رواية صادفني القدر الفصل الثالث3بقلم سالي دياب


رواية صادفني القدر الفصل الثالث3بقلم سالي دياب

رآها في صورة ورأته في أخرى كلاهما لم ير الآخر في الواقع هو لم ينظر في عينيها وهي لم تر ملامحه عن قرب لكنه سمع صوتها الهادئ الرقيق وهي استمعت إلى صوته لأول مرة ومن هناك بدأ خيط خفي ينسج بينهما شعورا بالانسجام والارتياح

علاقة (( شروق.. و.. زيزو)) كانت مختلفة عن كل ما حولها هو أعجب بها لجمالها ورقة صوتها رغم أنه كان يظن منذ البداية أن ما بينهما مجرد حديث عابر إلا أن روحها المرحة وخفة ظلها استطاعت أن تسرق جزءا منه دون أن يشعر ومع مرور الوقت وجد كلاهما في الآخر راحة غريبة لا يعرفان سببها فقط كان بينهما إحساس يشبه الاطمئنان...

أما هو فكان مرتاحا في الحديث معها إلى حد غريب كان يشعر وكأنه يتحدث إلى طفلة تحمل في قلبها بساطة العالم كله طفلة تضحك بعفوية وتتكلم بصدق يجعل من يستمع إليها يبتسم رغما عنه حتى وإن كان خلف شاشة هاتف

باختصار لم تكن بينهما معرفة حقيقية هو لا يعلم عنها شيئا وهي كذلك لا تعرف عنه الكثير ولكن الألفة جمعت بين قلبيهما وجعلت هذا الجزء البعيد يقترب شيئا فشيئا حتى صار الحضور أقوى من اللقاء...

اعتادت أن تراسله يوميا عبر تطبيق الواتساب، ولكن فجأة انقطع الاتصال بالإنترنت من جهته. كانت تعلم أنه في هذا الوقت يكون منشغلا بعمله، فقد أخبرها مسبقا بمواعيد عمله. لم يتبادلا مكالمات طويلة من قبل، إذ كانت جميع أحاديثهما عبارة عن محادثات كتابية عبر الواتساب، لذلك شعرت بالقلق، خاصة أنه لم يفتح التطبيق طوال هذه المدة. فقررت أن تتصل به هاتفيا لتطمئن عليه.

شعرت في البداية بارتباك وخوف، فهي المرة الأولى التي تهاتفه فيها بهذه الطريقة، لكنها حسمت أمرها وضغطت على اسمه بيد مرتعشة، ووضعت الهاتف على أذنها تنتظر الرد. وما إن جاء صوته حتى قالت أذنه:

= ألو...

لكنها أغلقت الهاتف في وجهه على الفور دون أن تتحدث، بينما هو وقف مذهولا ينظر إلى هاتفه بعد انقطاع المكالمة. أما هي فكانت تضع يدها على فمها وتنظر إلى هاتفها في ذهول غير مصدقة ما فعلت. جلست على الفراش وجسدها كله يرتعش، وقلبها يخفق بقوة. نعم هما صديقان وتحدثا كثيرا، لكن هناك أشياء لم تتجاوزها بعد.

اتسعت عيناها وهي ترى الهاتف يرن من جديد، لقد أعاد الاتصال بها. أخذت نفسا عميقا وحاولت تهدئة نفسها، ثم فتحت الخط بيد مرتعشة ووضعت الهاتف على أذنها دون أن تنطق بكلمة، بينما هو على الجانب الآخر في انتظار أن تتحدث. طال الصمت فضحك وقال:

= ايه يا زمالة هتفضلي ساكتة...

ضحكت بارتباك وردت بصوت مرتعش:

= لا ... ااا... أنا... ااا...

شعر بارتجاف صوتها، فأدرك أنها فتاة لم يسبق لها الحديث مع أي شاب من قبل، وأن هذا الموقف بالنسبة لها صعب. قال لها بهدوء:

= اهدي كده... في ايه مالك...

أخذت شروق نفسا عميقا وقالت بارتباك:

= ما فيش... أنا بس... ااا... قصدي أنت قافل واتساب فقررت أكلمك وأطمن عليك...

ابتسم وقال:

= أنا تمام ما تقلقيش عليّ بس ببقى قافل عشان معايا شغل...

تنهدت بارتياح وقالت بعفوية:

= يا شيخ خوفتني...

