رواية صادفني القدر الفصل الرابع عشر14بقلم سالي دياب
مرّ أسبوع على ما حدث. أسبوع كامل لم يسمع فيه زيزو صوت شروق. حاول الاطمئنان عليها من شقيقتها، ولكن ذلك لم يكن كافيًا لقلبه العاشق. كان يريدها هي. كان يريد ان يسمع صوتها هي. كان يريد ان يطمئن عليها من فمها....
اشتاق اليها والى حديثها المرح. اشتاق الى كلمة ((كوتي)).. رغم انه لم يكن يحبها من قبل، الا انه الآن يتمنى أن تعود. ولن يضجر أو يقول شيئًا يضايقها....
تحدث مع راندا بشأن ما حدث، فقالت له....
=امي نسيت الموضوع.... مكنش سهل بس نسيته...
=طب ليه تليفون شروق مقفول...
ردت عليه قائلة=امي اخدت منها التليفون...
=يعني ايه مش فاهم انا عايز اكلمها...
تنهدت راندا قائلة=زيزو حاول تصبر شوية الموضوع مش سهل... والوضع في البيت عندنا متوتر... عشان خاطر شروق متتحطش في مشكلة اكتر من كده اصبر كام يوم...
اضطر أن يصمت، ولكن....
=طب طمنيني عاملة ايه...
=للاسف شروق تعبانة جدًا... ونفسيًا مش احسن حاجة... مش سهل الكلام اللي امي قالته لها... شروق بتحب امي قوي يا زيزو وكون انها تقول لها انت خنتي ثقتي دي كبيرة...
وهذا ما حدث بينه وبين راندا في المكالمة، فاضطر أن يصمت ولا يفعل أي شيء احترامًا لكلمتها. كان يتحدث معها يوميًا على تطبيق الواتساب، يسألها عن حالها... وكانت هذه الوسيلة الوحيدة للتواصل بين زيزو وشروق، شقيقتها راندا...
أما الخال عزت، فجلس مع شقيقته وهداها من ناحية الموضوع. رغم ان الأمر لم يكن عاديًا، الا انه استطاع بأسلوبه ان يجعلها تتخطى الأزمة، بل وقال أيضًا...
=عصبيتك واندفاعك ده غلط يا منار كان لازم تقعدي مع البنت وتفهمي منها الأول..
ردت عليه بانفعال وعصبية...
=انت بتهزر عز بقولك البنت كانت جايبه راجل البيت والله أعلم كانوا بيعملوا ايه فوق السطح انت مستوعب...
=مستوعب طبعا بس انا واثق في شروق واثق انها مستحيل تعمل حاجة غلط...
نظر الخال باتجاه غرفة شروق ثم اقترب من شقيقته وقال بصوت منخفض بعض الشيء...
=منار انت بتتعاملي مع مريضة قلب... فاهمة مستوعبة يعني ايه...
ردت عليه بانفعال وصوت منخفض...
=عشان مريضه قلب تغلط يا عز... انا مربيتش عيالي على كده... لازم تفهم وتستوعب ان اللي هي عملته غلط..
=مش بطريقتك دي يا منار...
=امال بطريقة ايه ان شاء الله بطريقة المداديه بتاعتك ويا شوشو يا حبيبتي واللي انت بتعمله ده لازم يبقى في واحد فينا اللي يشد يعز كده غلط.... انا هكلم وائل وادخله في الموضوع... وخليه يجي يشد عليها ويعرف مين الشاب اللي كان معها فوق السطح ده...
وقف عز وقال بالفعل...
=قسما بعزه وجلاله الله لو وائل اتدخل في الموضوع يا منار مانا دخله ليكي بيت تاني وهاخد البنت تعيش معايا انت فاهمة انت بتقولي ايه وائل لو جه مش هيتفهم بالكلام اخوك بيتعامل بغشومية والبنت مش هتستحمل كده انت عايزين تموتوها ولا ايه.... فوقي يا منار قبل ما بنتك تروح من ايدك مكنتش غلطة.. عاقبيها بس بالراحة افهمي منها وبعد كده احكمي عليها.... البنت كانت بتقعد جوه في الاوضة في الاسبوع تطلع تاكل وتخش تاني اوضتها مكنش حد يعرف ايه اللي بيحصل معاها... وده غلط منك انت معرفتيش تصاحبيها...
كانت على وشك أن تتحدث، ولكنه لم يمنحها الفرصة حينما صاح بقوة...
=اسكتي متتكلميش اسمعيني.... انت عودتي البنت تخاف منك.... ايوه دلعتيها وعطيتيها كل اللي هي تتمناه بس انت كان لازم تصاحبيها عايزاني انا كمان اقسى عليها يبقى انا وانت وكل اللي حواليها قاسيين.... كانت هتنتحر بسبب كلمتين منك ما بالك بقى لو انا قسيت واختها قست وانت قسيتي وكل اللي حواليها ضغطوا عليها...
