رواية ارض الدوم الفصل الرابع عشر14بقلم رحمة نبيل
[ ربما غيرة ]
غيرة أم مجرد مشاعر غير مفهومة الهوية لا يهم، المهم أنها خفقة قلب شاذة عن ضرباتي المعتادة .
صلوا على نبي الرحمة .
تفاعل على الفصل رجاء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
صمت الجميع وتحركت جميع الأعين صوب كارا التي ألقت كلماتها وصمتت وكأنها تنتظر أن تنل صداها من الجميع وقد نالت ونصف حينما حرك الجميع عيونهم بين بعضهم البعض بصدمة كبيرة، وقد كانت كلمة القتل كلمة ثقيلة في نفوسهم، يقرأون عنها في الأخبار فقط، لكن في حياتهم البسيطة الهادئة سابقًا، لم يصلوا من المصائب لمرحلة القتل، هذا في حال استثنينا مشاهد حمل مسلم للسلاح وإطلاق النيران على اثنين منذ خطا للمكان هذا ..
وحين القول أنهم لم يصطدموا يومًا بمثل هذه الأفعال، لم يكن الحديث يشمل كلٌ من مسلم وحاتم الذي اعتدل في جلسته يردد بهدوء مرعب :
_ قتل ؟؟؟
وهذه كانت أول ردة فعل بعد حديث كارا، لتشرح لهم الأخيرة ما تعلم عن الأمر:
_ سمعتهم بيتكلموا في يوم عن الموضوع ده، البارو متورط في جريمة قتل وخيوطها كلها بين ايد معتز وابنه والمحامي، يعني لو عايزين توصلوا لأرضكم لازم توصلوا للمحامي ده لأن اللي فهمته أنه طول ما هو موجود مش هتوصلوا لحاجة، وإلا كان جدكم وصل قبل كده .
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدا أن كل شيء يصبح أكبر وأكبر، الأمر لم يعد مقتصرًا على البارو أو أهالي القرية الاغبياء، ولم يعد الأمر مجرد ورقة يحصلون عليها .
_ طب وتعرفي ايه اللي مخلي المحامي ده يعملهم كل ده؟ ماسكين عليه ذلة هو كمان ولا ايه ؟!
وكانت هذه كلمات أحمد الذي بدأ عقله يعمل سريعًا، لتجيبه بالنفي :
_ معرفش والله، بس معتقدش أنهم ماسكين عليه ذلة، اللي زي ده بتشتريه بمصلحة مش بتهديد .
ونعم كان حديثها مقنعًا للغاية، ويحيى يتابع كل ذلك بهدوء وشيء واحد لفت انتباهه من حديثها :
_ أنتِ بتقولي سمعتيهم، سمعتيهم ازاي ؟! وعرفتي ده كله منين بالظبط مش فاهم؟ أنتِ بتشتغلي عندهم ولا ايه ؟!
رفعت حاجبها بعدم فهم :
_ بشتغل عندهم ؟! لا أكيد.
- امال عرفتي منين كل ده ؟؟ ضربتي الودع ؟؟
أجابت ببساطة شديدة وهي تهز كتفها وكأنه لا شيء :
_ لا عادي عرفته عشان كنت عايشة معاهم طبيعي طول فترة جوازي .
تشنجت ملامح يحيى بقوة وهو يهمس بعدم فهم بعدما انتفض جسده جزئيًا :
_ جوازك ؟!
_ ايوة عز الدين طليقي .
أطلق يحيى ضحكة غير مصدقة وهو يسمع ما يقال للمرة الأولى على مسامعه وقد شعر أن القصة التي كان يسردها في عقله منذ ثواني، فسدت :
_ نعم ياختي ؟؟
تعجبت كارا من حديثه ترمش بعدم فهم وهي تنظر حولها :
_ ايه ؟؟ قولت حاجة غلط ولا ايه ؟! بقولك إن عز الدين طليقي وعشان كده اعرف عنهم حاجات كتير .
ابتسم مسلم دون شعور على شقيقه وهو يرى صدمته وقد أدرك أن يحيى معجب بالفتاة، ولقد تلقى لتوه ضربة لن يتعافى منها قريبًا، نفس الضربة التي تلقاها حينما علم أن فروشكا كانت متزوجة والآن أرملة.
منح يحيى كارا نظرة جانبية حادة وقد كان يشعر بالغيظ، يحاول التنفس وهي لا تفهم ما يحدث :
- فيه ايه ؟!
_ كل خير إن شاء الله يا ضنايا، والحلوة بقى اتطلقت ليه بيشخر وهو نايم ؟!
_ وأنت مالك ؟؟
اتسعت عيون يحيى بصدمة من كلماتها، وأحمد أطلق ضحكة مرتفعة عليه :
_ لازم يعني تسمع ليك كلمتين ؟؟ ليه تتحشر في اللي ملكش فيه !؟
_ يا شيخة والله ربنا نجده، مش هو حيوان وزبالة ؟! بس ربنا نجده أنه طلقك، اكيد مكانش طايق يقعد معاكِ في مكان واحد أنتِ وبوزك .
انتفض جسد كارا وهي ترفع إصبعها في وجهه لا تصدق مقدار الوقاحة التي أوصلته للتدخل في حياتها وهي لم تقابله سوى مرات معدودة فقط :
_ ما تحترم نفسك يا جدع أنت، أنت مالك نازل تطيح فيا من الصبح كده ليه ؟؟ بعدين أنا اللي أجبرته يطلقني اساسا عشان مش طايقة العيشة معاه .
نهض يحيى يقف أمامها يصرخ بغضب وقهر من خيبة أمل في قصة الاعجاب التي استمرت يوم ونص، كان يأمل لبداية قوية لقصة ملحمية كالتي يقرأ عنها، لكن ربما كُتب عليه عيش قصته بدور ثانوي :
_ أنتِ برضو اللي مش طايقة العيشة معاه يا بجحة ؟؟
_ اهو أنت اللي بجح وستين بجح، بعدين أنت دخلك ايه يطيقني ولا لا ؟؟ ده زحف ورايا عشان بس أقبل اتجوزه .
رفع يحيى يديه في الهواء وهو يصرخ ببسمة غير مصدقة، وغيظ وكأنه يصطاد لها أي كلمة انتقامًا على تخريب قصته، ونعم هو لم يحبها لكنها ...أعجبته وظن أنه ربما ينال قصته الخاصة معها .
_ كمان ؟؟ كمان كسحتي الراجل ؟؟ يا شيخة أنت ايه بجد ؟!
واتسعت عيون كارا من كلماته وهي تندفع صوبها تصرخ بعدم فهم لذلك الرجل :
_ أنت يا بني مالك كده ؟! مجنون أنت ولا ايه ؟!
كانت تتحرك صوبه وقد كانت على وشك نشب كل أظافرها في وجهه لولا نورهان التي امسكتها بسرعة تربت عليها بمراضاة :
- معلش والله ما يقصد، والله لو تعرفيه هتعرفي أنه يحيى مش الراجل اللي تضيعي مستقبلك عشانه .
_ ده ليه إن شاء الله مستقبلها فيه ايه اهم مني ؟؟
رفعت كارا حاجبها بسخرية لاذعة، لكنها لم تتحدث بكلمة تحاول تجاهل نظرات يحيى الذي ما يزال يرمقها بحنق وكأنها فعلت له شيء خاطئ .
ومسلم فقط يستمع، وكل أفكاره تتحرك نحو الوصول لذلك المحامي الذي إن وصل له ربما قد يصل لما ينهي كل ذلك ويحرره من قيد هذه القرية ومن جميع من بها .
ربما إن تمكن من اختراق هاتف عز الدين أو والده أو البارو ربما يستطيع الوصول لذلك المحامي، ربما، لكن كيف ....
_ فروشكا .
كانت كلمة نطق بها حاتم بصوت منخفض وكأنه يقرأ افكار مسلم، استدار له مسلم بعدم فهم ليتحدث حاتم بجدية :
_ الشخص الوحيد اللي ممكن يساعدنا بهالموضوع هو فروشكا، يمكن تقدر توصل لهالزلمة… بالنهاية هي بنت البارو.
تشنجت ملامح مسلم برفض لما يقال يرفض الإطاحة بها في هذا الأمر أو حتى الاقتراب منها بالقدر الذي يسمح له بطلب هكذا طلب :
_ خرجها من الموضوع ده يا حاتم، هي ملهاش علاقة بيه ومش هندخلها فيه، كفاية اوي كده .
_طيب برأيك مين غيرها ممكن يساعدنا؟؟ بدك تقتحم بيته للمرة الثالثة وبلا أي فايدة؟؟
رفع له مسلم حاجبه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت يحيى يشتد في الصراخ وقد علم أن الجنون الخاص بشقيقه قد خرج عن تحكمه .
_ يا بنتي هو حد كلمك، مش فاهم ايه رمي الجتت ده ؟؟
هزت كارا رأسها وقد شعرت بالتعب من التحدث مع هذا الشاب والذي للأسف الشديد رغم كل أفعاله هذه إلا أنها انجذبت له، والغبيى ما تزال تراه مبهرًا حتى بتصرفاته الحمقاء هذه، ربما بسبب شخصيته المختلفة عن جميع الرجال حولها، لكن كل ذلك لم يشفع له أمام عيونها في هذه اللحظة، وهي تتنفس بضيق .