=خفتي عليا

= طبعا انت البست فريند بتاعي فلازما اخاف عليك وغير كده انت بتشتغل بادوات حادة فلما سكت قلقت

كانت تتحدث بسرعة وبنية صادقة شعر بصدقها فابتسم تلقائيا اما هي فحين ادركت ما قالته عضت على شفتها السفلى باسنانها واغلقت الهاتف في وجهه ثم وقفت امام المرآة تنظر الى انعكاسها بدهشة وهمست بصوت مرتبك

= ايه الراديو ده

وعلى الجانب الاخر ضحك بشدة حين فعلت ذلك فقد ايقن انها شعرت بالحرج وقام بارسال رساله على تطبيق الرسائل الموجوده بالهاتف...

"انتي قفلت في وشي"...

التفتت شروق كمن لسعت حينما صدح الهاتف بصوت نغمة رسائل جديدة، فسارعت نحوه والتقطته بيدها. شهقت عندما أدركت ما فعلته، وأرسلت له سريعا:

"انا اسفه والله ما كنتش اقصد"

ابتسم ورد عليها:
"لا اسفه حاف كده مش جايه معايا"

"طب عاوز ايه"

"بالليل هقولك"

"لا دلوقتي"

"قلت بالليل مش فاضي دلوقتي معايا شغل"

"اوكي تمام ربنا معاك"

ابتسمت وحدقت في المرآة لبرهة وكأنها تحاول فهم ما جرى للتو فهي ليست من النوع الذي يتحدث بعفوية او يبوح بما يشعر به بهذه السرعة كانت دائما تتجنب الحديث مع الاخرين تخشى نظراتهم وتفكر طويلا قبل ان تنطق بكلمة واحدة اعتادت الصمت حتى صار جزءا منها تحتمي به كلما شعرت بالارتباك او الخوف

فهي تعاني من رهبة الاختلاط بالاخرين تجعلها تشعر بأن الانظار كلها موجهة اليها في كل مرة تحاول فيها التحدث وكأنها على مسرح مفتوح امام جمهور لا يرحم لذا كان ما حدث قبل لحظات امرا مدهشا بالنسبة اليها فقد تحدثت معه دون خوف لم ترتب كلماتها ولم تزنها بعقلها فقط خرجت من قلبها كما هي دون تردد او حساب

ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت بشيء مختلف دفء خافت تسلل الى صدرها واحساس غريب لم تعرف اسمه لكنها ادركت انه بداية لشيء جديد تماما....

اختفت ابتسامتها وعقدت حاجبيها حينما سمعت صوت شقيقتها سارة في الخارج فتحت الباب فرأت شقيقتها تقف ومعها أطفالها كانت ستبتسم فرحا فهي تسعد كثيرا عندما يأتي الأطفال وخاصة الصغيرة شروق كما أن سارة هي الأقرب إلى قلبها بين أخواتها لكونها تعيش معها في البلد على عكس راندا التي تسكن في الخارج

لكن ابتسامتها تلاشت حين نزعت سارة حجابها واتسعت عينا والدتهما حين بدت الكدمة على وجهها واضحة تماما لقد كانت ضربة قوية تركت أثرا غائرا على وجنتها نظرت سارة إلى والدتها بعين دامعة وقالت بصوت مختنق

= انا عايزه اتطلق

لم تكد تكمل حديثها حتى دوى صوت طرق على باب الشقة التفت الجميع نحو الباب فتوجهت شروق بخطوات سريعة لتفتحه فإذا بشقيقتها الأخرى راندا تقف أمامها حقائب السفر بجانبها يبدو أنها نزلت من الإمارات فجأة دون سابق إنذار وقبل أن يتحدث أحد ألقت راندا كلمتها بملامح باردة خالية من أي انفعال

= انا غضبانه

ارتفع صوت السيدة منار الأم قائلة بدهشة ممتزجة بالأسى

= يا مصيبتك السوده في بناتك يا منار

أما شروق فوقفت تنظر إليهم جميعا بنظرة ساهمة وكأنها في عالم آخر لا يعنيها ما يجري حولها ثم قالت بهدوء عجيب يخفي وراءه الكثير

= طيب عشان نكون متفقين كده ما فيش واحدة فيكم هتنام معايا في الأوضة..

***************************************************************

على الجانب الاخر ابتسم ابتسامة هادئة فاستطاعت ببراءتها ان تجعله يبتسم اطلق ضحكة صغيرة من فمه وكاد ان يضع الهاتف في جيبه مرة اخرى ولكن منعه وصول اشعار على تطبيق الوتساب فتح التطبيق وعقد حاجبيه مستغربا حين رأى رسالة من رقم غريب فتح الرسالة التي كانت بها كلمة واحدة

=...

