رواية روح غائبة الفصل السادس6بقلم السيد عبد الكريم


رواية روح غائبة الفصل السادس6بقلم السيد عبد الكريم 


الفصل السادس من رواية روح غائبة ترويه نسمة 
كنت قاعدة فى أوضتي بفكر في اللى حصلي ، بفكر في أبويا اللى لسه مرجعش البيت من ساعته كلامه عن افتتاح كازينو ، وبفكر في مرات أبويا اللى طلعت رقاصة ، وبفكر في أمي وأختي رحمهما الله ، وساعتها سمعت صوت جاي من الطابق الأرضي ، سمعت صوت حد بيخبّط ودخل البيت ، اعتقدت إنْ أبويا رجع ، علشان كده نزلت بسرعة على السلم ، ومن بعيد شفت شاب أسمر قاعد مع مرات أبويا ، وأنا متعودة أشوف تجار قاعدين مع مرات أبويا بيتكلموا عن البيع والشراء ، بس الشاب ده مش تاجر ، الشاب ده هو نفس الشاب اللى أنقذني لمّا فقدت الوعي في المدرسة ، هنا وقفت مكاني واختبات خلف أحد أركان السلم وسمعت مرات أبويا بتقول :
ـ لكن لو شفتك تاني أو نسمة شافتك تاني يبقى لا تلوم إلاّ نفسك .
وبسرعة بدأتُ أفهم ، الشاب جاي علشان يكلمها عن انقاذي ليا ، وبسرعة البرق طلعت لفوق ودخلت أوضتي وفتحت شنطتي وأخرجت ورقة وقلم ، كنت عاوزه أكتب للشاب إنّه ينقذني من مرات ابويا ، بس مفيش الوقت ، الشاب زمانه خرج من البيت ، علشان كده كتبت بسرعة 
( إنّه يقابلني غدا بعد خروجي من المدرسة بجوار بقالة عم مسعود  اللى جمب المدرسة) ، 
وبسرعة فتحت شباك أوضتي ونظرت للشاب اللى لقيته راكب الموتوسيكل ، الحمد لله إنّي لحقته قبل ما يمشي ، والحمد لله إنّه نظر ناحية الشباك في اللحظة المناسبة ، ساعتها ألقيتُ الرسالة للشاب وبعد ما ألقيتها سمعت صوت مرات أبويا بتنادي عليا وتخبط على أوضتي ، أغلقتُ الشباك بسرعة وأنا مرتبكة وفتحت باب أوضتي ، دخلت مرات أبويا وقالت :
ـ جهزي نفسك .. بعد يومين هتسافري معايا القاهرة .
الغريب إنّي رديت عليها وأنا مبتسمة وقلت :
ـ حاضر . تأمري .
ومش عارفة ليه قدّامها بحس إنّي خاضعة ليها ، ومن وراها بكرهها وبيكون نفسي أهرب منها ، وهي ابتسمت في وجهي وقالت :
ـ شاطرة .
وبعدها غادرتْ من غرفتي .
وفضلت أفكر في تبدّل حالي ، أنا مكنتش عاوزه أسافر ، إزاي قلتلها حاضر ! مكنتش عاوزه أقول حاضر ، كأنّ فيه شخص جوايا هو اللي نطق وقالها حاضر ، وفضلت أفكر لحد ما غرقت في النوم .

تاني يوم الصبح صحيت وتوضأت وصليت وارتديتُ ملابس المدرسة وحملت شنطتي ونزلت ، وكنت في المدرسة بحسب الزمن علشان أخرج وأقابل الشاب الأسمر وأحكيله على حياتي ومرات أبويا ، وطالما هو صدقني إنّي مش عفريتة في الليلة إياها وساعدني ، يبقى أكيد هيساعدني أهرب من مرات أبويا اللى بدأت تتحكم فيا تدريجيا .
لمّا سمعت جرس الحصة الأخيرة حطيت كتابي في الشنطة وأسرعت خارجة إلى خارج المدرسة ، مشيت على مهلي وأنا بنظر في كل ناحية لحد ما وصلت بقالة عم مسعود ، ودكان البقالة يعتبر جمب المدرسة بس في مكان منعزل ، ودا الدكان اللى بنتشري منّه حاجات قبل وبعد المدرسة ، المهم وقفت بالقرب من دكان البقالة في انتظار الشاب الأسمر ، لكن الشاب لم يظهر ، فضلت أتمشى شوية يمين وشوية شمال بس برضه الشاب ملهوش أي أثر ، وبدأ اليأس يخيّم على قلبي ، وفضلت منتظرة لمدة ساعة ،
إزاي مجاش وأنا كاتبة في الورقة ينتظرني عند بقالة عم مسعود بعد موعد المدرسة !
