رواية روح غائبة الفصل الخامس5بقلم السيد عبد الكريم
يرويه الأستاذ رأفت
خرجتُ من بيت محاسن وأنا أحمل بين ملابسي رسالة من نسمة ، أسرعتُ إلى البيت ، وحينما وصلت أحكمتُ إغلاق الباب ، وأخرجتُ الرسالة من ملابسي ، كنتُ متوتا قلقا متحمسا لأقرأ ما في الرسالة ، وقبل أنْ أفتح الرسالة سمعتُ طرقات على باب بيتي ، نظرتي في ساعتي وجدتها الواحدة بعد منتصف الليل ، مين هيخبط عليا دلوقتي !!!!
وضعتُ الورقة في ملابسي مرة أخرى ، وتوجهتُ إلى الباب وحينما فتحت الباب وجدت أمامي عم شكري
أه .. عم شكري اللزج المتطفل .
قلتُ ذلك في نفسي ولم أتحدث ، وحينما رآني صامتا قال :
ـ نايم إنت على ودانك يا أستاذ رأفت ... ولا بتسأل عن جيرانك ولا بتتطمن عليهم .
قلتُ :
ـ مساء الخير ياعم شكري .
قال :
ـ قول صباح الخير .
ثم دفعني ودخل البيت وهو يقول :
ـ مالك كده مرتبك زى اللى مخبى حريم عندك في البيت .
لم أرد ، بينما هو جلس في الصالة وقال :
ـ يرضيك اللى عمله طلعت ابن عبد البر .
لا حول ولا قوة الا بالله ! مش وقتك خالص يا عم شكري .
قلتُ ذلك في سري ، ثم قلت :
ـ لا ميرضنيش .
قال :
ـ مش لمّا تعرف هو عمل إيه الأول ... ولا إنت بتاخدني على قد عقلي .
قلتُ :
ـ أكيد الجاموسة بتاعته دخلت الغيط بتاعك وأكلت الزرع .
قال :
ـ طيب ما إنت عارف أهو .
اللي قرأ رواية ( فتاة أشلول ) هيعرف إنْ عم شكري من 12 سنة تقريبا وكل ما يقابلني يشكو لي من طلعت ابن عبد البر اللى الجاموسة بتاعته دخلتْ غيطه وأكلتْ زرعه .
المهم قلتُ :
ـ عارف طبعا .. ولو صبرت لحد بكرة كنت هقابل طلعت وأخرب بيته وأرجعّلك حقك .
قال :
ـ أصيل والله يا استاذ رأفت ... يا سلام !.. الله يرحم والدك ... مكنش يتأخر عن حد واصل ... كان صاحبي وحبيبي ... كنا زي الاخوات و...
يا نهار ابيض على غلاسة الرجل ! ياعم انجز في الكلام ، مشكلتى إنّي مقدرش أمنعه من الكلام ، ولو عملت كده هبقى قليل الأدب في وجهة نظرة ، والكلام عن صداقته بوالدي استغرق تقريبا 20 دقيقة ، وأخيرا قال عم شكري :
ـ طوّلت عليك يا أستاذ رأفت .
ثم غير من نبرته وقال :
ـ بس عليا الطلاق لو طلعت عبد البر ملمش بهايمه لأكون مبلغ الحكومة وهي تتصرف .
قلت :
ـ هقابله بكره حاضر .
أخيرا غادر عم شكري ، وأحكمتُ إغلاق الباب وأخرجتُ الرسالة وقرأت :
( ارجوك ..عاوزه أقابلك ضروري ... قابلني بكرة الساعة 1 بالليل عند شجرة الجميز المهجورة )
أغلقتُ الرسالة ووضعتها في درج مكتبي وبدّلت ملابسي وتوجهتُ إلى المطبخ علشان أعمل شاي ، بس وأنا بعمل شاي فضلت أفكر :
ـ الرسالة دي غريبة أوي !
ـ أغرب حاجة فيها هو الزمان والمكان !
ـ بنت صغيرة زي نسمة ليه تحدد ميعاد الساعة 1 بالليل !
ـ وليه تحدد ميعاد عن شجرة الجميز المهجورة !