انحنى إلى الأمام قليلا ثم قال بقوة...
=لو انت مش واخدة بالك يا منار بنتك مش مريضة قلب وبس البنت في حاجة اكبر من كده... لو سبتها كده هتضيع منك نهائي وفي مرة هتسيبك وانت نايمة وتمشي... البنت محتاجة علاج مش علاج للمرض اللي فيها شروق تعبانة نفسيا وانت بتتعبيها اكتر... صاحبي بنتك يا منار قبل فوات الاوان....
قالها هكذا ثم أخذ مفاتيح سيارته وتوجه إلى الخارج. نظرت السيدة منار إلى ابنتها الكبيرة وقالت...
=دلوقتي انا اللي غلطانة... كان المفروض اعمل ايه... ردي يا كبرتي يا عاقلة...
كانت راندا تقف صامتة، ثم قالت بغلب...
=يا امي افهمي محدش بيغلطك طريقة العقاب هي اللي غلط انت مكنش ينفع تتعاملي مع شروق كده هي مش حيوان عشان تحبسيها... وغير كده انا كنت عارفة بالموضوع...
=طيب مين هو بقى... انا عايزة اعرف... مين ده...
نظرت راندا بعيدا ولم تجب، لتصمت السيدة منار مجبرة، ولكن في داخلها كانت تريد أن تعلم من هو ذلك الشاب....
في الحقيقة لدي تعليق صغير؛ أنت لست مخطئة، وفي الوقت نفسه مخطئة يا سيدة. من حقك أن تغضبي وتثوري وتنفعلي، ولكن ليس بهذه الطريقة، فالأطفال ليسوا حيوانات، والأهم من ذلك أنك زرعت بداخلها القيم والأخلاق، فكوني دائما واثقة أن فتاة مثل شروق لن يحركها اي شيء، وستضع حدودا لأي شيء مهما كان، وهذا لأنها تحترمك وتحسب لك حسابا وغير ذلك....
بصلابتك وقسوتك عليها أدخلتها في شيء لم تدركيه، ليس حالة نفسية فقط، وليس مرض قلبها، بل الأسوأ....
سبق وأن ذكرت في الشخصيات أن شروق تعاني من رهاب اجتماعي، ولكن في الحقيقة هي لا تعاني من ذلك، شروق جبانة، تخشى وتخاف من اي شيء، تنعزل عن العالم لأنها تخاف من الاختلاط بهم وأن يجرحوها بالكلام....
تخشى أن تأتي وتصارحك بالحقيقة فتثوري وتغضبي عليها، لذلك تخاف....
ليس لديها الشجاعة بأن تخوض اي شيء، دفنت بداخلها تلك الطفلة المرحة التي خرجت مع شخص لا تعرفه....
هنا شروق لم تكن الفتاة التي فعلت شيئا خاطئا، بل كانت فتاة معزولة، فوجدت ضوءا صغيرا، فوقفت أسفله تتأمل، وهي منبهرة بهذا الضوء، وكأنها ترى لأول مرة....
عزيزي القارئ، اعتدت أن أعلق على الأشياء بسخرية لكي أضيف جوا من البهجة والسرور اليكم، ولكن هذه المرة سأخرج عن النص وأقول شيئا لتلك الصغيرة التي تقرأ معنى فصول الرواية.... شروق معنا في جميع الجروبات، ولأنها الآن تمر بفتره امتحانات فلا تستطيع أن تتوجد معانا باستمرار ، لذلك أرسل لها الفصل بنفسي لكي تقرأه هي وزيزو....
بما أنكم تقرؤون ما اكتبه داخل صفحاتي، اود ان اقول انك شروق عزيزتي الصغيرة، منذ أن عرفتك قبل أربعة أشهر، في الفترة التي الذي اختفيت فيها تحدثت معك مكالمة، انت وشقيقتك، كنت تتحدثين بحرج وخجل، ما الآن وبعد أربعة أشهر، وبعد المكالمة التي دارت بيننا في صباح اليوم، تأكدت أن بداخل شروق فتاة تستطيع الخروج من الظلام....
فتاة تستطيع أن تتحدى مخاوفها وتذهب إلى كليتها، وستمُر بكل صعب، وسيأتي يوم ونأتي جميعا، أنا وجميع قارئتي، لكي نهنئك حينما تصبحين محامية مجتهده....
لأن شروق ليست فتاه كم يلقبها الجميع "بنت حرام"، بل هي فتاة جميلة عفوية رائعة، جعلت كل من يقرأ حكايتها يغرم بها رغم أنهم لم يروها....
بالطبع أنتم تقرؤون كلماتي الآن، أتمنى لكم التوفيق في حياتكم، وأن تمضي خطبتكم في سعادة، ويوفقكم الله في حياتكم القادمة....
صدح هاتفه وظهر اسم الدكتورة راندا في الأعلى... قام بفتح الخط ووضع الهاتف على أذنه... وقال...