_ ربنا يهديك أنا همشي قبل ما اعمل حاجة نندم كلنا عليها .
ابتسم لها يحيى بسمة صغيرة جعلتها تنظر له بعدم فهم وهو ردد ببساطة شديدة يلوح بيده :
- طيب يا ستي طريق السلامة.
رمشت بعدم فهم ولم تكن تفهم هل يسخر منها أم يتحدث بجدية مثلًا .
وعيسى تحدث وهو يحاول انقاذ مستقبل شقيقه الاحمق الذي لا يستطيع التعامل بشكل صحيح مع النساء رغم كل الروايات التي يقرأها طوال الوقت :
- مش قصده، معلش هو يحيى كده، بكرة تعرفي أنه لما بيستريح مع حد بيقل بيه .
ابتسم له يحيى وهو يجذب عيسى من رقبته من الخلف صوب أحضانه يضمه جانبيًا من كتفه متحدثًا من أسفل أسنانه بضيق :
_ اه طبعًا وانت بذات معزتك كبيرة عندي يا عسعوسي .
تنفس عيسى بضيق وهو يحاول الإفلات من يده يصرخ بضيق شديد :
- أوعى يا عم، وبطل الدلع المقرف ده، يا مسلم .
نطق الكلمة الأخيرة وهو يستنجد بمسلم، ليتحرك الأخير صوبهم يحاول أن يفك بينهم، وقد اشتعل القتال بينهم، وكارا تتابع بصدمة ما يحدث لا تصدق تصرفات يحيى أمامها، ذلك الرجل ...غريب ومريب .
_ لا عادي ده يحيى بيعبر عن حبه لعيسى، بكرة تتعودي .
وكان ذلك صوت نورهان التي تقف جوارها تراقب ما يحدث بملل، هزت كارا رأسها وهي ترفع يديها باستسلام تتحدث بضيق وهي تتحرك للخارج :
_ ربنا يعينكم، انا قولت اللي عندي واتصرفوا في الباقي .
ومن ثم رحلت تاركة خلفها حرب طاحنة بين عيسى ويحيى وقد بدأ الشجار يزداد حدة أكثر وأكثر حتى ارتفعت الأصوات في المكان .
تنفس مسلم بقوة وهو يفرك وجهه يحاول أن يتخلص من صداع رأسه وصداع إخوته، لكن فجأة شعر باقتراب حاتم له وهو يهمس بصوت منخفض :
_ مسلم أخدت ادويتك ؟؟
رفع مسلم عيونه له بعدم فهم، فهو تجاوز هذه النقطة منذ فترة طويلة ربما شهور طويلة منذ آخر نوبة له، حتى ادويته كان يأخذها على فترات متباعدة بعدما قلل جرعته :
_ مش فاهم ؟!
_ ادويتك مسلم، شو اللي مو فاهمه ؟؟
_ أدوية ايه يا حاتم ؟! انا مقلل جرعة ولا ناسي ؟!
ولم يكد حاتم يجيبه بكلمة حتى تدخل أحمد وهو يردد بجدية بعدما نجح أخيرًا في فض الشباك بصعوبة :
_ أنا ازاي نسيت الموضوع ده ؟؟
نظر الجميع صوبه بعدم فهم ليهتف أحمد بجدية كبيرة :
- استاذ علاء المحامي بتاع جدك فرج الله يرحمه، اكيد فيه معاه حاجة تساعدنا، اللي اعرفه إن جدي فرج كان معاه ورق مهم جدا، ليه منسألوش ؟!
انتبه له مسلم بجدية :
- معاك رقمه ؟؟
نفى أحمد يردد بجدية كبيرة :
_ بس جدي حليم اعتقد معاه، هكلمه .
وبالفعل اخرج الهاتف وهو يتحرك خارج المكان يتصل بجدهم تاركًا الجميع وقد شعروا بانتعاشة أمل بعد الاخبار الجديدة التي وصلوا لها .
ربما تكون هذه بداية جيدة لهم .
نظر الجميع لبعضهم البعض، ومسلم جلس بهدوء وهو يتنهد بتعب شديد يحاول تصفية ذهنه وكل ما يدور في عقله أنه يحتاج أن يعتزل بنفسه بعيدًا عن الجميع كي يفكر بشكل جيد، فهو منذ الصباح يشعر بتشوش شديد .
لذا نهض وهو يتحدث بصوت خافت :
- هروح اشتري حاجة من الماركت اللي هنا لغاية ما أحمد يوصل للماحمي وهرجع بسرعة .
رفع عيسى عيونه يراقب مسلم الذي هرول من المكان يردد بعدم فهم :
_ تجيب ايه مش فاهم ؟؟
_ هشتري سجاير....
ومن ثم اختفى من أمام الجميع، ولم يلمحه أحدهم لتتحرك الأعين صوب حاتم بسرعة وكأنه يحمل اسرار مسلم، فرفع الأخير عيونه لهم يردد بعدم فهم .
_ والله العظيم إني مش أمّ مسلم، أنا بس رفيقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة وما تزال تشعر أنها تحلم، نعم تحلم فما حدث ليلة أمس لا يمكن أن يُصنف سوى مجرد حلم..مخيف .
مسلم كان هنا في غرفتها يتصرف بشكل ...غريب، ينظر لها بشكل مخيف، ويتحدث بشكل لا يشبهه، كانت ما تزال في صدمة اقتحام شاب لغرفتها ليلة أمس.
أغمضت عيونها بقوة وهي تقنع نفسها أن كل ذلك كان حلم، كله كان حلمًا، لكن انعكاس لفافات الحلوى في المرآة كانت كما لو أنها تسخر منها وتخرج لسانها لها .
تحركت خارج الغرفة بسرعة وهي تبحث عن شيء تشغل به عقلها عن كل تلك الأفكار، علها تتعثر في شيء يفيقها من كل هذا .
_ نزلتي ليه يا رايانا ؟؟ استريحي لغاية ما تبقي كويسة، يلا اطلعي وهجيب ليكِ أكلك .
تنهدت رايانا بتعب شديد وهي تحاول أن تعدل خصلات شعرها، لكن يدها التي كانت مربوطة لجسدها حالت لما دون ذلك .
- تعبت من النوم يا شيما قولت انزل اطمن على جدتي واشوفها عاملة ايه .
_ جدتك أخدت الدوا من شوية واستريحت، روحي أنتِ كمان استريحي شوية .
زفرت رايانا وهي تنفي برأسها، تنظر لباب غرفة والدها بنظرات جانبية قبل أن تتحدث بجدية :
_ طيب انا هخرج هروح لساڤا لأني حاسة بملل ولو فضلت في اوضتي ثانية هتخنق واموت.
نظرت لها شيما بتردد وقد خافت أن يمسها عمها بسوء إن ابصرها وقد نجت بصعوبة من أسفل يديه البارحة، لكنها رغم ذلك ابتسمت لها بسمة صغيرة :
_ طب خدي بالك من نفسك وابعدي عن بيت عمك .
مرت لمعة خطيرة بعيون رايانا تبتسم بسمة صغيرة وهو تومأ برأسها، كأن شيما ذكرتها للتو أن هناك ثأر لها مع عمها، نظرت ليدها بتردد، تتحرك خارج المنزل بهدوء :
_ متقلقيش مش هتأخر، ساعتين كده وراجعة.
ومن ثم اختفت بسرعة تتحرك صوب الجزء الخلفي لمنزلها، تنظر بعيون ملتمعة صوب شيء لطالما كان محرمًا عليها، شيء لم تكن تجرأ لتقترب منه مخافة أن تخدشه فيغضب والدها، لكن والدها الآن لا يمكنه استخدامه بعد الآن، إذن لتستخدمه هي في شيء نافع .
نظرت للمفاتيح بيدها ببسمة واسعة وقد التقطتها البارحة حينما كان والدها بالمرحاض، تتحرك صوب السيارة الخاصة بوالدها تراقبها باهتمام وبسمة واسعة قبل أن تصعد لها .
إن سألتها هل تستطيع القيادة؟! ستخبرك نعم.
بيد واحدة ؟؟ لا، وهذا المطلوب .
وضعت المفتاح بمكانه بالسيارة وهي تراقب المرآة، ثم رفعت عيونها تحركها لخارج المنزل تحديدًا منزل عمها ..
وفي ثواني وبدون تفكير تحركت بها بسرعة مرعبة من مكانها، وقد كان التحكم بها بيد واحدة صعب، لكنها لم تتوقف، في الثانية التي خرجت بها شيما برعب بسبب صوت الضوضاء .
اتسعت عيونها وهي تبصر ما يحدث أمامها تحاول الصراخ من الرعب، لكنها تجمدت ارضًا وهي تبصر ما جعل عيونها تتسع بصدمة، رايانا تحطم باب منزل عمها بالسيارة وتندفع بها للمنزل نفسه .
