رواية ملك بلا مملكة الفصل الثالث عشر13بقلم اسماعيل موسي
مع أول ضوء تسلل بين قمم الجبال تبدّلت رائحة الحلبة، لم تعد رائحة لحم محترق وصخب جمهور فقط، بل صارت أثقل، كأن الأرض نفسها تستعد لتحمّل وزن شيء غير معتاد، لم يُنادى اسم أحد في البداية، فقط فُتحت البوابات، واتسعت الدائرة، وفهم الجميع أن ما سيأتي ليس نزالًا عاديًا
دخل الهنطاع دون إعلان، خطوة واحدة إلى الأمام كانت كافية ليصمت الوادي، جسده لم يكن الأضخم، ولا وقفته الأكثر استعراضًا، لكن في حضوره شيء يُنهي الحديث قبل أن يبدأ، عيناه لم تبحثا عن الجمهور ولا عن القضاة، بل عن المساحة، عن الزوايا، عن المخارج، كذئب يعرف أن النجاة تبدأ قبل الضربة الأولى
ثم أُعلن الحكم، ستة ذئاب دفعة واحدة، لا انسحاب، لا تبديل، ولا وقت مستقطع، ضجّت المدرجات، بعضهم ضحك، بعضهم صرخ اعتراضًا، لكن الهنطاع لم يبدُ عليه أنه سمع العدد أصلًا، وكأن الفرق بين اثنين وستة لا معنى له إن كان القتال محتومًا
دخلوا عليه من جهات مختلفة، ستة أجساد، ستة أنفاس، محاولة واحدة لإغراقه بالكتلة قبل أن يبدأ، أولهم اندفع بقوة مباشرة، لم يصده الهنطاع، تركه يمر، تعمّد الانحراف نصف خطوة، ففقد المهاجم توازنه وانفتح ظهره، ضربة واحدة قصيرة أسكتته وأسقطته خارج المعادلة دون سقوط مدوٍّ
الثاني والثالث حاولا الإطباق معًا، لكن الهنطاع كان قد تحرك، لا يقاتل في المنتصف، لا يسمح للدائرة أن تكتمل، جذب أحدهما إلى الآخر، استدار، جعل الضربة تصيب صاحبها، وفي اللحظة التي ارتبك فيها الاثنان حطم ركبة أحدهما، لا ليسقطه، بل ليبقيه واعيًا بالعجز
الذئاب الباقون تراجعوا خطوة، فهموا متأخرين أنهم لا يطاردون خصمًا، بل فخًا متحركًا، حاولوا التنسيق من جديد، توزيع الأدوار، لكن الهنطاع لا يمنح الوقت، هاجم الرابع قبل أن يستقر الاتفاق، ضرب القصبة الهوائية بحافة الساعد، لا بقوة، بل بدقة، فسقط وهو يختنق بالصمت
عاد الخامس بشراسة يائسة، ضرب، عضّ، خدش، تلقّى الهنطاع بعض الأذى، سال دم خفيف على صدره، لكن عينيه لم تتغيرا، لم يرتفع نفسه، لم ينكسر إيقاعه، انتظر الاندفاع الكامل، ثم كسّر العمود الفقري بحركة لولبية أنهت المقاومة دون استعراض
بقي السادس، وقف مترددًا، نظر حوله إلى الأجساد، إلى الواقف وحده أمامه، إلى الدم الذي لم يُثر غضبه بل زاد هدوءه، حاول التراجع، لكن الساحة لا تعترف بالانسحاب، تقدّم بخوف مقنّع، تلقاه الهنطاع دون قسوة زائدة، ضربة أسقطته أرضًا ثم خطوة إلى الخلف، كأن القتال لم يعد يعنيه بعد الآن
ساد صمت ثقيل، لم يأتِ التصفيق فورًا، الجمهور احتاج لحظة ليفهم، لم يكن ما رأوه عنفًا، بل بقاء، لم يكن استعراض قوة، بل درسًا في كيف يُهزم العدد حين ينهار الإيقاع
وقف الهنطاع في منتصف الحلبة، آثار المعركة على جسده، لكن روحه بلا خدش، لم يرفع يديه، لم ينظر حوله، فقط استدار وغادر كما دخل، تاركًا خلفه ستة أجساد وحقيقة واحدة تسري بين الذئاب
أن الأساطير لا تُقاس بعدد خصومها
بل بعدد اللحظات التي لا تخطئ فيها القرار.
مع عودة النار إلى ذروتها لم يُمنح الجمهور وقتًا لالتقاط أنفاسه، فاليوم لم يكن يوم تدرّج، بل يوم سحقٍ متتالٍ، وبدأ المشهد بدخول آدم، هادئ الخطوات، مستقيم الظهر، كأنه يعرف سلفًا أن الزمن الذي سيقضيه في الحلبة لا يستحق التهيؤ
لم ينتظر آدم أن تُبنى الدائرة، هجم مع أول إشارة، خصمه حاول تثبيت المسافة، والثاني حاول الالتفاف، لكن آدم لم يُفكر في الفصل بينهما، جمع الصدامين في لحظة واحدة، حركة خاطفة، ضربة كاسرة للأول، ودوران قصير أنهى الثاني قبل أن يُدرك أن المعركة بدأت أصلًا، لم تتجاوز الثواني ما يكفي لهتاف كامل، سقط الخصمان كأن الأرض سُحبت من تحتهما، وبقي آدم واقفًا وحده
لم يلتفت إلى القضاة، ولا انتظر الإعلان، اكتفى بأن استدار ببطء، رفع يده، وأشار بإصبعه نحو الصخرة حيث يجلس هشمير، إشارة واضحة لا تحمل استفزازًا مباشرًا بل غرورًا مكشوفًا، كأنه يقول أنا هنا، وأنا أراك، ضجّت الحلبة بين معجب وساخط، بينما ظل هشمير ساكنًا، لا يرد، ولا يعلّق.