 أنا مأكدة له الزمان والمكان ، ليه بقا مجاش ! 
جايز يكون خاف من مرات أبويا لما هددته في البيت !
 وفضلت منتظرة ظهور الشاب لفترة طالتْ ، وحينما فقدتُ الأمل شعرتُ بدمعة تسقط من عيني وغادرت إلى البيت .
في البيت ونحن نتناول الغداء قلتُ لمرات أبويا :
ـ هو بابا فين ؟؟ وليه سافر فجأة من غير ما يقول ؟
أجابتْ :
ـ شغل .. سافر محافظة قنا .. وهيغيب كتير .. هو كويس .. لسه مكلمني في التليفون وبيسلم عليكي .. متشتغليش بالك .
قلتُ :
ـ بس هو سافر فجأة !
قالتْ :
ـ مش أول مرة يعمل كده .. حياته كلها سفر بسبب الشغل ... المهم انتي جهزي هدومك ونامي بدري علشان بكرة الصبح هنسافر القاهرة .
كنت عاوزة أقول لا ،، بس لقيت حاجة جوايا بتجعلني أقول :
ـ حاضر .
ولمّا خلّصت طعامي وصعدتُ لغرفتي فضلت أفكر ...
إزاي هسافر والدراسة شغّالة ؟
وليه مسألتش مرات أبويا على مدة السفر وهنعمل إيه هناك !
المشكلة إنّي كل أمّا أحب أسألها ألاقي نفسي أنسي أو اتلخبط في الكلام ، وصليت الظهر وبدأتُ أرتب ملابسي داخل حقيبة السفر ، ثم قررتُ أنْ أنزل للطابق الثاني وأسال زوجي أبي عن مدة غيابنا في القاهرة ، كنت أود أنْ أسألها؛ لأعرف هل أجهز ملابس كثيرة أم ستكون رحلة سريعة ونعود خلال يومين ، وبينما أنزل السلم سمعتها تتحدث مع رجل ، ونظرت بحذر ورأيتُ أحد تجار الصعيد يرتدي جلبابا وعلى رأسه عمامة ، قالتْ زوجة أبي :
ـ الايراد تبعته لي كل شهر ... وإيراد الفواكه تبعته كل موسم ... بس مض هوصيك على الأرض والجناين .
قال الرجل :
ـ في عنيا يا ست محاسن .. بس المعلم عبد العزيز فين أومال ؟
قالت زوجة أبي :
ـ مشغول ... بس تبعتلى الإيراد على عنوان الكازينو يا شمندي .
قال الرجل :
ـ طيب والسمنة ؟
قالتْ زوجة أبي :
ـ المعلم مندور هيتولي أمر السمنة هنا يا شمندي .
قال الرجل :
ـ ياااه .. والله وحشنا قوي المعلم مندور ... أفهم من كده إنْ هيحل محلك .
قالتْ زوجة أبي :
ـ بالضبط كده .
قال الرجل :
ـ تسلم دماغك يا ست محاسن ...استأذن أنا بقا .
وبسرعة عدتُ إلى غرفتي وأنا مش فاهمة حاجة ، مين شمندي ده اللى هيرسل الايراد لمرات أبويا !
 ومين المعلم مندور اللى هيتولي أمور السمنة ! 
وسمنة إيه أصلا ! 
المفروض الشحنات كلها تكون بنجر وقصب وفواكه ، أول مرة أعرف موضوع السمنة ده ، المهم عرفت من كلام مرات أبويا مع المعلم شمندي إننا هنغيب كتير في القاهرة ، وفضلت طول اليوم مترددة أسأل مرات أبويا ولا بلاش ، بس لمّا حاولت أسألها لقيت نفسي بنسي السؤال .

تاني يوم الصبح كنا في قطار متجه من محطة طهطا إلى القاهرة ، ودي كانت المرة الأولى اللى أزور فيها القاهرة ، وأمام  إحدى المناطق السكنية توقفت بنا السيارة ، وجاء رجل حمل الحقائب وصعدنا للطابق الثاني ، بس وأنا ماشية في مدخل الطابق الأول شميت رائحة غريبة ، ونظرت ناحية الشمال شفت صالة متسعة جدا ، وفيه بنت عمّاله تكنس فيها وتنضف ، وصعدت خلف زوجة أبي للطابق الثاني اللى كان عبارة عن شقة مكونة من 3 غرف وصالة ومطبخ وحمام ، والشقة كانت واسعة وغرفها واسعة ونظيفة ، قالت زوجة أبي :
ـ دي أوضتك .. ادخلى استريحي .
