رواية روح غائبة الفصل السابع7بقلم السيد عبد الكريم
الفصل السابع من رواية روح غائبة يرويه الأستاذ رأفت
وصلتُ البيت وأنا مرعوب؛ بسبب الفتاة إللى ركبتْ ورايا الموتوسيكل ، وبعد ما فكرت في كلام الأستاذ شماشيري تأكدت إنْ نفس المواصفات اللى قالها الأستاذ شماشيري هي نفس مواصفات البنت ، وحاولت أرتب أفكاري ، وعلشان أفكاري تكون مرتبة جبت ورقة وقلم وفضلت أكتب .....
ـ نمسة عبد العزيز عايشة وأختها بسمة ماتت من شهور .
ـ نمسة عبد العزيز عايشة مع مرات أبوها اللى كنت فاكرها طيبة .
ـ مرات أبوها هددتني إنّها لو شافتني تاني هتخرب بيتي أو هتطبخني .
ـ نمسة رمت لي ورقة وعاوزة تقابلني في مكان معين .
ـ لمّا رحت مكان المقابلة ملقتش نسمة بس ...
بس إيه ؟!!!
ـ بس ظهرت لي فتاة تانية خالص اسمها رانيا رامي .
الغريب إنْ الأستاذ شماشيري أخبرني إنْ رانيا رامي سألت عنّي في الشغل .
ـ رانيا رامي لمّا صافحتني كانت إيدها باردة زى إيد الجثث .
ـ طبعا فيها احتمال إنْ رانيا محسن مش عفريتة ،، بس إيدها باردة بسبب الجو الساقع وسط الحقول الزراعية .
وبكده المفروض أنا اروح بيت نسمة تاني ، أو أكلّم بهاء بيه عن تفاصيل موت بسمة ودفنها .
المهم فضلت أضع احتمالات وأحذف احتمالات لحد ما نمت .
تاني يوم الصبح استيقظتُ بدري على غير عادتي وارتيدتُ ملابسي وخرجت علشان أروح الشغل ، بس وأنا على الباب لقيت قدّامي عم شكري في الشارع وهو يقود خلفه جاموسة لينقلها إلى حقله تتشمس وترعي ، ودي عادة منتشرة عندنا هنا ، المهم لمّا شافني توقف بالجاموسة وقال :
ـ صباح الخير يا أستاذ رأفت .
شاورت له بإيدي من غير ما أرد ؛ علشان ميتكلمش معايا كتير ، بس سمعته بيقول :
ـ كلّمت طلعت ابن عبد البر ؟
قلتُ :
ـ هكلمه .
قال :
ـ إهي .. لحد دلوقتي مكلمتوش ؟!
قلتُ في نفاذ صبر :
ـ يعني هكون كلمته في الحلم يا عم شكري .. ما أنا لسه صاحي قدّامك أهو .
قال :
ـ تصدق عندك حق .
مشيت بس سمعته بيقول :
ـ رضوان عبد الحميد راح يبيع بقرة .. تشتريها ؟
رفعت يدي نفيا دون أنْ انظر إليه وأكملت طريقي وسمعته يقول وأنا أبتعد عنّه :
ـ طب أوعا تنسى تكلّم طلعت أحسن قسما عظما هبلغ عنه الحكومة إنّه بيشرب ممنوعات .
وصلت الشغل بدري وعلى السلم شفت عم شعبان بيكنس بجوار البوفيه ولمّا شافني قال :
ـ هيهأ... صباحووووو .
لم أرد وصعدت السلم وحينما دخلت المكتب رأيتُ الأستاذ شماشيري يجلس على مكتبه ، مكنتش طايق نفسي علشان كده لم أتكلم وجلست وسمعته يقول :
ـ إنت الأستاذ رأفت بجد .؟!
ثم نظر في ساعته وقال :
ـ ما هو إمّا إنْ ساعتى مش مضبوطة ...أو إنت عفريت الأستاذ رأفت .
طبعا هو عايز يحكي ويسخر إنّي جيت بدري على غير عادتي ، وعلشان أفوّت عليه الفرصة لم أرد ، بس سمعته يقول :
ـ دا الساعة 8 وربع دلوقتي ... لا لا ... الأستاذ رأفت ييجي متأخر ربع ساعة بس .. واحد هيموت قريب يولاد .