أما عند معتز كان محطم الجسد على فراشه لا يعي بما يحدث حوله وعز الدين يراقبه بصدمة، لا يصدق ما حدث، في الصباح سمع أحد الرجال يناديه ليلتقط والده الذي كان محطم الجسد في أحد الأزقة الجانبية بالقرية دون أن يسأل عنه أحدهم وكأنه خرقة بالية .
وسكينة تقف جوار ولدها تتابع زوجها بصدمة كبيرة، تحاول أن تتماسك وتفهم ما يحدث، لكن فجأة انتفضت الأجساد على صوت تحطم قوي.
هرول عز الدين بسرعة صوب الباب وهو يحاول فهم ما يحدث، لكن لم يكد يستوعب شيء حتى وجد سيارة تحطم البوابة الرئيسية لمنزلهم وتتجه بسرعة كبيرة صوب البوابة الداخلية، أطلق صرخة هلعة وهو يبتعد عن الباب .
في اللحظة التي اصطدمت بها رايانا بالسيارة بالباب تحطمه بالكامل، وقد كانت قيادتها صعبة بيد وهذا تسبب في أضرار أخرى جانبية .
تراجعت بالسيارة وهي تطل برأسها تنظر لعز الدين الذي كان ما يزال يحدق بالباب بصدمة كبيرة :
_ ابقى وصل سلامي لعمي وقوله المرة دي جات في الباب الجاية هتكون فيك أنت وهو، وأقسم بالله ما هعديها ليكم تاني أنت وهو .
ومن ثم تراجعت بالسيارة الخاصة بوالدها بسرعة تتحرك بها داخل المنزل تتركها هناك، ومن ثم رحلت بهدوء صوب وجهتها وقد كانت من التعقل الذي يجعلها لا تتحرك بها داخل القرية بهذه الحالة .
كل ذلك وعز الدين يشعر أنه يحلم، رايانا كل يوم يزداد شرها وقد تسبب مرض والدها في زيادة عجرفتها بعدما اطمئنت أن لا رقيب لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تركت السيارة جانبًا وهي تكمل طريقها على الأقدام تحسبًا لأي حادثة قد تحدث بسبب إصابة يدها، تتحرك بين طرقات القرية بملامح وجه مشوهه ويد محطمة بالكامل .
وفي طريقها لمنزل ساڤا، توقفت أقدامها وهي تسمع صوتًا مصدوم خلفها يهتف بصوت خافت :
_ رايانا ؟؟ ايه اللي حصلك ؟!
توقفت اقدام رايانا وهي تستدير ببطء صوب الصوت لتجد محمد يقف أمامه بصدمة كبيرة وهو يراقب جسدها ووجهها يتحرك صوبها بلهفة ورعب :
- رايانا، مالك ؟! مين عمل فيكِ كده ؟؟ ازاي ....ازاي ...دراعك مكسور ؟؟
نظرت رايانا سريعًا لذراعها وهي تبتسم بسمة صغيرة ترفض أن تبصر شفقة في عيون أحدهم، وخاصة محمد، الوحيد الذي يقدرها في هذا المكان تقريبًا .
_ أنا بس وقعت وقعة جامدة شوية متقلقش مفيش حاجة .
ومحمد اتسعت عيونه بقوة لا يدري كيف وصلت لهذه المرحلة من الجروح يشفق عليها وجعها :
_ مفيش حاجة ؟؟ بتهزري؟ تعالي معايا أنا كنت في طريقي للعيادة، تعالي اشوف دراعك ده بدل ما يكون التواء خطير .
ابتسمت له بتقدير على ذوقه ولطفه تود الهروب لمنزل ساڤا :
_ صدقني مش مستاهلة الدكتور امبارح جه و...
_ رايانا .
وطريقة نطقه لاسمها جعل دون إرادتها تتذكر همسة أخرى بنبرة رخيمة حنونة، همسة لا تقارن بكلمة محمد البريئة، ابتلعت ريقها وقد ارتجف جسده من الذكرى ولا تدري خوفًا أو تأثرًا بما أبصرت من حنان الأمس.
استفاقت على صوت محمد وهو يهمس لها برجاء وقلق :
_ لو سمحتي خليني اطمن عليكِ، العيادة على أول الشارع مش هأخرك صدقيني .
نظرت له بتردد فابتسم لها بسمة التمعت بعيونه السوداء وهو يهز رأسه لها بخفة :
_ خديني على قد عقلي معلش .
ابتسمت له دون شعور تهز كتفها وهي تتحرك معه بهدوء تكره أن تحزنه وهو كان من اللطف ليعرض مساعدته كطبيب :
_ والله تلاقيك زهقان مش لاقي حاجة تعملها فقولت تاخدني تتسلى بجروحي شوية .
ضحك محمد بقوة وهو يتحرك معها صوب العيادة، ينظر لها بطرف عيونه بجدية :
_ ما عاش اللي يتسلى بجروحك يا رايانا .
صمتت رايانا ولم تتحدث بكلمة وهي تتبعه صوب العيادة، لا تفهم ما يفعل محمد وسببه، لكنها تشعر ...بشعور غريب، ولا تستطيع تصنيف إن كان هذا الشعور يعجبها أو يخيفها، هي لا تستطيع تحديد كامل مشاعرها منذ ليلة أمس.
وعلى بُعد صغير كان يقف هو يتابع المشهد الرومانسي الذي نشأ بين الاثنين ببسمة جانبية ساخرة، يضم ذراعيه لصدره، وقد كان لتوه في طريقه صوب البحيرة، ليصطدم بهذا المشهد الشاعري في منتصف الساحة، وحسنًا هو لا يدري السبب لكنه لا يحب أن يتجاوز إعجابه بشخصية الفتاة حدود المنطق لدرجة أن يغضبه مشهد كهذا .
تنفس بعنف وهو يتجاهل ما يحدث، في الأساس هو خرج فقط ليصفي ذهنه، لا ينقصه فروشكا وكل ما تفعله بعقله، هذه الفتاة أصبحت تسبب له إزعاج لا يطاق ويقسم بالله أن أول سبب سيهرب منه من هذا المكان سيكون هي، فقط ليعود لطبيعته بعيدًا عنها .
تنهد وهو يستدير ليرحل بهدوء صوب البحيرة التي قرر أن تكون مسكنه، لكنه وجد نفسه يستدير ويتبعهم صوب المكان الذي لا يعرف له من هوية حتى الآن ولا يهتم، لكنه فقط كان ...فضوليًا ليعلم ما يريد هذا الشاب منها، ربما كان يضمر لها سوءًا من يعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تنفس بصوت مرتفع وقد حاول سحب أكثر قدر من الهواء أصدره كي يهدأ، لكن الصوت جواره جعله يحبس أنفاسه حتى كاد يختنق وهو يسمع :
_ ممكن افهم ايه اللي بيحصل هنا ؟؟
فتح حاتم عيونه بقوة وقد زفر أنفاسه وكأنه كان يختنق، ينظر صوب جسد نورهان التي اخفت ضوء الشمس خلفها، ولا تفهمونه بشكل خاطئ فهذا لم يكن لأنها تقف بزاوية تؤثر على وصول الشمس له، بل يبدو أن الشمس توارت خلف بهائها، ونعم كانت هذه جملة جيدة كان يمكن أن يستخدمها في محاولة إثارة اعجاب صديقة له بالاعدادية، وليس امرأة تزوجت وسمعت من الغزل ما يفوق قدرته المحدودة السخيفة .
لكن ماذا يفعل وهو يتجمد أمامها غير مصدقًا حتى الآن أنها حقيقة وليست مجرد وجه مبتسم محبوس في إطار صورة قديمة .
_ شو ما فهمت عليكِ ؟!
_ لا أنت فاهم وكويس اوي كمان، أنت ويحيى وأحمد عارفين حاجة ومخبيين علينا، بخصوص مسلم، ازاي يصحى مش فاكر ايه اللي حصل ؟؟ ده كأن ذاكرته اتمسحت؟؟ هو ماله، اخويا ماله يا حاتم ؟!
_ شو؟ مين ؟!
_ هو ايه اللي مين ؟! بقولك مسلم ماله يا حاتم ؟!
_أولًا وقبل كل إشي، يمكن يفيدنا إحنا الثنين إنّه نحط شوية ألقاب قبل ما ننادي الأسماء… هيك بكون الموضوع أسهل إلنا إحنا الاثنين.
اتسعت عيون نورهان من كلماته وقد شعرت بالإحراج من وقاحته، وحاتم كان يمكن أن يتآكل ندمًا على ما نطق به منذ ثواني، لكنه لا يعلم ما يفعل وهي تستمر في نطق اسمه بهذه الطريقة التي تشتته، وهو ليس احمقًا ليذوب من مجرد نطق اسمه كما الأفلام الغبية، للأمر أبعاد أخرى سيحب الاحتفاظ بها لنفسه .
_ أنا لما بناديك حاتم بيكون لأن ده اسمك وفي النهاية أنت اصغر مني يعني مكنتش اعتقد إن الألقاب هتفرق بالشكل ده، بس تمام، ممكن تقولي يا استــــاذ حاتم اخويا ماله ؟؟
ونعم هذا اغضبه وبشدة، تذكيره أنها تكبره ولو حتى بمجرد أيام يشعره بكم هي بعيدة عن رؤيته كرجل يصلح ليكون رفيقًا لحياتها يومًا ما .
