رواية نسخه مشوهه الفصل الخامس عشر15بقلم حميده عبد الحميد
عدّت ساعة وساعتين، ومنتصف الليل دخل خلاص، وما في أي خبر لا من أمجد ولا من أنس. أعصابي باظت خلاص، وختيت ألف احتمال في راسي، لحدي تلفوني ضرب. مسكتو بلهفة ومن دون ما أعاين للرقم، جاني صوت... أمجد، وقبل أرد عليهو...
قال لي:
حميده أنا آسف، آسف، آسف جدًا، حقك عليّ واعفي لي، وأنا عارف إنو حاليًا بالك مشغول، وعلى وللمرة التانية أنا آسف يا غلاي سامحيني...
بصوت باهت وكلو خوف قلت ليو:
إنت وين يا أمجد؟ والحاصل عليك شنو؟ وليه ما بترد على مكالماتي؟
صوتو ما كان طبيعي، وفيه كمية من الإرهاق. اتنهد بتعب وقال لي:
أنا حاليًا في مكان بعيد شديد، وحأحكي ليك الحصل.
بعد ما وصلتكم البيت موش قلت ليك عندي موضوع ماشي أخلصو؟ قلت ليو: أي.
قال لي: كنت ماشي لي صاحبي شغال في الشرطة، وطلبت منو يفتح لي بلاغ عشان كنت ناوي أدخل مأمون السجن.
انصدمت وقلت ليو: شنو شنو؟ تدخل مأمون السجن؟ موش يا أمجد نحنا اتفقنا إنو ما ح تتشاكل مع مأمون تاني؟
قال لي: هو البدأ، لكن وأنا لسه موضوعي معاهو ما انتهى. المهم وأنا ماشي في الطريق الرئيسي القريب من الجامع، القريب على جهة المستشفى... اتخيلي شفت شنو بس!! شفت أسعد أخوي جاري يا حميده، شفتو جاري بآخر سرعتو. طوالي وقفت العربية ونزلت منها وبقيت جاري وراهو، وكان أسرع مني وما قدرت أقبضو إلا بمساعدة كم نفر. واتصدمت لمن لقيت أخوي أسعد فقد عقلو. أخوي بقى مجنون يا حميده، كان ما واعي بنفسو ولا بتصرفاتو.
طوالي اتصلت لي خالي وجاني بالعربية مكان مسكت أسعد. رفعنا ومشينا بيهو مستشفى الأمراض العقلية، والدكتور قال لينا حالتو متأخرة وما في أي أمل ممكن يرجع طبيعي. وحاليًا طلعنا أنا وخالي بعربيتو على شيخ بعالج بالقرآن الكريم عشان نعمل ليهو جلسات رقية، لأنو جنو دا من فعل فاعل. واحتمال كبير الليلة وبكرة ما بقدر أرجع البيت لأنو المنطقة الفيها الشيخ بعيدة شديد ولازم أتابع حالة أسعد قبل تبقى أسوأ من كدا، ويمكن نقدر نلحقو قبل فوات الأوان.
كل حزن الدنيا كان في قلبي، وما عرفت أخفف على أمجد بشنو. قلت ليو ودموعي لسه في عيوني:
ديل أهلك يا أمجد عملو في أسعد كدا، وأنا سمعتهم بأضاني قالو ما حيخلوكم تعيشو مرتاحين عشان أبوك ما جاب أولاد أخو هاشم ومسكهم شغلو، وعشان إنت ما اتزوجت سجود واتزوجتني أنا.
صوتو كان هادئ شديد، قال لي:
ما عارف، بس أنا حاسس إنو ح أرتكب جريمة وكبيرة كمان، وحاليًا الكُره الشايلو في قلبي اتجاه البشر ديل لا يمكن يرحم واحد فيهم.
قلت ليو:
أمجد اتحصن وبالله عليك خلي بالك على نفسك، لأنو بموت لو حصلت ليك حاجة.
ابتسم وقال لي:
هو أنا حاليًا قاعد بأدبي وما عايز أعمل أي مشكلة أو أرتكب جريمة، ودا كلو عشانك إنتِ بس وربي. وأنا ما خايف عليك منهم، بالعكس إنتِ قوية ومؤمنة بالله ولا يمكن تحصل ليك حاجة منهم مهما حاولو. بس برضو خلي بالك على نفسك لحدي ما أرجع. وما هاين عليّ أكون بعيد منك كدا، بس الظروف جبرتني. وأنا حاليًا في سباق مع الزمن عشان ألحق آخر بصيص أمل وأخوي يرجع ليهو عقلو. وحأتصل لي أنس وأخلي يخت بالو عليكم وما يفعل منكم.