برضه لم أرد فقال :
ـ ما ترد يا أستاذ ! هو انا بكلم نفسي !!
قلتُ :
ـ صباح الخير يا أستاذ شماشيري .
قال :
ـ جاي بدري ليه بقا ؟
قلتُ بينما أنهض :
ـ أرجع طيب يا أستاذ شماشيري ..أرجع !
جري نحوي وهو يجلسني على مقعدي وقال :
ـ روّق بس يا أستاذ .. واحد زيك خاطب جديد المفروض ميكنش متعكنن كده .. أومال لمّا تتجوز هتعمل إيه ... المفروض العكننة تكون بعد الجواز مش بعد الخطوبة .
بعدها دخل المدير، ثم قال :
ـ صباح الزفت .
نهض الأستاذ شماشيري وقال :
ـ صباح الفل يا سعادة المدير .. صباح الورد .
نظر المدير نحوي وقال :
ـ إنت هنا يا أستاذ... غريبة !!
لا حول ولا قوة إلا بالله !
أجي متأخر مش نافع ، أجي بدري مش نافع ، قلتُ ذلك في نفسي ، ثم سمعتُ المدير يقول :
ـ جهزت تصاريح الندوة المشتركة بينا وبين قصر ثقافة طما ؟
قلت :
ـ شغّال فيها .
أجاب في ضيق وغضب :
ـ مفيش حاجة اسمها شغّال فيها .. فيه حاجة اسمها الورق تخلصه وتطلع بيه على سوهاج انهارده تخلصه وترجع علشان الندوة النهارده الساعة 6 مساء .
قلتُ في ضيق :
ـ ماشي .
حاول الأستاذ شماشيري تخفيف الجو وتقليل توتر سيادة المدير فقال :
ـ و..وو .. و الكتاكيت عاملين إيه يا سعادة المدير ؟
قال :
ـ كتاكيت إيه إنت الآخر ؟
قال الأستاذ شماشيري :
ـ العرسان يا سيادة المدير .
قال المدير :
ـ إنت هتفضل كل ما تقابلني تقولي عرسان .. دا زمانهم خلفوا .. وهنا مفيش كلام في عرسان ولا مطلقين ..هنا شغل .
ابتسمت ورأيت المدير يدخل مكتبه ويغلق الباب خلفه ، بعدها سمعت الأستاذ شماشيري يقول :
ـ الحق عليا اللى كنت عايز أروّق أعصابه .
ثم جلس ونظر نحوي وقال :
ـ أخبار خطيبتك إيه ؟
قلتُ :
ـ هي سلّمت عليك بإيدها يا أستاذ شماشيري .
قال :
ـ إيه يا أستاذ رأفت !.. أنت هتغير من دلوقتي !.. أيوه سلّمت عليها ... بس أنا زي أبوها يا أستاذ .. وعيب أوي تشك في أخلاقي بالطريقة دي .
وهنا بدأ الكلام يروق لي ؛ فقلت :
ـ طيب حسيت بإنْ إيدها مش طبيعية ؟
قال :
ـ فعلا إيدها مش طبيعية .. إيد كلها رقة .. كلها حنان .. كلها قشعريرة ..
قلت في نفسي :
ـ آه فعلا أنت زي أبوها .
طبعا الأستاذ شماشيري يحب المبالغة ويحب يزود في الكلام ، علشان كده قلتله :
ـ كلها حرارة .. صح ؟
قال :
ـ إزاي يا أستاذ يا قليل الأدب ؟
قلتُ :
ـ مش قصدي .. بس إيدها كان فيها حرارة ولا إيدها باردة .
قال :
ـ إيدها ساقعة زى التلج .. تقولش إيد جثة يا أستاذ رأفت .
وهنا بدأتُ أركز وقلت :
ـ للدرجة دي ممكن تكون إيدها مش طبيعية .. يعني باردة زي إيد الجثث .
