رواية صادفني القدر الفصل الاول1بقلم سالي دياب


رواية صادفني القدر الفصل الاول1بقلم سالي دياب

لم أكن يوما من أولئك الذين يؤمنون بالصدف حتى رأيت نموذجا حيا أمام عيني. من أعماق قلبي يسرني أن أدون قصة واقعية عاشت بين الجدران وداخل المنازل. دعونا نمنحها الفرصة لتخرج إلى العالم ليراها الجميع....

ممددة على فراشها الصغير، تقرأ إحدى الروايات التي تعشقها. ابتسامة صغيرة ارتسمت على ثغرها الوردي، وعيناها العسليتان تتلألآن بضوء الهاتف وهي تقرأ مشهدا رومانسيا بين أبطال رواية تعرفها جيدا. تمتمت بخفة: "ملاذي الوحيد"... تلك هي شروق، بطلة روايتنا "صادفني القدر"...

كان مزيج من السعادة والابتسامة الصافية يزين ملامحها وهي تقرأ في جو هادئ وصامت.... فجأة اختفت الابتسامة، وخبا البريق من عينيها حين اكتشفت أن جميع حسابات الكاتبة قد أزيلت من مواقع التواصل الاجتماعي. وقفت بسرعة تنظر إلى الهاتف بدهشة، ثم صرخت:

= منااااارررر...

في الخارج، انتفضت السيدة منار مفزوعة من صراخ ابنتها، فظنت أن مكروها قد أصابها. هرعت إلى غرفتها واقتحمتها وقلبها يخفق رعبا، وقبل أن تنطق بكلمة، كانت شروق تصرخ باكية:

= انا كنت بقرا رواية وفجأة قناة الوتساب اتمسحت...

وكأي أم مصرية، كان الشبشب في يدها، وهي تصرخ بانفعال:

= يا بنت المجنونة هتموتيني بجلطة...

رفعت شروق الجهاز "التابلت" أمام وجهها قبل أن يصيبها "الشبشب"، ثم أنزلته وقالت بهدوء ساخر:

= اهدي يا موني العصبية وحشة عليك...

صرخت الأم واندفعت نحوها مهددة، فقفزت شروق من الفراش إلى الأرض وركضت إلى الخارج وهي تقول:

= في ايه يا وليه...

جلست السيدة منار على الفراش، وضعت يدها على صدرها تلتقط أنفاسها، ثم ابتسمت بلا وعي. لقد اعتادت تلك المناوشات اليومية مع ابنتها الصغيرة، ابنتها التي تعلم جيدا أن في قلبها شيئا مكسورا وفقدانا كبيرا، وأن تلك الابتسامة الدائمة ما هي إلا قناع تخفي به حزنا دفينا. ومنار، كأم ضحت بالكثير لأجل بناتها، كانت تدرك ذلك بوضوح...

التفتت برأسها إلى الجانب، ارتسمت على شفتيها ابتسامة حانية وهي تمد يدها لتلتقط تلك الصورة الصغيرة الموضوعة على الكومودينو بجوار فراش شروق. مررت أصابعها برفق على سطح الصورة التي جمعتها بابنتيها الثلاث: راندا، سارة، وشروق.

كنّ صغيرات للغاية، وكانت شروق لم تتجاوز عامها الأول، بينما قاربت شقيقتيها على السابعة. ثبتت نظراتها في عيني طفلتها الصغرى داخل الصورة، وفجأة، ومن غير إرادة منها، أخذت الدموع تتجمع في عينيها، حين أعادها المشهد إلى ذلك الماضي الأليم الذي لا يزال عالقًا في قلبها....

فلاش

---

قبل ثمانية عشر عامًا، في أحد المستشفيات الحكومية بمدينة القاهرة، وتحديدًا في التاسع من فبراير عام 2007... كان يومًا شتويًا قاسيًا، الرعد يمزق السماء، والأمطار تنهمر بغزارة، وداخل المستشفى كانت صرخات سيدة تشق سكون الليل...

وبعد معاناة طويلة صدحت صرخة صغيرة داخل الغرفة. وُلدت فتاة ضئيلة الحجم، لتشرق ابتسامة على وجه والدتها حينما رآتها. كانت تلك الصرخة الأولى للرضيعة شروق.