_ شو ماله مسلم؟! منيح الزلمة وما فيو شي .
تشنجت ملامح نورهان بقوة وهي تقترب دون انتباه مرددة بسخرية :
- منيح ؟ والله أنت اللي مش منيح ودماغك مش منيحة، أنت مفكرني عبيط .
- العفو آنسة، بس مو شايف إشي يخليكِ تحسي بالقلق على مسلم، ما شاء الله متل الحصان بيرمح .
تنفست نورهان بصوت مرتفع وقد أدركت أن حاتم يحاول أن يبعدها عن الأمر لتضغط على أسنانها وهي تهتف بضيق :
_ استــــاذ حاتم، لو سمحت قولي ماله اخويا، بدل والله اروح لمسلم نفسه احكيله اللي حصل امبارح واعرف ايه اللي حصل .
نظر لها بشك، فابتسمت له بتحدي وهي تتحرك للخلف :
_ تمام اتفرج بنفسك .
ولم تكد تتحرك حتى اقترب هو بسرعة يصرخ بخوف أن تفعل ما تفعل به :
_ اييه شوي شوي، اهدي عحالك شوي، شو بكِ، الكلام أخد وعطا، ثم اكيد ما بتريدي أنك تتسببي باذية مسلم مو هيك ؟!
_ ايوة ما لو محدش شرحلي ايه اللي بيحصل أنا هأذيه ومن غير ما احس .
نظر لها ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع ويبدأ الشرح لها عن حالة مسلم باختصار، وهي تستمع مصدومة وبقوة ودموعها تهبط دون وعي .
_ طب ....طب ...طب ليه ؟! ازاي وليه حصل كده ؟! ايه اللي حصل لمسلم عشان يوصل للحالة دي ؟!
صمت حاتم وقد كان هذا حده الذي يتوقف عنده، يصمت دون القدرة على قول المزيد يراقب انهيار نورهان أمامه، والتي كانت تحاول الاستيعاب، في اللحظة التي سمعت بها صوت رنين هاتفها .
كانت مشتتة باكية لدرجة أنها لم تنتبه لرنين هاتفها إلا بعد ثواني، أخرجت هاتف من جيب سترتها بيد مرتجفة واعين باكية وعقل مشتت، تبحث في السطور أمامهما عن مرسى لعقلها، لا تبصر شيء بسبب دموعها وحينما طردت دموعها بصعوبة، تلاشى الحزن وحلّ مكانه الصدمة التي جعلت وجهها يشحب بقوة في ثواني .
_ شو فيه يا آنسة ؟؟
وهذه كانت المرة التي لا تعلق بها على كلمته وهي تنظر له برعب شديد تشعر بجسدها بأكمله ينتفض، تبتلع ريقها بصعوبة وقد بدأ الجحيم يرتسم في عيونها، وفي ثواني سقطت دموعها بقوة وهي تنظر حولها، ومن ثم هربت دون مقدمات من أمام عيون حاتم الذي شعر بالصدمة لردة الفعل الغريبة .
رمش يحاول فهم ما حدث، قبل أن يعي أن الأمر ربما يكون متعلق بزوجها .
تنفس بصوت مرتفع وهو يهتف بصوت غاضب يلحق بها عله يفهم ما حدث معها :
- ذلك الوسخ لكم اتمنى أن يكون هو السبب وراء صدمتها تلك لأجد لضميري مبررًا لقتله .
أما عن نورهان فتحركت بسرعة صوب أول ركن ابصرته تختفي به وهي تخرج هاتفها بيد مرتجفة تبحث عن رقم زوجها والذي كان في قائمتها السوداء سابقًا قبل أن تعيده لطبيعته وتتصل به وجسدها بالكامل يرتجف، وبمجرد أن وصل لها صوته انفجرت بالصراخ ودموعها تهبط دون قدرة على لجمها:
_ اقسم بالله أنت أكثر راجل حيوان *** شوفته في حياتي يا عادل، أنت ازاي لسه ...ازاي سمحت لنفسك تصورني بالشكل ده واللبس ده وتهددني بيه؟ أنت مفكر نفسك ايه يا حيوان أنت ؟!
_ زي ما أخوكِ ماسك عليا صور وفيديوهات يا سنيورة ولا هو حلال ليكم وحرام ليا ؟!
_ أنت لا يمكن تكون عندك دم، اخويا عمل كده عشان تطلقني وبعدين نسيك اساسا، إنما أنت...
صمتت لا تستوعب مدى الحقارة التي وصل لها زوجها السابق ليهددها بصور لها بثياب المنزل التي كان يلتقطها لها دون علمها ربما وغيرها من الصور التي شعرت بالخجل حينما أبصرتها، رغم أنه كان زوجها منذ فترة صغيرة .
_ اسمعي عشان مش فاضي ليكِ أنتِ وعيلتك، اخوكِ الزبالة ده يمسح كل اللي نزله عني واللي بعته للناس ويرجع كل حاجة زي ما كانت ويقول إن كل ده كان فيك وهو السبب، ووقتها يبقى نتكلم عشان نناقش الــ ...الاوتفيت يا قمر، باي.
ومن ثم اغلق الهاتف تاركًا إياها تقف وهي تسمع صوت طنين حولها وقد شعرت بالمكان يدور بها، وكل ما تخيلته هو وصول تلك الصور لأيادي الجميع والذين لن يضعوا لها عذر أنها كانت لزوجها يومًا .
_ آنسة شو بكِ ؟؟ بخير ؟؟
رفعت نورهان عيونها ببطء شديد تنظر له من بين ضباب دموعها تهمس كلمات بدت له غير واعية :
_ طلع اسوء مما تخيلت .
ومن ثم ظلام أحاط بها وكان آخر ما سمعته هو صرخة حاتم الهلعة باسمها :
_ نــــــورهــــــــان .......
ــــــــــــــــــــــــــــ
تراقبه يتحرك حولها في عيادته الخاصة والتي جهزها بكل ما قد يحتاجه منذ عودته من القاهرة.
محمد الطبيب الهادئ والمسالم، كان واحدًا من القلائل الذين لا يخافونها منذ طفولتهم، يحنو عليها ويعاملها بلطف رغم تحذيرات البعض له، حتى أنه في بعض الأحيان كان يحميها من تنمر الاطفال وينال ضربًا مبرحًا لأجلها لقلة حيلته أمامهم .
من المؤسف أنه لم يعافر لأجلها يومًا كما كانت تعدها عيناه، وهل تستحق أن يفعل أحدهم ذلك ؟!
لا تعتقد أن شخص كمحمد سيتخلى عن مكانته ليقترن في النهاية بامرأة مثلها، خاصة مع وجود والده، وتهديد عز الدين الأخير.
_ اتفضلي .
رفعت عيونها صوب الكوب وهي تراقبه ببسمة صغيرة تحاول أن تخفي خجلها من الموقف برمته :
_ بشكرك يا محمد تعبتك معايا والله، أنا كويسة و...
قاطعها محمد وهو يدور حول مكتبه الذي كان يقبع في غرفة صغيرة داخل العيادة البسيطة التي بناها له والده .
_ رايانا .
صمتت وهي تنظر له بعدم فهم بسبب طريقة نطقه لاسمها، وهو لم يتوقف عند حدود الاسم، يبتلع ريقه وهو ينظر لكفه يفكر في الخطوة القادمة :
_ سمعت إن جوزك اتوفى ؟!
وكانت نبرته تحمل من الأمل أكثر من التعجب، لكنها فقط هزت رأسها ببساطة :
- الموضوع ده من وقت طويل .
_ يعني أنتِ دلوقتي خلاص مش مرتبطة ؟!
شعرت بقلبها يكاد يتوقف من مجرى الحديث الذي يتحرك به هذا الكلام، وقبل أن تجيبه وجدت فجأة جسد يظلل عليهم جلستهم وصوت غريب يهتف بنبرة مريبة :
_ اتمنى مكونش بقاطع حاجة مهمة ؟!
ونعم كانت جملة عكس ما يضمر، فهو في هذه اللحظة لم يكن يتمنى أن يقطع الحوار فقط .
يحرك عيونه بينهما وقد كان يفصل بينهم مقدار صغير، وعيونه تتحرك صوب يدها وصوب محمد، يبتسم بسمة صغيرة ساخرة يتقدم من المقعد المقابل لرايانا والذي كان يجلس عليه محمد يتحدث ببرود بعدما خيم عليه بجسده :
_ قوم من هنا .
رفع محمد عيونه بصدمة كبيرة صوب مسلم والذي هجم على عيادته دون مقدمات، وهذا يذكره بضرورة البحث عن مساعد ليراقب له المكان، ومن ثم يأمره أن ينهض من المقعد وكأنه يعمل لديه .
_ افندم ؟!