قال وهو يبدّل نظارته السميكة بنظارة أكثر سمكا منها :
ـ يا أستاذ افهم .. هم البنات كده ... الكسوف يا أستاذ ... بنت صغيرة زيها ... مخطوبة جديد .. أكيد قلبها كله مشاعر وفرحانة بالخطوبة .. لازم الدم يهرب من إيدها وتكون إيدها ساقعة زى إيد الجثث ... عارف لمّا خطبت جديد ..من كتر كسوف خطيبتي مش إيدها بس اللى كانت باردة ... حتى أمها كانت باردة .
قلت مازحا :
ـ طيب وأمها بقا باردة ليه ؟ كانت مكسوفة هي الاخرى ؟
أجاب :
ـ من فرحتها .. هي كانت هتلاقي فين عريس لبنتها زيي ... مشكلتك يا أستاذ رأفت إنّك فاكر نفسك واد مفتح .. بس إنت خبرتك قليلة أوي في صنف البنات والحريم .. البنت لمّا تتخطب جديد بتعيش أحلام كلها رومانسية .. وبنات اليومين دول يا خويا .. طول الليل يسمعوا لولاكي وجلجلي جلجلة ... ولمّا تتجوز الدنيا بتجلجل على راس اللى خلفوها ..
قلتُ وأنا أقدّم له سيجارة :
ـ إنت قاموسي يا أستاذ شماشيري .. شكرا على النصايح الغالية ... بس أنصحك تشتري تليفون تاتش وأنا هبقي أنزل لك تطبيق تيك توك علشان فيه أغاني جديدة طلعت غير لولاكي وجلجلي .
قال وهو يشعل سيجارته :
ـ تليفون تاتش مرة واحدة ...المرتب يا أستاذ .. المرتب بيخلص أول الشهر .. بقولك إيه .. ما تبعت الزفت عم شعبان يجيب لينا فطار أنا وأنت على حسابك أحسن القعدة شكلها هتحلو .
الساعة 10 صباحا توجهتُ إلى سوهاج ، وبالتحديد في ميدان الثقافة ، دخلت قصر ثقافة سوهاج ، المهم إنّي أنجزت المهمة بتاعت الندرة ، وخلّصت كل الإمضاءات والأختام ،
وركبت السيارة للعودة إلى القرية ، ويدوبك العربية تحركت وسمعت بالقرب من موقف تحت الكوبري ، وبالمناسبة اسمه كده موقف تحت الكوبري سمعت السواق بينادي يقول
( كوامل .. جامعة جديدة ..كوامل )
وساعتها طلبت من السواق يقف ، ونزلت من العربية، طبعا بعد ما أصر السواق إنّي أدفع الأجرة كاملة ، وتوجهتُ إلى قسم أول شرطة سوهاج ، وأمام القسم أخرجت تليفوني واتصلت على بهاء بيه .
ـ أيوه يا بهاء بيه .. أنا رأفت ... لا مفيش مصايب ولا حاجة ... أنا دلوقتي قدّام قسم أول سوهاج ... عاوز أقابل أي حد أسأله عن تفاصيل حادثة طالبات الكوامل ... يا بهاء عارف إنّك مش فاضي لعفاريتي ... ماشي تمام .. أيوه كلّمه دلوقتي .. طيب هو اسمه إيه .. محسن بيه .. تمام تسلم .. أيوه جميل .. جميل جدا كمان .. مع السلامة .
وبسرعة البرق دخلت القسم وتركت بطاقتي الشخصية وطلب منّي العسكري الانتظار أمام مكتب محسن بيه ، وبعد قليل سمح لي بالدخول :
ـ أهلا بحضرتك .
قلتُ :
ـ أهلا بحضرتك يا محسن بيه .. أنا مش هعطل حضرتك كتير .. بس كنت عاوز أعرف تفاصيل حادثة طالبات الكوامل وأسماء المتوفيين والمصابين والناجين .
قال :
ـ تشرب إيه طيب ؟
بعدما شربت القهوة كان محسن بيه أجرى بعض الاتصالات وطلب بعض الأوراق ، ثم قال بينما هو ينتظر في بعض الأوراق :
ـ الحادثة حصلت من 5 شهور وعشرين يوم ... عربية رمسيس نقل داخلي .. كان فيها 12 طالبة ... رايحين الجامعة .. العربية اتقلبت 3 مرات وبعدها سقطت في الترعة .. ماتوا 5 والباقي إصابات .. فيما بعد كل المصابين خفوا .
