتحدي، ثم ابتسم لها باستفزاز شديد :

_ جربي حظك .

عضت أسنانها ولم تكد تصرخ في وجهه حتى أبصرت الطبيب يخرج من المنزل، لتدفع أحمد جانبًا وهي تصرخ بصوت مفزع :

- أنت ...استنى هنا رايح فين ؟!

راقبها أحمد وهو يمسح وجهه بحنق شديد يستغفر ربه :

- ربنا يعين عقلك عليكِ، ويعين اللي حواليكِ عليكِ وعلى عقلك والله .

توجهت ساڤا صوب الطبيب تستجوبه حول رايانا، بينما نورهان اطمئنت بالفعل على حالتها وتأكدت أن كل شيء بخير، فأخذت بيد عيسى وتحركوا صوب أحمد تتحدث بجدية :

- الدكتور عالجها الحمدلله، فيه التواء في دراعها وشوية جروح لكن هتكون بخير، أخدت منوم واستريحت .

كانت تتحدث وأحمد يتابع ساڤا التي تقف أمام الطبيب بالسكين تراقبه بحدة وكأنها تحذره أن يقول كلمة لا تنال إعجابها، ومن ثم تركته واخيرًا ليرحل .

تستدير للخلف صوب أحمد، ليبتسم لها الأخيرة بسمة واسعة مستفزة جعلتها تتشنج بضيق وهي تحرك خصلاتها بلا اهتمام تتحرك داخل المنزل وقد قررت التأكد بنفسها من الفتاة .

وأحمد أطلق ضحكات صاخبة دون شعور، وقد تغير مزاجه فجأة بسبب تلك المجنونة، ونورهان تتابعه بصدمة كبيرة مع عيسى وقد تأكدوا أن أحمد قد جُن.

لكنهم قرروا الاكتفاء من هذا اليوم والعودة للمنزل للراحة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مساء نفس اليوم وحينما خلد الجميع تقريبًا للنوم، فتح عيونه بهدوء شديد وتحرك عن الفراش وهو ينظر حوله بنظرة ضبابية غير واعية لما يحدث حوله .

ينظر ليبصر حاتم الذي استقر على فراشه جواره، لكنه لم يصدر أي صوت وهو يخرج من المكان بهدوء يسحب حاسوبه ويفتحه ليضعه أمامه بهدوء .

فتحه وأخذ يعيد التسجيلات بالكامل يراقب ما يحدث وما حدث بعدها، وقد استمر ذلك لساعة كامل لا يعي بشيء ولا يشعر بالوقت، حتى أغلق الحاسوب بهدوء وتحرك خارج المنزل بهدوء شديد يشعر بلسعة هواء قوية، لكنها ورغم ذلك لم تخترق ضباب عقله ولم تفيقه بالكامل، كان كما لو أنه لا يشعر بشيء حوله .

يراقب العالم من بعيد، كان هذا هو أقرب وصف، وكأنه انفصل عن جسده ويراقب حياته تدور من حوله وكأنه يتابع مشهدًا سينمائيًا، يتحرك حتى وصل لمنزلها يراقبه بهدوء شديد وكاد يتحرك له وكأنه مُسير، لكن شيء اوقفه وتحولت أقدامه صوب المنزل المجاور .

توقف أمام المنزل وظل في البرد لدقائق طويلة وكأنه يبحث له عن مدخل، أي مدخل يوصله لذلك الرجل، لكن لا شيء فقط هدوء يمنعه من افساده، لذا ظل واقفًا ما يقارب النصف ساعة حتى أبصر غرفة خارجية للمنزل يُفتح بابها ويخرج منها بعض الرجال يتحدثون بنبرة مسموعة .

_ تمام يا بارو بكرة هنلف على اهل البلد عشان نشوف اللي هنعمله في الجاي، وده هيكون أول تواجد رسمي ليك بينهم كبارو .

ابتسم لهم معتز وهو يودعهم وقد التمعت عيونه بقوة وبمجرد أن اختفوا من أمامه حتى تنهد تنهيدة مرتفعة، ومسلم يراقبه لا يصدق أن القدر كان في صفه هذه المرة، يراقب الرجل وهو يخرج سلسلة مفاتيح من جيب ملابسه يغلق باب الغرفة الخارجية ومن ثم تحرك بهدوء صوب منزله.

وهذه فرصة لم يكن مسلم ليفوتها وهو يتحرك بسرعة كبيرة صوب الراجل يباغته من الخلف كاتمًا لأي صوت قد يصدر منه، يسحبه بعيدًا عن المنزل بعدما ضربه ضربة في عنقه اسقطته غير واعيًا للمحيط.

حمله مسلم على أكتافه بسرعة وهو يتحرك به بعيدًا مستغلًا ظلام الليل، وحينما وصل لشارع صغير مظلم ألقى به جسد معتز وقبل أن يدرك هو نفسه ما يحدث كان ينكب عليه بضربات متتالية .