_ هو ايه اللي افندم ؟! أنت قاعد كده ليه ؟! أنت عامل الكرسي ده عشان تقعد فيه قدام المريض ؟! امال ليه عامل كرسي قدام المكتب من هناك؟!
فتحت رايانا عيونها وفمها بصدمة كبيرة من تصرفاته وكلماته والتي تظهر وكأنها تصرفات طفل صغير، تبتسم بعدم تصديق مما يفعل .
والحذر يرافق نظراتها وهي تنظر له تبحث عن لمحة من الرجل الذي زارها بالأمس.
أما عن محمد نهض عن مقعده ينظر له بعدم فهم :
_ أنا آسف بس حضرتك مين ؟!
_ مريض، مش حضرتك دكتور برضو ؟!
هز محمد رأسه بنعم :
_ ايوة، بس حضرتك أنا فيه معايا حالة دلوقتي، استأذنك تستنى برة لغاية ما اخلص و....
لكن مسلم لم يمنح له فرصة اكمال جملته وهو يسحب المقعد الذي كان يجلس عليه من خلفه، يضعه على بعد صغير من رايانا بهدوء شديد يضع قدم على قدم يبتسم بسمة باردة :
_ ولا يهمك انا مستنيك .
اتسعت عيون محمد بصدمة كبيرة لا يفهم تصرفات الرجل، ينظر له جيدًا يحاول معرفة هويته :
_ حضرتك مش من هنا صح ؟!
_ ده هيفرق معاك في التشخيص ؟!
تنفس محمد بقوة يشعر بأنه سينفجر من الغضب من هذا الرجل المستفز، وفي الواقع مسلم نفسه كان يشعر بنفسه حقيرًا مستفزًا، كان كل شيء إلا شخصيته، لكن كما يقال ( الضرورات تبيح المحظورات ) .
وإن سألته هل فروشكا من الضرورات؟
سيخبركم بل هي المحظورات .
وحسنًا سيفكر في كل هذا ويعاتب نفسه وأخيه الحقير، وحاتم القذر اللذان تلاعبا بعقله الباطني أنه معجب بها، رغم أنه ربما جذبته شخصيتها وقوتها، لكن الأمر مبالغ إن استمع لهم بحبه لها، حسنًا سيفكر في هذا بعدما يصمت ذلك الصوت الصاخب في عقله بتحطيم وجه هذا الوسيم .
تجاهله محمد وهو يعطي كامل انتباهه لرايانا التي فقدت في المقابل انتباهها وهي تنظر بطرف عيونها صوب مسلم الذي كان يراقبهم بملامح قاتل مأجور .
تشعر بالاضطراب جواره وكأنها تقابله للمرة الأولى، وعوده وصوته يترددان في أذنه منذ البارحة لا يصمتان .
_ اهم حاجة بس تستريحي عشان دراعك وضعه ميبقاش اسوء .
وحينما انتهى من الحديث تحركت عيون مسلم تلقائيًا صوب ذراع رايانا ينتبه لتوه من لفه بشكل غريب، ومن ثم رفع عيونه لوجهها للمرة الأولى تقريبًا عن قرب لهذا اليوم لتتسع عيونه بصدمة من كل الجروح التي تعلو وجهها ينطق دون شعور :
_ ايه ده ؟! مين اللي عمل فيكِ كده ؟!
حركت رايانا عيونها صوبه بعدم فهم، وشعرت بالريبة من نظراته المصدومة لها ليس وكأنه كان يواسيها بالأمس على هذه الجروح .
هو لم يسأل هذا السؤال بالأمس، هل تذكر الآن السؤال ؟!
ومحمد يتابعه بعدم فهم ما دخل هذا الرجل بما يحدث مع رايانا .
_ معذرة يعني لو بتواقح، بس أنت مالك ؟!
حرك مسلم عيونه صوب ذلك الرجل وقد علت تعابير خطيرة وجهه، يحاول أن يتماسك كي لا يقتله ربما، والسؤال هو هل هو مستعد للقتل في هذا الوضع ؟!
والإجابة كانت مرعبة لذا لم ينطقها ولو بينه وبين نفسه، لذا قرر تجاهل الإجابة وتجاهل الشاب المستفز هذا، وهو يمنح كامل انتباهه لرايانا .
_ حصل امتى كل ده ؟؟ مين عمل فيكِ كده؟؟
ورايانا كل ما نطقت به هو دون أن تنتبه لوجود محمد :
_ أنت...مش ...امبارح؟!
شعر مسلم بقلبه يتوقف لثواني قبل أن يهمس بصوت خافت :
_ امبارح ايه !؟
راقبته بصدمة وهي تعود بعيونها صوب محمد تشعر أنها تحدثت أكثر من اللازم، لذا نهضت بسرعة تبتسم لمحمد بلطف رغم ارتجاف بسمتها :
- شكرًا يا محمد أنا هاخد بالي متقلقش، عن اذنك همشي عشان متأخرش .
ومن ثم سارعت تخرج من المكان تحت نظرات مسلم الذي كان يتابعها بتشوش لولا صوت محمد الذي أخرجه من شروده وهو يتحرك ليجلس خلف مكتبه :
_ ها قولتلي مالك بقى ؟!
نهض مسلم من مقعده ينظر صوب محمد ثواني قبل أن يهز رأسه بهدوء :
_ بقيت كويس شكرًا .
ومن ثم سارع بالرحيل تاركًا محمد ينظر في أثره بصدمة، وقلق ...قلق من ضياعها المرة التي لا يعلم عددها من يده مجددًا .
وهذه المرة منافسه لا يبدو سهلًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنفس بعمق وهو يكمل حديثه مع جده يحاول أن يهدأ من كل العصبية التي تتجمع في عقله في هذه اللحظة .
_ يا جدي الله يكرمك ركز معايا، المحامي بتاع جدي فرج، استاذ علاء يا جدي .
- ايوة علاء والله كان محترم اوي الله يبارك في صحته من يومين جه زارني وجابلي برتقال زي العسل .
مسح احمد وجهه وهو يبتسم دون إرادة منه ينظر للمكان حوله، البحيرة والهدوء في الصباح الهادئ والجو الربيعي، كل ذلك يجعله يهدأ ليفكر في القادم :
_ بالهنا والشفا على قلبك يا حبيبي، ممكن بقى تبعتلي رقم تليفون استاذ علاء .
_ علاء مين ؟!
_ محامي جدي فرج يا جدي .
_ ايوة علاء والله كان محترم اوي الله يبارك في صحته من يومين جه زارني وجابلي برتقال زي العسل .
أسند أحمد رأسه على الشجرة خلفه وهو يضربها بقوة حتى كاد يحطمها، يستعين بكل ذرة صبر قد تحلى بها يومًا يبتسم دون إرادته وكأن جده يراه فيخشى أن يحزنه :
_ بالهنا والشفا يا جدي، ممكن بقى رقم الاستاذ علاء محامي جدي فرج اللي من يومين جه زارك وجابلك برتقال زي العسل ؟!
صمت من جهة الجد لثواني قبل أن يتحدث بجدية :
- وأنت محتاج رقم عمك علاء ليه ؟! الراجل بيجهز عشان طالع عمرة ومش فاضي اليومين دول .
_ أنت يعني خايف على تعب استاذ علاء ومش خايف حفيدك ينجلط بدري بدري، ايه الهم ده ياربي، يا جدي الله يكرمك يا أخي، يارب اشوفك راكب نفس الطيارة مع استاذ علاء للعمرة، تبعتلي رقمه .
_ طب ما تجرب تدور في جوجل لو الراجل اللي اسمه علاء ده مشهور وتاخد رقمه بدل الذل ده كله ؟!
وهذه الجملة لم تكن بالطبع صادرة من جهة جده، بل من خلفه حيث تلك الزائرة الغير متوقعة، وهي تراقبه ببسمة صغيرة بسيطة تجلس على فرع شجرة قريب منه .
رمش أحمد وهو يحاول معرفة إذا كانت هناك فعلًا أم مجرد خيالات لطيفها ذو الهالة الحمراء .
وقبل أن يتساءل حول شيء شعر باهتزاز الهاتف تحت يده وصوت جده يصدح :
_ طب ما تقول كده من الصبح مضيع وقتي وخلاص، بعتلك رقمه واتساب، مش فاهم لازمته ايه العطلة دي وأنت معاك واتس تبعتلي وخلاص، قولتلك مبحبش الاتصالات .
ومن ثم سمع صوت صفير ينبأ بانتهاء المكالمة، وأحمد يحدق بالهاتف مصدومًا وبشدة ممل حدث :
_ الله يسامح يحيى هو اللي مسكك تليفون تاتش .
وساڤا كانت تراقب ما يحدث باهتمام شديد، حتى انفجرت ضحكًا وبقوة على ملامحه وهي تردد من بين ضحكاتها :
_ واضح إن جدك بيحبك اوي .
رفع أحمد عيونه لها بضيق وقد علم أن صوت جده المرتفع وصل لها، يتأكد من وصول الرقم له، ثم نظر لها يردد بهدوء :
_ ايوة فعلا بيحبني جدا .
ابتسمت له بسمة صغيرة تردد بجدية وهي تهز كتفها ببساطة :
_ أنت محظوظ عامة، ربنا يباركلك فيه .