قلتُ :
ـ طيب ممكن أسماء اللى ماتوا ؟
أجاب :
ـ الأولى .. هدي حمدي محمود
ـ التانية ... نادية وحيد عبد الحي
التالتة ..نجوي احمد حسين
الرابعة .. رانيا رامي عبد التواب .
الخامسة .. بسمة ..
قاطعته قائلا :
ـ تمام ... شكرا أوي لحضرتك بس فيه أي حاجة غريبة حضرتك لاحظتها .
قال :
ـ مكنتش أنا اللى متابع التحقيقات .. بس حادثة زي دي خلت الوزير نفسه يتابع كل حاجة علشان البنات الغلابة اللى ماتوا ربنا يرحمهم ويصبر أهاليهم ...لكن
عامة الجثث لقيوهم فى أماكن متباعدة ... لأن العربية مشيت أكتر من 300 متر وهي بتتقلب .. دا غير الجثث اللى استخرجوها من الترعة .
شكرتها وطلبت الاستئذان فقال :
ـ سلامنا لبهاء بيه .
رجعتُ البيت وعقلي يفكر ، خلاص كده كل حاجة وضحت ، رانيا رامي ميتة فى الحادثة ، واللى شفتها وركبت معايا الموتوسيكل تبقي عفريتة رانيا ، بس ياتري ليه عفريتة رانيا بتظهر لي ، أنا عامة مريت بالتجارب دي كتير ، إنّي اشوف عفاريت وأشباح ، وغالبا أي شبح بيظهر لي بيكون غرضه حاجتين :
الحاجة الأولى إنّه يتسلى .. أيوه فيه عفاريت تحب تتسلي .
الحاجة التانية إنّه يوصلني رسالة .. والنوع دا غالبا بيكون عايز مساعدة أو بيقدملي معلومات في حاجة معينة .
عامة أنا رغم إنّي عرفت إنْ رانيا رامي ميتة ، بس مش عارف أركز ما عفريتة رانيا ، ولا نسمة اللى ادتني ميعاد ومجتش ، وهنا جات على بالي فكرة ، الفكرة دي إنّي لازم أروح بيت نسمة تاني .
الساعة 5 عصرا ارتديت ملابسي ونزلت علشان الندرة الأدبية ، بس قلت في نفسي لازم أعدي على بيت نسمة وأنا رايح الندوة ، وطبعا لأن بيت نسمة داخل القرية وأنا معايا الموتوسيكل فالمشوار مش بعيد ، وتوقفتُ قدّام بيت نسمة وفضلت أدوّر حوالين البيت ، بس البيت مغلق والنوافذ مغلقة كأنّ البيت مهجور ، ساعتها فضلت مستني أي حد يدخل أو يخرج من البيت بس مفيش أي حد ظهر ، فضلت أتمشى حوالين البيت لحد ما شفت ولد صغير بيلعب بالقرب من البيت ، وأنا بحب الأطفال جدا ، بضعف أوي قدام براءة الأطفال ، ناديت على الولد الصغير اللى كان عمره تقريبا 6 سنوات وقلتله :
ـ إزيك يا كتكوت ؟
قال وهو ينظر نحوي ببراءة :
ـ أنا مش كتكوت .
مش مشكلة ، هم الأطفال كده ، قلت :
ـ طيب حد من بيت عمك عبد العزيز قاعد ؟
قال :
ـ هات فلوس وأنا أقولك ؟
الأطفال أحباب الله ، وأنصحكم يا جماعة تعطفوا على أي طفل تقابلوه وتعطوه فلوس ، أخرجت 5 جنيه وقدّمتها للطفل اللى أخد الفلوس وحطها في ملابسه وجري وهو بيقول :
ـ ضحكت عليك .