قلتُ :
ـ طيب والمدرسة يا مرات أبويا .
أجابتْ :
ـ مدرسة إيه ومذاكرة إيه ... هتاخدي إيه من المدرسة .. ما انتي عمالة تسقطي ( ترسبي ) كل سنة ... سيبك من المذاكرة والكتب وأنا هفرفشك .
قلت بدون وعي وبلا إرادة :
ـ حاضر.
قلتها كأنّي مسحورة ، ثم دخلت غرفتي وصليت ما فاتني من فروض وبدأتُ أفكر ..
ليه قدّامها  بكون خاضعة !
ليه مش بعرف أسالها وأواجهها !
في عقلي أسئلة كتير وعاوزه إجابة ..
بابا سافر فين ، وليه سافر فجأة ، وليه إحنا سافرنا القاهرة من غيره !
وليه أترك الدراسة وآجي أعيش هنا !
وليه مرات أبويا تركت الأفدنة والفواكه وجات تعيش هنا !
جايز طيب تكون إجازة صغيرة شهر مثلا وهنرجع تاني !
المهم نمت نوما عميقا ...

 صحيت على الساعة 6 المغرب من نفس اليوم ، صحيت على صوت موسيقى عالي جدا ، اعتقدت في الأول إنْ الصوت جاي من الشارع أو من البيوت القريبة ، المهم قمت وتوضأتُ وصليت المغرب وبعد ما خلّصت صلاة سمعت باب الأوضة بيخبط ، وقتها فتحت وشفت قدّامي فتاة جابة صينية عليها طعام ، معقولة الفتاة الجميلة دي تكون خادمة هنا ، المهم شكرتها وحملت عنها الصينية وبدأت أتناول طعامي ، حينما انتهيتُ من طعامي دخلتْ مرات أبويا وقالت وهي تمد يدها بعلبة ورقية كبيرة :
ـ إلبسي ده  عبال ما أجيلك .
وبدون وعي وبلا إرادة قلت :
ـ حاضر .
بس لمّا فتحت العلبة الورقية لقيت فستان مكشوف ومينفعش ألبسه خالص ،
 إزاي ألبس حاجة مش محترمة زي دي !
 دا أنا أموّت نفسي قبل ما ألبس حاجة زي دي ، 
وبسرعة رميت الفستان بعيد على السرير وفضلت أبكي .
بعد قليل سمعت مرات أبويا بتفتح الباب وقالت :
ـ يعني ملبستيش .
نظرتُ لها من خلال دموعي ولم أرد فقالت :
ـ الفستان هيكون حلو عليكي .. إحنا هننزل تحت نسهر شوية ومش هيكون حد غريب غير صحابي .. وأوعدك هتحبيهم أوي .. يلا ..قومي وإلبسي .
وبدون وعي وبلا إرادة قلتُ :
ـ حاضر .
لكن زوجة أبي جذبتْ الفستان وبدأتْ تساعدني في خلع ملابسي ، وساعدتني في ارتداء الفستان ، وحينما نظرت للمرآة رأيتُ نفسي عارية القدمين ورقبتي كلها ظاهرة والأذرع كلها ظاهرة ، والفستان ضيق أوي يكشف أكثر مما يستر ، نظرت لنفسي في تعجب وسمعت زوجة أبي تقول :
ـ زي القمر يا نسمة .
المهم أنا جذبت طرحة ؛ لأضعها على شعري فقالت زوجي أبي :
ـ لا طرحة إيه ... حرام تخبّي شعرك اللى زي الحرير ده ..
ثم نادت بصوت عالي وقالت :
ـ يا سها .. بت يا سها .
بعدها رأيت شابة فى عمر الخامسة والثلاثين تقريبا تدخل الغرفة؛ فقالتْ زوجة أبي :
ـ سرحيلها شعرها بقا وروقيها .
وطلبتْ منّي سها أنْ أجلس على المقعد اللى قدّام المراية ، وبدأتْ تضع بعض الزيوت على شعري، ثم أخرجت أدوات ومررتها على وجهي وأنا مستسلمة في خضوع .
