رواية روح غائبة الفصل الثامن8بقلم السيد عبد الكريم


رواية روح غائبة الفصل الثامن8بقلم السيد عبد الكريم 


ترويه نسمة عبد العزيز
لمّا سها ومرات أبويا غادروا أصبحتُ لوحدي مع الشاب اللى شغّال مطرب ، والارتباك بدأ يزيد وكان واضح عليا الارتباك على وجهي وفي رعشة بسيطة في شفتي السفلى ، المهم ساعتها قررتُ النهوض ومغادرة المكان ، لكن الشاب استوقفني ونهض ليعترض طريقي وقال :
ـ هي الست محاسن سحراكي من إمتى ؟
قلتُ :
ـ سحراني !!! سحراني إزاي يعني ؟!!!
أجاب مبتسما :
ـ يعني أنا حاسس إنّك مجبرة على اللى بتعمليه .. وبتعملي كده علشان هي متزعلش منّك .
قلتُ :
ـ عادي .
قال :
ـ عادي إزاي ؟!!! يعني انتى حابة تكوني هنا وتشتغلي مكان سوسن ؟
قلتُ :
ـ مكان سوسن ؟ إيه الكلام ده ؟
قال :
ـ دا اللى فهمته من كلام الست محاسن .. وطبعا إنتى في مرحلة تدريب وإعداد علشان تبقى رقاصة ... دي عادة الست محاسن .. تجيب الواحدة وتمص دمها وترميها عضم ... وبصراحة شاف إنّك ملكيش فى الجو ده ... جو مش مناسب ليكي خالص .. ولو على الفلوس فتقدري تشتغلي شغلانة شريفة بدل الرقص .
قلتُ في شجاعة وقلبي يكاد يثب من بين ضلوعي :
ـ أولا أنا مش هشتغل زفت رقاصة .. ثانيا أنصحك نفسك الأول .
ابتسم وقال :
ـ بس أنا راجل .. لكن انتي بنت .
قلتُ :
ـ الذنوب مفيهاش راجل وبنت .. الحرام حرام على الراجل والبنت .
سكت قليلا ثم قال :
ـ إنتى زعلتي ؟ أنا مش قصدي أزعلك ... كان قصدي أنصحك .. لإنّك صغيرة وحلوة و..
وهنا احمرّ وجهي وشعرتُ بسخونة تلفح وجهي وقلت :
ـ لو سمحت .
قال :
ـ أيوه حلوة ... ولا أكذب .. مش كنتي لسه بتتكلمي عن الحلال والحرام .. ومتهيألي الكذب حرام .. إنتي حلوة وصغيرة وحرام ترمي نفسك في المستنقع ده .
قلت :
ـ طيب شكرا على النصيحة .
قلتها وغادرت أجري بخطوات غير متزنة إلى غرفتي .

في غرفتي سرحت أفكر ..
شغّال مطرب وكل حياته سهر ورقاصات وبنات وجاي ينصحني !!!
وكمان قليل أدب ومش بينزّل عينه من عليا وبدأ يتغزل كمان !!!
هو ماله لو كنت حلوة ولا وحشة هو حد طلب رأيه !
ثم ابتسمتُ في نفسي ، وجلست أمام المراية أنظر لنفسي في شرود .

تاني يوم الصبح استيقظتُ متكاسلة ، قمتُ وتوضأتُ وصليتُ وبدأتُ أدعو الله ، كنتُ أدعو لأمي وأختي بالرحمة ، ثم أدعو أنْ يهديني الله الى طريقه المستقيم ، ثم بلا إرادة بدأتُ أدعو الله أنْ يهدي هذا الشاب ، لا أعرف لماذا ذكرته في دعائي ، وحينما انهيتُ دعائي ونهضت من على سجادة الصلاة رحت أفكر في كلامه ...
إنتي حلوة وحرام ترمي نفسك في مستنقع ..
اشتغلي شغلانة شريفة ...
مش قصدي أزعلك .. قصدي أنصحك ..
لماذا ينصحني بترك المكان وهو غارق في المعاصي وسط الراقصات والخمور والادخنة والسكر ؟!!!
 هو أيضا مازال شابا صغيرا أنيقا وسيما ، لماذا لا يفكر بالفرار من هذا المستنقع وينجو من المعاصي !