حاولوا يا جماعة تنسوا النصيحة بتاعت العطف على الأطفال اللى لسه ناصحكم بيها من شوية ، المهم نسيت الموقف ، بس من بعيد شفت راجل ماسك الطفل من الجلابية بتاعته والطفل بيصرخ ولمّا قربوا منّي قال :
ـ هو الولد سرق منّك الفلوس دي يا أستاذ ؟
قلت :
ـ سيبه أنا اللى إديته الفلوس ..
قال بعدما ترك الطفل :
ـ طيب محتاج حاجة يا أستاذ ؟
قلتُ :
ـ بسأل عن المعلم عبد العزيز .
قال :
ـ سافروا يا أستاذ .
قلتُ :
ـ سافروا ؟!!
أجاب :
ـ سافروا كلهم ومحدش موجود فى البيت خالص .
قلتُ :
ـ متعرفش سافروا فين ؟
قال :
ـ يعني هيكون فين .. أكيد مصر .
هو يقصد القاهرة ، إحنا هنا في الصعيد بنسمي القاهرة مصر ، عامة شكرت الرجل وتوجهت إلى بيت الثقافة لحضور الندوة .
الندورة كانتْ في الطابق الثالث،وهو طابق مفتوح بلا سقف يعني سور فقط ، ودا مخصص للندوات والاحتفالات والمسابقات بتاعت الثقافة والتربية والتعليم ، المهم لقيت كل حاجة جاهزة ، مسرح صغير وكراسي مصطفة ومرتبة ، وبدأت الجماهير تحضر ، وحضر وكيل الوزارة ومعه لفيف من المسئولين والمثقفين ، دا غير أدباء نادي أدب مركز طما ونادي طهطا ونادي المراغة ، المهم مش عاوز أدوشكم بالتقاليد المعتادة في مثل هذه الأمور ، وصعدتْ مدام سوزي الموظفة معانا علشان تقدّم الحفل
( اللى قرأ رواية فتاة أشلول هيعرف مين هي مدام سوزي )
المهم عم شعبان كان بيقدّم المشاريب للضيوف ، وبدأت الندوة الافتتاح بالقرآن الكريم ، وبعد انتهاء الطفل من تلاوة بعض الآيات صعدتْ مدام سوزي وقالت :
ـ فقرة الترحيب وأنشودة أهلا شرفتونا تغنيها الموهوبة رانيا رامي .
وهنا الدم اتجمد في عروقي ،
رانيا رامي مين اللى تقدم أنشودة !
فضلت باصص على المسرح لحد ما شفت فتاة تقريبا عمرها 15 سنة بس مش رانيا ، الفتاة طلعت على المسرح وفضلت تغني ، وأنا توجهتُ إلى الأستاذ شماشيري اللى كان بينظّم في العيال اللى مشاركين في فقرات الندوة ، وقلت :
ـ البنت اللى بتغنّي دي اسمها رانيا رامي ؟
قال في ضيق :
ـ هى رانيا هتجننك ولا إيه ! ورانيا مين يا أستاذ .. دي بنت في مدرسة البنات الإعدادية ... هي الخطوبة مأثرة عليك للدرجة دي .
قلتُ :
ـ بس مدام سوزي قالت إنّ اسمها راينا رامي .
قال الأستاذ شماشيري :
ـ بقولك إيه يا أستاذ .. سيبنى فى حالى .. المدير لو شافنا بنرغي مع بعض وسايبين تنظيم الندوة يخرب بيتنا .
تركته واتجهت إلى مدام سوزي اللى كانت واقفة بعيد عن المسرح وبتنظر في ورقة الفقرات وقلت :
ـ هي البنت اللى بتغني دي اسمها إيه يا مدام سوزي ؟
قالتْ :
ـ دا بدل ما تروح تنظم العيال مع شماشيري جاي تسألني على اسم البنت .. شيء غريب يا أستاذ .
وواضح طبعا إنْ كل زملائي في العمل بيحبوني زي كما انتو ملاحظين ، المهم قلت :
ـ البنت صوتها جميل يا ريت تعرفيني اسمها .
قالت :
ـ ما أنا قلت اسمها يا أستاذ وأنا بقدمها ... داليا سامي .
وهنا تركت مدام سوزي وأنا متأكد إنّها قالت رانيا رامي مش داليا سامي ، المهم انتهت الندوة على خير والحمد لله .