نظر لها بعدم فهم وقد كانت حيرته واضحة على نظراته كما جعلها تنظر حولها تردد بعدم فهم :
_ فيه ايه ؟!
_ أنتِ غريبة اوي، بشكل عام، شكلك وطريقة كلامك غريبة شوية على ...
صمت ولم يتحدث بالباقي والذي وصل لها واضحًا، لتبتسم بسمة صغيرة تردد بجدية :
_ الرقاصة ؟؟ مكسوف تقولها ولا ايه يا أحمد ؟!
_ لا مش مكسوف بس افتكرت اني مليش علاقة بأني اقول كده أو اناقشك في حياتك وطريقة كلامك .
هزت رأسها مقتنعة وقد أدركت منذ المرة الأولى أي نوع من الشخصيات هو، أبصرت نيته الواضحة في التحرك بعيدًا وكأنه يغلق كل الطرق ليكون قريبًا منها، وحسنًا لا تدري السبب لكنها تحب رفقته، ربما لأنه كان أول رجل لا ينظر لها نظرة تصيبها بالقرف، الرجل الوحيد الذي كانت تجلس معه دون الخوف أن يُستباح جسدها ولو بنظرة .
_ أنت بتستحقر تقعد معايا ؟؟
رفع أحمد حاجبه بعدم فهم من سؤالها، أما عنها فأكملت بكل بساطة وهي تحرك كتفها ونبرتها خرجت عادية لا مبالية رغم كل الوجع الذي التمع في عيونها :
_ اكيد يعني لو كان فيه اختيار تاني مكنتش هختار الرقص عشان تبصلي باستحقار كده .
ابتسم لها أحمد بسمة صغيرة يجيب ببساطة شديدة وقد أدرك أنها تبحث عن المواساة بين كلماته، وللاسف لن تجدها :
_ مش بنصح حد يناقش اختياراته الشخصية مع حد ميعرفوش، انا مليش دعوة تختاري اللي تختاريه انا مش ولي امرك يعني، بس اللي اعرفه، إن مفيش حاجة اسمها مكانش فيه اختيار تاني .
صمت وهو ينظر يراقب نظراتها التي نظرت له باهتمام شديد، وهو وكأنه حصل أخيرًا على فرصته ليعبر عن رأيه الصريح في المرأة التي كانت تثير غضبه منها ومن تصرفاتها كلها .
_ فيه حاجة اسمها ملقيتش اختيار أسهل من كده، فكسلت اتعب نفسي واخترت ابسط شيء قدامي وهو إني أبيع نفسي، اختلاف مسميات يا ...ساڤا مش كده ؟؟
تنفست ساڤا بعنف من كلماته، وقد شعرت بالندم فجأة لأنها انحرفت بالحديث لهذه النقطة معه، كانت كلماته كخناجر تصيبها بطعنات متتالية، أما عنه فاعتذر، وقد بدا أنه لا يقصد الاعتذار بالمرة، بل عنيّ كل كلمة نطق بها بالفعل .
_ قولتلك قبل كده مش كويس تسألي أسئلة اجابتها هتزعلك .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي ترفع عيونها له تجيب بهدوء غريب :
- لا عادي صدقني ردك ده مش اسوء شيء سمعته، لكنه أكتر شيء مضحك سمعته، اصل خد بالك أن تتولد بحق الاختيار ده شيء جميل، مش كل الناس بتملكه، أصل مين يعني هيختار يعيش حياته مع كل الاستحقار ده .
صمتت وهي تركز في عيونه التي انتبهت له، ولم يبدو أنها أثرت به بالمرة لذا لم تتعب نفسها بالحديث كثيرًا، هذا الرجل ورغم أنه كان أكثر رجل ترتاح بوجوده، لكن نظراته كانت قاتلة وكلماته سامة أكثر من اقوى السموم .
هزت خصلاتها وهي تلملمها بهدوء تتحدث بصوت غنج تخفي به غصتها :
_ أكيد يعني مش هختار اكون في المجال ده من وانا ١٣ سنة، تقيلة اوي على طفلة تفكر كده .
اتسعت عيون أحمد بصدمة وجزء من حيرته ظهر على عيونه، يردد بعدم فهم :
- ١٣ سنة ؟!
_ عامة يا أحمد أنا مبسوطة أنك هنا برضو عشان اعتذر ليك عن اللي حصل امبارح في نص عصبيتي، بس متقلقش مكنتش هقتلك زي ما قولت ولا حاجة .
وأحمد لم يهتم بكل ما يقول، بل ظل عالقًا عند جملتها يتحدث بعدم فهم :
_ أنتِ فيه حد جابرك على الشغل ده ؟!
نظرت له تحاول أن تتماسك ولا تتحدث بكلمة، وهو أكمل بهدوء :
_ لو فيه حد جابرك أنا ممكن ....
_ ممكن ايه ؟! هتساعدني اتحرر منه ؟؟
_ لو اقدر اساعد، فآه.
ابتسمت له بسمة صافية مكسورة وهي تردد بجدية كبيرة صدمته، حينما شعر بها تتأمله مبتسمة :
_ لو ينفع ترجع لسنين وتساعدني هكون ممنونة، لكن دلوقتي خلاص مبقاش ينفع.
_ مفيش حاجة اسمها مبقاش ينفع طول ما لسه فيكِ نفس تقدري انك تغيري حياتك، الموضوع مجرد قرار تكوني شجاعة وتاخديه أو جبانة وتهربي منه .
ابتسمت له بسمة واسعة وهي تسمع كلماته تفكر هل الأمر كان بهذه البساطة طوال الوقت وهي من كانت جبانة لتجرب، لا تنكر أنها الأيام السابقة بعد انهيارها الأخير، سجنت نفسها لأيام رافضة الخروج، وقد كانت تفكر بهذا الأمر، لكن وإن محت اسمها من سجلات المقهى فكيف تمحي نفسها من ذكريات الجميع .
أبصر أحمد شرودها في حديثه ليبتسم مشجعًا الأمر أكثر يتمنى لو تعود عما تفعل، وقد كان يبصر بالفتاة املًا سيحزن إن انطفئ :
_ فكري كويس دي حياتك، ممكن كمان تسيبي المكان هنا وتخرج من القرية وابني لنفسك حياة تانية، بعيد عن عقول حفظتك في مكانة معينة .
ابتسمت له بحزن وهي تردد :
- كده كده هتاخدوا القرية بكل اللي فيها، وكلنا هنخرج.
صمتت تحدق في عيونه بقوة ليتوتر من نظراتها التي سحبته للتأمل فيها، يبعد عيونه عنها بسرعة لتتسع بسمتها أكثر وقد مالت أكثر للرجل تردد بصوت هادئ :
_ بس شكرًا على العرض، أنت إنسان طيب اوي يا أحمد.
صمتت تنظر له بأعين ملتمعة وكأنها تفكر في شيء آخر قبل أن تضيف كلماتها الأخيرة التي صدمته وجعلته يشعر بالمكان من حوله يدور يتعجب جرأتها :
_ ولو كنا في زمن تاني وعالم تاني وحياة تانية، صدقني مكنتش هضيع فرصة أنك تكون ....ولي أمري زي ما بتقول .
هزت كتفها تبتسم له بسمة مشاكسة تخفي خلفها الكثير :
_ بس معلش ملكش نصيب يكون عندك عيال شعرهم أحمر.
ختمت حديثها بغمزة وهي تتحرك بعيدًا عنها مبتسمة تضحك بصوت خافت على ملامحه، تضحك وقلبها ينبض بقوة وقد كان حديثها الأخير أمنية وحلم خطر لبالها لحظة حديثهم، حلم تمنت لو تمتلك الحق في تحقيقه .
أن تنال رجلًا في حياتها يكون سدًا لعواصفها، شخص يحميها ويعاملها كما لو أنها أفضل نساء الأرض.
تتحرك بعيدًا عنها بسرعة تاركة أحمد خلفها مسلوب الأنفاس من الفكرة، ليس فكرة امتلاكه أبناء بشعر أحمر، بل فكرة أن تكون هذه المرأة امرأته......
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف قلبه للحظات قبل أن ينتفض مجددًا من صدمته يهرول صوبها وهو يصرخ برعب :
_ يا الله نورهان يا ويلي! شو فيكي؟! نورهان إنتِ بخير؟!
نظر حوله بسرعة وكأنه يبحث عن أحد يغيثه مما يحدث، يدور في المنزل بسرعة وهو ينادي الجميع، لكن لا أحد، عاد بسرعة صوب جسد نورهان ومال عليها يهمس بصوت منخفض حنون :
_ أنا آسف… بس مضطر أشيلِك عَغرفتك. سامحيني.
انتهى من كلماته وهو يميل أكثر يشعر بقلبه يكاد ينفجر من الرعب عليها، والضيق من اقتحامه مساحتها الشخصية دون أذنها، تحرك بها صوب الغرفة لكنه توقف في الطريق وقد رفض أن يدخل بها للغرفة، لذا تراجع بسرعة يضعها على الأريكة، وهو ينظر حوله بعجز، يتحرك بسرعة صوب المطبخ يبحث به عن شيء يساعدها به .