نُقلت السيدة منار، التي كانت آية في الجمال في شبابها، إلى غرفة عادية. ارتسمت ابتسامة حنونة على ملامحها وهي تراقب رضيعتها تتمتم بجانبها، فيما وقفت فتاتاها التوأم، في السادسة من عمرهما، يبتسمان بفرحة بريئة لاستقبال شقيقتهما الجديدة.

كان يفترض أن يكون اليوم أسعد أيام حياتهم... لكنه انقلب إلى أسوأ كابوس.

دخل رجل في الثالثة والثلاثين من عمره. كان وسيمًا، إلا أن ملامحه الغاضبة طمست وسامته. تلاشت البسمة من وجوه الجميع حين وقع بصرهم على غضبه، وهو يرمق الطفلة الرضيعة كما لو كانت فتاة ناضجة تُحاسب على خطايا لم ترتكبها. ارتجف قلب منار خوفًا على صغيرتها، لكنها لم تتوقع الضربة القاسية التي ستسقط عليهم... حينما قال بقسوه..

= البنت دي مش بنتي... ولا يمكن تتكتب باسمي... دي بنت حرام!

– "بــدار..."

كان الصوت العميق المتهدج للحاج يوسف رزق، والد منار. التفتت إليه العيون، وهو يصرخ غاضبًا:
= الزم حدودك واعرف إنت بتقول إيه... إنت بتطعن في شرف بنتي...

لكن بدر رد ببرودٍ أقسى:
= اللي عندي قلته... البنت دي مش بنتي ومش عايزها... أنا مش هربيها، هوديها ملجأ وخلاص...ووااا...

قبل أن يُكمل، دوّى صوت آخر كالطلقة:
= وايــيــه! هي لسه فيها وإيه يا ابن الكلب؟!

اندفع عز، أعز أصدقاء بدر، نحوَه مُسدّدًا لكمة عنيفة أطاحت به أرضًا. اشتعل الاشتباك بينهما وسط محاولات الأطباء والأمن لفضّ العراك...

أما منار، فكانت صامدة في مكانها، عيناها غارقتان بالدموع، وقلبها يتمزق مع كل حرف دوّى في الغرفة...

((بنت حرام...))

كانت الكلمة كفيلة بأن تُحطمها إلى الأبد....

باك
.....

عددت منار إلى أرض الواقع، مسحت وجهها الذي امتلأ ببعض التجاعيد، ثم وضعت الصورة مرة أخرى على الكومودينو. التفتت إلى الجانب الآخر، فشهقت بخضة حين رأت شروق تجلس بجانبها، تضع قدماً فوق الأخرى ومسترخية في جلستها على الفراش. نظرت إليها باندهاش وقالت:

= إنتِ هنا من إمتى؟

ردت عليها شروق بهدوء:

= من أول دمعة.

ثم ابتسمت ابتسامة عريضة، فضحكت والدتها وقالت بمزاح:

= إنتِ هتموتيني ناقص عمر!

= بعد الشر عليكي ما تقوليش كده… اكليني وبعد كده موتي… اااآه…

صرخت شروق متألمة حينما صفعتها والدتها على ذراعها وقالت بغيظ:

= آه يا بت الجزمة! عايزاني أموت؟ امشي روحي على أوضتك!

ردت عليها شروق بصراخ:
= إنتِ اللي امشي روحي على أوضتك، أنا في أوضتي!

نظرت منار حولها، وهنا أدركت فعلاً أنها في غرفة شروق. وقفت من على الفراش وهي تنظر إليها بغيظ، ثم أمسكت بكومة من شعرها الكيرلي وقالت بحدة:

= تعالي ورايا يا كارته عشان تطفحي...

***************************************************************
وعلى عكس ما يحدث في القاهرة، هنا في الإسكندرية، في مدينتي الحبيبة. داخل هذا الحي الشعبي الذي يتميز بأهله الطيبين والسكينة والمحبة...اااا.. هدوء بجد....؟ بطلي كذب يا سالي.....حسنًا حسنًا، لنعد إلى الواقع.