= الو...
لم يأتِ رد من الجانب الآخر، عقد حاجبيه كاد أن يتحدث، لكنه صمت لحظة ثم قال بتوجس...
= شروق...
لم تستطع شروق أن تتكلم... حينما استمعت إلى صوته ارتجف قلبها المريض... استمع إلى صوت بكائها، فتوقف على الفور بطريقة ملحوظة... ودخل إلى غرفته... أغمض عينيه للحظات، ثم فتحهما مرة أخرى وقال بنبرة حاول ان يجعلها هادئة...
=اهدي يا حبيبي بطلي عياط....
بكت أكثر، فأغمض هو عينيه ولعن الظروف والمسافات التي تبعدهم عن بعضهم... وأخيرًا تكلمت من بين بكائها، ويا ليتها لم تتكلم، فنبراتها قطعت قلبه حينما قالت...
=انت مش هتسيبني صح....
=عمري...
=بس ماما...اااا... ممكن متوافقش عليك...
=مش هياس ومش هسيبك...
=حتى بعد ما عرفت اني مريضه...
صمت زيزو للحظات، فقد أخبرته راندا أن شروق لا تعلم بأمر مرضها... لذلك قال...
=عرفت ازاي..
ردت عليه بشهقات باكية...
=انا مش صغيره... انا عارفه من زمان بس مكنتش عايزه اقول لهم اني عارفه... كان نفسي هم اللي يقولولي... زيزو...ااا... ان هي مكنتش كده من البدايه بس انا...ااا... حبيتك قوي تعلقت بيك مش قادره ابعد عنك.... ارجوك متسيبنيش انا محتاجاك... عارفه ان احنا في علاقه غلط وحرام بس انا..ااا... بس انا محتاجه صاحب حتى لو هنفضل صحاب طول العمر خليك جنبي انا...ااا... اتغيرت كتير بسببك كلامك ليا كان بيخليني احس اني بني ادمه... مش مجرد غلطه بتعاقب على حاجه انا ما عملتهاش... انا مش وحشه والله واول مره في حياتي اتكلم شاب هو انت... يمكن انت فهمت حالتي وقدرت اني مريضه وماخذتش اي رد فعل تجرحني لما قلتلك اني متسجله على اسم جدي بس اهلك ممكن ميوافقش على حاجه زي كده فعشان كده...ااا..
=انا بحبك...
قطعها بهذه الكلمة، التي كانت كفيلة بأن تُهدئ كل هذه الصراعات، فالفتاة كانت تتكلم بخوف وارتباك ورعب وذعر، وجميع أنواع الصراعات كانت موجودة في صوتها خوفًا من أن يتركها، خوفًا من ألا تتقبلها عائلته، خوفًا من أشياء كثيرة... الكلمة جعلت كل هذه الصراعات تصمت.... ثم قال بنبرة دافئة احتوتها...
=شروق انا بحبك... مش فارق معايا اي حاجه تانيه مش مهم هم يتقبلوكي ولو ان امي وابويا واخواتي لما حكيت لهم عنك حبوكي.. وصدقني لما تتعرفي عليهم هتحبيهم اكتر كل اللي انت فيه ده حاجه بتاعه ربنا ان كان بسبب اسمك اللي انا مش شايف فيه اي عيب او المرض الا حاجه بتاعه ربنا كلنا مرضى يا شروق... مش بس انتي احمدي ربنا عندك ام واخوات خايفين عليك... حقك عليا انا عارف اللي حصلك ده بسببي وانا اوعدك ان شاء الله هعمل كل اللي اقدر عليه عشان ابني شقتي في اسرع وقت واجي اتقدملك... عشان تبقى علاقتنا في النور منضطرش نخبي على امك...
كانت تستمع إليه وتبكي وتبتسم وتضحك في الوقت نفسه، لا تصدق... وهذه الجزئية حدثت حقيقيًا، الكلمات التي دونتها الآن كانت مكالمة حصرية حدثت بين زيزو وشروق، وكل حرف دونته كان صادقًا.... لأنه رجل قال بوعد...
=ثلاث شهور بالظبط... اديني بس ثلاث شهور اظبط حالي وهاجي اتقدملك....
ابتسمت شروق وقالت بنبره مازحه رغم ارتعاش صوتها...
=ثلاث شهور ثلاث شهور..
ابتسم وقال بمزح=شويه صح نخليهم سنه...
ضحكت فشاركها الضحك ثم قال=هي راندا هتسيبلك التليفون ولا ايه....
=مش عارفه... ممكن اكلمك من تليفون ساره...
رد عليها= يا ريت والله... قولي لها زيزو بيقولك سيب التليفون معايا عشان جايبلك عريس ....
ضحكت شروق واكدت ان تتحدث ولكن صمتت حينما استمعت هذا الصراخ الذي ياتي من الجهه الاخرى وصوت فتاه تقول...
=الحق يا زيزو اخوك بيتعارك...