قالتْ سها :
ـ وربنا إحنا من غيرك ولا حاجة يا ست محاسن .. أخيرا رجعتي لحبايبك .. لا وإيه مرجعتيش فاضية .
قالتها وهي تنظر نحوي بإعجاب ، فقالت زوجة أبي :
ـ نسمة هتكون قدم الخير علينا كلنا بس عوزاكي تعليمها كل حاجة .
قالتْ سها :
ـ عنيا يا ست .
ثم ضحكت ضحكة رنانة عالية كلها خلاعة ومياصة ،ثم قالت :
ـ بشكرك يا ست على الهدية دي بس إنتى كمان لمّا تشوفي زيزو هتشكريني .
قالت زوجة أبي :
ـ المهم يكون ابن حلال وميتكبرش علينا خاصة إنّك بتقولي إنْ صوته حلو .
قالتْ سها :
ـ كروان يا ست محاسن .. كروان.. وإنتي هستمعيه بنفسك .
بعد قليل كنت أخطو درجات السلم إلى عالم الهاوية ، عالم الموسيقى والخمور والأدخنة المتصاعدة ، عالم الرقص والسهر والسمر ، وعلى المسرح رأيت شابا أنيقا يغني بصوته العذب والأضواء تتراقص عليه من كل مكان ، وحينما رآني الشاب قال :
وحياتي حد يقولها بدوب ...
عن عنيها مش قادر اتوب...
كان ينظر في عيني مباشرة وهو يقول هذه الكلمات ، والناس اللى قاعدين كانوا يتمايلون على أنغام الموسيقى ويتفاعلون مع الشاب ، وجلستُ على مقعد حول منضدة ، وجلست بجواري زوجة أبي وسها التي قالت :
ـ قلتلك إنْ زيزو مكسب كبير للكازينو .
قالت زوجة أبي :
ـ جبتيه إزاي ده ؟
أجابتْ :
ـ عيب يا ست .. دا أنا سها .
بعدها أنهي المطرب أغنيته وصفق الجميع وطال التصفيق،  ثم رأيته ينزل من على المسرح الصغير ويتجه ناحيتنا فقالتْ سها :
ـ الست محاسن مبسوطة منّك أوي ... وطالما مبسوطة منّك يبقى إنت محظوظ يا زوز .. الست محاسن هي الكل في الكل هنا .
قال زيزو :
ـ احنا مش عايزين غير إنّها تكون مبسوطة ؟
قالها ثم جلس ،
 وأنا طبعا كنت مسحورة باللي بشوفه وباللي بسمعه ، أنا أصلا كنت ناوية بعد ما أتناول طعامي هقوم أتوضأ وأصلي العشاء ، بس دلوقتي قاعدة فين ، ى كازينو ووسط الموسيقي ودخان السجاير ومع شاب ، ولاحظت إن فيه واحدة رقاصة صعدت على المسرح ، وارتفعت الاصوات بالتصفيق والهتاف باسم سوسن ، وبدأتْ الموسيقى تُعزف والراقصة  تتمايل على هذه الأنغام في خلاعة  ، كنت بحس إنْ فيه حاجة جوايا بتقول إهربي من المكان الملعون ده ، بس بعدها بلاقي نفسي مستسلمة وخاضعة ، وسمعت مرات أبويا بتقول لزيزو :
ـ إنت كنت شغّال فين قبل كده ؟
أجاب :
ـ أفراح .. مناسبات .. يعني مش في مكان معين .
قالتْ :
ـ خلاص من دلوقتي سيبك من الكلام الفاضي ده وهتبقى أساسي هنا معانا ... بس أنا مبحبش الخيانة .
قال الشاب ضاحكا :
ـ دا أنا تحت أمرك يا ست محاسن .
وضحكت سها ضحكتها المايعة وقالتْ :
ـ مش قلتلك يا ست .
بعدها نهضت سها وغادرت ، 
ثم سمعت زوجة أبي تقول لي :
ـ خليكي هنا عبال ما أرجع .
تركتني وحيدة مع الشاب الذي نظر لي ؛ فنظرتُ إلى الأرض وسمعته يقول :
ـ جديدة هنا ... صح ؟
لم أرد وارتبكت؛ فقال :
ـ أنا برضه جديد .. من شهر تقريبا .
لم أرد فقال :
ـ طيب أنا هقدّم نمرة ( أغنية ) كمان شوية .. تحبي تسمعي حاجة معينة .