في منزل البارو .

استيقظت بعد ساعات من الغفوة التي اختارتها بنفسها هربًا من واقعها وقد شعرت فجأة باليأس من كامل حياتها .

نظرت للسقف دون أن تستطيع أن تحرك إصبع واحد من جسدها، الوجع كان قاتلًا، يدها تشعر بها كأنها مكتفة، تحرك عيونها في الغرفة بعجز وقد اختنقت فجأة من غصتها.

سقطت دموعها بقوة، وقد بدأت شهقاتها تعلو شيپًا فشيء وصوت تأوهاتها يعلو قليلًا، ولم تكد تنفجر في بكاء حار، حتى سمعت صوت حركة جوارها، حركت عيونها ببطء صوب مصدر الصوت والذي كان نفسه النافذة، لتبصر جسد يتحرك داخل غرفتها.

شعرت بالهلع وقد توقف قلبها عن الحركة لثواني وكادت تصرخ لولا أن ضوء المصباح الجانبي لفراشها أظهر الزائر الغريب .

شهقت وهي تتحدث بصوت أبح من شدة صراخها سابقًا :

_ مسلم ؟؟

ومسلم فقط نظر لها من علياه ينظر لجروحها وعجزها عن الحركة، وهو يفكر في العودة وقتل عمها، لكنه توقف حينما وجدها تبكي بصوت منخفض، ليتحرك صوبها أكثر يميل جالسًا ارضًا جوارها يهمس دون شعور بما يحيط به وبما يفعله :

_ رايانا ...

اتسعت عيون رايانا وهي تسمعه ينطق اسمها بطريقة أرسلت رجفة لصدرها، نطقه بحنان وكأنه يربت على حروف اسمها، لتسقط دموعها أكثر وهي تشتكي له بصوت خافت ضعيف:

_ أنا...مسلم أنا معملتش حاجة يا مسلم، ضربني و...دراعي بيوجعني اوي .

ولا تدري السبب لتعبر عن شكواها ووجعها له، وكأنها كانت تبحث عن مهبط تصب به أحزانها واوجاعها، ولم تجد غير مسلم في هذه اللحظة بعدما تركها الجميع لترتاح .

مال مسلم جوار فراشها، يدس يده داخل جيوبه يخرج الكثير من الحلوى التي اشتراها في طريقه للمكان، ويدرك أن السبب الوحيد الذي جعل الرجل يبيعه من حلواه، هو خوفه من هيئة مسلم والدماء التي كانت تزين كفه .

مسح كفه في بنطاله كي لا تتلوث الحلوى بالدماء، ثم 
وضع الحلوى ببطء على الفراش جوارها وجلس يراقبها دون كلمة واحدة، وهي تتابعه وتنظر لعيونه بعدم فهم لأفعاله .

أما عنه فاكتفى بمراقبتها والتأكد أنها ما تزال بخير، رفع كفه دون شعور يضعه على كفها لترتجف وهي تنظر لكفه بصدمة فمسلم الذي تعلمه لم يكن ليلمسها طواعية ما لم يكن لينقذها من كارثة مثلًا .

_ لن يتجرأ عمك على اذيتك مجددًا رايانا، هذا وعدي .

نظرت له رايانا بعدم فهم، ثم رفعت عيونها لعيونه ليذهلها مقدار الفراغ، كان كما لو أنه شارد، تائه أو محتار ..

_ أنت بخير !!

مال مسلم يراقبها دون كلمة قبل أن ينطق دون وعي حقيقي منه بما كتمه :

_ أنتِ جميلة أوي، أجمل حاجة شوفتها في حياتي كلها .

شهقت رايانا بصدمة من الكلمات التي نطق بها مسلم ولم تستطع الرد وقد شعرت أن معدتها انقبضت على وقع كلماته، وخافت، شعرت بالخوف من الشخص أمامها، ومسلم ضغط على يدها يهمس لها بعدما مال يستند برأسه على الفراش جوارها :

- مفيش حد هيأذيكِ أبدًا يا فروشكا .

شعرت رايانا أنها غير قادرة على التنفس بشكل صحيح، تحاول أن تجد رد داخل عقلها، لكنها كانت مصدومة من كلماته تشعر أنها ستنفجر من الخجل، أما عن مسلم فلأول مرة منذ بداية اليوم ابتسم لها بسمة صغيرة وهو يهمس لها بصوت خافت حتى أنها لم تستطع أن تميز حروفه لثواني وهو يردد :

_ لما كل ده يخلص، أنا مش هسيبك لحد، هتيجي معايا، هتكوني معايا ...

اتسعت عيونها وقد شعرت فجأة بالخوف، النبرة التي نطق بها الكلمات، الخوف مع شعور بسيط بالسعادة أو الحيرة لا تدري، لكن هذا الرجل أمامها كان غريبًا بشكل  مرعب .