قلت ليهو: ربنا يحفظك يا أمجد.
ابتسم وقال لي: ويحفظك لي يا رب. وممنوع تبكي ها!!! وأنا عارف إنو حاليًا دموعك في طرف عيونك بس عاملة فيها صنديدة.
ضحكت ضحكة مختلطة بشوية دموع وقلت ليهو: ما ح أبكي إن شاء الله، وربنا ينصركم.
قال لي: آمين آمين يا مُناي، دعواتك لينا بس. أصلًا أنا للآن مستقوي بيك وبدعواتك، وقوتي كلها بستمدها منك إنتِ وربي. إنتِ ما عارفة أنا في حضرت وجودك بكون قوي قدر شنو. وزي ما قلت ليك دعواتك حقت الليل دي بالذات قاعد أشوفها في أرض الواقع.
قلت ليو: أمجد.
قال لي: عيون أمجد.
قلت ليو: خلي بالك على نفسك.
ضحك وقال لي: حاضر حاضر. يلا مع السلامة. استودعتك الله.
قلت ليو: واستودعتك الله.
قفل الخط، وقعدت في السرير بآخر حيل لي ، غطيت وشي بديني وبكيت شديد لدرجة روان بكت معاي. قالت لي:
حميده عليك الله ما تضعفي وما تحسسيني إنو نحنا خلاص على آخر المطاف.
قلت ليها: روان والله قلبي ما مرتاح، خايفة شديد شديد كمان.
طبطبت على يدي برفق وقالت لي:
من يتوكل على الله فهو حسبه، وبإذن الله حينتصر الحق.
قلت ليها: إن شاء الله يا رب.
تلفوني رن تاني، روان مدتّه لي. شلتو منها ولقيت دا أنس المتصل. فتحت الخط وقال لي:
حميده أنا ما عايزك تخافي، بس قبل شوية آدم لقى عربية أمجد في الشارع وتلفونو طلع مع واحد سرقو.
قلت ليو : قبل شوية اتصل لي وحكيت ليو بكل شي حصل مع أمجد بخصوص أسعد أخوه.
قال لي: حميده أنا شاكي إنو الناس ديل ما أهلنا، شاكي في حاجة ما عديلة. لأنو أقسم بالله زول مؤمن ما بيعمل حاجة زي دي. ياخ حتى الكفار في وحدين منهم بخافو يأذو ليهم نملة، فما بالك بإنسان مسلم.
قلت ليهو: هم معاهم أضعف مخلوق، ونحنا معانا رب العرش.
قال لي: ونعم بالله، بس شكلو كدا لازم النقاط تتخت في الحروف بعد دا ونوقف المهزلة الحاصلة حاليًا دي.
قلت ليو : ح تعمل شنو؟
قال لي: لسه ما عملت شي، بس ال ح أعملو كتير. وحاليًا أنا قربت أوصل البيت، وأول حاجة ح أعملها ح أطلق رغدة قدام أهلها.
قلبي بقى يضرب بقوة. قلت ليو : أنس ما تتهور عليك الله، ودا ما وقتو.
قال لي: حاليًا أنا ح أعمل الفي راسي بس، وقفل الخط.
قمت على حيلي وقلت لي روان بصوت مخلوع:
أنس جاي يطلق رغدة يا روان.
غطت خشمها بيدها وقالت لي:
كذابة! أكيد حيقولوا أنا السبب، وحيَرسِلوا لي شياطينهم ديل ويأذو لي بتي الليلة يا حميده، أنا خايفة شديد.
مسكتها وقلت ليها:
قولي بسم الله يا بت، ما تخافي. إنتِ إنسانة مؤمنة وموحدة، ما تخلي حاجات زي دي ترعبك.
قالت لي: طيب ح أحاول. بس عدن؟
قلت ليها: ربنا أرحم بي عدن أكتر منك، فما تشيلي همها. حصنيها واستودعيها الله.
هدأت شوية وقالت لي: إن شاء الله كل حاجة ح تكون سليمة.
رجعنا وقعدنا تاني، وضربات قلوبنا عاملة سباق مع الزمن. عاينت للساعة كانت ٢ ونص. قلت لي روان: وقت قيام الليل دخل خلاص، وربنا زي الوقت دا بينزل في السماء الدنيا ويقول هل من داعٍ فأعطيه. قالت لي: طيب أرح نصلي.