في اللحظة التي اقتحم بها عيسى المكان ليجد أخته ملقاة على الأريكة بشكل غريب جعله يقترب منها بشك :
_ نورهان أنتِ نايمة هنا كده ليه ؟!
لكن لا شيء من جهتها، رفع حاجبه بعدم فهم يميل عليها في اللحظة التي اندفع حاتم للمكان يهتف بصوت مرتجف :
_ عيسى! ساعدني… لازم تفيق! وقعت عالأرض فجأة بدون أي مقدمات… ساعدني بالله عليك، هي ما بتنطق ولا كلمة.
نظر له عيسى بصدمة وهو لا يفهم ما يحدث، لكنه كان يتبع تعليمات حاتم الذي كان كما لو أنه على شفا جرف من الانهيار .
_ اسحبها إلك وعدل وضعيتها… عشان أشوف نبضها.
فعل عيسى ما كان يأمره به حاتم، والاخير باشر في قياس نبضها وهو يراقب ملامح وجهها الشاحبة برعب يتساءل بجدية :
_ هو… من عادتها تيجيها هيك نوبات؟
نظر له عيسى لا يفهم عن أي نوبات يتحدث ليوضع له حاتم بجدية :
_ اغماء ؟؟
جذب يحيى أخته له أكثر بخوف وقلق وهو يربت عليها بحنان وحب :
- لا، هي مالها، ايه اللي حصل ؟؟ اكيد حاجة زعلتها عشان يغمى عليها كده .
نظر حاتم جواره وهو يبحث عن المشروب الذي حضره لها، يمده صوب عيسى وهو يتحدث بجدية :
_ حاول ساعدها تشرب هاد… بسرعة.
امسك منه عيسى الكوب يساعد شقيقته في شرب المحلول الذي صنعه حاتم، والأخير عيونه تحلق حول نورهان، ويدها ما تزال بيده يتحسس نبضها، ينتظر تلك النبضة التي تخبره أنها بخير .
ابتلع ريقه وقد كان الأمر ثقيلًا على صدره، يقسم بالله أنه أيًا كانت الأسباب التي اوصلتها لهذه المرحلة فسيدمرها .
_ نورهان ؟؟؟ ايه اللي حصل ؟؟
تحركت الأعين بسرعة صوب الباب حيث كان يقف يحيى الذي اندفع بسرعة صوب نورهان يمسك يدها جاذبًا إياها بعنف من كف حاتم دون شعور حتى :
_ مالها ؟! أختك مالها يا عيسى ؟!
نظر له عيسى بجهل وقلق كبير :
- معرفش هي ...جيت لقيتها مغمى عليها، بس حاتم اللي كان موجود وقت ما ده حصل .
استدار يحيى بعنف صوب حاتم يهتف من بين أسنانه بغضب شديد واندفاع لا يشعر سوى بالرعب عليها :
_ عملت ليها ايه ؟؟
اتسعت عيون حاتم بصدمة وسخرية من كلمات يحيى :
_ عملت ؟؟ شو بتقصد ؟؟ شو بدي ساوي فيها ؟؟ سامع نفسك أنت ؟!
_ آمال ايه اللي حصل ليها عشان تبقى كده ؟!
_ وشو عرفنـــــــــي أنا، دخلت لقيتها مغمى عليها .
كان صوت حاتم مرتفع بشكل مرعب وقد فقد كامل أعصابه وشعر بالغضب من كل تصرفات يحيى الوقائية وكأنه سيتناول اخته، يحيى الوحيد تقريبا الذي لاحظ اندفاعه ونظراته صوب نورهان، وكذلك مسلم الذي شك في الأمر لكن حالته مساء الأمس حالت ما دون التحقيق معه .
تراجع يحيى بصدمة كبيرة وهو يراقب حاتم، ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة يبرر بها خوفه، حتى سمع صوت جواره خافت ..
_ يحيى ..
استدار يحيى بسرعة صوب الصوت ينظر لها بأعين ما تزال غاضبة، وحاتم فقط ينظر ارضًا وهو لا ينطق بكلمة يرفض النظر صوبها وهو مايزال بحالة يُرثى لها .
وصوتها الذي خرج ضعيفًا جعله يضغط على كفه بغضب شديد :
_ يحيى فيه ايه ؟؟ مالك ؟!
تقدم منها يحيى بسرعة وهو ينظر لها يطمئن أنها بخير :
_ أنتِ كويسة ؟!
_ أنا ؟؟ كويسة، هو فيه ايه ؟!
رفع يحيى عيونه صوب حاتم ثواني لتحرك هي عيونها معه تباعًا صوب حاتم تحاول فهم ما حدث :
_ هو فيه ايه ؟؟ مالكم ايه اللي حصل ؟!
وحاتم هز رأسه بلا شيء ومن ثم تحدث بكلمات هامسة غير مسموعة تقريبًا وهو يندفع خارج المنزل دون أن يستدير لأحد أو يتحدث بكلمة واحدة تاركًا الجميع خلفه متسعي الأعين والافواه.
نورهان تتابعه بندم لأنها لم تصدقه حينما أخبرها أن تخبر الجميع بشأن طليقها .
_ هو ماله ؟؟ ايه اللي حصل يا عيسى ؟!
نظر عيسى بضيق صوب يحيى الذي كان وجهه جامدًا :
- معرفش اسألي أخوكِ اللي من وقت ما شافك مغمى عليكِ وهو طايح في حاتم من غير سبب وكأنه هو السبب من وقت ما دخل وهو بيزعق معاه بدل ما يشكره أنه هو اللي ساعدك .
تشنجت ملامح نورهان وهي تنظر صوب يحيى بعدم فهم :
_ يزعق معاه ؟! أنت بتهزر يا يحيى، هو الراجل عمل ليك ايه ؟؟
استدار لها يحيى بغضب وضيق شديد يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي :
_ أنتِ غبية اوي يا نورهان غبية اوي .
ختم حديثه يبتعد عنهم صوب غرفته وهو يغلق بابها بعنف خلفه مما جعل الاثنين ينتفضون دون فهم شيء .
رفعت نورهان عيونها لعيسى الذي هز رأسه بعدم فهم يصرخ بضيق من كل ما يحدث حوله :
_ متبصليش كده أنتِ عارفة أخوكِ مريض نفسي، اقسم بالله انا تعبت من كل اللي بيحصل ياريتني فضلت مع التوكتوك بتاعي احسن من قعدتي معاه .
سمع فجأة صوت من الداخل يصرخ بنبرة مرتفعة :
_ سمعتـــــك يا حيــــــوان .
_ ما تسمـــــع هخــــاف يعني ؟؟
تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر لنورهان التي نظرت صوب الباب تراقب اثر رحيل حاتم بعدم فهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت بتقول ايه يا حاج مين ده اللي اتجرا يمد أيده عليك من اهل البلد ؟!
تحدث معتز بصعوبة بسبب الوجع الذي يتحكم بكل عضلة داخل جسده :
_ مشوفتش أنا وأنا خارج من المندرة بعد اجتماعي مع الرجالة، حسيت بايد بتكتم بؤقي ومن بعدها اتسحبت بعيد عن البيت ومحستش بحاجة بعدها، غير لما صحيت وعضمي كله متكسر..
تنفس عز الدين بغضب وهو يحاول أن يفكر في هوية ذلك الحقير الذي قد يتجرأ على بارو القرية، لتتحدث والدته من جواره وهي تخبرهم بما يدور بعقلها وتعلمه :
_ مفيش حد يا ولدي غير شخص واحد .
نظر الجميع لها بعدم فهم لتوضح :
- عشيق بنت عمك، اكيد عرفت باللي حصل فيها من ابوك من ورا الفيديو اللي اتنشر ليها وهي بترقص مع ساڤا.
نظر لها بتشنج وجهل واضح يردد كلماتها دون أن يفهم ما يقصد :
_ فيديو ؟!
نظر معتز بتحذير لزوجته وقد نبهها ألا تتحدث بهذا الأمر أمام ولدها وهي تعلم جيدًا كما الجميع أنه يتحول لثور لا يبصر حينما يتعلق الأمر بتلك الحقيرة رايانا .
لكن سكينة والتي ما تزال تشتعل غضبًا من الضربة التي تلقتها منها ذلك اليوم في منزل ساڤا قالت بهدوء وهي تخرج هاتفها تحث ولدها على مشاهدة العرض الراقص الذي تناقله الجميع على هواتفهم بعد ما حدث :
_ اه يا عين امك الفيديو اللي هيحط راس العيلة كلها في الطين .
ابتسم زوجها بسخرية من كلماتها :
_ خلصنا يا سكينة، انا ربتها وخلصنا وكسرت دراعها كمان .
_ وهي عملت ايه ؟؟ نخت وقالتلك توبة يا عمي ؟! ولا جات كسرت باب البيت علينا وكأن مفيش حاكم ليها، بالذمة دي عمايل واحدة بتخاف، دي مريضة قولتلكم المفروض تتحط في مستشفى.