رد عليها باستغراب

=مين

ويبدو ان من ارسل الرسالة كان ينتظر الرد فرد عليه على الفور

=وحشتني...

هنا ازدادت استغرابه ظل محدقا في الرقم محاولا تذكر ان كان يعرف صاحبه ام لا لكنه جهل الامر وظن انها خطيبته السابقة ولهذا تجاهل الامر واغلق الهاتف ووضعه في جيبه وعاد الى عمله مرة اخرى...

التفت الى باب الورشة حين دخل شقيقه الصغير الذي يعمل معه في نفس المكان القى عليه نظرة نارية جعلته يبتلع ريقه بتوتر وذهب سريعا الى عمله فهو كان قد اخبره انه سيذهب ليجلب بعض الاشياء لكنه تأخر اكثر من اللازم اتصل به فلم يرد ثم اغلق المكالمة ظله زيزو محدقا به بنظرته الصلبة الصارمة ثم توجه الى الماكينة التي يعمل عليها وهو يقول في نفسه

= اما نشوف اخرتها....

في القاهرة كانت منار تجلس مع بناتها راندا وسارة وكذلك شروق التي كانت تجلس بينهن تضع يدها على خدها وتتابع ما يحدث بصمت وفضول نظرت الى سارة التي قالت ببكاء

= مش عوزه رجل مقرف مش عارفه ازي قدار يفكر في بشكل دا بعد كل السنين دي يخليني اعمال القرف دا....

قالت راندا...

= اهدي وبطلي عيط انتي بترضعي....

نظرت منار الى راندا وقالت وهي تضيق عينيها....

= انتي جايه غضبانه ليه...

وضعت راندا قدما على الاخرى وقالت بهدوء اعصاب يعكس ما ستقوله...

= فتحت دماغه...

= يا مصبتي السوداء....

ضحكت شروق وسارة بينما راندا تجلس باسترخاء وكأنها لم تقل شيئا كارثيا  بينما كانت منار تحدق في راندا وكأنها تحاول استيعاب ما قالته لتعيد كلماتها في ذهنها مرارا ثم قالت  بصدمه.....

= يعني ايه فتحت له دماغه يا بنتي.....

ردت راندا بنفس البرود...

=  هو ايه اللي يعني ايه... اللي مش مفهوم في كلامي.... اتخانقنا ضايقني رحت فاتحه له دماغه بطفيت الحريق....

وضعت سارة يدها على فمها محاولة كتم ضحكتها بينما شروق مالت للأمام بعينين متسعتين وقالت بنبره طفوليه شقيه...

= احكي لنا بالتفصيل ادق التفاصيل عايزه اعرفها...

قالت راندا وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة....

=  في مثل بيقولك اطمئن احسن من ناحته وانا ما بحبش المط الكتير في الكلام....

نظرت شروق الى ساره وقالت باستغراب....

=يعني ايه الكلام ده يا اختي...

قالت ساره بصوت منخفض يملاه الخباثه....

=ابقي خلي ازوز يفهمك....

عقدت شروق زراعيها امام صدرها ونظرت بعيدا وتظفر بضيق  لعنت غبائها الاف المرات لانها اخبرت شقيقتها سرها... نظروا جميعا الى مناره التي وضعت يدها على راسها وقالت بنبرة تجمع بين الغضب واليأس....

=  الصبر من عندك يارب بيضحكوا ويهزروا ولا كانهم جايين ببلاوي...

ضحكت سارة وقالت بمزح...

=  يا صغيره على الهم يا لوزه...  ما تكبريش الموضوع ده وبعدين واخدين الخبره منك يا كبير...

نظرت منار اليها بحدة وقالت بغضب يملاه الغيظ....

= انا علمتكم تكونوا ستات محترمين مش تفتحوا دماغ الناس.... وكل يوم فضيحه شكل... كل واحده سحب عيالها وبعدين تضحكوا وتهزروا يجبل لاتيه اللي ما عندكمش دم...

قالت راندا وهي تضحك....

=يعني انت عايزانا يبقى نكد هناك ونكد هنا فيها منار ما تكبري دماغك الهم جاي جاي ما تستعجليش....

ضحكت البنات جميعا بينما منار اكتفت بهزة رأسها وهي تتمتم

= ربنا يستر على اللي جاي.....

                 الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>