ثم تبدل الإيقاع تمامًا عند نداء الذئبة المتخفية، دخلت جود دون ضجيج، لكن خصومها لم يكونوا من السهلين، ذئبتان من أرض أوفرون، قتالهن معروف بالقسوة والصبر الطويل، لم يهاجمن دفعة واحدة، بل اقتسمن الحلبة بينهما، ضغط من جهة، وقطع طريق من الجهة الأخرى، حاولن إنهاكها قبل الاقتراب
جود تحركت بحذر، ضربت وانسحبت، تلقت إصابة في الذراع، ثم أخرى في الخاصرة، سقطت مرة واحدة وعادت واقفة، دمها اختلط بالتراب، لكن عينيها بقيتا يقظتين، كسرت أحد الإيقاعين أولًا، دفعت إحدى الذئبتين إلى الزاوية، أنهت مواجهتها بضربة مجهدة استنزفت ما تبقى من قوتها، ثم واجهت الثانية بجسد أثقل وأنفاس متقطعة، انتصارها لم يكن جميلًا ولا سريعًا، لكنه كان صادقًا، خرجت واقفة بالكاد، صامتة، وقد أخذت المعركة منها أكثر مما أعطيتها.
لم يهدأ الجمهور، بل ازداد توتره، لأن الاسم التالي لم يكن اسمًا عاديًا، ومع أول خطوة لهشمير داخل الحلبة انفجر الوادي، صراخ، تصفيق، عواء ارتطم بجدران الجبال، النار اشتعلت أعلى، والهواء نفسه بدا أخف من أن يتحمّل الهتاف
وقف القاضي ورفع صوته معلنًا التحدي، ستة ذئاب دفعة واحدة لمواجهة الأسطورة، قبل أن يُكمل كلماته رفع هشمير يده، لم تكن حركة طلب، بل أمر، وصوته اخترق الضجيج كحد السكين
بل عشرة
سكتت الحلبة دفعة واحدة، لا هتاف، لا اعتراض، فقط ذهول ثقيل، حتى القضاة تبادلوا النظرات، أما هشمير فابتسم ابتسامة قصيرة، ثابتة، تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا حين يكون واثقًا أن ما سيحدث بعد لحظات لن يكون نزالًا، بل ذكرى تُضاف إلى ما لا يُنسى
لم يستغرق انتصار هشمير زمنًا يمكن قياسه، لأن ما جرى لم يخضع لإيقاع النزالات المعتاد، منذ اللحظة التي أحاطت به الذئاب العشرة لم يكن هو من في المنتصف، بل هم، كأن الحلبة انغلقت عليهم معه داخلها، تحرك بخطوة واحدة فقط، خطوة جعلت الدائرة تنكسر، ثم بدأ السحق بلا استعجال ولا تردد
لم يندفع، لم يصرخ، لم يبدّد القوة، مخلبه خرج مرة واحدة كافية لإخراج أول خصم من المعادلة، جسد سقط ولم يعد جزءًا من المشهد، الثاني حاول القفز فاستقبله هشمير بكتفه، حركة بدت بسيطة لكنها أسقطته كخشب ميت، الثالث والرابع لم يُمنحا حتى فرصة بناء هجوم، ضربات قصيرة، قريبة، حاسمة، كأن الجسد يعرف أين يضعها دون تفكير
حاول الباقون التراجع، لكن المسافة كانت قد انتهت، هشمير لم يطاردهم، هو فقط تقدّم، ومع كل خطوة كان أحدهم ينهار، صرخات متقطعة، ثم صمت، وعندما سقط العاشر لم يكن الجمهور قد استوعب كيف انتهى كل شيء بهذه السرعة، النار استمرت بالاشتعال، لكن الحلبة نفسها بدت كأنها انحنت
وقف هشمير في المنتصف، لم يرفع يديه للنصر، لم ينتظر إعلانًا، أدار جسده ببطء، ومسح الحلبة بنظرة متعالية، ثم بدأ السير أمام الذئاب صفًا بعد صف، غروره لم يكن صاخبًا، كان أثقل من الصوت، كأنه يمشي فوق يقين قديم، رؤوس انخفضت دون أمر، وأعين تراجعت دون تهديد
وعندما بلغ طرف الحلبة توقف، رفع ذراعه، وأشار بإصبع واحد، إشارة لم تكن عشوائية، كانت مستقيمة، دقيقة، نحو المكان الذي يقف فيه يامان منتظرًا دوره، لم ينطق باسم، لم يبتسم، لكن الإشارة كانت أوضح من الكلمات
ساد همس واحد في المدرجات، همس تحول إلى فهم جماعي، هذه ليست حركة استعراض، هذه وعد، والجمهور أدرك في تلك اللحظة أن هشمير لم يأتِ ليحصد البطولة فحسب، بل ليقضي على ذلك الذئب الغامض في أول فرصة، ليكسر اللحن قبل أن يكتمل، وليثبت أن الأساطير حين تعود لا تسمح لغيرها بأن يولد
أما يامان فلم يتحرّك، لم يرد الإشارة، فقط ظل واقفًا، ساكنًا على غير ما يليق بمقاتل، وكأن ما رآه لم يكن تهديدًا، بل تأكيدًا لما كان يعرفه منذ البداية، أن هذا الطريق لن ينتهي إلا حين يتقاطع الاثنان، لا أمام جمهور فقط، بل أمام ذاكرة عالمٍ لا ينسى من بقي واقفًا فيه ومن سقط.