حرك مسلم عيونه يبصر كرة الثلج التي تتبع جوار فراشها ليبتسم وهو يتحدث بجدية :

_ هجيبلك كرة تلج أكبر من دي و...

صمت ثم نظر لعيونها يهمس بحنان :

- عمرك شوفتي تلج بجد ؟!

نفت رايانا بلا وهي لا تدري ما الذي يحدث حولها، ربما ...هذا فقط مجرد حلم وستستيقظ منه في أي لحظة الآن.

_ هاخدك تشوفي تلج حقيقي .

وهي شعرت أنها فقدت القدرة على التنفس وهي تهمس بصوت مختنق :

- مسلم ..

_ نعم ؟!

- أنت كويس ؟!

_ أنا...بخير، أنتِ كويسة ؟!

هزت رأسها بنعم، وهي تراقبه ينهض من مكانه وقد قرب الحلوى أقرب لها، يراقبها من علياه، ثم مال عليها فجأة لتتوقف أنفاس رايانا فجأة وقد شعرت أنها ستموت في أي لحظة من هول ما يحدث .

تود الصراخ علها تستفيق مما يحدث، أو يستفيق مسلم مما يفعل .

لكنه فقط مال يربت على خصلاتها بحنان، ومن ثم سحب الغطاء عليها يهمس لها بنبرة رخيمة وصوت حنون ولغة غير مفهومة :

_ نامي عزيزتي، وأنا في الخارج سأقتل كل من يقترب منكِ، وحينما ينتهي كل هذا، سأحتفظ بكِ آمنة بعيدًا عن كل هؤلاء ...

ومن ثم استقام يودعها ببساطة ويرحل كما جاء تاركًا رايانا تراقب أثره وهي تشعر أنها لوهلة من شدة المشاعر التي هاجمت قلبها قد نست الوجع، تراقب رحيله بصدمة كبيرة، وقبل الخروج بالكامل استدار لها مسلم يستدير يتحدث بجدية :

_ فاكرة لما قولتي قبل كده إن محدش بيقرب منك عشان خايفين منك ؟!

هزت رأسها بعدم فهم لسؤاله ليردد بجدية :

- متقلقيش ده مش هيحصل تاني، لأنهم بعد كده مش هيقربوا منك عشان خايفين مني أنا.

ومن بعدها اختفى بالكامل سالبًا آخر ذرات عقل وتماسك رايانا التي شعرت أن عالمها ذاب في ثواني ولولا ملمس أغلفة الحلوى تحت أناملها لشكت أن كل ذلك كان حلمًا؛ حلمًا مخيفًا و....جميلًا .

ورغم حلاوة اللحظة الا أن فكرة دخول شاب غريب لغرفتها بكل سهولة جعلها ترتجف من الصدمة والخوف اللحظي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ختمت صلاة القيام، وهي تطوي سجادتها تتحرك خارج الغرفة كعادتها بعد كل صلاة لها تحضر لها بعض الحلوى والمياه تحفظهم جوار فراشها .

تحركت في ظلام المنزل، تستغفر ربها وتدعو الله أن ييسر الأمور ويهدي الجميع لبعضهم وقد استشعرت بعد عودتها الشحنات الغاضبة بين أحمد ويحيى لتدرك أن السبب لا بد وأنه مسلم .

تنهدت بصوت مرتفع وهي تدخل المطبخ ولم تكد تفتح الاضواء حتى اتسعت عيونها لرؤيتها جسد يقف أمام الثلاجة يحمل بين يديه حلواها ويتناولها بنهم .

شهقت نورهان بصوت مرتفع وهي تضع يدها على صدرها تغمض عيونها برعب :

_ بسم الله، أنت بتعمل ايه ؟!

أما عن حاتم كان يراقبها متسع الأعين بمظهر فاسد بعدما تناول نصف الحلوى التي وجدها في الثلاجة، حالة نهم شديدة أصابته في منتصف الليل، ليهجم على الثلاجة دون تفكير مقررًا أن يعوض صاحب هذه الحلوى في الصباح .

لكن أن يصطدم بها بهذا الشكل كان آخر شيء يطمح له في حياته البائسة هذه .

_ أنا.... أنا بس كنت ...هو يعني ...فجأة صحيت وحسيت مرارة بحلقي، قلت آخدلي شي حلو.

صمت وهو ينظر ليده التي يحمل بها نصف قالب شوكولاتة، ثم رفع عيونه لها يمده لها بتردد وحرج وقد أخذ يحسب الوقت الذي سيستغرقه إن قرر أن يحفر الأرض أسفل أقدامه ودفن نفسه :

- بتجربي ؟! 

وهي فقط نظرت له تحرك رأسها بصدمة قبل أن تبتسم دون شعور :

_ بالهنا والشفا أنا بس جيت أخد مايه، كمل كأني مش موجودة .