قلتُ وأنا أبتلع ريقي :
ـ لا شكرا .
ثم نهضتُ وغادرتُ المنضدة وانزويت بعيدا في أخر جزء في الصالة  لأنني كنت أشعر بفستاني هذا أنّي عارية ، جلست اخر الصالة وبدأتُ أراقب ما يحدث في ذهول وتعجب كأنّي مسحورة .
حينما انتهتْ الراقصة صعد زيزو على المسرح ؛ فصفق الجميع وبدأ يغني يقول :
عارف إن الخجل تاجك 
زي الورد مخبيكي 
صدقيني قلبي محتاجك 
وهيحبك لما تحكيلي 

كان بيغني وهو ينظر نحوي مباشرة وكنت أتحاشي النظر نحوه ، لكن كنت أشعر أنّ كلماته يغنيها لي أنا وحدي ، وشردتُ في خواطري وبدأ الشيء الساكن بداخلي يقول ..
هو أنا لو مت كده هيكون مصيري إيه !
وليه مش قادرة أهرب من زوجة أبي !
ليه قدّامها بكون مستسلمة وخاضعة وبنفذ كل كلامها !
وليه أحيانا بسمع صوت جوايا يقولي إهربي !
كانت دقات قلبي تتسارع وخواطري مشتتة وعقلي يفكر ومشاعري ضائعة ، ضائعة ما بين الاستسلام والتمرد ، الاستسلام لعالمي الجديد والتمرد على المعاصي ، وبينما أنا شاردة سمعت صوت تصفيق مرتفع ؛فنظرت ورأيت أنْ المطرب انتهي من الأغنية ، ورأيته ينزل من على المسرح ويتقدم نحوي حتى وقف أمامي وقال :
ـ عجبتك الأغنية ؟
لم أرد فقال :
ـ أنا غنيتها مخصوص علشانك .
عندها ارتبكت ونهضت بسرعة واتجهت ناحية السلم وأنا أبكي .
دخلتُ غرفتي وألقيت بنفسي على السرير وأنا أحاول تجفيف دموعي ، ثم خلعت فستاني وألقيته بعيدا وارتيدت ملابسي المحتشمة وجلست أمام المراية وأنا أزيل المساحيق التى وضعتها سها على وجهي ، ثم توضأت ووضعت غطاء على شعري وبدأت أصلي ، حينما انتهيت من صلاتي دخلت زوجة أبي وقالت :
ـ إنتي مشيتي ليه ؟ عمّالة أدور عليكي تحت .
لم اأرد لكنها حينما رأت دموعي قالت :
ـ طيب خلاص .. استريحي دلوقتي .. ومع الوقت هتتعودي .
قالتها ثم غادرت .
جففتُ دموعي ورحت أفكر ..
ليه الأستاذ رأفت مجاش في الموعد !
كان هو الأمل الوحيد اللى ممكن يساعدني !!
وليه بابا مظهرش لحد دلوقتي !!
وليه مرات أبويا تركت كل حاجة في الصعيد للراجل اللى اسمه شمندي !!
ومين هو المعلم مندور اللى هيتولى أمور السمنة !!
ثم انتبهت فجأة ..
مندور !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
أين سمعت هذا الاسم من قبل !!!!!!!!!!!!
مندور!!!!!!!!!!!!!!!!!!
ثم تذكرت ..
مندور هو التاجر اللى تقدم لأختي بسمة وبابا رفضه ،،،
مش عارفة ليه حسيت إن الاحداث فيها ترابط غريب ..
لما بابا رفض مندور ساعتها مندور اختفى ..
وبرضه بعدها بسمة أختي اختفت ..
طيب دا معناه ايه !!
أنا شكلي كده هتجنن ، استحالة تكون فيه علاقة بين اختفاء المعلم مندور واختفاء بسمة أختي ، وبعدين بسمة ماتت في حادثة ، حادثة منطقة الكوامل غرب سوهاج ، إحنا فعلا منعرفش إيه اللى خلى بسمة تركب السيارات اللى متجهة ناحية الكوامل ، بس هي ماتت مع البنات بتوع الجامعة اللى ماتوا في الحادثة .

فضلت سهرانة أفكر ، لا مذاكرة ولا قراءة ولا بكرة فيه مدرسة ومش عارفة أعمل إيه ، وآخر الليل لمّا صوت الموسيقى اختفي سمعت صوت طرقات على الباب ، وساعتها فتحت باب أوضتي ولقيت قدّامي سها اللى قالت :
ـ ست محاسن بتقولك تعالى إتعشي معانا في الصالة .