بينما انا افكر دخلت سها التي قالت حينما رأتني :
ـ إيه ده يا دلوعة ! صاحية ليه بدري كده !
قلتُ :
ـ عادي .. متعودة أصحى بدري علشان المدرسة .
ضحكت قائلة :
ـ مدرسة !!! لا انسى المدرسة بتاعت الكتب وخليكي في مدرسة الحياة .. حياتك القديمة انسيها .... هنا تصحي براحتك متأخر علشان تكوني فايقة للسهر بالليل .. يلا ارجعي نامي شوية علشان الساعة 4 تحضري البروفا ( التدريب ) مع البنات .
قالتها ثم غادرتْ .
تدريب إيه ده ! هم بيتدربوا على إيه ! ناويين يحاربوا ولا تدريب على الرقص ! هو الرقص محتاج تدريب !
 دا أنا اقدر أرقص أحسن من سوسن بتاعتهم دي ألف مرة .... في هذه اللحظة تذكرتُ ربي ، وبدأت أبكي ، رقص وسهر ومعاصي ، إزاي عقلي فكر في حاجة زى دي !
 أنا حتى لو رقصت استحالة أرقص إلاّ لو كنت مع نفسي بس ، المهم رجعت للنوم مرة اخرى .

صحيت بعد الظهر ، توضأت وصليت الظهر ورحت أدعو الله ، ثم تذكرت الشاب ، وسألت نفسي :
ـ هل أدعو الله له ! 
ـ هل أدعو له بالهداية !
ـ أتعجبُ من هؤلاء الذين يرتكبون المعاصي عن رضا تام وعلمهم بأن ما يفعلوه يغضب الله عليهم ، والشاب من هؤلاء الناس ، الغناء وسط الراقصات العاريات والحركات الخليعة حرام وهو يعلم أنّه حرام ، ومع ذلك يصرُّ على الاستمرار ، الله سبحانه وتعالي حليم كريم ستار على عباده العصاة ، وشرع لهم التوبة والعودة في أي وقت ، فلماذا يصرون على معصيته طوال الوقت !
 ووجدت نفسي أدعو للشاب أنْ يهديه ويصلح حاله ويخرجه من معاصيه .
بعد قليل حضرت فتاة ومعها صينية عليها طعام وشراب وقالت :
ـ صباح الخير .
وعرفت أنّ صباح الخير هنا بيقولها بعد الظهر ، وإحنا في القرية كنا نقولها في الصباح فقط ، هذا العالم له نظام غريب ، يصحون في منتصف النهار ، ثم يبدأون يومهم حينما يحل الظلام ، مثل الخفافيش .هكذا حياة الراقصات .
بعد العصر كنت انتهيتُ من صلاة العصر وطلبتْ منّي زوجة أبي نزول الصالة ، وكان على المسرح مجموعة من البنات في أعمار مختلفة ، كانت أصغرهن في سن الثامنة عشر ، كانوا يلبسون ملابس مختلفة ، منهن من تلبس بدلة رقص عارية ، ومنهن من تلبس بنطلون وبيدي قصير يكشف البطن والصدر ، ومنهن من تلبس عباية قصيرة ضيقة تكشف أكثر مما تستر ، وعرفتُ أنْ هذه هي بروفة الرقص ، كنت أرتدي عباية وعلى رأسي طرحة ، وحينما جلست سرحت في هذا العالم الغريب ...
 البنات يرقصون ويتمايلون على أنغام الموسيقي في مرح وسعادة ، وكانت سها طبعا هي المايسترو الذي يوجّه الجميع ، فكانتْ مرة توقف الموسيقى لتلقي تنبيهات سريعة ، ومرة تقوم وتطلب البنات تقليدها في حركة معينة ، ثم قالت :
ـ نسمة اللى أول مرة تحضر تعملها بسهولة .
هي تقصد الحركة بتاعت إلتواء الجسم في الهواء ، عندها نظرت لي زوجة أبي مبتسمة والفتيات قاموا بالتصفيق ، كنت لا أعلم وقتها أنْ هذه هي الطريقة الخبيثة لاصطيادي ، وبالفعل وقعت في الشبكة ، فبعد نظرات زوجة أبي وتشجيع الفتيات نهضتُ بنفس ملابسي وصعدتُ على المسرح وبدأت في الرقص .
كانت زوجة أبي منبهرة لدرجة انها نهضت فاتحة فمها وهي غير مصدقة ما تراه ، وسها كانت تصفق في حرارة وهي تتمايل معي بينما تقف أسفل المسرح ، ورأيتُ الفتيات يقفن في صف خلفي ويحاولن تقليدي ، ولا أعرف لماذا شعرت أنني أطير بين السحاب ،
 ما هذا الشعور الممتع !!!
 أنا أرقص فترقص معي الدنيا ،
 أتمايل فتتمايل مع الزهور وألوان البنفسج ،
 وكنتُ أفعل ذلك في لذة وعدم وعي وبلا إرادة ، وظللت أرقص حتى انتهت الموسيقي ، عندها أسرعتْ سها نحوي وقبلتني وحضنتني وسط تصفيق الفتيات .
وطلبت زوجة أبي من إحدى الفتيات إحضار ملابس جديدة ألبسها ، وبدّلت ملابسي لتشكف معظم جسمي وبدأت الرقص من جديد .
بعد البروفة صعدتُ غرفتي ...
وفي غرفتي سمعت اذان المغرب ..
وكانت جملة الله أكبر مثل الصفعة التي نزلت على خدي ...
وبلا وعي انخرطت في البكاء ..
إيه اللى أنا عملته ده !!!
رقصت لأكثر من ساعة دون وعي كأنّي مسحورة !!!
وعادت الأسئلة القديمة تظهر في مخيلتي ..
لماذا لا أستطيع مقاومة زوجة أبي ؟
لماذا أشعر أمامها بأنّي دمية سهلة التحريك ؟؟
دمية خاضعة مستسلمة ...
نهضت وأنا أجفف دموعي أمام المرآه ، وخلعتُ ذلك الثوب اللعين الذي يظهر معظم جسمي ، وارتديتُ عبايتي وتوضأت ووضعت شيئا على رأسي وبدأتُ أصلي ، وبعد الصلاة دعوت لأمي وأختي بالرحمة ، ولنفسي وللشاب بالهداية ، لا أعلم لماذا صار الشاب جزءا من دعائي منذ هذه اللحظة .
بعد ساعات ...
بعد ساعات دخلتْ زوجة أبي غرفتي وألقت أمامي على السرير مبلغ ألف جنيه وعباية للرقص ، عباية ضيقة قصيرة بلا أذرع ، وطلبتْ منّي ارتدائها ، وأخبرتني أنني سأرقص كما رقصت ، لكن هذه المرة أمام الحضور ، قلت :
ـ بس ... بس .. أصلي ..
قالت :
ـ اللى عملتيه فى البروفا هتعمليه دلوقتي مش أكتر ... واللى موجودين كلهم صاحبي .
قلت بلا وعي وبلا إرادة :
ـ حاضر .
وحينما ارتديتُ العباية بتاعت الرقص دخلتْ سها الغرفة وهي تقول :
ـ دلوعتنا الحلوة ... ربنا يحميكي ويحرسك .
ثم أخرجتْ عدة فرش وبعض الأدوات والزيوت وبمهارة فائقة قامت بطلاء وجهي وتمشيط شعري ، وحينما انتهتْ نظرت للمرآه ولن أخفيكم أنّي أعجبتُ بنفسي وقتها ، أعجبتُ بجمالي ونعومة شعري ونظراتي وقوامي ، وحينما نضهتُ كما طلبت منّي سها ، نظرتُ لنفسي مرة أخرى ، كانت العباية  قصيرة ومقصوصة من الأسفل بطريقة هندسية ومشدودة أعلى الخصر كأنّها صُنعت لألبسها أنا فقط ، وشعرت بأنني ملكة ، شعرت بأنني أجمل فتاة في هذا الكون ، فلون شعري وبياض بشرتي وكحل عيني واحمرار شفتي وخدودي كلها أشياء جعلتني أشعر بأنني أحلق في السماء .