وبالفعل تحركت صوب الثلاجة ليبتعد هو من أمامها بسرعة يتيح لها الفرصة، يتحرك بعيدًا عنها كي لا تشعر بالضيق :

_ والله ما بعرف الحلوى لمن، بس رح أشتري له شوي الصبح، لا تحكي لحدا. 

رفعت عيونها له وهي تمسك قارورة المياه ترفع يديها في الهواء وكأنها تتعهد له بصمت أنها لن تخبر صاحب الحلوى أنه اكلها سرًا، والذي للصدفة البحتة كان هي ...

تحركت تمسك كوب صغير ولم تكد تخرج من المكان حتى أوقفها وهو يردد بصوت خافت وخجل مما فعل معها سابقًا يتنحنح بصوت منخفض :

_ صح… أنا كنت حاب أعتذر منك عن اللي بدر مني قبل، ما كان قصدي أبداً. 

نظرت له ثواني قبل تهز رأسها بهدوء شديد تتجنب الخوض في أحاديث جانبية قد تطيل وقفتها معه، لذا اختصرت الحديث وقالت ببسمة صغيرة :

- حصل خير .

- يعني سامحتيني ؟؟

تعجبت جملته ونظرت له بعدم فهم :

_ عادي الموضوع بسيط، أنا مدركة أنك مكنتش تقصد .

_ في الحقيقة أنا كنت بقصدها، لكن ما علينا من الموضوع و...

توقفت أمامه نورهان وقد نسيت كل ما ذكرت به نفسها من تجاهله وتجاهل ما حدث، ترفع حاجبها بضيق :

_ كنت قاصدها ؟!

توقفت عند الكلمة بعدما ظنت أنها ستتجاهل كل شيء وترحل، أما عنه نظر لعيونها طويلًا وقد شعر بارتجاف قلبه، المرأة كانت لطيفة لدرجة أنه حتى يشعر أنها تستحق شخص أفضل منه، يكفيها وجع زواجها الأول.

ابتلع ريقه ينفي برأسه بلا شيء قبل أن يحمل زجاجة مياه بهدوء يتحرك خارج المكان وقد شعر أن الوضع برمته خطأ بالكامل وغدًا يتحدث جديًا مع مسلم حول انتقاله للملحق بعيدًا عن هذه المرأة.

_ لا تاخدي ببالك، تصبحي على خير .

ومن ثم رحل ببساطة تاركًا إياها بمكانها تنظر حولها بصدمة مما حدث الرجل فجأة رحل وتركها ليس وكأنها هي من كانت تقرر منذ ثواني أن تتركه وترحل، ابتسمت بعدم تصديق، تمسح وجهها تحاول تجاوز ما يحدث .

_ ربنا يشفي والله .

حملت ما تريد أو بالأحرى ما تبقى من حاتم وتحركت خارج المطبخ صوب غرفتها، وبمجرد أن دخلت لها سمعت صوت هاتفها الذي كان يرن بشكل متواصل، رفعته تبصر مكالمات كثيرة على شاشته من رقم غريب، ضيقت ما بين حاجبيها وترددت في الرد، كان الوقت متأخرًا، لكنها رغم رفعت الهاتف لاذنها تجيب وقد خافت أن تكون مكالمة عاجلة .

_ الو ...

_ اقسم بالله يا بنت الـ *** أما قولتي للحيوان أخوكِ ده يمسح اللي عمله ونشره عني لأكون مـ...

ولم يكمل حديثه بسبب غلقها الهاتف بسرعة كبيرة وهي تلقيه على الفراش بصدمة مما سمعت، تحاول تجاوز كل ذلك، لكن ضربات قلبها ما تزال مرتفعة وكل ما طرأ برأسها هو حديث حاتم لها وهو يخبرها أن طليقها قد يتمادى إلى اللارجعة .

جلست على الفراش وهي تضع رأسها بين يديها تتنفس بصوت قوي تحاول أن تجد حل لما يحدث، وقد قررت أن أول ما تفعله غدًا هو أخبار إخوتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان الدخان الكثيف يعم المكان بأكمله وشقته التي تطل بنافذتها على النيل كانت مصدرًا للهواء النقي الوحيد في المكان .

 يقف في النافذة عاري الجذع بكل الاوشام السوداء التي تزينه، يراقب الطريق والانوار التي تبعد عنه مسافة كبيرة وكأنها تطفو فوق حافة النيل.

دخان سيجارته يتطاير في المكان أكثر وأكثر حتى كاد يتسبب له اختناق، لولا رنين هاتفه الذي جعله يتحرك من بؤرة الدخان تلك ويسحبه للخارج يحمل الهاتف بهدوء يبصر رقمًا ذو ترقيم دولي يجيب بهدوء :

_ مرحبًا، جوليان يتحدث .

_ جوليان متى تنتوي العودة للعمل، اطلت غيابك، إلى متى تعتقد أنتي قد امنحك صبرًا ؟

زفر جوليان دخان سيجارته وهو يلقي بجسده على الأريكة أمام الشرفة، يراقب كل شيء بعيون هادئة باردة بعض الشيء :

_ لم تنتهي اجازتي بعد .