تنفس معتز بغضب من إشعال زوجته لنيران ابنهم .
_ سيبك من امك يا بني وركز معايا عشان البلد دلوقتي هتكون تحت صرفتك لغاية ما .....
لكن باقية كلماته لم تجد لها صدى عند ولده الذي انتفض من مكانه بغضب شديد يخرج من المنزل بجنون، تحت عيون سكينة الراضية وعيون معتز الحانقة من كل ما يحدث حوله لقد بدأ يشعر أن لعنة حياته تبدأ وتنتهي عند زوجته .
وهذا جعله يطيل النظر بها وكأنه يفكر في التحرر من كل ذلك قريبًا ...قريبًا جدًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحركت بين طرقات البلدة وهي تتعجب نظرات الجميع لها باستنكار، ليس وكأنهم كانوا ينظرون لها باحترام سابقًا، لكن هذه المرة كان الاستنكار والاستهزاء هو ما يتسيد النظرات، حاولت عدم الاهتمام كما المعتاد، لكن اوقفتها كلمات عن الحركة واحدهم يتحدث بجدية :
- مقولتيش يعني يا رايانا أنك بترقصي حلو كده، طب ساڤا وتربية عوالم، أنتِ بقى اتعلمتي منين ؟!
نظرت رايانا صوب المرأة، نفسها المرأة التي ضربتها يومًا بحجارة بعد شجارها مع ولدها، نظرت لها ببرود لا تفهم ما تقول، لكن رغم ذلك ابتسمت وهي تجيب ببساطة :
_ ردي مش هيعجبك لو قولتلك منين .
ومن ثم تحركت صوب منزل ساڤا تحاول فهم ما قيل للتو، لا تدري كيف علم الجميع برقصها، ولماذا كل هذا الحزن لأجل رقصها .
هؤلاء القوم نسوا أنهم يومًا كانوا راقصين في الاحتفالات، غفلوا عن أنهم غجر كانوا يعيشوا على الرقص وقراءة الطالع في يوم من الأيام، ليستقروا بعد قرون ويصنفوا هذه الأمور من الكبائر عندهم ماقتين تذكر حقيقتهم بها .
لكن مهما فعلوا فسيظل هذا المجتمع مجتمع غجري بكل ما فيه، وبكل من فيه مهما أنكر هؤلاء القوم ذلك .
اخذت الكلمات تزداد من حولها وهي تشعر بالضيق يستحكم حلقها حتى كادت تختنق، هذا ما ينقصها لتظل منبوذة أكثر .
كل ذلك كان يحدث على مرأى ومسمع من مسلم الذي أخذ يتابعها بهدوء ليس لشيء سوى أنه يود معرفة ما قصدت حينما أشارت بحديثها للـ " بارحة" يقسم أنه شعر بشيء خاطئ حينما استيقظ بشعور الفراغ، نظرات حاتم وتوتر الجميع، ارتعش صدره برعب أن يكون ما يخشاه حدث، ليس معها يا الله ليس معها .
لكن حاتم لم يكن ...هو لم يكن ليتركه يرحل أو ...
انفصل عن أفكاره وهو ينتبه لما يحدث حوله وقد كان عقله يحثه على الرحيل وعدم الاهتمام، لكن خوفه من خروج سواده للنور أجبره على معرفة ما حدث .
سمع اصواتًا حوله وهمسات غريبة لم يفهم منها شيء .
ما الذي يقصدونه بالفيديو الراقص لها، تشنجت كامل ملامح وجهه وهو ينظر للجميع يتمنى التحرك لنزع هاتف أحدهم ورؤية ما يقصدونه .
لكن ذلك لم يكن خيارًا حتى، وقد وضع في عقله العودة للمنزل ليفحص عن أمر هذا الفيديو، ولا يدري كيف سيصل له، إذ تبدو له أغلبية الهواتف التي يحملها الجميع من تلك القديمة الصغيرة التي يصعب عليها اقتحامها برابط مشكوك به أو غيره .
تنفس بضيق يتابعها بعيونه وهو يبصر الجميع ينظر لها بكره، يتلاشونها وكأنها فيروس وهذا جعله يرميهم بكره أشد كرهًا من كرههم لها، من هم لينظروا لها بهذه الطريقة، من هم ليفعلوا ذلك وبماذا يتفوقون عليها ليتعالوا عليها بهذا الشكل !!
شعور قذر من النبذ عاد يصيب حلقه بمرارة وقد تذكر نفسه وهو يسير بين ممرات المنظمة منبوذًا لعرقه ودينه وكل ما يتعلق به، نفس النظرات التي كانت تلاحقه، تلاحقها الآن.
وحسنًا هذا يذكره أنه لن يندم لثانية على واحدة على طرد كل من سولت له يوم في النظر لها بهذه الطريقة، شر طردة من القرية .
توقفت رايانا في منتصف الطريق فجأة بفزع بسبب توقف سيارة أمامها بشكل مريب، تراجعت للخلف تحاول فهم ما يحدث ولم تكد تصرخ بالسائق حتى تعرفت على السيارة .
نفسها سيارة عز الدين .
تنفست بصعوبة وقد كانت في هذه اللحظة في غنى عن هكذا مواجهة مع عز الدين، لذا استدارت كي تبتعد عن طريق السيارة، لكن ما كادت تفعل حتى شعرت برأسها يُجذب بقوة بين أنامل عز الدين، وقد هرول الأخير صوبها يجذبها من شعرها بقوة أمام الجميع يرد اعتباره واعتبار عائلته، دون أن يفكر حتى في المكان والزمان الذي يفرض به سيطرته عليها أمام الجميع مثبتًا للمرة المليون أن شخص واحد هو من يتحكم بها .
وهذا الشخص هو عز الدين .
خرج الجميع من منازلهم وتجمعوا بسرعة في الساحة بسبب صوت الصرخات الذي ارتفع على الهمسات التي بدأت تتناقل بين الجميع، ومن بينهم محمد الذي بمجرد أن أبصر ما حدث حتى هرول صوبها لتمنعه يد بسرعة وصوت قوي يهتف بجدية :
_ أنت هتعمل ايه ؟! هتدخل بين البنت وابن عمها خليه يربيها .
اتسعت عيون محمد بصدمة كبيرة وهو يحاول فهم ما يقول والده الذي أبصر محاولة تدخله واضحة للعيان، وما كان من محمد سوى أن رمى والده بنظرات غاضبة يحاول الإفلات منه والصدمة تعلو وجهه وهو يبصر الجميع يشاهد ما يحدث بصمت وكأنهم معتادون على ما يحدث .
وقد كان كذلك بالفعل .
عز الدين فقط يسحبها بقوة ودون كلمة صوب السيارة وكأنه بذلك يمحو عار رقصها الذي تناقله الجميع والذي يعتبرونه جرمًا بعد تحررهم من عبودية اللقب " الغجر" .
حاولت رايانا المقاومة وهي تصرخ به تتمسك بأي شيء يقابلها وقد شعرت بالخزي من جذبها كالشاة أمام الجميع بهذا الشكل المهين .
فجأة توقفت الهمسات وتجمدت النظرات في منتصف الساحة حينما توقف عز الدين عن سحب رايانا في المكان وذلك لم يكن رأفة بها، بل لأن أحدهم منع تقدمه .
وهذا الاحدهم لم يكن سوى مسلم الذي تقدم حينما أبصر الجميع وقد اتخذوا دور المتفرج .
في اللحظة ذاتها التي كان أحمد عائدًا من البحيرة صوب المنزل ليبصر ما يحدث متسع الأعين من تدخل مسلم الذي سيفتح عليهم أبواب الجحيم، لكنه لم يكن ليلومه على تدخله في هذه المهزلة، فقط يدعو الله أن يمر ما يحدث على خير.
رفع عز الدين عيونه صوب مسلم وهو يبتسم بسخرية وقد ازدادت قبضته شدة على شعر رايانا التي شعرت بذل لم تشعر به يومًا، وقد تزين لها الموت في هذه اللحظة كخلاص .
تقسم بالله لولا تحريم الله له، لكانت قتلت نفسها وانتهت من كل ذلك .
فجأة أطلقت صرخة باكية حينما شعرت بيد تجذبها بعنف بعيدًا عن عز الدين، في اللحظة ذاتها التي تحركت يد مسلم الثانية يضغط بها على يد عز الدين التي تجذب خصلات رايانا، ليجبره الوجع على تركها وشأنها، وفي اللحظة التي تأكد أنها تحررت من قبضته جذبها يخفيها خلفه وقد ازدادت نظراته سوادًا، يمد قبضته يطبقها على رقبة عز الدين يبتسم له بسمة مخيفة غير مدرك لأبواب الجحيم التي فُتحت بفعلته هذه :
_ أمنية أخيرة ؟؟؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــ
«يلتقيان، ويحبّ كلاهُما الآخر؛ فهي حينئذٍ قويّةٌ بعد ضعفٍ، وهو ضعيفٌ بعد قوّة، وهما حينئذٍ ضعيفان كلٌّ منهما مع حبيبه، قويّان كلٌّ منهما بالآخر»
- محمود سلّومة.