حينما كنت أخطو درجات السلم لأنزل الصالة كانتْ العيون ترمقني في انبهار ، وكان الشاب ينظر نحوي في ذهول ، ووقتها أمسكتْ زوجة أبي بيدي وصعدتْ المسرح معي ؛ فتوقف الشاب عن الغناء وسمعت زوجة أبي تقول :
ـ أحب أقدّملكم .. الفاتنة الرقيقة .. نونا .
وانطلقت عبارات التهليل ودوّي التصفيق في أرجاء الصالة ، وشعرت بأنني أقف فوق أعناق الناس ، عندها انبعثتْ الموسيقي وبدأتُ في الرقص ...
كنت أشعر أنني في حلم .. أطير في السماء ..أخطو بقدميّ على أكتاف الرجال ..أميل فتميل معي أعناق الشباب ... أرقص فترقص معي الدنيا ، اهتز فتهتز معي الزهور وروائح البانسية وشوارب الرجال ... أمد يدي في الهواء فيقف الزمن ... وادخنة السجائر تنعقد أعلى المسرح لتكون سحابة خفيفة أداعبها بيدي حينما ارفع يدي في الهواء ... والمطرب الشاب يقترب منّي تارة ليلقي في اذني بكلمات اغانيه التى كانت غالبا تتحدث عن هجر الحبيب وعذاب الفراق ، ثم يبتعد عنّي فاقترب أنا منّه لأتمايل على صوت الموسيقى .