_ نعم لكننا نحتاجك في العمل .

_ حينما تنتهي الإجازة سأعود وليس قبل ذلك .

_ جوليان لا تثر غضبي، لا ينقصنا غيابك أنت الآخر، عد و....

_ حينما تنتهي اجازتي .

وكانت هذه جملة رددها للمرة الثالثة ومن ثم اغلق المكالمة والهاتف وكل شيء وهو ينظر أمامه بعيون ضبابية، يتذكر اللحظة التي استيقظ بها في المشفى منهارًا من فكرة خسارة مسلم، رفيقه قبل أن يكتشف بالصدفة أنه حي، بل وتخلى عنه وهرب مع حاتم..

حاتم ذلك الحقير الذي ظهر في حياتهم فجأة وابعد مسلم عنه .

لا يزال يتذكر أول صدام بينهما .....

" إذن أنت عربيّ كما سمعت، من أي بلاد تنحدر أنت ؟؟"

حاول حاتم تجاهل ذلك الرجل وهو يكمل طعامه في مطعم المنظمة، بينما جوليان والذي كان وقتها قد صنع لنفسه اسمًا بين الكثيرين، لم يعجبه أن يتجاهله أحدهم بهذا الشكل المهين، يدفع طبق الطعام جانبًا بحدة :

" ماذا ألم تتعلم في بلادك أن تجيب من يحدثك ؟!"

صمت ثواني قبل أن يبتسم بهدوء شديد :

" اوه صحيح سمعت أن لا بلاد لك تقريبًا، صحيح ؟؟"

رفع حاتم عيونه لجوليان الذي كان يحاول اثاره غضبه منذ الصباح دون أي سبب وجيه، فقط يتحداه ويثير استفزازه.

وقبل أن يجيبه اقترب أحدهم منهم وهو يبتسم ويضرب كتف جوليان بمزاح :

" لا تخجل الفتى جوليان، دعه وقومه يكفيهم ما يفعلونه لاستمالة الرأي العام لهم، وفي النهاية الجميع يعلم الحقيقة "

تلك اللحظة لم يدرك حاتم أن المتحدث كان من نفس الدولة التي جارت على بلاده، حاول النهوض والتحرك بعيدًا وهو يحمل بين يديه غداءه الذي سيعيش عليه ليوم مقبل، لكن فجأة أبصر في وجهه جسد مسلم الذي اوقفه بهدوء وهو يردد بصوت هادئ :

_ أكيد أنت مش مسالم لدرجة تسيبهم يتكلموا كده وتسكت صح ؟؟ 

رفع له حاتم رأسه بتعجب من جملته ولم يدري ما يقال في هذه اللحظة :

_ أضربه ؟؟

_ كلك نظر .

نظر خلفه ثواني صوب جوليان الذي كان يتابع حديث مسلم مع ذلك الشاب بانتباه شديد، ثم عاد حاتم بنظراته صوب مسلم يتحدث بتردد :

_ بس هاد صاحبك مش هيك؟؟ 

ابتسم مسلم وهو يحدق بوجه جوليان ببرود، هو لم يكن له صديق منهم، ولن يكون، رجل يصاحب جميع من تجرأ يومًا على اذيته، رجل يحتقر العرب ويعاملهم كالفضلات، لم يكنُ ولن يكن يومًا رفيقًا له، حتى لو رأى الآخر عكس ذلك .

_ ميشرفنيش .

استدار حاتم صوب جوليان يردد ببسمة صغيرة :

_ حتى أنا لا اتشرف بتلويث يدي بهم .

اتسعت عيون جوليان بقوة ولم يكد يقترب من حاتم، حتى وجد مسلم يلف ذراعه على كتف الاخير ويبتسم له بسمة لم يمنحها له طوال السنتين اللتين حاول بها أن يستميله لطرفه .

_ نعم أنت محق، دعنا نغادر لتناول الطعام في غرفتي فالمكان هنا أصبح خانقًا .

ابتسم حاتم بسعادة وهو يتحرك مع مسلم تاركًا جوليان يتابعهم مبتسمًا بسخرية لاذعة، وصوت خلفه يردد بجدية :

_ يبدو أن رفيقك المزعوم وجد له رفيق مفضل غيرك جوليان .

جوليان فقط كان يتابع رحيلهم بهدوء وبسمة صغيرة لا يصدق أن ذلك الـ .... استطاع أن يأخذ مسلم لصفه، بل ويدافع عنه ويهتم باموره، وهذا مسلم الذي لم يكن حتى يهتم بنفسه.

حاول سنتين أن يستميل مسلم ليصادقه، لكن الأخير كان ينظر للجميع بكره ومقت لا يدري سببه .