شجرة الجميز دي على أطراف القرية ، والمكان هناك مهجور وفاضي وبيكون شكله مخيف بالنهار وبالليل ، وهي بنت صغيرة لسه بتدرس في ثانوي ، يعني المفروض كانت قالت نتقابل بعد خروجها من المدرسة ، بس عامة أكيد هي متراقبة من محاسن مرات أبوها ، علشان كده اختارتْ وقت يناسب ظروفها ، وأكيد هي تعرف ظروفها أكتر منّي ،،،
علشان كده قررتُ إنّي أقابلها الساعة 1 بالليل عند شجرة الجميز المهجورة .
تاني يوم الصبح رحت الشغل ، وأنا طالع السلم شفت عم شعبان اللى لمّا شفني جري ناحيتي وقال :
ـ ههيأ .. هات سيجارة .
قدّمتُ له سيجارة وسمعته يقول :
ـ وهات أجيب سندوتشات .
قلت :
ـ يا عم شعبان .. هو انا خلفتك ونسيتك .
قال :
ـ هيهأ .. حلوة .. بس مش هتنازل عن حق 4 سندوتشات طعمية سخنة .
أخرجت نقودا وقدّمتها له ؛ فقال :
ـ مبروك .. هيهأ .
طبعا عم شعبان مش باخد عليه ، علشان كده تركته وصعدت ، لقيت الأستاذ شماشيري قاعد على مكتبه ، قلتُ :
ـ صباح الخير .
وفضلت أدعو ربنا إنّه يقول صباح الخير بدون أي كلام زيادة ، لأنّي مبحبش أبدأ كلام معاه ،لأنّي عارفه وعارف كلامه الكتير ، المهم سمعته بيقول :
ـ مممم صباح الفل .. صباح الورد .. صباح الخدود اللى بتنور والضفاير اللى بتطير .
ماشاء الله ! الأستاذ شماشيري انحرف خالص ، مش مشكلة ، مش هرد عليه ، انهمكت في عملي وبدأتُ أخرج بعض الأوراق من درج المكتب ، بس سمعته بيقول :
ـ أستاذ .... والله أستاذ .
قالها بنبرة طويلة ممتدة بس برضه لم أرد عليه ، ثم سمعته يقول بصوت عالي :
ـ يا عم شعبان .. إنت يا زفت .
وجه عم الزفت شعبان بعد 20 دقيقة تقريبا، فقال الأستاذ شماشيري :
ـ فطرت ؟
ردّ عم شعبان :
ـ لسه جايب 4 سندوتشات طعمية سخنة .. هيهأ.
قال الأستاذ شماشيري :
ـ خد فلوس من الأستاذ رأفت واطلع جري هاتلي 4 سندوتشات زيهم .
قلتُ :
ـ إيه الحكاية يا أستاذ شماشيري !
أجاب :
ـ إنت الحكاية وإنت الرواية يا نمس .
ممممم كده شكلهم اتجننوا هم الاتنين ، المهم سمعته يقول :
ـ طلع فلوسك الحلوة وادي عم شعبان يجيب سندوتشات .
أخرجتُ فلوس وإديتها لعم شعبان اللى قال وهو خارج :
ـ هيهأ .
قلتُ :
ـ إيه الحكاية ؟
أجاب الأستاذ شماشيري :
ـ ذوقك حلو أوي .
قلتُ :
ـ ذوق إيه ؟
أجاب :
ـ العروسة الجديدة .. لا وإيه .. جمال ورقة وأناقة .. هي برضه صغيرة على سنك بس ربنا يسعدكم يا سيدي .
قلتُ :
ـ بتتكلم عن إيه ؟
أجاب :
ـ هتفضل مخبي لإمتى يا لئيم .. كل ده علشان تهرب من الحلاوة .
قلتُ :
ـ يا أستاذ شامشيري .. خش في الموضوع لو سمحت .
قال :
ـ ماشي .. إعمل نفسك مش فاهم .. بس هي سألت عليك هنا .
بدأتُ انتبه لمّا يقول وقلت :
ـ هي مين ؟
أجاب :
ـ رانيا رامي .
رانيا رامي !!!!!!!!!!!!!!!
بصرف النظر عن إنْ الاسم غريب شوية بس قلت :
ـ سألت عنّي !!
قام الأستاذ شماشيري وهو يمشي بخطوات فيها ميوعة وتقصع محاولا تقليد مشية بعض البنات قال بصوت انثوي مزعج :
ـ الأستاذ رأفت جه ... طيب قوله رانيا .. رانيا رامي .. خطيبته .
وهنا فكرت .....