في نفس اليوم بالليل
في نفس اليوم بالليل كنت بفكّر أعمل إيه ، وإزاي أقابل نسمة عبد العزيز وأعرف حكايتها إيه ، وأنا سهران وبشرب شاي ومولع سيجارة نظرت لساعتي ولقيتها الساعة 12 بالليل ، طيب اروح بيت نسمة وافتش فيه !
طيب ول حد شافني هيبقى منظري إيه !
والبيت مقفول أصلا هدخل إزاي !
والمشكلة مش هقدر اروح لوحدي !
البيوت المغلقة دي مخيفة بشكل كابوسي !
وبصراحة محتاج حد معايا على الأقل يراقب الطريق أحسن حد يشوفنا ، وقررت في نفسي إنّي احاول أقنع أستاذ شماشيري يروح معايا بكرة بالليل ، وبينما أنا أفكر سمعت طرقات على الباب ، توجهتُ ناحية الباب ولمّا فتحت لقيت في وشي عم شكري اللى قال :
ـ بتشرب سجاير وبالك رايق وجاموسة طلعت كل يوم تاكل زرعي .
وهنا جات في بالي فكرة ..
هو عم شكري .. مفيش غيره ... هقدر أقنعه بسهولة .
قلتُ :
ـ تفضل ادخل يا عم شكري .
بعدما دخل وجلس قلت :
ـ على فكرة بقا أنا قابلت طلعت وهزقته ووعدني إنّه مش هيخلى الجاموسة تدخل غيطك تاني .
قال :
ـ السنة اللى فاتت قلتلي إنّك قابلته ووعدك إنْ جاموسته متدخلش غيطي تاني .
قلت :
ـ بس المرة دي وعدني أوي .
قال :
ـ برضه السنة اللى فاتت وعدك قوي ... ما هو لو محدش وقف للراجل ده أنا هبلغ الحكومة إنه بيجيب ممنوعات من شمندي .
عم شكري عايزني أسأله واقوله شمندي مين ، بس أنا هغيظه ومش هسأله ، علشان كده قلت :
ـ طيب لو جاموسته دخلت غيطك تاني ابقى تعالى حاسبني ..خد ..خد ولع السيجارة دي وروّق بس يا عم شكري .
تناول السيجارة وبدأ يهدى وأنا بدأت أفكر في طريقة أقنعه بيها ، هو هيشك إنّي ناوي أسرق بيت عبد العزيز ، وأنا لازم ألاقي طريقة مناسبة علشان دماغه مترحش بعيد ، المهم قلت :
ـ بتخاف من العفاريت يا عم شكري ؟
أجاب :
ـ دا العفاريت هي اللى بتخاف منّي يا أستاذ .. الله يرحم أبوك ... لو كان عايش كان قالك مين هو شكري .. دا أنا قلبي ميت .
قلت :
ـ بصراحة فيه بيت كده عاوز أدخله أتأكد فيه عفاريت ولا مفيهوش ..كل الناس بيحكوا إنْ البيت ده مليان عفاريت .. بس أنا عاوز أتأكد بنفسي .. ومحتاج واحد قلبه ميت ييجي معايا .
قال :
ـ أنا قلبي ميت من زمان .
حلو أوي ، الراجل اقتنع بسهولة ، الحمد لله ، اقتنع من غير ما ياخد عنّي فكرة إنّي عاوز أسرق البيت ، أحسن عم شكري فضايحي ومش بتتبل فى بوقه فوله ، المهم سمعته بيقول :
ـ وبيت مين ده يا أستاذ رأفت ؟
أجبتُ :
ـ بيت عبد العزيز فاروق .
قال :
ـ الراجل الغني .. عارفه قوي .. طيب ما تيجي بعد ما ندخل البيت نسرقه .
قلتُ في تعجب :
ـ نسرقه ؟!
أجاب :
ـ أيوه .. داب يقولوا إنّه غني ومعاه فدادين كتير .