ولا يدري جوليان السبب لكن منذ بدأ نجم مسلم يلمع في المنظمة كأكثر الرجال تميزًا في مجال التكنولوجيا أراده رفيقًا له، دعمًا اضافيًا عله يحتاجه يومًا في حياته، لكن مسلم لم يكن يرى فيه سوى مجرد دخيل ينبذه بكل قوته، وحينما ظن أنه اقترب منه خطوات، جاء ذلك الحاتم ليبعده أميال 

فاق جوليان من أفكاره على صوت رنين هاتفه ينظر فيه بطرف عيونه يتنهد بضيق شديد وقد فشل الرجل الذي جنده في إيجاد موقع مسلم بعدما أدرك أنه حي .

ابتسم بسمة جانبية والغضب يملئ صدره :

_ كما علمت كذبتك سأعلم مكانك، وحينها سأجعلك تندم على كل شيء مسلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح وبعدما رحل الليل بكل سواده وظلامه .

خرج من الغرفة يعدل من ثيابه بهدوء شديد وهو يراقب المكان حوله يبصر الجميع وقد اجتمعوا على طاولة الطعام، ليتحرك صوب حاتم وهو يسحب مقعده يجلس عليه بهدوء وصمت غريبين ..

يتناول فطوره والجميع حوله ينظرون له بحرص وكأنه قنبلة موقوتة ألقيت بينهم، ويحيى الذي لم يتمكن من كبت سؤاله وقلقه عن شقيقه تساءل بحنان وحب :

_ أنت كويس يا مسلم ؟؟

وضع مسلم بعض الطعام في فمه وهو يرفع عيونه لهم بعدم فهم، ينظر لعلامات القلق حوله :

_ ايوة الحمدلله، فيه حاجة ولا ايه ؟؟

ابتسم له بسمة صغيرة ينفي برأسه، يحاول أن يبدو طبيعيًا وقد شعر بعيونه تلسعه من كثرة الدموع التي تجمعت خلف جفونه وقد صدق حديث حاتم الذي أخبرهم أنه سيستقظ غير عالم لما حدث، وسيحذف عقله كل ما ابصره أثناء انفصاله عن الواقع .

وضع الطعام بفمه ليتحدث بصوت حاول ألا يظهر به غصته وهو يردد بصوت منخفض :

_ لا بطمن عليك بس .

رفع يده يمسح دمعة صغيرة بسرعة يخفض وجهه في طبق الطعام الخاص به، وقلبه يرتجف رعبًا مما قد يحدث لشقيقه إن استمر هذا، هل يمكن أن تأتي لحظة وينساهم ؟؟ يغضب أو يحزن من شيء يخصهم فينساهم، ارتجفت يده ومسلم يتابع ما يحدث بعدم فهم .

_ يحيى أنت كويس ؟؟ 

ضرب يحيى الطاولة وهو يرفع رأسه يوجهها بحنق صوب نورهان وهو يصرخ بضيق واضح مصطنع :

_ كويس يا سيدي بس الفول مليان شطة وأنت عارف إني بتعب من الشطة، لكن نقول ايه واختك عقلها مش فيها .

رفعت نورهان عيونها عن الطعام بتعجب حينما وجدت نفسها فجأة في منتصف ساحة الحرب عزلاء، لا تفهم حتى من اقحمها بها .

تنظر حولها بعدم فهم ولم تكد تنفي وضعها لأي توابل بالطعام، لأنها تعلم حالته، لكنها توقفت فجأة وهي تبصر ملامح يحيى لتشعر بأن هنالك ما يحدث فابتسمت بسمة صغيرة :

- معلش بقى يا يوحا خليها عليك المرة دي يا حبيبي .

التوى ثغر يحيى ينظر لها بامتنان خفي، ومن ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وأحمد يتابع ما يحدث بقلق، يخشى الاعتذار عما فعل فيذكره بما لا يجب ذكره .

لكن عيسى والذي كان يجهل كل ذلك عن شقيقه الأكبر تحدث بلطف وهدوء :

_ صحيح مسألتش عن فروشكا يا مسلم، لما رجعت من عندها امبارح فكرتك هتكون مستني عشان تعرف هي عاملة ايه ؟؟

اتسعت عيون يحيى وهو ينظر بتحذير لعيسى، ومن ثم حرك عيونه صوب مسلم الذي لم يفهم ما قيل، يرفع عيونه صوب عيسى يتحدث بنبرة متعجبة :

_ فروشكا ؟؟ وهي مالها فروشكا، وكنت عندها ليه مش فاهم ؟؟

نظر له حاتم وهو يعض شفتيه بتوتر وقد أدرك أن مسلم نسي حتى ما حدث قبل نوبته، نسي ما رآه، نسى ما حدث للفتاة .

_ ولا إشي يا أخوي، كمّل أكلك… في إشي بدي أحكي معك فيه.