مش جايز تكون اللى سألت عنّي هي نسمة عبد العزيز !!!
بس الأستاذ شماشيري أكيد يعرف نسمة !!!!
لا هو ميعرفهاش ..
هو أصلا بيعتقد إنْ اللى ماتت في حادثة هي نسمة ..
وبعدين بقا في اللخبطة دي .
وأصلا نسمة عبد العزيز استحالة تيجي هنا وهي حددت المقابلة تكون عن شجرة الجميز .
لمّا طال شردوي الأستاذ شماشيري قال :
ـ خدودها إيه ... ضفايرها إيه .... رقتها في الكلام إيه .... حتى اسمها يا لئيم .. اسمها حلو ... موسيقي .. يا سلام !! بحب قصص الحب أوي ... بس الحب المؤدب .
قلتُ :
ـ جات إمتى وشكلها إيه ؟
أجاب :
ـ لسه ماشية من شوية ... وشكلها ميتوصفش .. بنت صغيرة تقريبا 20 سنة 21 سنة ... شكلها لسه متخرجة من الجامعة ... وتشبه ليلى مراد في فيلم غزل البنات .
وطبعا الأستاذ شماشيري تشبيهاته كلها في الضياع ، يعني لمّا يُشبّه واحدة بليلي مراد يبقي أكيد هي شبه مراد ، أو جايز يكون أحدث فيلم تفرج عليه هو فيلم غزل البنات ، بس دا كله مش مهم ، المهم عندي أعرف هو بيهزر ولا بيتكلم جد ، وافتكرت عم شعبان لمّا قالي مبروك وأنا طالع السلم ، كده شكله فيه واحده سألت عني فعلا ، بس أنا بحكم شغلى إداري وبنسق بين بيوت الثقافة في قصور ثقافة سوهاج فطبيعي إنْ موظفة مثلا تيجي تسأل وتحتاج امضاءات وأختام ، بس هو بيقول إنّها قالتلهم إنّها خطيبتي ، هنا سمعت الأستاذ شماشيري بيقول :
ـ مبروك يا نمس .. بس دي من طهطا ولا منين ؟
قلتُ شاردا :
ـ اه .. تقريبا .
قال بصوت مرتفع :
ـ تقريبا .. فيه حاجة اسمها تقريبا ... إيه نصها من طهطا ونصها من أسيوط !
قلتُ علشان أغيظه :
ـ تقريبا كده .
وانهمكت في عملي ولم أتحدث مع الأستاذ شماشيري طوال اليوم ، وكنت أتحاشي النظر إليه ، بس هو كان كل شوية يدندن ويقول :
ـ أستاذ حمام نحن الزغاليل .. من غير جناح بنميل ونطير .
مكنتش ببص عليه وسايبه عايش في البطاطا اللى في دماغه بحد ما انتهى اليوم .
في نفس اليوم بالليل ...
في نفس اليوم بالليل ارتديتُ ملابس ولبست جاكت أبيض تقيل بسبب البرد ، ووضعت مصحفا صغيرا في جيبي وركبت الموتوسيكل بتاعتي وتوكلتُ على الله .
بعد قليل كنت بجوار شجرة الجميز المهجورة ، نظرتُ في الساعة لقيتها الساعة 1 إلا عشر دقايق ، فضلت أنظر يمين وشمال ، بس المكان رهيب ومظلم البرد بيخترق العظام ، وفضلت أفكر تاني ..
إزاي نسمة هتقدر تيجي هنا لوحدها !
المكان بعيد عن البيوت والونس !!
وسرحتُ بأفكاري لدرجة إنّي تصورت إنْ مرات أبوها هي اللى ألقتْ لي الرسالة ، بس استحالة ، أنا أصلا شفت نسمة وهي بتنظر من الشباك وترمي الرسالة ، وفضلت أفكر لحد ما جات الساعة 1 وربع ، وقررت إنّي أنتظر ربع ساعة كمان وبعدها أغادر .
فضلت أتمشي يمين وشمال علشان الجو برد والمكان مخيف وبدأتْ أعصابي تتوتر وأطرافي ترتعش من البرد ، ولمّا جات الساعة 1 ونصف قررتُ أمشي ، بس لمّا ركبت الموتوسيكل قلتُ لنفسي :
ـ جايز تكون جاية فى السكة ! هستنى شوية .