قمنا ومشينا على الوضّاية، اتوضينا وفرشنا السجادات جنب بعض. عدن كانت نايمة نوم عميق. صلينا ركعتين وأنا دعيت لي أمجد ودعيت لكل فرد بخص أسرتي، ولي ناس آدم وخالتو إخلاص وأنس وأسعد أخو أمجد. دعيت ليهم كلهم وبكل يقين وإخلاص. أما روان ما عارفاها دعت بشنو.
عدّت نص ساعة والساعة بقت ٣ خلاص. روان قالت لي: أنس اتأخر، عايزة أرد ليها.
سمعت صوت جَوْطة عالية جاية من اتجاه الحديقة. قلت في سري: معقولة لسه هم مجتمعين؟
روان عاينت لي بخوف وقالت لي: حميده دا أنس شكلو جا.
قلت ليها: شكلو كدا.
قمنا سريع وجرينا على الحديقة. لقينا أنس واقف في النص، ورغدة مجدوعة في الأرض وقدامها ورقة مجدوعة قدامها. قلت لي روان: شكلو دي ورقة الطلاق. قالت لي: شكلو كدا.
جرينا عليهم، وأخوات رغدة أول ما شافوا روان هجموا عليها ووقعوا فيها ضرب. من طرف حاولت أحاجزهم بس ما قدرت وهم طلعوا أقوى مننا. أنس دخل ومسك وحدة وفناها بعيد وبقى يفكهم من روان لحدي ما جا أبوها مسك أنس وقطع فيهو أربعة كف ورا بعض وقال ليو :
يا خاين تطلق بتي قدامي وبسبب وحدة زي دي؟
أنس اتمالك نفسو واتحسس أنفو بيدو ونزل منو دم خفيف. عاين لي عمو بنظرات حادة وقال ليو :
أقسم بالله عشان إنت عمي وأنا للآن محترمك وح أعتبر إنو إنت زعلان على بتك بس، وهل إنت عارف إنو بتك أحقر إنسانة على وجه الأرض؟ هي كانت بتعامل أمي معاملة كعبة، وأمي الوقت دا كلو كانت ساكتة عشانها هي.
أبو رغدة اتنرفز وقال ليو :
أوع تكذب لي بتي، هي أساسًا صبرت على معاملة أمك، وأمك هي الكعبة وما فيها خير.
لوحات الغضب كلها كانت مسيطرة على أنس، بس كان بحاول يمسك أعصابو. أبو رغدة رفع إصبعو قصاد روان وقال ليو :
أكيد الشوارعية دي ملت ليك راسك.
أم رغدة ما قدرت تسيطر على نفسها، شالت أقرب حديدة وجات جارية وشقت بيها راس روان. الدم جا نازل من منتصف راسها وأنفها بكمية كبيرة. عاينت لي بعيون شبه مغمضة وجات واقعة في الأرض.
صرخت بآخر حس لي وبقيت أبكي بآخر صوت. نزلت تحت ومسكتها. أنس كان مصدوم شديد، عاين لي أم رغدة وبعدو عاين لي أبوها وقال ليهم:
حتندموا، صدقوني حتندموا، والبيت دا حيكون مقبرتكم الجماعية.
وجا جاري على روان. أول مرة أشوفو ضعيف كدا، وبالحيل كان ماسك دموعو. رفعها سريع من الأرض ومشى بخطوات سريعة على باب الشارع. جريت وراهو. هو عندو موتر لأنو عربيتو في الصلاح. قال لي:
حاليًا عربات ما في، والمستشفى بعيدة شديد.
رديت ليهو وأنا ببكي ولسه ما رفعت نظري من روان:
طيب الحل شنو؟ روان حتموت يا أنس!
قال لي: بإذن الله ما ح تجيها حاجة.
ختاها طرف الباب وقال لي: ح أمشي لي صحبي قريب من هنا عندو عربية.
قلت ليو : طيب.
جرى ومشى على بيت صاحبو، وبعد ٣ دقيقة جو راجعين بعربية صغيرة. وقفوا وجا نازل قال لي: أركبي ورا. ركبت وخته روان في رجولي وهو ركب قدام وقال لي صاحبو: يلا أرح أرح، أسرع دور.
اتحرك بأقصى سرعة. صاحبو عاين لي أنس وقال ليهو: مالها يا أنس البت؟
قال ليو: موضوع طويل يا ناير بحكي ليك فيما بعد.
قال ليو: ياخ حالتها كعبة شديد.
أنس قال ليو : أمشي مستشفى الطوارئ الجمب المطار، لأنو هي الوحيدة البتكون شغالة زي الوقت دا وممكن تستقبل حالات زي دي.