ما شاء الله ! عم شكري عنده استعداد فطري للسرقة وأنا اللى كنت خايف منّه يتهمني بإنّي عاوز أسرق البيت ، المهم قلت :
ـ لا بصراحة أنا بس عاوز أتأكد لو البيت فيه عفاريت .. ولا أنت خايف .
قال :
ـ خايف .ههأ .. خايف قال .. طيب تحب تروح إمتى ؟
أجبت :
ـ بكرة بالليل .
قال :
ـ عليا الطلاق ما نروح إلا دلوقتي .
بعد ساعة ..
بعد ساعة يعني تقريبا على الساعة 1 ونص بعد منتصف الليل خرجت أنا وعم شكري وكنا نحمل كشّافات وأحبال ، وركبت الموتوسيكل وطلبت من عم شكري يركب خلفي فقال :
ـ ياه نفسي أركب موتوسكيل من زمان .
قلت :
ـ حلمك هيتحقق يا عم شكري .
قال :
ـ يدوم العز يا أستاذ .
انطلقنا لم نتوقف إلاّ أمام بيت المعلم عبد العزيز ، قال عم شكري ونحن نبحث عن طريقة للدخول :
ـ البيت زمانه مليان فلوس .. يا سلام !!!
قلتُ :
ـ عم شكري .. طلّع حكاية الفلوس دي من دماغك وقولي اقتراحك ..ندخل البيت إزاي ؟
قال في بساطة :
ـ من الباب طبعا .. هي البيوت بتتدخل منين غير من الباب .
قلتُ :
ـ يا عم شكري البيت مقفول وصحابه مسافرين .
قال :
ـ آه فاتت فيا دي يا أستاذ .. طيب ندخله كيف ؟
قلت :
ـ تعالا ورايا .
ثم ركنت الموتوسيكل بجوار الباب الحديدي الرئيسي للبيت وطلبت من عم شكري يمسك الموتوسيكل ويثبته كويس ، ووقفت فوق الموتوسيكل وبعد عناء قدرت أكون بداخل البيت ، وطلبت من عم شكري يرمي الحبال لداخل البيت ويعمل مثلي ، وعم شكري استغرق 20دقيقة وهو يحاول الدخول لحد ما أخيرًا بقينا احنا الاتنين داخل البيت ، وفضلنا ندور داخل المبني ولقينا باب خلفي ، دخلنا من الباب الخلفي ، كنت أنا ماشي من قدام وعم شكري ماشي خلفي ، عم شكري قال :
ـ الدنيا ضلمة أوي .
قلتُ :
ـ ولّع الكشّاف اللى معاك ..هو إنت لسه مولعتش كشافك لحد دلوقتي .
قال :
ـ نسيت .
قلت :
ـ ولع الكشاف يا عم شكري وامشي ورايا من غير صوت .
بعدما أضاء عم شكري كشافه ومشينا شوية داخل الصالة قال :
ـ النور بتاع الكشاف بتاعك أقوي من نور كشافي .
يا مراري ! أعمل إيه معاه ده !
قبل ما أتكلم سمعته يقول :
ـ ما تيجي نبدّل الكشافات يا أستاذ رأفت .
قمت بتبديل الكشافات وأنا أقول :
ـ يارب تسكت بقا وتركز معايا .
قال :
ـ طيب ما تسيبك من الكشافات وتيجي نولع نور البيت .
قلت :
ـ لو ولعنا نور البيت القرية كلها هتعرف بينا .. ولو ينفع أولع نور البيت مكنتش جبت كشافات .
قال :
ـ فاتت فيا دي .
سرنا وبدأنا ندخل غرف الطابق الأرضي ، وعامة الغرف في الطابق الأرضي كانت قليلة ؛ لأن الطابق الأرضي مصمم على إنّه يكون صالة استقبال كبيرة ، المهم أشرت لعم شكري علشان يطلع معايا الطابق الثاني ، وبدأنا نصعد بحذر وبطء ، وساعتها سمعت عم شكري بيقول :
ـ الكشاف ده جايبه بكام يا أستاذ رأفت ؟
لا حول ولا قوة إلا بالله ! قلت في نفاذ صبر :
ـ عم شكري .. الكشاف ده هدية ليك بعد ما نخرج من هنا .. دا لو خرجنا أصلًا بطريقتك دي .