قلت :
ـ لا .. أنا لمّا اجوع هاكل هنا .
قالتْ :
ـ يا حبيبتي تعالي .. مفيش حد تحت غيرنا .
قالتها وغادرت .
بعدها خرجت من غرفتي ونزلت السلم وأنا أرتدي عباية وأضع على رأسي طرحة كبيرة تشبه الحجاب ، كنت أعتقد إنّي مش هلاقي تحت فى الصالة حد غير مرات أبويا وسها والفتاة اللى بتنضف ، بس لمّا نزلت لقيت قدّامي الشاب قاعد معاهم على نفس المنضدة والطعام قدّامهم ، ساعتها قررتُ العودة والصعود لغرفتي ، بس مرات أبويا لمّا شافتني قالت :
ـ تعالي يا نسمة .. 
قلتُ بدون وعي وبلا إرادة :
ـ حاضر .
وتقدمتُ وجلست ، وكان الشاب ينظر نحوي في ذهول ، وكنت أعرف سر ذهوله ،
 العباية الواسعة المحتشمة والحجاب طبعا ، 
الشاب كان بياكل وهو بينظر لي نظرات فيها تعجب ودهشة ، وسمعت زوجة أبي تقول :
ـ البت سوسن الرقاصة دي عايزين نكرشها ( نطردها ) .
قالتْ سها :
ـ إحنا ما صدقناها وافقت يا ست محاسن .
قالتْ زوجة أبي :
ـ شايفة نفسها علينا وبتقول تعاملي معاكم يبقي بالنسبة مش بالمرتب .
قالتْ سها :
ـ بس إحنا لو طردناها يا ست  هندوخ على واحدة جديدة ومش هنلاقي .. وحتى لو لقينا أكيد هتتشرط علينا .
قالتْ زوجة أبي وهي تنظر نحوي :
ـ هنلاقي ... وهنلاقي ست ستها كمان .
لم أكن أعلم وقتها أنّ زوجة أبي  تنوي أن تجعلني راقصة بدلا من سوسن .
سمعت سها تقول :
ـ وهنلاقيها فين بقا يا ست ؟
أجابتْ :
ـ أنا خلاص لقيتها ... بس لسه الأوان مجاش .
قالتْ سها :
ـ بس متنسيش يا ست محاسن إن البت سوسن تعرف موضوع السمنة .
قال الشاب ضاحكا :
ـ سمنة !! سمنة إيه دي يا سها ؟
قالت زوجة أبي ضاحكة :
ـ السمنة اللى بنطبخ بيها يا زيزو .. إيه مسمعتش عنها ؟
أجاب ضاحكا :
ـ هو فيه حد مسمعش عن السمنة .
ثم نظر نحوي وقال :
ـ مش بتاكلي ليه يا بسمة ؟
وإنت مالك بيا !! أنا متلخبطة لوحدي وحاسة إنْ روحي هتطلع منّي من ساعة ما جيت المكان الملعون ده اللي كله معاصي .
قلتُ ذلك في نفسي ولم أرد وسمعت سها تقول :
ـ بس الأغنية اللى غنيتها دي يا زيزو أول مرة اسمعها .
قال وهو يثبت عينيه في عيني :
ـ وأنا كمان أول مرة اسمعها .
ضحكت سها ضحكة يخجل منها ابليس نفسه وقالت في تقصع :
ـ ازاي بقا يا زوز ؟
أجاب زيزو :
ـ مش عارف .. بس مش عارف ليه حسّيت الكلام المنغم الموسيقي ده بيطلع كده لوحده .
قال ذلك وهو ينظر في عيني مباشرة ؛ فسقطت الملعقة منّي على الطبق ؛ فقال زيزو وهو يناولني الملعقة :
ـ على مهلك .. على مهلك يا بسمة .
أخذت المعلقة ورأيت زوجة أبي تقول وهي تنهض :
ـ أنا هنام يا سها ... متنسيش تخلّي الخدّامة تصحي بدري تنضف وتروق .
قالت سها وهي تنهض خلفها :
ـ عنيا يا ست .
ووجدت نفسي وحيدة مع الشاب ، نظرت لطبقي ثم وضعت الملعقة ونهضت لكنه نهض واعترض طريقي وقال :
ـ هي الست محاسن سحراكي من إمتى ؟


تعليقات



<>