وحينما انتهيت رأيت الجميع ينهضون في تصفيق حار والصالة ترج وتهتز باسم 
( نونا ... نونا )
واقترب منّي المطرب وأمسك بيدي في لين فسرت قشعريرة حلوة في يدي ورفع يده مع يدي في الهواء فعاد التصفيق والهتاف باسمه واسمي .
ونسيت اسمي القديم وصرت ( نونا ) الدلوعة ..
واقترن اسمي باسم زيزو ..
وكل ليلة كانت الصالة تمتلأ بالناس والزبائن من أجل فقرتي مع زيزو ...
وتم وضع صورتي داخل الصالة بالحجم الطويل العريض بجوار صورة زيزي ، وكانت صوتي على يمين الصالة وصورته على يسار الصالة .
وكان يومي يمر بالطريقة التى سأشرحها لكم ........
أستيقظ بعد الظهر .. أستيقظُ على تأنيب الضمير وكراهية نفسي ... أتوضأ وأصلي الظهر وأنا أعلم أنّ الله لن يتقبل منّي لا صلاة ولا دعاء .. لكنني كنت أصلي وكنت أدعو ... أتناول إفطاري الساعة 3 العصر ... بعدها بساعة تبدأ البروفة ( التدريب )  التي كنتُ أشارك فيها بلا وعي وبلا إرادة ... ثم أعود لغرفتي لأصلي المغرب والعشاء .. يا اللعجب !!!
ياللعجب .. بعد الصلاة أرتدي ملابس الرقص وأنزل مع زوجة أبي للأضواء والموسيقي والخمور وأدخنة السجائر ..أرقص حتى نهاية فقرتي ..
وكان أصعب وقت يمر عليا حينما كنت أخلو بنفسي بعد منتصف الليل ..
كنت أبكي بكاء حارا .. كنت أفكر أنني لست إنسانة .. أنا لا أستحق الحياة ... أنا مفسدة في الأرض ... أنا مطرودة من رحمة ربي ... أنا أتاجر بجاملي وجسمي من أجل المال ... كنت أتعجب من نفسي ... 
كيف أتجرأ وألبس ما يكشف جسمي !!
كيف أفعل هذا !!
 لماذا لا أكون في وعيي وأنا أتمايل شبه عارية وسط السكاري والمدخنين !!!
 لا أعلم .
ذات مساء وبعد انتهاء فقرتي جلس بجواري المطرب وقال :
ـ ممكن أعزمك على فسحة ؟
قلتُ :
ـ ازاي ؟
قال :
ـ نخرج مع بعض .. نتمشى ... نشرب حاجة .
قلتُ :
ـ لا .
قال بعد تفكير :
ـ ماشي .. بس ممكن أعرف السبب ؟
قلتُ :
ـ حرام .
نظر نحوي في ذهول وقال :
ـ حرام !!!!  واللى  بتعمليه  ده حلال يعني ؟
هنا بكيت ..
هو لا يعلم ما بداخلي .. هو لا يعلم أنني أفعل ذلك بدون وعي ... وفى نفس الوقت مقدرش أقوله بما في داخلي... لو حاولت أقوله بنسي الكلام وبتلخبط وكأنّ فيه حاجة بتخليني أنسى ، وكمان لو نجحت إنّي اقوله فأكيد مرات أبويا هتعرف ، المهم سمعتُ الشاب يقول :
ـ أنا آسف ... مكنش قصدي أزعلك ... أنا حاسس إنّك نضيفة من جوه .. حاسس إنْ فيه حاجة بتجبرك على كده ... بس زي ما قلتلك ... لو على الفلوس فتقدري تلاقي شغلانة شريفة .. ناس كتير فقراء بس عمرهم ما راحوا للحرام ... الفقر مش مبرر علشان نروح للحرام يا نسمة .
قلت :
ـ أنا مش فقيرة .
قال :
ـ أومال إيه حيرتيني ... اإنتى على المسرح بتكوني رقاصة محترفة ... وبعد الرقص بشوفك واحدة تانية خالص ... وانتي على المسرح بحس إن ده مش مكانك ودي مش شغلتك .
قاطعته قائلة :
ـ إنت بتصلّي ؟
ظهر العجب على وجهه من سؤالي وقال :
ـ أيوه بصلّي ؟
قلتُ :
ـ وانتي بتصلي مبتسألش نفسك ربنا هيتقبل صلاتك ولا لاء .. مبتسألك نفسك لو مت على كده وسط العري والرقص والخمور هيكون مصيرك إيه ؟
قال في هدوء :
ـ تسمحيلي أسألك نفس السؤال ؟
وهنا بكيت ، هطلتْ دموعي فجأة ؛ فسمعته يقول :
ـ على فكرة أنا مش زعلان اإّي بغني وسط الرقصات والخمور .
قلتُ وأنا أجفف دموعي :
ـ يبقى إنت مُصر على المعصية ... عارف إنّها معصية ومُصر عليها .. وصلاتك زي صلاتي .. ربنا مش هيقبلها ... نصلي بالنهار ونرقص بالليل ... ندعوه بالنهار ونعصيه بالليل .
قال بعد تنهيده طويلة :
ـ علشان كده عاوزك تبعدي عن المعاصي .
قلتُ بسخرية :
ـ يا سلام .... طيب ما تقول لنفسك .
سمعته يقول :
ـ طيب خلاص يا نسمة .. بس عاوز أقولك إنْ خلي بينك وبين ربنا باب مفتوح ... مهما كنتي شايفة نفسك مذنبة وعاصية وبترقصي .. بس خلي فيه باب مفتوح .. لو حاسة إنْ كل الأبواب مقفولة خلي باب واحد بس مفتوح .. جايز الصلاة والدعاء يكونوا هم الباب المفتوح اللى في يوم هيفتحوا كل الأبواب المقفولة .
قلت في عصبية :
ـ إنت عاوز تجنني ... شوف مين بينصح مين ... اإنت إيه اللى جابرك تبقى كده وسط الرقص والمعاصي .
سكت ولم يرد ...
بعدها نهضتُ وتركته وصعدتُ إلى غرفتي أبكي .