قال :
ـ يدوم العز يا أستاذ .
ووصلنا الطابق الثاني ، وكانت الغرف كثيرة ، سرنا ناحية أول غرفة ، وتقريبًا دي غرفة نسمة ، لأنّي لمّا دخلت فيها شفت النافذة اللى كانت واقفة خلفها لمّا ألقت الرسالة ، الغرفة كانت واسعة وفيها سريرين ودولاب ملابس كبير ومراية ومكتب ، المهم اقتربت من أدراج المراية علشان أفتش عن أي حاجة ، بس سمعت صوت الدولاب بيتفتح ، اعتقدت في الأول إنْ عم شكري هو اللي بيفتح الدولاب ، بس سمعت عم شكري بيقول :
ـ بسم الله ... بس الله .
بصيت ورايا وسطلت ضوء الكشاف على عم شكري لقيته بيرقص من الخوف ، ولمّا بصيت على الدولاب شفت الدولاب بيتفتح لوحده ، وصوت ضرفة الدولاب وهي بتتفتح كان مخيف ، وساعتها أنا خفت ، ولما ضرفة الدولاب اتفتحت لقينا فتاة طالعة من الدولاب وهي بتنظر ناحية عم شكري نظرات مخيفة ، وهنا أنا تراجعت للوراء وأنا بترعش وسمعت عم شكري بيقول :
ـ مسخوطة .. مسخوطة ... الله يخربيتك يا رأفت الزفت .
وفي أقل من جزء من الثانية كان عم شكري يفر هاربًا بعد أن تركني لوحدي مع هذا الشيء ، عم شكري هرب وتركني ، وهنا بدأتْ ملامح الفتاة تتضح ، وسمعتها بتضحك ضحكة طويلة ؛ فاهتزت ضفاير شعرها ، وبعد لحظات أدركت إنْ الفتاة هي رانيا رامي اللي قالت ضاحكة :
ـ ملقتش إلاّ عم شكري اللى تجيبه معاك .
كنت بتراجع للوراء علشان أهرب ، باب الغرفة كان خلفي ، وأنا بس عاوز أوصل الباب علشان أهرب ، بس سمعت صوت الباب بيتقفل ، وهنا سقط قلبي بين قدمي ، وسمعتها بتقول :
ـ إيه ؟!!! أول مرة تشوف عفريته ولا إيه ؟
قلت :
ـ بسم الله الرحمن الرحيم .. انتي عاوزه منّي إيه ؟
أجابتْ :
ـ مساعدة .
كنت لسه بترعش ومش مصدق إنّي بتكلم مع واحدة ميتة من 5 شهور ، محسن بيه أكد لي إنّها ماتت في الحادثة ، المهم شفتها بتشاور بإيدها ناحية مفتاح الكهرباء فأضاءت الحجرة وسمعتها تقول :
ـ اطفي الكشّاف بقا علشان نتكلم .
قلت وأنا أطفي الكشاف :
ـ حضرتك انتي المفروض ميتة .
قالت وهي تجلس على طرف السرير :
ـ حضرتي .. والله مؤدب أوي يا أستاذ رأفت .
قلت :
ـ مش انتي ميتة طيب ؟
أجابت :
ـ أيوه .. ميتة وكنت فى حالي .. لحد ما حصل اللى حصل .
قلت :
ـ حصل إيه ؟
أجابت :
ـ قبل ما أتكلم ليا شرط .
لم أرد ؛ فقالت :
ـ توعدني ترجعلي حقي وأنا هحكيلك كل حاجة .
كانت ترتدي جيبة لونها أسود وبلوزة لونها وردي ، وشعرها مكشوف مكون من ضفائر ، وعارف إنْ مش وقته أوصف ملابسها بس فعلًا عفريته شيك وأنيقة ، وبتعرف تنسق ألوان ملابسها ، اللون الأسود مع الوردي منسق أوي ، وشكلها ظهرت بالمظهر ده للأستاذ شماشيري ، المهم قلت :
ـ أرجعلك حقك من مين ؟
هنا ظهرت على وجهها لمسة حزن وقالت :
ـ من محاسن .
