رواية صادفني القدر الفصل الثاني2بقلم سالي دياب


رواية صادفني القدر الفصل الثاني2بقلم سالي دياب

ليست كل البدايات تشبه احلامنا، احيانا يجرنا القدر الى طرق لم نكن نتصورها، فنلتقي باشخاص يغيرون ملامح ايامنا دون سابق انذار. قد تكون الصدفة مجرد لحظة عابرة في الشارع، او كلمة تقال على عجل، لكنها كفيلة بان تقلب موازين القلب والعقل معا....

مرت أيام عديدة ولا تزال شروق تبحث عن تلك الكاتبة التي اختفت بطريقة غامضة ومفاجئة، وظهرت حولها بعض الإشاعات، غير أن محبيها لم يصدقوا أيا منها.

اعتادت شروق الدخول إلى تطبيق فيسبوك بين الحين والآخر لتبحث عن الكاتبة في الخفاء، بينما كانت السيدة منار ترفض رفضا قاطعا أن تمتلك شروق حسابا أو أن تدخل عالم وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العمر الصغير.

لم يكن حساب شروق سوى وسيلة لمتابعة مجموعات الروايات، فهي فتاة تعشق القراءة ولا تجيد الألاعيب، كما أنها لم تمتلك الكثير من الأصدقاء على هذه الصفحة. وحتى تلك اللحظة لم تدرك أنها أرسلت العديد من طلبات الصداقة من غير قصد.

أغلقت شروق الهاتف بعدما سئمت من البحث في جروبات الإسكندرية وغيرها ثم وضعته بجانبها والتقطت جهاز التابلت لتشغل لعبتها المفضلة ببجي التي اعتادت أن تقضي بها وقتها وتسلّي بها وحدتها. وبينما كانت غارقة في اللعب وصلها إشعار من الهاتف الذي نسيت أن تضبطه على الوضع الصامت وكانت نغمة الإشعار واضحة تماما فهي خاصة بتطبيق فيسبوك

في اللحظة نفسها دخلت والدتها السيدة منار على عجل فوضعت شروق الوسادة فوق الهاتف على الفور إلا أن منار لم يفتها ذلك فقالت بغرابة

= في ايه مالك

تماسكت شروق وردت بثبات نسبي

= ما فيش بلعب ببجي

ابتسمت منار بسخرية وقالت بغيظ

= اهو ده اللي انتي فالحه فيه انا رايحه عند تيته اقفلي الباب عليك ماشي

= تمام

= عاوزه حاجه اجيبها لك وانا جايه

= يعني انا لو قلت لك عاوزه حاجه هتجيبيها

= لا

= طب بتسالي ليه

رفعت منار رأسها بتعال ونظرت إليها من أعلى إلى أسفل ثم خرجت من الغرفة.....ما إن تأكدت من خروج والدتها حتى سحبت الهاتف من تحت الوسادة بعجلة خفيفة، غير مدركة أنها قد أغفلت أمرًا كانت تفعله في كل مرة، إذ نسيت أن تمسح صفحتها من تطبيق فيسبوك مؤقتًا كما اعتادت. كانت على وشك أن تفعل ذلك وتغادر الصفحة، غير أنّ شيئًا لفت انتباهها فتوقفت، وعادت أدراجها إلى الصفحة من جديد. كان ذلك الشيء قصة أو حالة منشورة على فيسبوك.
تجهم وجهها دهشة وهي تتأمل الصورة التي ظهرت أمامها، فقد كان الرجل الذي فيها غريب الملامح عنها، لا تعرف له هوية، وكل ما كانت تراه عادة على صفحتها لا يتجاوز مقاطع تتعلق بالروايات. فمن أين جاءت هذه الصورة إذن؟
تعمقت في النظر إلى الحالة، فرأت رجلاً لا هو بالمسن ولا باليافع، غير أنّ ملامحه تتصف بقدر من الوقار والجاذبية التي تبعث الراحة في النفس...

رأت أن الصورة مرفقة بدعاء كُتب فوقها يقول:
(( أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك))..