علشان كده نزلت تاني من على الموتوسيكل وأخرجتُ هاتفي وشغّلت قرآن بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله ، وظللتُ على هذه الحالة لحد الساعة 2 وربع ، بعدها قررتُ المغادرة .
ركبت الموتوسيكل ومشيت شوية ، ومن بعيد على ضوء الموتوسيكل شفت فتاة ، معقولة تكون نسمة !
فضلت ماشي لحد ما اقتربتُ من الفتاة ، الفتاة كانت لابسة ملابس قروية بس بشعرها ، أيوه شفتها من ضهرها بتتمشي على الطريق الترابي بين الحقول ، استحالة تكون نسمة !
احساسي بيقولي كده ، المهم اقتربت اكتر ولمّا وصلت ناحيتها هديت سرعتي وقلت بعد ما تأكدت إنّها مش نسمة :
ـ حضرتك رايحة فين ؟
قالتْ :
ـ رايحة بيتنا ؟
قلت :
ـ وجاية منين ؟
أجابتْ :
ـ من جامعة سوهاج .
فتاة تيجي من جامعة سوهاج الساعة 2 بالليل !
الموضوع غريب جدا ، قالتْ وكأنّها فهمت ما يدور في عقلي :
ـ العربية عطلت بينا فى الكوامل .. وفضلت مستنية ساعات .. لحد ما جات عربية تانية .. علشان كده وصلت القرية متأخر .. وملقتش أي مواصلات على الأسفلت .. فقلت أتمشى شوية جايز أقابل حد يوصلني .. لحد ما قابلتك .
قلت :
ـ طيب أنا هنزل أتمشى معاكي لحد أول بيوت القرية .
قالت :
ـ طيب ما تركبني وراك ؟
وكان العرض غريبا عجيبا ، لو حد شافني مركب بنت ورايا في نص الليل ، يانهار أبيض ! لا استحالة ، وأنا اصلا معرفش هي مين ، المهم سمعتها تقول :
ـ طيب اسفة .
قلتُ في ارتباك :
ـ لا بس .. اصل ... طيب تفضلي .
وركبت الموسيكل وهي ركبت خلفي ، وانطلقت بحذر وسط الحقول الزراعية والظلام ، وطوال الطريق لم تتكلم ولم أتكلم ، بس قبل ما نوصل البيوت والونس قلتُ :
ـ هنزلك هنا .. بيتكم بعيد .
قالت :
ـ القرية القادمة .
قلتُ :
ـ يعني هتعرفي توصلي ؟
قالتْ :
ـ أيوه شكرا .. تعبتك معايا .
قلتُ :
ـ مفيش تعب ولا حاجة .. مع السلامة .
وركبت الموتوسيكل، ثم سمعتها تقول :
ـ اسمك إيه ؟
أجبتُ في تعجب :
ـ رأفت .
قالت مبتسمة وهي تمد يدها نحوي وتضع كفها في كفي :
ـ رانيا رامي .
وقتها شعرت ببرودة تسري في جسمي وارتبكت ، يد الفتاة كانت بادرة جدا ، وأردتُ أنْ أنهي الموقف فغادرت ،
وبينما أنا أسير فى الطريق تذكرتُ ما قالته الفتاة ،
هل قالت رانيا رامي !!!!!!!!!!!
يا نهار أبيض !!!!!!!!!!!!!
الاسم ده سمعته فين قبل كده !!!!!
المهم وصلت البيت وأنا مش مستوعب اللى حصل ، فتاة في نص الليل جاية من الجامعة ، الكلام ده مش منطقي ابدأ ، استحالة يكون منطقي ، دخلت المطبخ اعمل شاي واشعلت سيجارة وهنا تذكرت الاسم ..
رانيا رامي ...
دا نفس الاسم اللى قاله الأستاذ شماشيري ...
لحظة ...
لحظة أنا افتكرت حاجة ..
رانيا رامي اللى ركبت ورايا الموتوسيكل كانت بشعرها ، وشعرها كان ضفاير ، وهنا تذكرت كلام الأستاذ شماشيري لمّا قال :
ـ فتاة عمرها 20 سنة 21 سنة ... خدودها إيه ... ضفايرها إيه .... رقتها في الكلام إيه .... حتى اسمها يا لئيم .
المواصفات اللى ذكرها الأستاذ شماشيري هي نفس مواصفات الفتاة اللى ركبت معايا الموتوسيكل .