في اليوم التالي لم أحضر البروفة النهائية وجلست ساعات بعد الصلاة أدعو ، كنت أدعو بدعاء واحد ، وهو أنْ يعطينى الله القدرة على مواجهة زوجة أبي ، ساعات وأنا أدعو بهذا الدعاء فقط  ،ثم أستغفر الله ، وجلست على هذه الحالة ( دعاء واستغفار ) حتي صعدتْ زوجة أبي لغرفتي وحينما رأتني قالتْ :
ـ إنتي لسه ملبستيش .. يلا إلبسي بسرعة وحصليني .
قلتُ وأنا صدري يعلو ويهبط ودقات قلبي تتصارع :
ـ لا .. لا ... لا .. مش هنزل ... مش هرقص .. إنتي شيطانية .
قلتُ ذلك وأنا اترعش ، لكن رد فعل زوجة أبي كان صادما ، سمعتها تقول :
ـ خلاص .. متزعليش نفسك ... بلاش رقص .
وتركتني وغادرت ..
ليلتها لم أنزل الصالة ، وكنت أسمع صوت الموسيقي وأنا في غرفتي ، وظللت أتعجب من رد فعل زوجتي ، وقررت في نفسي أن أرفض الرقص طالما استطعت فعل ذلك ، لكن حينما نمت حدث ما لم يكن في الحسبان .
نمت وأنا سعيدة وأشعر براحة بهذا الإنجاز ، فكانتْ الليلة هي الليلة الأولى التى لا أعرض فيها جسمي منذ أنْ حضرت إلى القاهرة ، وحينما وضعتُ رأسي على المخدة ورحت في النوم رأيت في حلمي سيدة ترتدي ثوبا أسودا وبيدها سكين ، واقتربتْ منّي السيدة وقيدتني في السرير ، كنتُ أصرخ وأستغيث ، لكن دون جدوي ، وشدّت السيدة القبيحة الحبال على كلتا يدي وكلتا قدمي ، وصرت ممددة على السرير لا أستطيع الحراك ، ثم اقتربتْ السيدة من وجهي ومدت يدها وفتحت فمي بقوة وأنا لا أستطيع المقاومة ، ثم شدّتْ السيدة لساني بيد ومدت السكين على لساني بيدها الأخري ، كانت السيدة تقول بصوت مقزز مخيف 
( هترقصي )
وكنت أرد صارخة 
( لا ... لا ... لا )
وبينما هي تكرر ( هترقصي ) وأنا أكرر ( لا ) رأيتها تشد السكين على لساني فرأيتُ جزء من لساني قد انقطع وسقط على صدري ، عندها قالت السيدة بصوتها المقزز 
( هترقصي ) 
ولم يكن منّي أي رد .
استيقظتُ من النوم وانا اصرخ فى حالة هستيرية ، وظللت دقائق اترعش خائفة وبدأت اذكر الله سبحانه وتعالى واستغفر الله حتى هدأ روعي ، ونهضتُ وأشعلتُ ضوء حجرتي ، وحينما جلست على السرير أقسم بالله أنني رأيت اثار الحبال موجودة على كلتا يدي ، الحبال التي رأيتها في الكابوس تركت اثرا وندبات سمراء على كلتا يدي ، وشعرت بألم شديد في يدي وبدأ الصداع  يأكل رأسي أكلا كأنّ مطرقة تعمل في رأسي ، نهضتُ مرة أخري في تثاقل وتوضأت وصليت لله حتى يهدأ روعي وبدأت أدعو الله وانا أبكي .
في اليوم التالي حينما صعدت لي زوجة أبي قبل السهرة كنت لابسة ملابس الرقص في انتظارها ، ابتسمت حينما رأتني أرتدي ملابس الرقص وقالت :
ـ لو لسه تعبانة وحابة تستريحي بلاش رقص انهارده .
قلتُ بسرعة وأنا اتذكر لساني المقطوع :
ـ لا هرقص .. أنا جاهزة .
ونزلت السلم بكامل زينتي وصعدت المسرح وسط الهتاف والتصفيق ، وبدأت الموسيقى تنبعث في أرجاء المكان وبدأ المطرب يقول :
ـ أمانة تنسى يوم وتفوت شويّا ..
حرام حتى السؤال يغلى عليّا ...
وكنت أتمايل على هذه الكلمات الرقيقة في ذلة شديدة .