تحركت داخلها مشاعر البراءة والإنسانية، فدعت له بالشفاء بصدق نية، وظنت أنها كتبت تعليقًا على احد المقاطع المتداوله على فيسبوك. لم تدرك أن تعليقها أُرسل مباشرة إلى تطبيق المراسلة لصاحب الصفحة. وببساطة أغقلت الصفحة ومسحتها نهائيًا، ثم أغلقت هاتفها وعادت إلى لعبتها المفضلة، وهي تظن أن الأمر انتهى عند حدود التعليق، دون أن تعلم أنها تواصلت مع صاحب الصفحة على الخاص دون قصد....

وكانت الصفحة التي أرسلت إليها الدعاء تحمل اسم "زيزو البرعصي"، الذي رأى طلب الصداقة بعد يومين، فظن أنها إحدى فتيات عائلته، فقبل الطلب دون تردد....
في ذلك الوقت، وعلى عكس شروق، كان يعمل في ورشة متخصصة بصناعة الألوميتال، وهو عمل اعتاد عليه منذ نعومة أظفاره....

كما ذكرت من قبل، كان زيزو منذ صغره يحمل على عاتقه مسؤوليات تفوق سنه، لم يكن يحمل شهادة جامعية، ولا درس في مدارس فاخرة، بل كانت الحياة هي مدرسته وصنعته هي شهادته التي يفخر بها....

رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى في زمن ندر فيه معنى الرجولة، زمن باتت فيه النساء تتشبه بالرجال، والرجال تتشبه بالنساء...

كان جالسا في الورشة التي يعمل بها منذ سنوات، تحيط به الأدوات المختلفة وقطع الألوميتال المتناثرة في كل مكان. كانت رائحة المعدن والزيت تملأ الأجواء، وصوت الماكينات يتردد في الخلفية. يجلس أمام طاولة خشبية صغيرة، فوقها بعض الأوراق البيضاء التي يرسم عليها أحد التصميمات التي ينوي تنفيذها قريبا.

أمامه كوب من الشاي يعلوه بخار خفيف، وسيجارة تتدلى من فمه تنثر دخانها في الهواء. كان مركزا في عمله، يرسم الخطوط بدقة ويعيد النظر في القياسات أكثر من مرة، ثم يمسح بيده ما لا يرضيه ويعيد الرسم مجددا، فيبدو وكأنه غارق في عالمه الخاص لا يسمع شيئا سوى صوت عقله.

في تلك الأثناء، أصدر هاتفه المحمول صوت إشعار خافت. ألقى نظرة على الشاشة بطرف عينيه فرأى إشعارا من تطبيق الماسنجر، والاسم الظاهر أمامه هو "أميرة أحمد". لم يعط الأمر اهتماما، وأعاد بصره إلى التصميم أمامه.

فزيزو بطبعه قليل الكلام، لا يحب التشتت ولا يميل إلى الأحاديث الطويلة. رجل عملي يقضي أغلب وقته بين أدواته وعمله، خاصة في تلك المرحلة من حياته التي لم تكن مستقرة بعد مرض والده المفاجئ، إضافة إلى توتر العلاقة التي جمعته بخطيبته والتي انتهت بفسخ الخطوبة....

وكما يقال، لا أحد يعلم أين يكون النصيب...

بعد ساعات من العمل المتواصل، انتهى من تصميمه، فجمع أوراقه ووضع أدواته في أماكنها. خرج من الورشة وقد غطى دخل الليل واصبحنا في الواحده بعد منتصف الليل  توجه إلى المقهى الشعبي المعتاد حيث يجلس أصدقاؤه كل مساء...

جلس بينهم لبعض الوقت، ثم أخرج هاتفه من جيبه، وتذكر الرسالة التي كانت قد وصلته في وقت سابق. فتح تطبيق الماسنجر فرأى العديد من الرسائل، أغلبها من معارفه يدعون لوالده بالشفاء العاجل. بدأ يجيب عليهم جميعا حتى وصل إلى رسالة "أميرة".