في أحد الأحياء الشعبية الشهيرة بالإسكندرية، وبعد صلاة الجمعة مباشرة، ارتفعت أصوات صراخ بعض النساء، وهرول الرجال إلى الخارج. بدا أن هناك من افتعل مشكلة جديدة، ولم يكن غريبًا أن يكون هو عمر البرعصي.
اعتاد سكان الحي على مشاكله، حتى شقيقه الأكبر الذي كان يحاول أن ينال قسطًا من الراحة في يوم عطلته الوحيد، لم يسلم من الإزعاج. فمن أين تأتي الراحة وله شقيق كعمر؟

= زيززززو يااا زيزووو

انتفض من فراشه على صوت صرخات شقيقته آية التي اقتحمت الغرفة بلا استئذان، ووقفت أمامه تلهث قائلة:

= الحق اخوك بيتعارك

أبعد خصلات شعره الأسود عن جبينه ببطء، وحدق فيها بطرف عينه نظرة جعلتها تتراجع خطوتين إلى الوراء. أكثر ما كان يثير غضبه أن يوقظه أحدهم بهذه الطريقة. لا أحد يجرؤ أن يزعجه من نومه...وهي ....امممم...

= مع مين

ابتلعت آية ريقها وقالت بسرعة:

= مع عيل من اللي واقفين على الموقف

مرر كفيه على وجهه ثم جذب الغطاء عن جسده، والتقط التيشيرت الملقى على طرف الفراش، واتجه إلى الخارج. وهناك، كان المشهد الذي اعتاد عليه. عمر يشتبك بالأيدي مع أحد الشباب المعروفين بسوء السلوك. تدخل بعض الرجال سريعًا وتمكنوا من فض الاشتباك، لكن الأمور لم تهدأ. فقد حضرت عائلة الشاب الآخر لتأخذ حقه بعد أن تعرض للضرب على يد عمر.

عائلة البرعصي واحدة من العائلات الكبيرة والمعروفة في الإسكندرية. وفي مثل هذه الأحياء الشعبية، حين تندلع مشاجرة، لا يمر وقت طويل حتى يتجمع رجال الحي بأكمله، كل منهم يحاول أن يفض الاشتباك بطريقته.....

تقدمت مجموعة من الشباب يحملون في أيديهم أسلحة بيضاء: شوما، وجنازير، وسكاكين، وأشياء أخرى. وعلى الجانب الآخر كان يقف عمر ومعه بعض الشباب المستعدين لأي شيء. وبين هذا وذاك وقف عدد كبير من أهالي الحي، يمنعونهم من الاقتراب من بعضهم.

وقف كبير العائلة الأخرى في مواجهة كبير عائلة البرعصي. وتوجهت جميع الأنظار إليه حين قال بخشونة:

= اللي حصل ده ما يتسكتش عليه يا حاج محمد، لا تراضي ولا مراضيه. الولا وشه باظ. ابنكم ناقصه تربية ولازم يتربى

قبل أن يجيب أحد، ارتفع صوت زيزو من خلف الجمع. تقدم بخطوات ثابتة حتى وقف أمام شقيقه، ثم قال بهدوء متزن وهو ينظر لكبير العائله الاخرى...

= ومين اللي هيربيه..

تعلقت الأنظار به جميعًا. نظر إليه أحد شباب العائلة الأخرى باستهزاء وقال:

= لو انتم مش عارفين تربوه احنا نربيه لكم عادي

ثبت زيزو نظرته عليه بثبات بارد، ثم أنزل عينيه قليلًا نحو الأسفل، وأعاد رفعهما إلى عينيه مباشرة وقال بنبرة تهكمية:

= اقفل سوسته بنطلونك الاول وبعد كده تعالي كلمني...

 كتموا الشباب ضحكتهم بصعوبه رغم حاده الموقف وقف أمام الرجل الأكبر وقال بصرامة:

= ليك حق تاخده بالادب. دخلت شارعنا تدخل من غير سلاح. لان قسما بالله سكينة اترفعت في الجو هتلاقي مدافع في وشك. احنا ما بنهابش. قلة الادب مفيش احسن منها، بس انا راجل مش بحب المشاكل. جاي معاك نتكلم بالذوق كان بها، مش جاي برضه كان بها

نظر الشباب إلى بعضهم وابتسم الحاج عادل، الذي شعر بالراحة الداخلية من حديث ابنه. تدخل أحد الرجال من أهل الحي وقال مهدئًا:

= صلوا على النبي يا رجالة. دول شباب مع بعض. اكيد اتعاركوا على دور في الموقف ولا حاجة. بعد المغرب نقعد مع بعض ونحل الموضوع....

لكن زيزو قال بحدة:

= مفيش بعد المغرب. اسمع الحوار من اخويا دار ازاي، ولو ليكم حق هتاخدوه...