بعد انتهاء السهرة جلسنا حول منضدة انا وزوجة أبي وسها والمطرب ، قال زيزو :
ـ كنت عاوز أكلمك في حاجة كده يا ست محاسن .
قالت :
ـ تفضل يا زوز .
قال :
ـ كنت عاوز فلوس كده منك سلف .. وأوعدك ارجعهالك خلال شهرين .
قالت :
ـ دي طريقة جديدة بقا علشان تطلب نسبة من الأرباح ولا عاوزني أزوّد مرتبك بس بتلمح .
قال :
ـ أنا من ساعة ما اتشغلت هنا وعمري ما طلبت حاجة فوق حقي ..أنا لولا بس أختي لازم تعمل عملية مكنتش طلبت منّك .
قال جملته الأخيرة في تأثر ، وبعد صمت قصير قالت سها :
ـ حتة سمنة تجيب كل فلوس العملية يا ست .. وزيزو خلاص بقا واحد مننا .
قالت زوجة أبي :
ـ سمنة إيه بس يا سها .. زيزو هنا مطرب وبس .
طبعا أنا مكنتش فاهمة حاجة بس سمعت زيزو بيقول :
ـ أنا مش عارف بتتكلموا عن إيه ..بس انا عندي استعداد أعمل أي حاجة علشان أختي تعمل العملية وتخف .
قالت سها :
ـ أي حاجة أي حاجة يا زوز ؟
أجاب بسرعة وفي لهفة :
ـ أي حاجة أي حاجة .
قالت زوجة أبي :
ـ يعني مش هتسأل ولا تتكلم ولا تحكي .
قال :
ـ أنا يهمني بس أختي تخف يا ست محاسن .. تخف بأي تمن وبأي وسيلة .
قالت :
ـ الطريق ده اللى بيدخله مفيهوش رجوع ... واللي يعرف سرنا لازم يحافظ عليه .. علشان إفشاء السر تمنه الموت .
قال الشاب :
ـ ولا حاجة تهمني غير أختي والعملية .
قالت زوجة أبي :
ـ خلاص .. هعملك اختبار ... تاخد حتة سمنة .. لو صرفتها ... يبقى تاخد حتة أكبر ... وليك نسبتك .
قال في تعجب :
ـ سمنة ايه يا ست ... انتو بتبيعوا سمنة ولا ايه ؟
ضحكت سها في خلاعة ضحكة رنانة وقالت :
ـ إنت لسه مفهمتش يا زوز ؟
قالت زوجة أبي :
ـ قلتلك مينفعش .. اللى زيه بتوع اغاني الحب والغرام ميعرفوش يسلكوا في السكة دي .
قال زيزو :
ـ إنتي بس فهميني إيه المطلوب منّي وهعمله .. المهم عملية أختي ... بس سمنة إيه اللى تجيب 20 ألف جنية تمن العملية ؟
أجابتْ زوجة أبي وهي تشعل سيجارة :
ـ مخدرات يا ضنايا .
عندها سكت الشاب مفكرا فقالت زوجة أبي :
ـ مش قلتلك يا سها .. دا عضمه طري و..
قاطعها الشاب قائلا بسرعة :
ـ لا لا لا موافق .. معاكي يا ست محاسن .
قالت زوجة أبي :
ـ بكرة بالليل قبل ما تروح تاخد اللى فيه النصيب ... بعد يومين تكون صرفتها كلها ...هتعرف .
قال مفكرا :
ـ ايوه هعرف .
قالت :
ـ هتعرف ازاي ؟
أجاب :
ـ متنسيش إنّي كنت شغال في افراح ولي معارف أصحاب كيف ومزاج .
قالتْ :
ـ بس لو اتمسكت من الحكومة  لا تعرفني ولا أعرفك ..غير انّك شغال عندي في الكازينو وبس .... لو فكرت بس تجيب سيرتي معناه إنْ أختك وعيتلك كلها هيكونوا في خطر .
قال مسرعا :
ـ حاضر .
غادرت زوجة أبي وغادرت سها وجلست وحيدة مع الشاب ، قلت :
ـ هي السمنة معناها مخدرات ؟
أجاب :
ـ أنا أول مرة أعرف .
قلتُ :
ـ مالها أختك سلامتها ؟
قال في تأثر وشرود :
ـ إحنا من عيلة فقيرة ... وأنا بصرف عليها وعلي والدتي القعيدة ... وفى الفترة الاخيرة بدأتْ أختي تشتكى من العظام ... وبعد لف واشعات عرفنا إنّها علشان تمشي بشكل طبيعي لازم عملية في الغضروف .
قلتُ :
ـ هي كبيرة ؟
أجاب :
ـ في سنك تقريبا .
قلتُ :
ـ سلامتها ربنا يشفيها .. بس إنت عارف إنت هتعمل إيه .. انت هتبيع مخدرات .
قال :
ـ معنديش حل تاني ... أختى بقت عوزه اللى يقومها ويقعدها ويأكلها بسبب الغضروف .. ووالدتي متقدرش تعمل كده لأنها ست كبيرة ومحتاجة حد يرعاها .
لم أرد فسمعته يقول :
ـ لمّا كنتي تقوليلي انصح نفسك وبطل غنا وسط الرقصات مكنتش برد عليكي .. متهيألي دلوقتي عرفتي سبب واحد من الأسباب الكتير اللى بتخليني مبعرفش أرد.
قلت :
ـ مش مبرر ... الحرام ملهوش مبرر غير عميان القلب والبصر والبصيرة ... دا انت لسه قايلي ان المبرر الفقر مش مبرر للحرام ولا نسيت كلامك ؟
قال :
ـ على الأقل أنا قلتلك سبب خلاني أغني وسط الرقصات .. لكن انتي مقلتيش .
شردت ساهمة وبدأت أبكي .