كتب ردا بسيطا:
"امين ادعي له"

في الوقت نفسه، كانت شروق قد فتحت التطبيق في الليل لتتابع بعض جروبات الروايات، فرأت الرسالة وردت قائلة:
"ربنا يشفيه يارب"

رد زيزو:
"تسلم ابو الصحاب"

فقالت باستغراب:
"انا بنت"

عندها انتبه زيزو، فقد كان يجيب على عدة رسائل في الوقت نفسه ولم يلحظ أنها فتاة، فكتب...
"معلش مش واخد بالي"

ردت ..."لا عادي ولا يهمك"

قرأ رسالتها  وخرج من المحادثه نهائيا... أما شروق، فقد بدأ الفضول يتسلل إليها، فطريقة حديثه تقول انه ليس هو الذي في الصوره....كتبت له بعدها تقول:

"هو يقرب لك ايه"

لم يأت الرد مباشرة، مرت نصف ساعة تقريبا قبل أن تصلها منه رسالة قصيرة لكنها كانت كافية لتثير فضولها أكثر:

"ابوي"...

اندهشت شروق فقررت أن تكتشف من يكون صاحب الصورة، لذلك قامت بالدخول إلى الحساب الشخصي لزيزو، فرأت أنه شاب صغير يختلف عن الذي في الصورة. هنا علمت أنها كانت مخطئة بشأن صاحب الصورة. عادت مرة أخرى إلى المحادثة وأرسلت له:

"شفاه الله وعافاه هو تعبان عنده ايه"

فرد عليها:
"جلطه"

همست شروق لنفسها قائلة:
"ي لوحي"

قالت ذلك وهي تتأمل صورة والده، فحقا أشفقت عليه، لذلك أرسلت له:
"ربنا يشفيه يارب"

رأى زيزو الرسالة على شاشة هاتفه، ظل يتأملها قليلا وهو يضيق عينيه ويسحب من سيجارته، ثم دخل إلى التطبيق وفتح صفحتها الخاصة، فلم يجد فيها شيئا مثيرا للاهتمام. انتبه الفضول داخله هو الآخر لمعرفة من تكون هذه الفتاة، فظن من طريقتها أنها تحاول الحديث معه عمدا، لذلك أرسل لها:

"مين انتي مش واخد بالي"

رأت شروق الرسالة وأرسلت له:
"لا انت ما تعرفنيش لاني عملت طلب الاضافه بالغلط 😊"

كان ردها صريحا، وكانت هذه هي الحقيقة، لكنه لم يصدق ذلك، فأرسل لها:
"هنبتدي نحور بقى"...

اعتدلت شروق على الفراش ثم قالت لنفسها وهي تقرأ رسالته:

=ايه الكائن ده وانا هحور عليه ليه...

أمسكت الهاتف وأرسلت له بانفعال:
"لا والله دي الحقيقه"

فرد عليها:
"هعمل نفسي مصدقك انتي مين طيب"

فأجابت ببساطة:
"قلت لك والله ما هتعرفني"

فكتب لها:
"يا ستي عرفيني بنفسك"

فقالت:
"انا اميره"

فسألها:
"منين"

فأجابت:
"القاهره وانت"

اعتقد زيزو أنها تمثل، وأن ما تفعله مجرد مزاح أو محاولة لجذب الحديث، فقرر أن يتسلى معها وقال لها:
"اسكندريه**** 😂"

ذكر لها اسم الحارة الشعبية التي يقيم فيها، وحين سمعت شروق اسم الحارة استغربت كثيرا، فأرسلت له:
"ايه ده فين دي"

ضحك زيزو على الجانب الآخر، فهو لا يزال يظن أنها تمزح، فأرسل لها:
"ف اسكندريه 😂"

فقالت بنبرة ضيق:
"بتضحك على ايه🙄"

رد قائلا:
"عايزه اشوف اخر الحوار ايه"

فكتبت له:
"والله ما بحور انا فعلا من القاهره وما اعرفكش وعملت طلب الاضافه بالغلط فعلا.... هو اسم الاكونت بس اللي فيك"

فقال:
"اممممم طب اسمك اي"

فردت:
"شروق"...

استغرب زيزو فهي في الاعلى قالت له ان اسمها اميره لذلك سالها...

"بس الصفحه اسمها اميره احمد"....

ردت عليها..

"ده اكونت فيك انا عاملاه علشان اتابع بس الروايات ما حدش يعرف ان انا عندي اكونت على فيسبوك".. 

"فاسم اميره ده مش اسمي انا اسمي شروق"....