نظر له مسلم بأعين متسعة لا يفهم ما يحدث حوله، لقد تعجب حينما استيقظ وشعر بالفراغ صباحًا، وكأن أحدهم أفرغ عقله الليلة الماضية، لا يتذكر سوى عودته من ذلك الزفاف وتناوله الحلوى ومن ثم لا شيء، كل شيء تلاشى ولا يتذكر سوى حلم غريب ...

صور ضبابية استيقظ عليها، لكنه لا يستطيع تجميع شيء بها سوى وجهها .

_ أنا مش فاهم عيسى قصده ايه ؟؟ هي فروشكا مالها يا حاتم ؟؟

نظر حاتم بغضب صوب عيسى الذي لم يفهم ما يحدث، أما عن نورهان فشعرت بشيء خاطئ ولم يتبرع أحدهم ليفهمها هي وعيسى شيئًا، لذا تحدثت بحذر وكأنها تسير على أطراف أصابعها :

_ أنت مش فاكر اللي حصل امبارح ولا ايه ؟؟

_ ايه اللي حصل يا نور ؟؟ 

كان يتساءل بهدوء وقد وضع يديه أمامه على الطاولة بتحفز ينتظر من أحدهم أن يجيبه وقد كاد قلبه يتوقف من سواد الأفكار التي بدأت تتدافع لعقله، لقد أدرك يقسم أنه أدرك أن ذلك الفراغ منذ ليلة أمس لم يكن غريبًا، هو ...

رفض أن يصل بأفكاره لهذه النقطة وقد ارتجف كامل جسده من هول الفكرة .

نظر لحاتم يتوسله بعيونه أن يتحدث ويطمئنه، وحاتم ابتسم له يربت على كتفه بهدوء :

_ولا إشي بس… فروشكا تعبت مبارح لما إنت رحت تنام، و…هي من وقت ما تعرّفت على أختك وهي بتحكي معها عالطول. ولما نورهان عرفت، راحت مع عيسى يطمنّوا عليها.

ختم حديثه وهو يبعد عيونه عن مسلم الذي نظر له بشك وقد كانت هذه أغرب حجة يخرج بها، بينما نورهان والتي لم تعلم ما يحدث في المكان أدركت أن الحديث بحقيقة البارحة غير مسموح في هذه اللحظة وحتى تفهم ما يحدث معهم.

لذا هزت رأسها بنعم تتحدث بجدية :

- ايوة بالضبط، حاتم معاه حق .

وحاتم فقط تجاهل نطقها لاسمه ببساطة، فلا ينقصه أن يشرد بها في هذه اللحظة وكيفية نطقها لاسمه بهذا الهدوء و...نعم ها هو يشرد دون إرادته.

لم يخرجه من أفكاره سوى صوت مسلم الذي ردد بهدوء وتساؤل رغم شعوره بحدوث شيء خاطئ :

_ وهي ...فروشكا كويسة ؟؟

خرج منه دون شعور، ونورهان ابتسمت له بسمة صغيرة ولم تكد تجيب حتى انقذهم صوت قرع الباب من نظرات مسلم الذي كان يشعر ببوادر لشيء لا يتمناه ولن يعجبه معرفته .

ابتلع ريقه يحدق في طعامه بشرود دون أن يشعر بشيء يحيطه، ولم يستفيق إلا على صوت هادئ رقيق ونبرة خافتة :

_ مسلم حبيبي أنت كويس ؟؟

رفع مسلم عيونه التي كانت وكأنها تحدق للفراغ، يحاول أن يمنح كامل انتباهه لنورهان يبتسم بصعوبة :

_ ايوة ياقلبي بخير .

_ كارا جات برة عشان تقابلكم.

نظر لها بعدم فهم وكأنه يجهل هوية صاحبة الاسم، لتبتسم له بهدوء :

_ العروسة اللي ساعدتها يا مسلم .

هز مسلم رأسه بهدوء وهو يتحرك مع نورهان صوب الخارج حيث بهو المنزل الذي استقر به الجميع، وقد سمع أول شيء بمجرد وصوله .

_ أنا مش عارفة اشكركم ازاي بجد، لولا مساعدتكم ربنا وحده يعلم كان حصل ليا ايه .

تمتم يحيى بسخرية :

- هيحصل ايه يعني هتتجوزي الراجل وتستني كام سنة يتكل وبعدين تورثيه، بس نقول ايه غبية .

وجهت كارا بصرها صوب يحيى الذي التوى ثغره بحنق وكأنه حزين لضياع فرصة ذهبية من يده، تشنجت ملامحها وهي تجيب بضيق :

_ واضيع عمري كله عشان فلوس ؟؟ ليه يعني ؟!

_ عشان الفلوس، أنتِ بتسألي أسئلة مجاوبة عليها في نفس الجملة .

_ أما أنت إنسان مادي بشكل .

- عشان انسان، أي إنسان مش مادي يبقى متخلف.

صمت ينظر لها جيدًا قبل أن يهز رأسه باقتناع :

_ زيك كده .