لم يزد كلمة أخرى. التفت بنظرة حادة إلى شقيقه، نظرة جعلته يتمنى أن يفر هاربًا. لكن فات الأوان. أمسكه من ذراعه وسحبه إلى الداخل، بينما تبعهم بعض شباب العائلة، في حين تفرغ آخرون لتهدئة الناس.

في الداخل، فتح زيزو باب الغرفة ودفع عمر بقوة ليسقط أرضًا. أخذ يبحث بعينيه عن حزامه، ثم التقطه من فوق الطاولة ولفه حول كفه وتقدم بغضب وهو يقول:

= هو في ايه… انت مالكش حاكم ولا ايه… كل يوم حكاية… انا تعبت يا جدع

وقبل أن ينزل بالحزام على جسد عمر، أسرع أبناء عمه يمسكون بيده والحزام معًا كي لا يتهور. قال أحدهم:

= خلاص يا زيزو، هتضرب اخوك يا جدع

= يا عم بلا اخويا بلا زفت. ده كل يوم حوار ومشاكل وحاجات تقرف

= طب خلاص بقى اقعد واهدى

جلس على الفراش وهو يتنفس بغضب وينظر إلى شقيقه بغيظ. جلس أبناء عمه إلى جواره وقال أحدهم:

= الموضوع مش مستاهل، هيتحل. فكك

جلس عمر بجانب ابن عمه ينظر إلى شقيقه برهبة. أبعد زيزو عينيه عنه وأخرج سيجارة من علبته، أشعلها وزفر دخانها للأعلى ليُفرغ غضبه. ثم نظر إلى شقيقه وقال بحدة:

= الحوار كان عليا المرة دي

رفع عمر كتفيه متصنعًا الجدية وقال:

= شخطت في البنت وخليتها تعيط

قال أحمد، ابن عم عمر وزيزو، باستغراب:

= انهي واحدة فيهم يا عمر

أجاب عمر بثقة:

= لوجي

عقد زيزو حاجبيه ونظر إليه بعدم فهم ثم مال بجسده للأمام قليلًا وقال:

= لوجي دي بت مين

ظل عمر صامتًا، فصفع زيزو جبهته بيده وقال بانفعال:

= يا دين امي

قال أحمد بدهشة:

= في ايه يا ابني

أجاب زيزو بحدة:

= انت عارف لوجي دي تبقى مين؟

= مين

= اخت الولا اللي فتح له وشه. يعني الولا كان بيزعق لاخته خد الانيل

= هات

= ان لوجي دي عيلة بتاعه 12 13 سنة

نظروا جميعًا إلى عمر حين صرخ بعناد:

= ما انا هربيها على ايدي

ضحك الشباب، ثم أخذوا يتسامرون لبعض الوقت قبل أن يغادر كل منهم إلى منزله.

تمدد زيزو مجددًا على فراشه وأمسك هاتفه. فتح بعض الرسائل ، قرأها دون أن يجيب. ثم انتقل إلى تطبيق فيسبوك ليتابع بعض القصص التي شاركها أصدقاؤه.

وفي نفس الوقت، كانت شروق على الجانب الآخر تدخل إلى التطبيق باسم مزيف لتبحث عن "سالي دياب". قضت وقتًا طويلًا أمام شاشة الهاتف. اقترح عليها أحد أصدقائها أن تبحث في جروب "إسكندرية". دخلت بالفعل، وبدأت بالبحث وسط عدد كبير من الأعضاء. لم تتعب ولم تمل، لكن أثناء البحث ضغطت دون قصد على زر إرسال طلبات الصداقة، فأرسلت العشرات دون أن تدري.

ومن بين تلك الطلبات كان طلب صداقة وصل إلى "زيزو البرعصي". رآه في إشعاراته من فتاة تدعى "اميرة احمد" (Amira Ahmed)، فلم يبالِ وأغلق الهاتف متجهًا إلى المرحاض ليتجهز للخروج.

في الوقت نفسه، شعرت شروق بالتعب، فأغلقت الهاتف وأغمضت عينيها، لتغرق في نوم عميق.....

أغلق زيزو هاتفه غير مبالٍ بطلب الصداقة المرسل، بينما غفت شروق في نومٍ عميق بعد رحلة بحث طويلة.
لم يكن أحدهما يعلم أن ضغطة عابرة، وخطوة غير محسوبة، قد تكون بداية حكاية يكتبها القدر بخط يده....
                   الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>