ابتسم زيزو باعجاب فقد احب اسمها كثيرا رغم انه ما زال مقتنعا انها تتحايل عليه، فكتب لها رسالة.

"اسمك حلو"

ردت عليه "شكرا"

"كم سنة"

"تسعتاشر وانت"

"خمسه وعشرين"

"العمر كله"

"طب عايزة اعرفك برضه"

"ما انا قلت لك اسمي شروق من القاهرة"

"فاهم"
" عايز اعرفك عايز اشوفك"

"ازاي"

"هو ايه اللي ازاي... عايز اشوفك"

"مش فاهمة حضرتك تقصد ايه"

"بصي نهاية الحوار ده من غير لف ودوران، هتعرفيني انتي مين يا اما هعمل لك بلوك"

"والله ما فاهمة حضرتك تقصد ايه، عايز تشوفني ازاي"

"صورة كده يعني"

شعرت شروق بالارتباك، فهو لا يعرفها ولا تعرفه، لكنها احبت التحدث معه. في الوقت نفسه كانت لا تستطيع ان ترسل صورتها لاي شخص بسبب تجربة مرت بها في الماضي جعلتها اكثر حذرا.

قررت الا تتخذ قرارا متهورا وان تستشير احدا اكبر منها، فذهبت الى شقيقتها سارة، وهي اقرب شخص اليها في ذلك الوقت.

اتصلت بها، وما ان اجابت حتى قالت شروق بسرعة:

"انا عملت طلب صداقة لواحد بالغلط ودخلت اتكلمت معاه، ودلوقتي هو عايز يشوف صورتي، اعمل له بلوك ولا اقول له لا"

ابتعدت سارة قليلا عن زوجها ثم قالت لها:

"عادي يا شروق، هو هياكلك؟ ابعتي له صورتك على الواتساب مرة واحدة وخلاص"

قالت شروق بارتباك "ما انتي عارفة اني مش بحب المواضيع دي"

ردت سارة "خلاص براحتك، اعملي له بلوك"

"ما هو انا حابة اتكلم معاه"

انتفضت شروق بخضة حينما صرخت بها سارة بانفعال.

"بنت، بقول لك ايه، ما توجعيش راسي، عندك حلين يا تعملي له بلوك يا تبعتي له صورتك على الواتساب مرة واحدة وتريحي دماغك، روحي شوفي انتي رايحة فين"

ثم اغلقت الهاتف في وجهها دون ان تضيف كلمة اخرى.

نظرت شروق الى الهاتف وقالت لنفسها:

"دي قفلت في وشي، اه يا بنت الـ..."

فتحت المحادثة بينها وبين زيزو، وظلت مترددة هل ترسل له الرقم ام لا.

في النهاية كتبت له:

"بص، امي لو عرفت هتموتني.. وانا مش بحب ابعت صوري لحد ما اعرفهاش"..

"براحتك"

"هبعت لك صورتي بس مش هنا، واتساب"

"ماشي"

تبادلوا الارقام، وارسلت له رسالة على الواتساب. كانت شروق لا تزال خائفة من ارسال الصورة، لكنها في النهاية قررت ان تفعل.

ارسلت الصورة مرة واحدة وهي في قمة التوتر، فهي اول مرة تتحدث مع شخص غريب وترسل له صورتها.

اما هو، فعندما فتح الصورة ظن انه سيرى فتاة عادية، لكن الحقيقة انها كانت رائعة الجمال.

تأملها بعينيه التي لمعت فيهما لمعة اعجاب، كانت عيناها البنيتان مرسومتين بطريقة تخطف الانفاس، ووجهها الدائري ملفوف بحجابها الذي زادها نورا على نورها، وجنتاها الممتلئتان بلونهما الوردي الطبيعي، وثغرها الوردي الجميل. لقد اعجب بها كثيرا.

قطع لحظة التأمل ان الصورة حذفت من عندها. تبسم زيزو وارسل لها رسالة.

"لا بس طلعت قمر"

ارسلت له "شكرا 😊"

ومن هنا كانت البداية... صدفة عابرة ستقلب الموازين، وتحوّل حكاية عادية إلى عشق لا يشبه أي عشق، كأنه قُدر منذ زمن أن يولد من بين تفاصيل لم يقصدها أحد....

                  الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>