انتفض جسد كارا عن المقعد بعنف وهي تصرخ فيه بضيق من حزنه هذا على عدم زواجها وهي من قضت الليل بالكامل تتذكر بسمته ووجهه بإعجاب وانبهار :

_ لما الموضوع حرقك اوي كده، ليه متروحش تتجوزه أنت ؟؟

نظر لها يحيى نظرة غريبة وترتها قبل أن يبتسم وهو يغمز لها :

_ لا ما انا مستني ربنا يكرمني بواحدة مسنة، شوفيلي أمه لو لسه عايشة .

نظرت له بغضب وعدم تصديق لحديثه، بينما أحمد تدخل وهو يدرك أن يحيى قد اقترب من الفتاة لدرجة أنه أخذ يستمتع باستفزازها والمسكينة لأنها لا تعلم شخصية يحيى، تعتقد أنه يتحدث بصدق .

_ يحيى خلاص خلصنا، البنت متعرفكش عشان تهزر معاها بالشكل ده، هتفكر أنك بتتكلم بجد، متاخديش على كلامه يا انسة هو هزاره بايخ شوية .

كانت كارا على وشك البكاء مما يحدث تنظر لأحمد بعدم فهم تتحدث والغصة تكاد تخنقها :

_ هزاره ؟!

انفجر يحيى في الضحك على ملامحها، لا يصدق أنها صدقته بهذه السهولة، وحسنًا يبدو أنه عثر على متعة جديدة، وقد مل من استفزاز نورهان، أما عن كارا فنظرت له بوجه أحمر لا تدري خجلًا كان أم غضب، لكنها صمتت وجلست تنظر ارضًا تتحدث بضيق :

_ فين اخوكم عشان اقول اللي عندي وامشي ؟!

رفع يحيى حاجبه ولم يفهم سبب غضبها بهذا الشكل :

_ أنتِ اتقمصتي ؟؟

رفعت عيونها له بشر فابتسم بسمة واسعة بريئة جعلتها تقلب عيونها بضيق وهي تحاول ألا تبتسم على نظراته وحركاته الغريبة .

وهو أبصر محاولاتها تلك ليبتسم أكثر لولا نظرات أحمد الذي رماه بشر، فاعتدل في جلسته وهو يتمتم بضيق :

_ ولا أنا مش طايقك اساسا.

في هذه اللحظة وصل مسلم وهو يتنهد بتعب من أفعال شقيقه :

_ أهدى الله يكرمك يا حبيبي خلينا نشوف اللي بيحصل هنا .

نظر صوب كارا يمنحها كامل الاهتمام ينتظر منها أن تفعل المثل وتبعد انتباهها عن يحيى .

وبالفعل بعد ثواني نظرت له وهي تبتسم له بامتنان جعل ملامح وجه يحيى تتشنج بضيق، لا يفهم لماذا لم تنظر له بنفس الامتنان وهو كان الطعم لينقذها من الصنارة .

_ ناكرين جميل .

سمع صوتها وهي تردد بلطف :

_ حبيت اشكرك بجد على اللي عملته معايا امبارح .

ومسلم فقط هز رأسه بهدوء دون كلمة إضافية وقد كان ذهنه ما يزال مشوشًا بعض الشيء، ينتقل للحديث الهام :

_ ولا يهمك، قولتي إن الموضوع كله مع عز مش مع البارو، ممكن توضحي ؟!

رماه أحمد بتعجب من تحدثه بهذا الشكل، حسنًا هذه النسخة هي نفسها التي عادت لهم من السفر، لكنها تختلف عن النسخة التي أظهرها الأيام السابقة، ربما لأن الفتاة التي أمامهم ليست بطعم ورائحة الفروشكا لتنال صبر مسلم الكامل .

لكن في الحقيقة كان هذا سبب، والسبب الثاني أن مسلم لم يكن في كامل انتباهه منذ الصباح لا يدرك ما يحدث معه .

لذا منح نصف انتباهه لها وهي تردد بجدية :

- سمعت قبل كده عز الدين بيتكلم البارو عن محامي كده هو اللي ماسك الحوار ده كله، واللي فهمته إن المحامي ده كبير وايده واصلة اوي وبيساعدهم يوقفوا أي قضية ضدهم ومسنود عشان هما بيساعدوه في حاجات تانية في المقابل .

صمتت وهي ترى نظرات الجميع تكمل بجدية :

_ وكمان ساعدهم في حاجة تانية بعيد عن حوار الأرض، نفس الحاجة اللي عز ومعتز كانوا لاويين بيها دراع البارو.

اعتدل مسلم بجدية في جلسته وهو يراقبها بانتباه شديد يحاول أن يخمن ما تقصده :

_ حاجة ايه بالضبط ؟؟ 

_ جريمة قتل .........

ـــــــــــــــــــــــــــــ

"الإنسان في الشوق له لهفة تعمي بصيرته!"

- إسلام منصور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"في كل إنسان تعرفه إنسان لا تعرفه!"

الرافعي *

تعليقات



<>