في نفس الليلة حينما صعدت لم أتوجه لغرفتي ، لكنني توجهت لغرفة زوجة أبي التي تعجبت حينما رأتني فقلت :
ـ عوزه فلوس ؟
قالت :
ـ تأمري .. عاوزه كام .
قلت :
ـ لا أنا المفروض بشتغل هنا يعني ليا مرتب .
قالت في سعادة :
ـ يا سلام .. من عنيا .. ألفين جنيه في الشهر .
كان وقتها مبلغا كبيرا فقلت :
ـ ايوه .. بس دلوقتي عاوزه 20 ألف مرة واحدة ..وهشتغل بيهم عشر شهور لقدّام .
قالت :
ـ ليه طيب ؟ ناقصك حاجة ؟
قلت :
ـ ايوه .. أنا محبوسة هنا .. عاوزه أخرج .. عاوزه ألبس ... عاوزه أشوف الدنيا .
قالت زوجة أبي :
ـ بكرة العشرين ألف تكون تحت رجلك يا دلوعة .
كانت زوجة أبي تظن وقتها أنني استسلمت لحياة المعاصي والرقص ،  لكنني كنت أود أنْ اوفر ثمن العملية لزيزو .

في اليوم التالي بعد انتهاء السهرة طلبتُ من زيزو أن نخرج ، قال في تعجب :
ـ معقولة ؟!!! إنتي متأكدة !
قلت :
ـ أيوه .. عاوزه أقولك حاجة بعيد عن هنا .
قال :
ـ طيب تحبي نخرج فين ؟
أجبتُ :
ـ أنا معرفش أماكن هنا خالص .. عمري ما خرجت من الكازينو .
قال :
ـ طيب خلاص إيه رأيك نروح الكورنيش .
قلت :
ـ ماشي .