قال ليو: تمام.
ركب الظلط ومشى شمال. أما أنا دموعي ما وقفت لحظة. أنس شوية كدا وح يجن ضغط على راسو بقوة وقال بصوت خفيف:
حتلقى العافية يا روان وحترجعي لي عدن إن شاء الله.
وصلنا المستشفى في أقل من نص ساعة. صاحب أنس وقف قصاد باب المستشفى، وأنس نزل سريع فتح الباب ورفع روان وجري بيها المستشفى. دخلنا جوا وشالوها مننا، دخلوها الطوارئ على طول.
بعد شوية جا الدكتور طالع قال:
عملية مستعجلة، حصل ليها شق في الرأس لازم يتقفل، ونزفت دم كتير. لازم تجيبوا ٤ قزازة دم O+.
أنس قال ليو : فصيلتي كدا. وصاحبو برضو قال ليهو: وأنا كمان فصيلتي كدا.
قال ليهم: تمام، امشوا مكان التبرع. وصف ليهم المكان. وقبل يمشوا أنس قال لي: ح نتبرع ليها ونرجع.
قلت ليو : طيب.
قعدت في كراسي الانتظار وعيوني ورمت عديل من البكا. بقيت أدعي في سري إنو روان ما تحصل ليها حاجة وربنا ينتقم من الكان سبب. سمعت صوت أذان الفجر قاعد يأذن. رفعت يدي وعاينت للساعة كانت ٤ ونص. سبحان الله الزمن جرى خلاص.
اتنهدت بتعب وفتشت مكان أصلي فيهو. أصلًا أنا كنت متوضية لمن صلينا قيام الليل أنا وروان. بعد تعب لقيت مكان أصلي فيهو.
الواطة بدت تصبح خلاص، وشكلو موضوع سحب الدم بياخد زمن. طلعت من المستشفى لأنو ما بحب ريحتها وبتعمل لي لفة راس. وقفت جنب الباب مسافة واستنشقت هوا نقي، وفي نفس اللحظة كنت بعاين للطيارات وهي بتنزل في المطار. اتقدمت كم خطوة وقعدت في مصطبة قريبة من المطار. غمضت عيوني واتذكرت أمجد. وتلفوني خليتو في البيت، يعني ما في طريقة أتصل ليهو. هنا ما قدرت أحبس دموعي في اللحظة دي ووقتي جات نازلة.
أول خالتو إخلاص، وتاني أمجد وأسعد، وهسي روان. بجد قلبي بقى ضعيف شديد. حسيت بزول واقف قدامي. رفعت راسي وكان شاب لابس سويتر شتوي لونو أسود وجمبو شنطة أصغر مقاس، ومربي شعرو بطريقة غريبة وملفتة. ابتسم وقال لي:
تصدقي فايتنك بالصبر بس، وأنا برضو نفسي أبكي بس اقول ليك حاجه بجد كدا أنا ما بحب أشوف بت بتبكي وما عارف ليه، فياريت ما تبكي، لأنو البكا ما بيشبهكم وإنتو كائنات لطيفة جدًا.
عاينت ليو بكل جدية وقلت ليهو:
معليش، بس ما في زول طلب رأيك، وياريت تزح من قدامي.
رجع ابتسم تاني ودخل يدو اليمين في جيبو وقال لي:
حاااضر ح أزح من قدامك، بس إنتِ مصعبة الحياة دي شويتين، وما ممكن أول ما أوصل السودان ألقى لي بت بتبكي زي دا.
قلت ليو :
وأنا مالي بيك؟ لااا، وإنت منو ذاتك؟ وعشان أنا ما أفرغ كل زعلي وغضبي دا فيك ياريت تقطع وشك من قدامي.
قال لي:
جددددًا قاطعو يا أستاذة، بس أنا أساسًا جيت عشان أسألك من حاجة وياهو لقيتك بتبكي.
اتنهدت وقلت في سري: دا شنو الإنسان الثقيل دا؟
رجعت وقلت ليو : اها عايز شنو؟
قال لي:
عايز أسألك من أسرة آل حسن، بتعرفي وين عنوانهم؟
قلت ليو :
في مية ألف أسرة اسمها آل حسن، أنا أعرفها ليك كيف؟
ضحك وقال لي:
أحسن أقطع وشي، لأنو واضح جدًا إنو قفلتي مني خلاص.
قلت ليو :
أي قفلت منك، فياريت تقطع وشك زي ما قلت ليك!!
مسك شنطتو وقبل يمشي قال لي:
اسمي سااامي، وما معروف يمكن نتلاقى تاني...