بعد قليل كنا نجلس أنا وهو على كورنيش النيل حول منضدة صغيرة مستديرة ، وعلى المنضدة عصير ، قلت :
ـ إنت مرتبك كام في الشهر ؟
أجاب في تعجب :
ـ 600 جنيه .
قلتُ متعجبة :
ـ بس !! 600 جنيه بس ؟!!!
أومأ برأسه موافقا في أسى ؛ فقلت :
ـ بتشتغل حاجة تانية غير الكازينو ؟
أجاب :
ـ معرفش أشتغل حاجة تانية غير الغنا .
قلت وأنا أخرج من حقيبتي المال :
ـ طيب اسمع .. دول 20 ألف جنيه .. تمن العملية .
قال متعجبا :
ـ 20 ألف مرة واحدة .. وجبتيها منين ؟
قلت :
ـ مش مهم .. المهم تاخدهم وتعمل لأختك العملية .. وبلاش موضوع المخدرات ده .
قال :
ـ طيب بتعملي كده ليه ؟
أجبت :
ـ يعني .. علشان بس المخدرات دي اخرتها وحشة وكلها خطر .
قال :
ـ بس ؟
قلت :
ـ بس إزاي يعني ؟
أجاب :
ـ يعني هتساعديني علشان مشتغلش فى المخدرات بس ؟
قلت في ارتباك :
ـ أومال يعني طلبت أقابلك بعيد عن مرات أبويا ليه .. أصلا قعادي معاك لوحدنا حرام .. وميصحش نقعد لوحدنا كده .. ولولا إنّي خايفة مرات أبويا تعرف مكنتش طلبت أقابلك بعيد .
قال وهو ينظر في عيني مباشرة :
ـ بس أنا أخدت المخدرات خلاص من مرات أبوكي .. وهي معايا دلوقتي ؟
قلت بانفعال :
ـ إنت وقعتك سود .. إزاي تعمل كده .. مش خايف الشرطة تعرف ويقبضوا عليك وتتسجن .. ساعتها أختك ووالدتك هيكون مصيرهم إيه ؟
قال :
ـ على فكرة انتي حنينة أوي .. وحلوة أوي .
قلت مرتبكة وأناملى ترتعش :
ـ إنت بتقول إيه ... دا ميصحش ... الكلام ده حرام تقوله ... أنا بقولك إيه وانتى بتقول إيه .
قال :
ـ اعتبريها ملحوظة كده على جمب .
قلت :
ـ تاخد الفلوس دي للعملية بتاعت أختك .. وترجّع المخدرات لمرات أبويا وتقولها إنّك معرفتش تبيعها .. وإيّاك تفكر في المخدرات دي تاني .
قال :
ـ لا .
قلتُ :
ـ لا إيه ؟
أجاب :
ـ لا مش هاخد الفلوس ... أنا مينفعش أخد الفلوس عشان مرات أبوكي هتعرف إنّك ادتيني فلوس .. وأنا مينفعش ارجّع ليها المخدرات .
قلت :
ـ يبقى إنت بقا حابب الحرام .. حابب تكون كل حياتك حرام .. وتقولي سيبي باب مفتوح مع ربنا .. مش دا كلامك .. إنت كده بتقفل كل الأبواب بينك وبين ربنا ... غناء وسهر وسط رقصات وناس سكرانة وكمان مخدرات والله أعلم بقا .. انهارده تبيع مخدرات وبكرة تتعاطي مخدرات .
قال :
ـ لمّا بتتعصبي بتكوني عسولة .
قلتُ وأنا اعيد الفلوس إلى حقيبتي :
ـ بص أنا همشي .. سلام .
نهضتُ وبدأت أتحرك ثم تذكرت أنني لا أعرف طريق العودة ؛ فقلت :
ـ تعالى وصلني علشان مش هعرف أرجع لوحدي .
نهض مبتسما ونادي على النادل فأخرجت فلوس وقدمتها للنادل فقال :
عملتي كده ليه .. انا معايا فلوس .
تذكرت أن مرتبه 600 جنيه فقط وتعجبت ازاي هو عايش بالمرتب القليل ده وكمان مطالب إنه يصرف على أخته ووالدته 
قلت :
ـ وفر فلوسك .. جايز ربنا ينير بصيرتك وتقدر تحوش فلوس للعملية بعيد عن سكة المخدرات .

سرنا في صمت ثم سمعته يقول :
ـ تفتكري إنّي ممكن اتوب في يوم من الايام ؟
قلتُ :
ـ طبعا .. باب التوبة مفتوح في كل وقت .. انت شاب وتقدر تشتغل وتبدأ حياتك برزق حلال ... ومرض أختك والدتك مش مرر يخلوك تشتغل شغلانة كلها معاصي .
لم يرد ، ولكن كانت علامات الأسى تظهر على وجهه .

في الليلة التالية كنتُ أرقص وهو يغني كالعادة ، وطبعا الصالة ممتلئة ، بس شفت راجل أول مرة أشوفه في الصالة ، الراجل كان بيصفق مع كلمات الأغنية ويهتف ، ثم نهض وسار ناحية المسرح ، واقترب منّي وألقي عليا أموالا كثيرة ، كثيرة جدا ، كان الرجل يرتدي جلبابا صعيديا وعلى رأسه عمامة هائلة الحجم ، ويرتدي نضارة ملونة لونها سماوي ، وله شارب أسود عريض ، وعلى كتفة شال من الصوف ، وشعرت أنني رأيت هذا الرجل من قبل ، أنا رأيت شمندي الذي كلفته زوجة أبي بجميع الإيرادات ، ورأيتُ المعلم مندور اللى تقدم لأختي بسمة رحمها الله ، بس الراجل اللى واقف على المسرح الان مش شمندي ومش مندور ، بس أنا متأكدة إنْ الملامح دي شفتها قبل كده ، الراجل ألقي عليا المال وبدأ في الرقص على المسرح وهو يميل نحوي في كل شوية يقول :
ـ أيوه يا دلوعه .
حتى الصوت ،، حاسة إنّي سمعت هذا الصوت من قبل .

              الفصل التاسع من هنا           
تعليقات



<>